350 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ) كَرَّرَتْ لَفْظَ رَكْعَتَيْنِ لِتُفِيدَ عُمُومَ التَّثْنِيَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا فَعَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي قَوْلِهِ هُنَا وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْحَنَفِيَّةُ وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ ، وَاحْتَجَّ مُخَالِفُوهُمْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ لِأَنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَزِيمَةِ ، وَالْقَصْرُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ شَيْءٍ أَطْوَلَ مِنْهُ . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ غَيْرُ مَرْفُوعٍ ، وَبِأَنَّهَا لَمْ تَشْهَدْ زَمَانَ فَرْضِ الصَّلَاةِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ . أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَمْ تُدْرِكِ الْقِصَّةَ يَكُونُ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَخَذَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ أَدْرَكَ ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَنُقِلَ مُتَوَاتِرًا فَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ ، وَقَالُوا أَيْضًا : يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا تَعَارُضَ ، وَأَلْزَمُوا الْحَنَفِيَّةَ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِيمَا إِذَا عَارَضَ رَأْيُ الصَّحَابِيِّ رِوَايَتَهُ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : الْعِبْرَةُ بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى ، وَخَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهَا غَيْرُ ثَابِتٍ ، وَالْجَوَابُ عَنْهُمْ أَنَّ عُرْوَةَ الرَّاوِيَ عَنْهَا قَدْ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ إِتْمَامِهَا فِي السَّفَرِ : إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَتِهَا وَبَيْنَ رَأْيِهَا ، فَرِوَايَتُهَا صَحِيحَةٌ وَرَأْيُهَا مَبْنِيُّ عَلَى مَا تَأَوَّلَتْ . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ السَّابِقَةُ - أَنَّ الصَّلَوَاتَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَقِبَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الصُّبْحَ ، كَمَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فُرِضَتْ صَلَاةُ الْحَضَرَ وَالسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَاطْمَأَنَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ ; لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ ا هـ . ثُمَّ بَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّبَاعِيَّةِ خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِمَّا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّ نُزُولَ آيَةِ الْخَوْفِ كَانَ فِيهَا ، وَقِيلَ كَانَ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ . ذَكَرَهُ الدُّولَابِيُّ وَأَوْرَدَهُ السُّهَيْلِيُّ بِلَفْظِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَقِيلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ ، لَا أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْخَوْفُ رَكْعَةٌ فَالْبَحْثُ فِيهِ يَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ . ( فَائِدَةٌ ) : ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ إِلَّا مَا كَانَ وَقَعَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ ، وَذَهَبَ الْحَرْبِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ مَفْرُوضَةً رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ مَفْرُوضَةً ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ فَصَارَ الْفَرْضُ قِيَامَ بَعْضِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ . وَاسْتَنْكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ : الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ إِنَّمَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْقِتَالُ إِنَّمَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّةَ ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ ، ا هـ . وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ غَيْرُ وَاضِحٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَعْجِيلِ التَّخْفِيفِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي عَلِمَ أَنَّهَا سَتَقَعُ لَهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَيْفَ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ فِي الْإِسْرَاءِ · ص 553 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب كيف فرضت الصلاة في الإسراء · ص 121 الحديث الثاني : 350 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر . تريد عائشة - رضي الله عنها - : أن الله تعالى لما فرض على رسوله الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، ثم نزل إلى الأرض وصلى به جبريل عليه السلام عند البيت ، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، ثم أقرت صلاة السفر على تلك الحال ، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين ، ومرادها : الصلاة الرباعية خاصة . ويدل عليه : ما خرجه البخاري في الهجرة من حديث معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعًا ، وتركت صلاة السفر على الأول . كذا خرجه من رواية يزيد بن زريع ، عن معمر ، وقال : تابعه عبد الرزاق ، عن معمر . وخرجه البيهقي من رواية عبد الرزاق عن معمر ، ولفظه : فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ركعتين ركعتين ، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعًا ، وأقرت صلاة السفر ركعتين . وقال : هذا التقييد تفرد به معمر عن الزهري ، وسائر الثقات أطلقوه - يعني : لم يذكروا الأربع . انتهى . وفي تقييدها الزيادة بالأربع دليل على أنه إنما زيد في الحضر الرباعية خاصة . وقد ورد ذلك صريحا عنها في رواية أخرى خرجها الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق ، قال : حدثني صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان أول ما افترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة ركعتان ركعتان ، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا ، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر ، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر . وخرج الإمام أحمد - أيضا - عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، إلا المغرب فرضت ثلاثا ؛ لأنها وتر . قَالَتْ : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب ، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب ؛ فإنها وتر ، والصبح ؛ لأنه يطول فيها القراءة . وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد : كان أول ما افترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ركعتان ، إلا المغرب ؛ فإنها كانت ثلاثا ، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا في الحضر ، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر . وخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق محبوب بن الحسن ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ولفظه : فرض صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين ، فلما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة زيد في صلاة الحضر ، وتركت صلاة الفجر ، لطول القراءة ، وصلاة المغرب ؛ لأنها وتر النهار . وخرجه البيهقي من وجه آخر عن داود كذلك . وهذه الرواية إسنادها متصل ، وهي تدل على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعًا تأخر إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة . وكذلك روى أبو داود الطيالسي : ثنا حبيب بن يزيد الأنماطي : ثنا عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، قال : قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة ركعتين - تعني : الفرائض - فلما قدم إلى المدينة وفرضت عليه الصلاة أربعًا وثلاثا صلى وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تماما للمسافر . وخرج الطبراني هذا المعنى - أيضا - بإسناد ضعيف عن سلمان الفارسي رضي الله عنه . وخرج الإسماعيلي في مسند عمر من رواية إسماعيل بن عياش ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم وأرطاة بن المنذر ، عن حكيم بن عمير ، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد : أما بعد ، فإنما كانت الصلاة أول الإسلام ركعتين ، فقال الناس : إنا قد أمرنا أن نسبح أدبار السجود ونصلي بعد كل صلاة ركعتين ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تطوعهم صلاها أربعًا ، وأمرهُ الله بذلك ، فكان يسلم بين كل ركعتين ، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتم الصلاة ، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ويعلن بالثانية ، فافعلوا ذلك . هذا إسناد ضَعِيف منقطع ، ومتن منكر . وقد عارض هذا كله : ما روي أن جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت أول ما فرضت الصلاة ، وصلى به أربعًا . فخرج الدارقطني من طريق جرير بن حازم ، عن قتادة ، عن أنس ، أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حين زالت الشمس ، فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم ، فقام جبريل أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقام الناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة ، يأتم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل عليه السلام ، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة ، يأتم المسلمون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل ، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات ، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة ، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات ، يجهر في الأوليين ولا يجهر الأُخريين بالقراءة ، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة . ثم خرجه من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بنحوه مرسلًا . وهذا المرسل أصح ، وروايات جرير بن حازم عن قتادة خاصة فيها منكرات كثيرة ، لا يتابع عليها ، ذكر ذلك أئمة الحفاظ : منهم أحمد وابن معين وغيرهما . ومراسيل الحسن . فيها ضعف عند الأكثرين ، وفيه نكارة في متنه في ذكر التأذين للصلاة ؛ والأذان لَمْ يكن بمكة ، إنما شرع بالمدينة . وخرجه البيهقي من طريق شيبان ، عَن قتادة ، قَالَ : حدّث الْحَسَن - فذكره مرسلا ، وذكر أنه نودي لهم : : الصلاة جامعة . وخرجه أبو داود في مراسيله من رواية سعيد عن قتادة عن الحسن . وروى البيهقي بإسناده من حديث يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن أبي مسعود ، قال : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قم فصل ؛ وذلك دلوك الشمس ، فقام فصلى الظهر أربعًا - وذكر عدد الصلوات كلها تامة في اليومين . ثم قال : أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري ، إنما هو بلاغ بلغه . وقد نقل إسحاق بن منصور ، عن إسحاق بن راهويه ، قال : كل صلاة صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة كانت ركعتين ركعتين ، إلا المغرب ثلاثا ، ثم هاجر إلى المدينة ، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين ، إلا الفجر والمغرب ، تركهما على حالهما . قال : وصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بمكة عند المقام مرتين . وممن قال : إن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين : الشعبي ، والحسن في رواية ، وابن إسحاق . وقالت طائفة : فرضت الصلاة أول ما فرضت أربعًا ، إلا المغرب والصبح ، كذلك قال نافع بن جبير بن مطعم ، والحسن في رواية ، وابن جريج ، وهو اختيار إبراهيم الحربي ، ورجحه ابن عبد البر ، وتمسكوا بما لا حجة لهم فيه ، ولا يعارض حديث عائشة . وفي حديث عائشة فوائد كثيرة تتعلق بقصر الصلاة في السفر ، تذكر في أبواب قصر المسافر - إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كيف فرضت الصلوات في الإسراء · ص 51 16 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ) وهم خمسة كلهم قد ذكروا ، وعبد الله بن يوسف التنيسي ومالك بن أنس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وكذلك الإخبار في موضع واحد ، وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه : أن رواته ما بين مصري ومدني ، وهذا من مراسيل عائشة ؛ لأنها لم تدرك القصة ، ويحتمل أن تكون أخذت ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من صحابي آخر ، وعلى كل حال فهو حجة لأن هذا مما لا مجال للرأي فيه . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الهجرة عن مسدد عن يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ، ثم هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففرضت أربعا ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وأبو داود فيه عن القعنبي والنسائي فيه عن قتيبة أربعتهم عن مالك عن صالح بن كيسان به . ( ذكر معناه وما يستنبط منه ) قولها: فرض الله أي قدر الله ، والفرض في اللغة التقدير ، هكذا فسره أبو عمر . قولها : الصلاة أي الصلاة الرباعية ، وذلك لأن الثلاثة وتر صلاة النهار ، وأشار إلى ذلك في رواية أحمد من حديث ابن إسحاق قال : حدثني صالح بن كيسان عن عروة إلى آخره وفيه إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا وذكر الداودي أن الصلوات زيدت فيها ركعتان ركعتان ، وزيدت في المغرب ركعة ، وفي سنن البيهقي من حديث داود بن أبي هند عن عامر عن مسروق عن عائشة قالت : إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين ، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة واطمأن زاد ركعتين غير المغرب ؛ لأنها وتر صلاة الغداة ، قالت : وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى ، قولها : ركعتين ركعتين بالتكرار ليفيد عموم التثنية لكل صلاة لأن قاعدة كلام العرب أن تكرار الاسم المراد تقسيم الشيء عليه ، ولولاه لكان فيه إيهام أن الفريضة في السفر والحضر ما كانت إلا فرد ركعتين فقط ، وانتصب ركعتين ركعتين على الحالية ، والتكرار في الحقيقة عبارة عن كلمة واحدة نحو مثنى ، ونظيرها قولك هذا مزاي قائم مقام الحلو والحامض . قولها : وزيد في صلاة الحضر يعني زيدت فيها حتى تكملت خمسا ، فتكون الزيادة في عدد الصلوات ، ويكون قولها فرضت الصلاة ركعتين أي قبل الإسراء لأن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها ، ويشهد له قوله تعالى وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ، قاله أبو إسحاق الحربي ويحيى بن سلام ، وقال بعضهم : يجوز أن يكون معنى فرضت الصلاة أي ليلة الإسراء حين فرضت الصلاة الخمس فرضت ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر بعد ذلك ، فتكون الزيادة في عدد الركعات ، وهذا هو المروي عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة . وممن رواه هكذا الحسن والشعبي أن الزيادة في الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه ، وقد ذكر البخاري من رواية معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : فرضت الصلاة الحديث وقد ذكرناه عن قريب ، وقال بعضهم : فرضت الصلاة ركعتين ، يعني إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك وإن اختار أن يكون أربعا فله ذلك ، وقيل : يحتمل أن تريد بقولها فرضت الصلاة أي قدرت ثم تركت صلاة السفر على هيئتها في المقدار لا في الإيجاب . والفرض في اللغة التقدير ، وقال النووي : يعني فرضت الصلاة ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم ، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار ، واحتج أصحابنا بهذا الحديث أعني قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - المذكور في هذا الباب على أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة ، وبما رواه مسلم أيضا عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة ورواه الطبراني في معجمه بلفظ افترض رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعا وبما رواه النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال : صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان ، تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ورواه ابن حبان في صحيحه ، ولم يقدحه بشيء ( فإن قلت ) قال النسائي : فيه انقطاع ؛ لأن ابن أبي ليلى لم يسمعه من عمر ( قلت ) حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى من عمر ، وصرح في بعض طرقه فقال : عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : سمعت عمر بن الخطاب ، فذكره ، ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن الحسين بن واقد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه ، قال : خرجت مع عمر بن الخطاب فذكره ، وقال الشافعي ومالك وأحمد : القصر رخصة . واحتجوا بحديث أخرجه أبو داود بإسناده عن يعلى بن أمية قال : ( قلت ) لعمر بن الخطاب عجبت من اقتصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله تعالى إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقد ذهب ذلك اليوم ، فقال : عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته وأخرجه مسلم أيضا والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان ، وبما أخرجه الدارقطني عن عمر بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم ، وقال الدارقطني : إسناده صحيح ، وقد رواه البيهقي عن طلحة بن عمرو ، ودلهم بن صالح ، والمغيرة بن زياد ، وثلاثتهم ضعفاء عن عطاء عن عائشة قال : والصحيح عن عائشة موقوف . والجواب عن الحديث الأول أنه حجة لنا ؛ لأنه أمر بالقبول فلا يبقى خيار الرد شرعا إذ الأمر للوجوب ( فإن قلت ) المتصدق عليه يكون مختارا في قبول الصدقة كما في المتصدق عليه من العباد ( قلت ) معنى قوله : تصدق الله بها عليكم حكم عليكم لأن التصدق من الله فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط كالعفو من الله . والجواب عن الحديث الثاني أنه معارض بحديث آخر أخرجه البخاري ومسلم عن حفص بن عاصم عن ابن عمر قال : صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر ، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى ، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى ، وقد قال الله تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وإليه ذهب علماء أكثر السلف ، وفقهاء الأمصار أي إلى أن القصر واجب ، وهو قول عمر ، وعلي ، وابن عمر ، وجابر ، وابن عباس ، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وقتادة ، وقال حماد بن أبي سليمان : يعيد من صلى في السفر أربعا ، وعن مالك يعيد ما دام في الوقت . وقال أحمد : السنة ركعتان ، وقال مرة أخرى : أنا أحب العافية من هذه المسألة ، وقال الخطابي : والأولى أن يقصر المسافر الصلاة ؛ لأنهم أجمعوا على جوازها إذا قصر واختلفوا فيما إذا أتم والإجماع مقدم على الاختلاف ، وسقط بهذا كله ما قاله بعضهم ، ويدل على أنه - أي القصر - رخصة أيضا ، قوله - عليه الصلاة والسلام - : صدقة تصدق الله بها عليكم ، وقال أيضا : احتج مخالفهم - أي مخالف الحنفية - بقوله تعالى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ لأن القصر إنما يكون من شيء أطول منه ( قلت ) الجواب عنه أن المراد من القصر المذكور فيها هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود ، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو بدليل أنه علق ذلك بالخوف إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع بل متعلق بالسفر ، وعندنا قصر الأوصاف مباح لا واجب ، مع أن رفع الجناح في النص لدفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر ، وذلك مظنة توهم النقصان ، فرفع ذلك عنهم ، وقال هذا القائل أيضا ، والزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأي الصحابي روايته ، فالعبرة بما روي بأنه ثبت عن عائشة أنها كانت تتم في السفر ( قلت ) قاعدة الحنفية على أصلها ، ولا يلزم من إتمام عائشة في السفر النقض على القاعدة ؛ لأن عائشة كانت ترى القصر جائزا والإتمام جائزا ، فأخذت بأحد الجائزين ، وإنما يرد على قاعدتنا ما ذكره أن لو كانت عائشة تمنع الإتمام ، وكذلك الجواب في إتمام عثمان - رضي الله تعالى عنه - ، وهذا هو الذي ذكره المحققون في تأويلهما ، وقيل : لأن عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم فكأنهما كانا في منازلهما ، وأبطل بأنه - عليه الصلاة والسلام - كان أولى بذلك منهما ، وقيل : لأن عثمان تأهل بمكة ، وأبطل بأنه - صلى الله عليه وسلم - سافر بأزواجه وقصر ، وقيل : فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه لئلا يظنون أن فرض الصلاة ركعتان أبدا سفرا وحضرا ، وأبطل بأن هذا المعنى إنما كان موجودا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان ، وقيل : لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج وأبطل بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث ، وقيل : كان لعثمان أرض بمنى ، وأبطل بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة .