حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء

حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر . تريد عائشة - رضي الله عنها - : أن الله تعالى لما فرض على رسوله الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، ثم نزل إلى الأرض وصلى به جبريل عليه السلام عند البيت ، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، ثم أقرت صلاة السفر على تلك الحال ، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين ، ومرادها : الصلاة الرباعية خاصة . ويدل عليه : ما خرجه البخاري في الهجرة من حديث معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعًا ، وتركت صلاة السفر على الأول .

كذا خرجه من رواية يزيد بن زريع ، عن معمر ، وقال : تابعه عبد الرزاق ، عن معمر . وخرجه البيهقي من رواية عبد الرزاق عن معمر ، ولفظه : فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ركعتين ركعتين ، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعًا ، وأقرت صلاة السفر ركعتين . وقال : هذا التقييد تفرد به معمر عن الزهري ، وسائر الثقات أطلقوه - يعني : لم يذكروا الأربع .

انتهى . وفي تقييدها الزيادة بالأربع دليل على أنه إنما زيد في الحضر الرباعية خاصة . وقد ورد ذلك صريحا عنها في رواية أخرى خرجها الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق ، قال : حدثني صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان أول ما افترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة ركعتان ركعتان ، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا ، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر ، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر .

وخرج الإمام أحمد - أيضا - عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، إلا المغرب فرضت ثلاثا ؛ لأنها وتر . قَالَتْ : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب ، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب ؛ فإنها وتر ، والصبح ؛ لأنه يطول فيها القراءة . وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد : كان أول ما افترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ركعتان ، إلا المغرب ؛ فإنها كانت ثلاثا ، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا في الحضر ، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر .

وخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق محبوب بن الحسن ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ولفظه : فرض صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين ، فلما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة زيد في صلاة الحضر ، وتركت صلاة الفجر ، لطول القراءة ، وصلاة المغرب ؛ لأنها وتر النهار . وخرجه البيهقي من وجه آخر عن داود كذلك . وهذه الرواية إسنادها متصل ، وهي تدل على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعًا تأخر إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة .

وكذلك روى أبو داود الطيالسي : ثنا حبيب بن يزيد الأنماطي : ثنا عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، قال : قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة ركعتين - تعني : الفرائض - فلما قدم إلى المدينة وفرضت عليه الصلاة أربعًا وثلاثا صلى وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تماما للمسافر . وخرج الطبراني هذا المعنى - أيضا - بإسناد ضعيف عن سلمان الفارسي رضي الله عنه . وخرج الإسماعيلي في مسند عمر من رواية إسماعيل بن عياش ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم وأرطاة بن المنذر ، عن حكيم بن عمير ، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد : أما بعد ، فإنما كانت الصلاة أول الإسلام ركعتين ، فقال الناس : إنا قد أمرنا أن نسبح أدبار السجود ونصلي بعد كل صلاة ركعتين ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تطوعهم صلاها أربعًا ، وأمرهُ الله بذلك ، فكان يسلم بين كل ركعتين ، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتم الصلاة ، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ويعلن بالثانية ، فافعلوا ذلك .

هذا إسناد ضَعِيف منقطع ، ومتن منكر . وقد عارض هذا كله : ما روي أن جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت أول ما فرضت الصلاة ، وصلى به أربعًا . فخرج الدارقطني من طريق جرير بن حازم ، عن قتادة ، عن أنس ، أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حين زالت الشمس ، فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم ، فقام جبريل أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقام الناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة ، يأتم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل عليه السلام ، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة ، يأتم المسلمون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل ، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات ، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة ، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات ، يجهر في الأوليين ولا يجهر الأُخريين بالقراءة ، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة . ثم خرجه من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بنحوه مرسلًا . وهذا المرسل أصح ، وروايات جرير بن حازم عن قتادة خاصة فيها منكرات كثيرة ، لا يتابع عليها ، ذكر ذلك أئمة الحفاظ : منهم أحمد وابن معين وغيرهما .

ومراسيل الحسن . فيها ضعف عند الأكثرين ، وفيه نكارة في متنه في ذكر التأذين للصلاة ؛ والأذان لَمْ يكن بمكة ، إنما شرع بالمدينة . وخرجه البيهقي من طريق شيبان ، عَن قتادة ، قَالَ : حدّث الْحَسَن - فذكره مرسلا ، وذكر أنه نودي لهم : : الصلاة جامعة .

وخرجه أبو داود في مراسيله من رواية سعيد عن قتادة عن الحسن . وروى البيهقي بإسناده من حديث يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن أبي مسعود ، قال : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قم فصل ؛ وذلك دلوك الشمس ، فقام فصلى الظهر أربعًا - وذكر عدد الصلوات كلها تامة في اليومين . ثم قال : أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري ، إنما هو بلاغ بلغه .

وقد نقل إسحاق بن منصور ، عن إسحاق بن راهويه ، قال : كل صلاة صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة كانت ركعتين ركعتين ، إلا المغرب ثلاثا ، ثم هاجر إلى المدينة ، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين ، إلا الفجر والمغرب ، تركهما على حالهما . قال : وصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بمكة عند المقام مرتين . وممن قال : إن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين : الشعبي ، والحسن في رواية ، وابن إسحاق .

وقالت طائفة : فرضت الصلاة أول ما فرضت أربعًا ، إلا المغرب والصبح ، كذلك قال نافع بن جبير بن مطعم ، والحسن في رواية ، وابن جريج ، وهو اختيار إبراهيم الحربي ، ورجحه ابن عبد البر ، وتمسكوا بما لا حجة لهم فيه ، ولا يعارض حديث عائشة . وفي حديث عائشة فوائد كثيرة تتعلق بقصر الصلاة في السفر ، تذكر في أبواب قصر المسافر - إن شاء الله تعالى .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث