باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
ثنا يحيى بن بكير : ثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، قال : كان أبو ذر يحدث ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل عليه السلام ففرج صدري ، ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، فأفرغه في صدري ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء ، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء : افتح ، قال : من هذا ؟ قَالَ : جبريل ، قَالَ : هَلْ معك أحد ؟ قال : نعم ، معي محمد . فقال : أرسل إليه ؟ قال : نعم ، فلما فتح علونا السماء الدنيا ، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة ، وعلى يساره أسودة ، إذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح . قلت لجبريل : من هذا ؟ قال : هذا آدم ، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنة ، والأسودة التي عن شماله أهل النار ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى .
حتى عرج بي إلى السماء الثانية ، فقال لخازنها : افتح ، فقال له خازنها مثل ما قال الأول ، ففتح . قال أنس : فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ، ولم يثبت كيف منازلهم ، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا ، وإبراهيم في السماء السادسة . قال أنس : فلما مر جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس قال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ، فقلت : من هذا ؟ قَالَ : هَذَا إدريس ، ثُمَّ مررت بموسى عَلِيهِ السلام ، فَقَالَ : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ، قُلتُ : من هَذَا ؟ قال : هذا موسى ، ثم مررت بعيسى عليه السلام ، فقال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، قلت : من هذا ؟ قال : عيسى ، ثم مررت بإبراهيم عليه السلام ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ، قلت : من هذا ؟ قال : هذا إبراهيم .
قال ابن شهاب : فأخبرني ابن حزم ، أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام . قال ابن حزم وأنس بن مالك : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة ، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى ، فقال : ما فرض الله لك على أمتك ؟ قلت : فرض خمسين صلاة ، قال : فارجع إلى ربك ، فإن أمتك لا تطيق ، فراجعني فوضع شطرها ، فرجعت إلى موسى ، قلت : وضع شطرها ، قال : راجع ربك ، فإن أمتك لا تطيق ، فراجعت فوضع شطرها ، فرجعت إليه ، فقال : ارجع إلى ربك ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فراجعته ، فقال : هي خمس ، وهي خمسون ، لا يبدل القول لدي ، فرجعت إلى موسى ، فقال : ارجع إلى ربك ، فقلت : استحييت من ربي ، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى ، وغشيها ألوان لا أدري ما هي ، ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك . هذا الحديث رواه جماعة عن يونس ، عن الزهري ، عن أبي ذر وأنس .
وخالفهم أبو ضمرة أنس بن عياض ، فرواه عن يونس ، عن الزهري ، عن أنس ، عن أبي بن كعب ، وهو وهم منه - : قاله الدارقطني ، وأشار إليه أبو زرعة وأبو حاتم . وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على أنس ، فالزهري رواه عنه ، عن أبي ذر ، وجعل ذكر فرض الصلوات منه عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، وقد خرج حديثه البخاري في موضع آخر .
ورواه شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بسياق مطول جدا . وقد خرج حديثه البخاري في آخر كتابه ، وفيه ألفاظ استنكرت على شريك ، وتفرد بها . وقد رواه ثابت ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - أيضا - بدون سياق شريك .
وقد خرج حديثه مسلم في صحيحه . وقال الدارقطني : يشبه أن تكون الأقاويل كلها صحاحا ؛ لأن رواتها ثقات . قال : ويشبه أن يكون أنس سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، واستثبته من أبي ذر ومالك بن صعصعة .
وقال أبو حاتم الرازي : أرجو أن يكون قول الزهري وقتادة عن أنس صحيحين . وقال - مرة - : قول الزهري أصح ، قال : ولا أعدل به أحدا . وشق صدره صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وغسله من طست من ذهب من ماء زمزم وملؤه إيمانا وحكمة مما تطابقت عليه أحاديث المعراج .
وروى ثابت ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه ، فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه ، ثم أعاده في مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني : ظئره - فقالوا : إن محمدا قد قتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون . قال أنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم . خرجه مسلم .
وليس في هذا الحديث أنه حشي إيمانا وحكمة ، وقد روي هذا الحديث من رواية أبي ذر وعتبة بن عبد السلمي ، وفي روايتهما : أنه ملئ سكينة ، وروي أيضا من حديث أبي ذر ، وفيه أنه أدخل قلبه الرأفة والرحمة . فهذا الشرح كان في حال صغره ، وهو غير الشرح المذكور في ليلة المعراج ، ومن تأمل ألفاظ الأحاديث الواردة في شرح صدره وملئه إيمانا وحكمة أو سكينة أو رأفة ورحمة ظهر له من ذلك أنه وضع في قلبه جسم محسوس مشاهد ، نشأ عنه ما كان في قلبه من هذه المعاني ، والله سبحانه قادر على أن يخلق من المعاني أجساما محسوسة مشاهدة ، كما يجعل الموت في صورة كبش أملح يذبح . وفي حديث الزهري ، عن أنس ، عن أبي ذر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثم أخذ بيدي ، فعرج بي إلى السماء .
وفي حديث قتادة وغيره ، عن أنس ، أنه أركبه البراق ، وهي زيادة صحيحة لم يذكرها الزهري في حديثه . وقول خازن السماء : أرسل إليه ؟ الأظهر - والله أعلم - أنه استفهم : هل أرسل الله إليه يستدعيه إلى السماء ، ولم يرد إرساله إلى أهل الأرض ، فإن ذلك كان قبل هذه الليلة بمدة طويلة ، والظاهر أنه لا يخفى مثل ذلك على أهل السماء وخزنتها ، لا سيما مع حراستها بالشهب ومنع الشياطين من استراق السمع منها . وقيل : إن أهل السماء لم يعلموا بإرساله إلى أهل الأرض حتى صعد إليهم ، ويشهد لهذا : أن في حديث شريك بن أبي نمر ، عن أنس في صفة الإسراء ، قال : ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابا من أبوابها ، فنادى أهل السماء : من هذا ؟ فَقَالَ : جبريل .
قال : ومن معك ؟ قال : معي محمد . قال : وقد بعث ؟ قال : نعم ، فقالوا : مرحبا به وأهلا ، فيستبشر به أهل السماء ، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم وذكر الحديث بطوله . وقد خرجه البخاري في آخر كتابه هذا .
و الأسودة : جمع سواد ، وهو الشخص ، يقال : سواد وأسودة ، مثل قراح وأقرحة ، وتجمع : أسودة على أساود ، فهو جمع الجمع . و النسم : جمع نسمة ، وهي النفس . والمراد بذلك : أرواح بني آدم ، وأن أهل الجنة على يمين آدم وأهل النار على يساره .
قال بعضهم : ولا يناقض هذا ما ورد : أن أرواح المؤمنين في الجنة ، أو في الصور الذي ينفخ فيه ، أو في القبور ، وأرواح الكافرين في سجين ؛ لأن هذا في أحوال مختلفة وأوقات متغايرة وفي هذا الجواب نظر . ومنهم من قال : إنما رأى في السماء الدنيا عن يمين آدم وشماله نسم بنيه الذين لم يولدوا بعد ولم تخلق أجسادهم ، فأما أرواح الموتى التي فارقت أجسادها بالموت فليست في السماء الدنيا ، بل أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في سجين ، وقد قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وقد جاء في حديث البراء بن عازب وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن روح الكافر إذا خرجت لم تفتح لها أبواب السماء ، فتطرح طرحا ، وقرأ : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ والأظهر - والله أعلم - : أن آدم عليه السلام في السماء الدنيا ينظر إلى نسم بنيه عن يمينه وشماله ، ونسم بنيه مستقرة في مستقرها ، فنسم المؤمنين في الجنة ونسم الكافرين في النار ، وليست عند آدم في السماء الدنيا . ويدل على هذا : ما خرجه البزار وابن جرير والخلال وغيرهم من رواية أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية أو غيره ، عن أبي هريرة ، فذكر حديث الإسراء بطوله ، وفيه : أنه لما دخل إلى سماء الدنيا فإذا هو برجل تام الخلق ، لم ينقص من خلقه شيء كما ينتقص من خلق الناس ، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة ، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة ، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر ، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن ، فقال جبريل : هذا أبوك آدم ، وهذا الباب الذي عن يمينه الجنة ، فإذا نظر من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر ، والباب الذي عن شماله باب جهنم ، إذا نظر من يدخل من ذريته جهنم بكى وحزن - وذكر الحديث بطوله .
ومما يوضح هذا المعنى : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في صلاة الكسوف الجنة والنار وهو في الأرض ، وليست الجنة في الأرض ، وروي : أنه رأى ليلة أسري به الجنة والنار أيضا ، وليست النار في السماء ، وإنما رآهما وهو في السماء تارة ، ورآهما وهو في الأرض أخرى . وكذلك رؤية آدم وهو في السماء الدنيا نسم بنيه المستقرة في الجنة وفي النار ، وليست الجنة والنار عند آدم في سماء الدنيا . وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة وهي مستقر أرواح الموتى في كتاب أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور .
ولله الحمد . وفي حَدِيْث الزُّهْرِيّ ، عَن أنس ، عَن أبي ذر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى فِي السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى ، ولم يثبت كَيْفَ منازلهم ، إلا أنه وجد آدم فِي السماء الدنيا ، وإبراهيم فِي السماء السادسة ، وهذا - والله أعلم - مما لم يحفظه الزهري جيدا . وفي رواية قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى في السماء الدنيا آدم ، وفي السماء الثانية يحيى وعيسى ، وهما ابنا الخالة ، وفي السماء الثالثة يوسف ، وفي الرابعة إدريس ، وفي الخامسة هارون ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة إبراهيم عليهم السلام .
وفي حديث شريك بن أبي نمر ، عن أنس ، وقد خرجه البخاري في آخر صحيحه هذا : أنه رأى آدم في السماء الدنيا ، وإدريس في الثانية ، وهارون في الرابعة ، وآخر في الخامسة - قال الراوي : لم أحفظ اسمه - ، وإبراهيم فِي السادسة ، وموسى فِي السابعة بتفضيل كلام الله عز وجل . وهذا يوافق مَا فِي حَدِيْث الزُّهْرِيِّ ، عَن أنس ، أن إبراهيم عَلِيهِ السلام فِي السماء السادسة ، وفيه - أيضا - : أنه مر بموسى ، ثم بعيسى ، ثم بإبراهيم ، وهذا يشعر برفع عيسى على موسى ، وهذا كله إنما جاء من عدم ضبط منازلهم كما صرح به في الحديث نفسه . وفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الإسراء ، أنه رأى آدم في الأولى ، ويحيى وعيسى في الثانية ، ويوسف في الثالثة ، وإدريس في الرابعة ، وهارون في الخامسة ، وموسى في السادسة ، وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور .
وقد خرجه مسلم بطوله . والذي رآه في السماء من الأنبياء عليهم السلام إنما هو أرواحهم ، إلا عيسى عليه السلام فإنه رفع بجسده إلى السماء . وقد قال طائفة من السلف : إن جميع الرسل لا يتركون بعد موتهم في الأرض أكثر من أربعين يوما ، ثم ترفع جثثهم إلى السماء ، روي ذلك عن ابن المسيب ، وعن عمر بن عبد العزيز ، وأنه قال : وأخبرني بذلك غير واحد ممن أدركته ، فعلى هذا يكون المرئي في السماء أشخاصهم كما كانوا في الأرض .
وقول ابن شهاب : أخبرني ابن حزم ، الظاهر : أنه أبو بكر بن عمرو بن حزم . أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري أبو حبة بالباء الموحدة عند قوم ، وعند آخرين هو بالنون ، وقيل : هما أخوان ، أحدهما أبو حبة بالباء ، والثاني أبو حنة بالنون ، والله أعلم . وقوله : حتى ظهرت لمستوى أي : صعدت لمصعد وارتقيت لمرتقى .
و صريف الأقلام : صوت ما تكتبه الملائكة بأقلامها من أقضية الله تعالى ووحيه ، أو ما ينسخونه من اللوح المحفوظ ، أو ما شاء الله من ذلك . ويقال : إن صريف القلم : هو تصويته في رجوعه إلى ورائه ، مثل كتابته لحرف كـ ، وصريره : هو تصويته في مجيئه إلى بين يديه ، مثل كتابته لحرف ن وما أشبه ذلك . وقوله : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة ، وفي رواية شريك بن أبي نمر ، عن أنس : ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى ، ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى ﴾، فأوحى فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة .
وقد تفرد شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث ، وهي مما أنكرت عليه فيه . وقوله : فرجعت بذلك حتى مررت بموسى ، وذكر مراجعته له وأمره بالرجوع إلى ربه ليخفف عن أمته - استدل بهذا من رجح رواية من روى أن موسى كان في السماء السابعة ، كما في رواية الزهري وشريك ، عن أنس ، قال : لأنه لو كان إبراهيم في السابعة لكانت المراجعة بينه وبين إبراهيم . ومن رجح أن موسى في السماء السادسة ، كما في رواية قتادة عن أنس ، قال : إنما وقعت المراجعة من موسى عليه السلام ؛ لأنه كان له أمة عظيمة ، عالجهم أشد المعالجة ، وكان عليهم في دينهم آصار وأثقال ، فلهذا تفرد بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك دون إبراهيم عليه السلام .
وفي رواية شريك بن أبي نمر ، عن أنس التي خرجها البخاري في آخر صحيحه هذا : أن موسى عليه السلام قال له : أن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك ، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت ، فعلى به إلى الجبار سبحانه وتعالى ، فقال وهو في مكانه : يا رب ، خفف عنا ؟ فإن أمتي لا تستطيع هَذَا ، فوضع عَنْهُ عَشرَ صلوات ، ثُمَّ رجع إلى موسى فاحتبسه فَلَمْ يزل موسى يردده إلى ربه حَتَّى صارت إلى خمس صلوات ، ثُمَّ احتبسه موسى عِنْدَ الخمس ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، والله لَقَدْ راودت بني إسرائيل قومي عَلَى أدنى من هذه فضعفوا وتركوه ، وأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانا وأبصارًا وأسماعا ، فارجع فليخفف عنك ربك ، كل ذَلِكَ يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عَلِيهِ ، ولا يكره ذَلِكَ جبريل ، فرفعه عِنْدَ الخامسة ، فَقَالَ : يا رب ، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا ، فقال الجبار عز وجل : يا محمد ، قال : لبيك وسعديك ، قال : إنه لا يبدل القول لدي ، كما فرضته عليك في أم الكتاب ، فكل حسنة بعشر أمثالها ، وهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك ، فرجع إلى موسى ، فقال : كيف فعلت ؟ فقال : خفف عنا ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها ، قال موسى : قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ، فارجع إلى ربك فليخفف عنك - أيضا - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا موسى ، قد - والله - استحييت من ربي ، مما أختلف إليه . قال : فاهبط باسم الله ، قال : فاستيقظ وهو في المسجد الحرام . وهذه اللفظة مما تفرد بها شريك ، وقد تعلق بها من قال : إن الإسراء كان مناما ، وأجاب عنها قوم - على تقدير أن تكون محفوظة - : بأن المراد باستيقاظه رجوعه إلى حال بشريته المعهودة منه في الأرض ، فإنه لما كان في السماء كان في طور آخر غير طور أهل الدنيا ، فلم يستفق من تلك الحال التي كان عليها ، ولم يرجع إلى حاله المعهودة إلا وهو في المسجد الحرام .
وفي حديث شريك عن أنس : أنه لم يزل يحط عنه عشر صلوات إلى أن صارت خمسا ، وكذا في حديث قتادة عن أنس : أنه حط عنه عشرا عشرا ، ثم حط عنه خمسا ، فصارت خمس صلوات . وفي حديث ثابت ، عن أنس : أنه حط عنه خمس صلوات ، ولم يزل يرده موسى ، قال : فلم أزل بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال : يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة ، لكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة ، قال : فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ، فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فسله التخفيف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقلت : قد رجعت إلى ربي عز وجل حتى استحييت منه . وفي حديث قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : قلت : سلمت ، فنودي أني قد أمضيت فريضتي ، وخففت عن عبادي ، وأجزي الحسنة عشرا .
وفي رواية شريك ، عن أنس المتقدمة : أن موسى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن صارت خمسا : قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه . وهو يدل على أن الصلوات الخمس لم تفرض على بني إسرائيل ، وقد قيل : إن من قبلنا كانت عليهم صلاتان كل يوم وليلة . وقد روي عن ابن مسعود ، أن الصلوات الخمس مما خص الله به هذه الأمة .
ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود ، قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة ، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها ، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ، ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾، قال : فراش من ذهب ، قال : فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لم يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات . وخرجه الترمذي بمعناه ، وعنده : فأعطاه ثلاثا لم يعطهن نبيا كان قبله . وقد يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمني جبريل عند البيت مرتين ، فذكر أنه صلى به الصلوات الخمس أول يوم في أول وقت ، وفي اليوم الثاني في آخر وقت إلا المغرب ، قال : ثم التفت إلي جبريل فقال : يا محمد ، هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت ما بين هذين .
وإن صح هذا فيحمل على أن الأنبياء كانت تصلي هذه الصلوات دون أممهم . ويدل عليه : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعتموا بهذه الصلاة - يعني : صلاة العشاء - فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ، ولم تصلها أمة قبلكم . وقول ابن مسعود : إن سدرة المنتهى في السماء السادسة يعارضه حديث أنس المرفوع من طرقه كلها ؛ فإنه يدل على أنها في السماء السابعة أو فوق السماء السابعة ، والمرفوع أولى من الموقوف .
وفي حديث الزهري ، عن أنس ، في سدرة المنتهى : غشيها ألوان ، لا أدري ما هِيَ . وفي حديث قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثم رفعت إلى سدرة المنتهى ، فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، فقال : هذه سدرة المنتهى . وفي حديث ثابت ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، وإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، قال : فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها .
خرجه مسلم . وروى مسدد : ثنا يحيى ، عن حميد ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : انتهيت إلى سدرة المنتهى ، فإذا نبقها مثل الجرار ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتة أو نحو ذلك . وخرجه الإمام أحمد ، وعنده : تحولت ياقوتا وزمردا .
وخرج الترمذي من حديث أسماء بنت أبي بكر ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر سدرة المنتهى ، قال : يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة ، أو يستظل بظلها مائة راكب ، فيها فراش الذهب ، كأن ثمرها القلال . وخرجه الجوزجاني وغيره بزيادة في آخره ، وهي : فقلنا : يا رسول الله ، فماذا رأيت عندها ؟ قَالَ : فماء مفضض . وفي حَدِيْث أبي جَعْفَر الرَّازِي ، عَن الربيع بْن أنس ، عَن أبي العالية أو غيره ، عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبي صلى الله عليه وسلم - فذكر حَدِيْث الإسراء بطوله ، وفيه : ثُمَّ انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى السدرة ، فَقِيلَ لَهُ : هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك عَلَى سنتك ، فإذا هِيَ شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لَمْ يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، وهي شجرة يسير الراكب فِي ظلها سبعين عاما لا يقطعها ، والورقة مِنْهَا مغطية للأمة كلها .
قَالَ : فغشيها نور الخلاق عز وجل ، وغشيها الملائكة أمثال الغربان حِينَ تقع عَلَى الشجر من حب الله عز وجل - وذكر بقية الحديث . خرجه البزار في مسنده وابن جرير في تفسيره والبيهقي في البعث والنشور وغيرهم ، وفي إسناده بعض اختلاف ، وروي موقوفا غير مرفوع . وفي هذا تفسير لما تقدم من أنه غشيها فراش من ذهب ، فإن الفراش مثل الجراد ونحوه ، مما يطير ويقع على الشجر .
وقوله : ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، اختلفت النسخ في هذه اللفظة : ففي بعضها : جنابذ ، والمراد بها : القباب ، وكأنها شبهت - والله أعلم - بجنابذ الورد قبل تفتحها . وقد ثبت في حديث أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة ، طولها في السماء ستون ميلا . وفي بعض النسخ : حبائل بالحاء المهملة واللام ، وفي بعضها : جبايل بالجيم واللام .
وقد قال الأكثرون : إن ذلك كله تصحيف وغلط . وزعم بعضهم : أن حبائل - بالحاء المهملة واللام - جمع حبال ، وأن حبالا جمع حبل ، والحبل : ما استطال من الرمل المرتفع كهيئة الجبال ، فيكون المراد بذلك : أن في الجنة تلالا من لؤلؤ . والصحيح : جنابذ .
والله أعلم . وقوله : وإذا ترابها المسك ، والمراد - والله أعلم - : أن رائحة ترابها رائحة المسك ، وأما لونه فمشرق مبهج كالزعفران ، يدل عليه : ما في حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الجنة ملاطها المسك ، وتربتها الزعفران . خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وابن حبان في صحيحه .
والملاط : التراب الذي يختلط بالماء ، فيصير كالطين ، فلونه لون الزعفران في بهجته وإشراقه . وريحه كريح المسك ، وطعمه كطعم الخبز ، يؤكل . يدل على ذلك : ما في صحيح مسلم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صائد : ما تربة الجنة ؟ قال : درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم ، قال : صدقت .
وفي المسند عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود : إني سائلهم عن تربة الجنة ، وهي درمكة بيضاء ، فسألهم ، فقالوا : هي خبزة يا أبا القاسم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الخبز من الدرمك . وهذا يدل على أن لونها بيضاء ، وقد يكون منها ما هو أبيض ومنها ما هو أصفر كالزعفران . والله أعلم .