بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ 4066 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا ، فَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ ؟ قَالُوا : هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ ، قَالَ : مَنْ الشَّيْخُ ؟ قَالُوا : ابْنُ عُمَرَ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي ؟ قَالَ : أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ ، أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَكَبَّرَ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ : أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ . وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ مَرِيضَةً ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ . وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى : هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ ، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ ، فَقَالَ : هَذِهِ لِعُثْمَانَ . اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ . قَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا يَوْمُ أُحُدٍ . وَغَفَلَ مَنْ قَالَ : يَوْمَ بَدْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . نَعَمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَهِيَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ حَيْثُ جَاءَ : الْتَقَى الْجَمْعَانِ الْمُرَادُ بِهِ يَوْمُ بَدْرٍ . قَوْلُهُ : اسْتَزَلَّهُمُ أَيْ : زَيَّنَ لَهُمْ أَنْ يَزِلُّوا ، وَقَوْلُهُ : بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا قَالَ ابْنُ التِّينِ : يُقَالُ : إِنَّ الشَّيْطَانَ ذَكَّرَهُمْ خَطَايَاهُمْ فَكَرِهُوا الْقِتَالَ قَبْلَ التَّوْبَةِ ، وَلَمْ يَكْرَهُوهُ مُعَانَدَةً وَلَا نِفَاقًا ، فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ . قُلْتُ : وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَا قَالَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا فَرُّوا جُبْنًا وَمَحَبَّةً فِي الْحَيَاةِ لَا عِنَادًا وَلَا نِفَاقًا ، فَتَابُوا فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ ، وَقَدَّمْتُ أَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعَلَاءُ بْنُ عَرَارٍ . ثُمَّ رَأَيْتُ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ اسْمَهُ حَكِيمٌ فَلْيُحَرَّرْ . وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، ثُمَّ وَجَدْتُ الْجَزْمَ بِالْعَلَاءِ بْنِ عَرَارٍ ، وَهُمَا بِالْمُهْمَلَاتِ وَذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ ، وَيَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ . وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ فِيهِ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا الْقَسَمِ عِنْدَ أَثَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ ، أَتُحَدِّثُنِي ؟ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ قَالَ : نَعَمْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ · ص 420 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان · ص 152 باب قول الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ أي : هذا باب في ذكر قول الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ الآية ، واتفق أهل العلم بالنقل على أن المراد بهذه الآية ما وقع في أحد ، وقول من قال إنها في يوم بدر غير صحيح ؛ لأنه لم يول أحد من المسلمين يوم بدر . قوله إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ؛ أي إن الذين فروا منكم يا معشر المسلمين . قوله يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ؛ أي جمع المسلمين وجمع الكفار . قوله إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ ؛ أي حملهم على الزلل . قوله بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ؛ أي ببعض ذنوبهم السالفة وهو تركهم المشركين . قوله وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ أي حلم عليهم إذ لم يعاجلهم بالعقوبة ، وقيل : غفر لهم الخطيئة ، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - لما رجع إلى المدينة قال لأصحابه : هذه وقعة تشاع في العرب ، فاطلبوهم حتى يسمعوا أنا قد طلبناهم ! فخرجوا فلم يدركوا القوم . قوله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ؛ أي يغفر الذنوب ويحلم على خلقه ويتجاوز عنهم . 106 - حدثنا عبدان ، أخبرنا أبو حمزة ، عن عثمان بن موهب قال : جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا ، فقال : من هؤلاء القعود ؟ قالوا : هؤلاء قريش . قال : من الشيخ ؟ قالوا : ابن عمر . فأتاه فقال : إني سائلك عن شيء ، أتحدثني ؟ قال : أنشدك بحرمة هذا البيت ، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد ؟ قال : نعم . قال : فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال : نعم . قال : فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال : نعم . قال : فكبر ! قال ابن عمر : تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه ؛ أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه ، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت مريضة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه . وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه ، فبعث عثمان ، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده اليمنى : هذه يد عثمان ! فضرب بها على يده فقال : هذه لعثمان ! اذهب بهذا الآن معك . مطابقته للترجمة تظهر من حيث المعنى ، وعبدان لقب عبد الله ، وأبو حمزة - بالحاء المهملة والزاي - محمد بن ميمون السكري ، وعثمان بن موهب - بفتح الميم والهاء - الأعرج الطلحي التيمي القرشي . والحديث مضى بطوله في مناقب عثمان ومضى الكلام فيه هناك ؛ فإنه أخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عن عثمان بن موهب ... إلى آخره . قوله أتحدثني ، الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستعلام ، وبعده في رواية أبي نعيم قال : نعم .