الْحَدِيثُ الرَّابِعُ . 4101 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كيدة شَدِيدَةٌ ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ : أَنَا نَازِلٌ . ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ في الكدية ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ . فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي : رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ ؟ فقَالَتْ : عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ ، فَذَبَحَتْ الْعَنَاقَ ، وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ ، حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ بالْبُرْمَةِ . ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَجِينُ قَدْ انْكَسَرَ ، وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ ، فَقُلْتُ : طُعَيِّمٌ لِي ، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ . قَالَ : كَمْ هُوَ ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ ، فقَالَ : كَثِيرٌ طَيِّبٌ . قَالَ : قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعْ الْبُرْمَةَ وَلَا الْخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ ، فَقَالَ : قُومُوا . فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ . فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ : وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ . قَالَتْ : هَلْ سَأَلَكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَ : ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا . فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ ، قَالَ : كُلِي هَذَا وَأَهْدِي ، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَخْزُومِيِّ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْتُ جَابِرًا فَقَالَ : إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمَحَارِبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْوِيهِ عَنْكَ فَقَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ . قَوْلُهُ : ( فَعَرَضَتْ كَيْدَةٌ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ ، قِيلَ : هِيَ الْقِطْعَةُ الشَّدِيدَةُ الصُّلْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا وَاحِدَةُ الْكَيْدِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْكَيْدَ - وَهِيَ الْجِبِلَّةُ - أَعْجَزَهُمْ فَلَجئوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ وَهَهُنَا كُدْيَةٌ مِنَ الْجَبَلِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ وَهِيَ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَقْدِيمِ الدَّالِ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الصُّلْبَةُ الصَّمَّاءُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ كِنْدَةٌ بِنُونٍ ، وَعِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ كَتِدَةٌ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ قَالَ عِيَاضٌ : لَا أَعْرِفُ لَهُمَا مَعْنًى ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ : رُشُّوهَا بِالْمَاءِ فَرَشُّوهَا . قَوْلُهُ : ( أَنَا نَازِلٌ ، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ ) زَادَ يُونُسُ مِنَ الْجُوعِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى رَبَطَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ وَفَائِدَةُ رَبْطِ الْحَجْرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنَّهَا تُضْمِرُ مِنَ الْجُوعِ فَيُخْشَى عَلَى انْحِنَاءِ الصُّلْبِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ فَإِذَا وَضَعَ فَوْقَهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ عَلَيْهَا الْعِصَابَةَ اسْتَقَامَ الظَّهْرُ ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ لِتَسْكِينِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ ، وَلِأَنَّهَا حِجَارَةٌ رِقَاقٌ قَدْرَ الْبَطْنِ تَشُدُّ الْأَمْعَاءَ فَلَا يَتَحَلَّلُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْبَطْنِ فَلَا يَحْصُلُ ضَعْفٌ زَائِدٌ بِسَبَبِ التَّحَلُّلِ . قَوْلُهُ : ( وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا ) هِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَوْرَدَهَا لِبَيَانِ السَّبَبِ فِي رَبْطِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَا نَطْعَمُ شَيْئًا أَوْ لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيِ الْمِسْحَاةُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوِ الْمِسْحَاةَ بِالشَّكِّ . قَوْلُهُ : ( فَضَرَبَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا ثُمَّ ضَرَبَ وَعِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : ضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَنْدَقِ ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ وَبِهِ بَدَيْنَا وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَب دِينَا قَوْلُهُ : ( فَعَادَ كَثِيبًا ) أَيْ رَمْلًا . قَوْلُهُ : ( هيَلَ أَوْ أَهْيَمَ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَهْيَلَ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَكَذَا عِنْدَ يُونُسَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ كَثِيبًا يُهَالُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَارَ رَمْلًا يَسِيلُ وَلَا يَتَمَاسَكُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا أَيْ : رَمْلًا سَائِلًا ، وَأَمَّا أَهْيَمُ فَقَالَ عِيَاضٌ : ضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا تَكَسَّرَتْ ، وَالْمَعْرُوفُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ بِمَعْنَى أَهْيَلَ ، وَقَدْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ الْمُرَادُ الرِّمَالُ الَّتِي لَا يَرْوِيهَا الْمَاءُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ . وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ زِيَادَةٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ حِينُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ لَا نأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ ، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَجَاءَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ . فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَهَا ، وَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ السَّاعَةَ . ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ الثُّلُثَ الْآخَرَ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسٍ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ أَبْيَضَ . ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ; فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا السَّاعَةَ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ وَفِي أَوَّلِهِ خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَنْدَقَ لِكُلِّ عَشْرَةِ أُنَاسٍ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ - وَفِيهِ - فَمَرَّتْ بِنَا صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ كَسَرَتْ مَعَاوِيلَنَا فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا فَقُلْنَا : حَتَّى نُشَاوِرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ سَلْمَانَ - وَفِيهِ - فَضَرَبَ ضَرْبَةً صَدَعَ الصَّخْرَةَ وَبَرَقَ مِنْهَا بَرْقَةٌ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ - وَفِيهِ - رَأَيْنَاكَ تُكَبِّرُ فَكَبَّرْنَا بِتَكْبِيرِكَ فَقَالَ : إِنَّ الْبَرْقَةَ الْأُولَى أَضَاءَتْ لَهَا قُصُورُ الشَّامِ ، فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِمْ - وَفِي آخِرِهِ - فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَبْشَرُوا . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَأَذِنَ لِي ، وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ زِيَادَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : احْتَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَنْدَقَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ شَدُّوا الْحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِمْ مِنَ الْجُوعِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هَلْ دَلَلْتُمْ عَلَى رَجُلٍ يُطْعِمُنَا أَكْلَةً ؟ قَالَ رَجُلٌ : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَّا لَا فَتَقَدَّمَ . الْحَدِيثَ ، وَكَأَنَّهُ جَابِرٌ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ فِي قَوْلِهِ : ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي ) اسْمُهَا سُهَيْلَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّةُ . قَوْلُهُ : ( عِنْدِي شَعِيرٌ ) بَيَّنَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَاعٌ . قَوْلُهُ : ( وَعَنَاقٌ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ ، وَلَنَا بَهِيمَةٌ دَاجِنٌ أَيْ سَمِينَةٌ ، وَالدَّاجِنُ الَّتِي تُتْرَكُ فِي الْبَيْتِ وَلَا تَفْلِتُ لِلْمَرْعَى ، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْمَنَ . وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ سَمِينَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَذَبَحْتُ ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ التَّاءِ ، وَقَوْلُهُ : ( طَحَنَتْ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ ، فَالَّذِي ذَبَحَ هُوَ جَابِرٌ ، وَامْرَأَتُهُ الَّتِي طَحَنَتْ . وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَأَمَرْتُ امْرَأَتِي فَطَحَنَتْ لَنَا الشَّعِيرَ وَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا . قَوْلُهُ : ( وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ ) أَيْ لَانَ وَرَطِبَ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ الْخَمِيرُ . قَوْلُهُ : ( وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ ) بِمُثَلَّثَةٍ وَفَاءٍ أَيِ الْحِجَارَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى جَعَلْنَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى جَعَلَتْ . قَوْلُهُ : ( فِي الْبُرْمَةِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . قَوْلُهُ : ( طُعَيِّمٌ ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيرِهِ ، قَالُوا : مِنْ تَمَامِ الْمَعْرُوفِ تَعْجِيلُهُ وَتَحْقِيرُهُ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ . قَوْلُهُ : ( فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ وَرَجُلَانِ بِالْجَزْمِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بَعْدَ هَذِهِ فَقُمْ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : قُومُوا ، فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا : قُومُوا وَهِيَ أَوْضَحُ ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْمُهَاجِرِينَ بِذَلِكَ ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمْ ، وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ : فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ : وَيْحَكِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : هَلْ سَأَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : ادْخُلُوا ) فِي هَذَا السِّيَاقِ اخْتِصَارٌ ، وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ قَالَ : فَلَقِيتُ مِنَ الْحَيَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقُلْتُ : جَاءَ الْخَلْقُ عَلَى صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ ، فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِي أَقُولُ : افْتَضَحْتُ ، جَاءَكِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْخَنْدَقِ أَجْمَعِينَ . فَقَالَتْ : هَلْ كَانَ سَأَلَكَ كَمْ طَعَامُكَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَنَحْنُ قَدْ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا عِنْدَنَا ، فَكَشَفَتْ عَنِّي غَمًّا شَدِيدًا . وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فَجِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ : بِكَ وَبِكَ . فَقُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ . وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ : لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ ، فَجِئْتُ فَسَارَرْتُهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا أَوْصَتْهُ أَوَّلًا بِأَنْ يُعْلِمَهُ بِالصُّورَةِ ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا إِنَّهُ جَاءَ بِالْجَمِيعِ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ فَخَاصَمَتْهُ ، فَلَمَّا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ أَعْلَمَهُ سَكَنَ مَا عِنْدَهَا لِعِلْمِهَا بِإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَةِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ فَضْلِهَا . وَقَدْ وَقَعَ لَهَا مَعَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ التَّمْرِ أَنَّ جَابِرًا أَوْصَاهَا لَمَّا زَارَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِانْصِرَافَ نَادَتْهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي . فَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ . فَعَاتَبَهَا جَابِرٌ ، فَقَالَتْ لَهُ : أَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُورِدُ رَسُولَهُ بَيْتِي ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا أَسْأَلُهُ الدُّعَاءَ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِجَابِرٍ : فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَبَيِّنْ لَهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا هِيَ عَنَاقٌ وَصَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ ، قَالَ : فَارْجِعْ فَلَا تُحَرِّكَنَّ شَيْئًا مِنَ التَّنُّورِ وَلَا مِنَ الْقِدْرِ حَتَّى آتِيَهَا ، وَاسْتَعِرْ صِحَافًا . قَوْلُهُ : ( وَلَا تَضَاغَطُوا ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَغَيْرِ مُعْجَمَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُشَالَةٍ ، أَيْ لَا تَزْدَحِمُوا ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ . قَوْلُهُ : ( وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ ) أَيْ يُغَطِّيهَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَنْزِعُ ) أَيْ يَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنَ الْبُرْمَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ فَقَالَ : ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكَ أَيْ تُسَاعِدْكَ ، وَقَوْلُهُ : وَاقْدَاحِي مِنْ بُرْمَتِكِ أَيِ اغْرِفِي ، وَالْمِقْدَحَةُ الْمِغْرَفَةُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ وَأَقْعَدَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فَأَكَلُوا . قَوْلُهُ : ( وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا - أَيْ لَقَدْ أَكَلُوا - حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ أَيْ رَجَعُوا ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى شَبِعُوا أَجْمَعُونَ ، وَيَعُودُ التَّنُّورُ وَالْقِدْرُ أَمْلَأَ مَا كَانَا . قَوْلُهُ : ( كُلِي هَذَا وَأَهْدِي ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ فِعْلُ أَمْرٍ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الْهَدِيَّةِ ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ كُلِي وَأَهْدِي ، فَلَمْ نَزَلْ نَأْكُلُ وَنُهْدِي يَوْمَنَا أَجْمَعَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ فَأَكَلْنَا نَحْنُ وَأَهْدَيْنَا لِجِيرَانِنَا ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ أَيْضًا فِي قِصَّةٍ أُخْرَى بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهِيَ الْأَحْزَابُ · ص 457 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب غزوة الخندق وهي الأحزاب · ص 179 137 - حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه قال : أتيت جابرا رضي الله عنه فقال : إنا يوم الخندق نحفر ، فعرضت كدية شديدة ، فجاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : هذه كدية عرضت في الخندق ! فقال : أنا نازل . ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم ! فقلت : يا رسول الله ، ائذن لي إلى البيت ! فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ما كان في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ قالت : عندي شعير وعناق - فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ، ثم جئت النبي - صلى الله عليه وسلم - والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ، فقلت : طعيم لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان ! قال : كم هو ؟ فذكرت له ، قال : كثير طيب ! قال : قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي ! فقال : قوموا ! فقام المهاجرون والأنصار ، فلما دخل على امرأته قال : ويحك ! جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! قالت : هل سألك ؟ قلت : نعم . فقال : ادخلوا ولا تضاغطوا . فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا ، وبقي بقية ! قال : كلي هذا وأهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة . مطابقته للترجمة في قوله يوم الخندق ، وخلاد - على وزن فعال بالتشديد - ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي ، مات بمكة قريبا من سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وهو من أفراده . وعبد الواحد بن أيمن - ضد الأيسر - يروي عن أبيه أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمر المخزومي القرشي المكي ، من أفراد البخاري ، والحديث أيضا من أفراده . قوله يوم الخندق نصب على الظرف . قوله نحفر خبر إن . قوله كدية بضم الكاف وسكون الدال المهملة وبالياء آخر الحروف ، وهي القطعة الصلبة من الأرض لا يؤثر فيها المعول ، ووقع في رواية أبي ذر كبدة بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة قبل الدال ، وقال عياض : كأن المراد أنها واحدة الكبد وهو الجبل . وقال الخطابي : كبدة بالباء الموحدة إن كانت محفوظة فهي القطعة من الأرض الصلبة ، وأرض كبداء وقوس كبداء أي شديدة . ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني كندة بنون ، وعند ابن السكن كتدة بفتح التاء المثناة من فوق ، وقال عياض : لا أعرف لها معنى . وفي رواية كذانة بذال معجمة ونون وهي القطعة من الجبل ، وعند ابن إسحاق صخرة ، وفي رواية عبلة وهي الصخرة الصماء وجمعها عبلات ويقال لها العبلاء والأعبل وكلها الصخرة . قوله وبطنه معصوب بحجر ، زاد يونس في روايته من الجوع ، وفي رواية أحمد أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على بطنه حجرا من الجوع ، فإن قلت : ما كان فائدة ربط الحجر ؟ فهل ذلك يدفع الجوع أم لا ؟ قلت : قيل إن البطن يضمر من الجوع ، فيربط الحجر على البطن ليدفع انحناء الصلب ؛ لأن الجائع ينحني صلبه إذا اشتد به الجوع . وقال الكرماني : فائدته تسكين حرارة الجوع ببرودة الحجر ، أو ليعتدل قائما ، أو لأنها حجارة رقاق تشد العروق والأمعاء فلا ينحل مما في البطن فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل . وقال ابن حبان : الصواب الحجز بالزاي ، إذ لا معنى لشد الحجر على البطن من الجوع - ورد عليه بما جاء في الرواية التي تأتي رأيت بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - خمصا شديدا والخمص الجوع ، قلت : فيه نظر لا يخفى . قوله ذواقا بفتح الذال المعجمة ، وقال ابن الأثير : الذواق المأكول والمشروب ، فعال بمعنى مفعول ، من الذوق ، ويقع على المصدر والاسم ، يقال ذقت الشيء أذوقه ذوقا وذواقا ، وما ذقت ذواقا أي شيئا . قوله المعول بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو وفي آخره لام ، وهو الفأس الذي يكسر به الحجر ، وقال بعضهم : المعول المسحاة . قلت : هذا التفسير غير صحيح ، والمعول الفأس كما ذكرنا ، والميم فيه زائدة ، والمسحاة المجرفة من الحديد والميم فيها أيضا زائدة لأنها من السحو وهو الكشف والإزالة ، ومن الدليل على المغايرة رواية أحمد رحمه الله فأخذ المعول أو المسحاة بالشك . قوله فضرب ؛ أي الكدية ، وفي رواية الإسماعيلي ثم سمى ثلاثا ثم ضرب ، وعند الحارث بن أبي أسامة من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان قال : ضرب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الخندق ثم قال : بسم الله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا حبذا ربا وحبذا دينا قوله كثيبا بفتح الكاف وكسر الثاء المثلثة ، هو الرمل ، قال الله تعالى : كَثِيبًا مَهِيلا ؛ أي تفتت حتى صار كالرمل يسيل ولا يتماسك . قوله أهيل ، الأهيل هو أن ينهال فيسيل من لينه ويتساقط من جوانبه ، وفي رواية أحمد كثيبا يهال . قوله أو أهيم شك من الراوي ؛ أي أو عاد كثيبا أهيم ، وهو بمعنى الأهيل ، والهيام من الرمل ما كان دقاقا يابسا ، وفي رواية الإسماعيلي أهيل بغير شك ، وكذا في رواية يونس ، وقال عياض : ضبطها بعضهم أهثم بالثاء المثلثة ، وبعضهم بالتاء المثناة من فوق وفسرها بأنها تكسرت ، والمعروف بالياء آخر الحروف . قوله ائذن لي إلى البيت ؛ أي ائذن لي حتى آتي بيتي . قوله فقلت لامرأتي ، وفيما قبله حذف تقديره فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يأتي إلى بيته فقال ما ذكر هنا وهو قوله فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - شيئا ؛ يعني من الجوع ، واسم المرأة سهيلة بنت مسعود بن أوس الظفرية الأنصارية ، بايعت . قوله عندي شعير ، بين يونس بن بكير في روايته أنه صاع . قوله عناق بفتح العين ؛ الأنثى من أولاد المعز . قوله فذبحت ، الذابح هو جابر ، يخبر عن نفسه بذلك . قوله وطحنت ؛ أي امرأته ، وفي رواية أحمد عن سعيد فأمرت امرأتي فطحنت وصنعت لنا خبزا . قوله حتى جعلنا ، وفي رواية الكشميهني حتى جعلت . قوله في البرمة بضم الباء الموحدة وسكون الراء ، وهي القدر مطلقا ، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن . قوله والعجين قد انكسر ؛ يعني لان وتمكن فيه الخمير . قوله الأثافي بفتح الهمزة جمع الأثفية بضم الهمزة ، وقد تخفف الياء في الجمع ، وهي الحجارة التي تنصب وتوضع القدر عليها ، يقال أثفيت القدر إذا جعلت لها الأثافي ، وثفيتها إذا وضعتها عليها ، والهمزة فيه زائدة . قوله طعيم مصغر طعام ، صغره لأجل قلته ، وقال ابن التين : ضبطه بعضهم بتخفيف الياء وهو غلط - قلت : لأن طعيم بتخفيف الياء تصغير طعم لا تصغير الطعام . قوله لي صفة طعيم ؛ أي مصنوع لأجلي . قوله فقم أنت يا رسول الله ورجل ، قوله أو رجلان شك من الراوي ، وفي رواية يونس ورجلان بلا شك . قوله فقال : كم هو ؟ ؛ أي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كم طعامك . قوله فذكرت له ؛ أي لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وبينت له الطعام . قوله فقال : كثير طيب ؛ أي فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - طعام كثير طيب . قوله لا تنزع البرمة ؛ أي من فوق الأثافي . قوله ولا الخبز ؛ أي ولا تنزع الخبز من التنور . قوله حتى آتي ؛ أي إلى أن آتي بيتكم ، أي أجيء . قوله فقال : قوموا ؛ أي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن كان عنده من الصحابة قوموا إلى أكل جابر . قوله قالت : هل سألك ؟ ؛ أي قالت امرأة جابر له هل سألك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حال الطعام ، وفي رواية يونس فقالت : الله ورسوله أعلم ، نحن قد أخبرنا بما عندنا ، وفي رواية أبي الزبير عن جابر أنها قالت لجابر : فارجع إليه فبين له - فأتيته فقلت : يا رسول الله ، إنما هو عناق وصاع من شعير ! قال : فارجع ولا تحركن شيئا من التنور ولا من القدر حتى آتيها ، واستعر صحافا . قوله فقال : ادخلوا ؛ أي فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لمن معه من المهاجرين والأنصار ادخلوا الدار . قوله ولا تضاغطوا ؛ أي ولا تزدحموا ، ومادته ضاد وغين معجمتان وطاء مهملة ، من الضغطة . قوله فجعل ؛ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله وأهدى بهمزة قطع ، من الإهداء لا من الهدية كما قال بعضهم . قوله فإن الناس ... إلى آخره - بيان سبب الإهداء ، وفي رواية يونس كلي وأهدي - فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع ، وفي رواية أبي الزبير عن جابر فأكلنا وأهدينا لجيراننا ، وهذا كله من علامات النبوة .