10 - بَاب مَا يَسْتُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ 367 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَيْثٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُسْتَرُ مِنَ الْعَوْرَةِ ) أَيْ خَارِجَ الصَّلَاةِ . وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ السَّوْأَتَيْنِ فَقَطْ ، وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ ، وَأَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ يَشْهَدُ لَهُ فَإِنَّهُ قَيَّدَ النَّهْيَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَرْجِ شَيْءٌ أَيْ يَسْتُرْهُ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْفَرْجَ إِذَا كَانَ مَسْتُورًا فَلَا نَهْيَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ . عَنْ ( أَبِي سَعِيدٍ ) هَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَوَافَقَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ ، وَرَوَاهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ اللَّيْثِ أَيْضًا عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ . وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ أَيْضًا ، وَفِيهِ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ذَلِكَ . وَرَوَاهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِنَحْوِ رِوَايَةِ يُونُسَ لَكِنْ بِدُونِ التَّفْسِيرِ ، وَالطُّرُقُ الثَّلَاثَةُ صَحِيحَةٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ بِمُفْرَدِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ ) وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُوَ أَنْ يُخَلِّلَ جَسَدَهُ بِالثَّوْبِ لَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا وَلَا يُبْقِي مَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : سُمِّيَتْ صَمَّاءَ ; لِأَنَّهُ يَسُدُّ الْمَنَافِذَ كُلَّهَا فَتَصِيرُ كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرْقٌ . وَقَالَ الْفُقَهَاءُ : هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَرْفَعَهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَيَصِيرَ فَرْجُهُ بَادِيًا . قَالَ النَّوَوِيُّ فَعَلَى تَفْسِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ يَكُونُ مَكْرُوهًا لِئَلَّا يَعْرِضُ لَهُ حَاجَةً فَيَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ يَدِهِ فَيَلْحَقَهُ الضَّرَرُ ، وَعَلَى تَفْسِيرِ الْفُقَهَاءِ يَحْرُمُ لِأَجْلِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ . قُلْتُ : ظَاهِرُ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ فِي اللِّبَاسِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ فِيهَا مَرْفُوعٌ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ . وَلَفْظُهُ : وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُوَ أَحَدُ شِقَّيْهِ . وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْخَبَرِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْ يَحْتَبِيَ ) الِاحْتِبَاءُ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَلُفَّ عَلَيْهِ ثَوْبًا ، وَيُقَالُ لَهُ الْحُبْوَةُ ، وَكَانَتْ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ . وَفَسَّرَهَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَذْكُورَةِ بِنَحْوِ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يَسْتُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ · ص 568 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يستر من العورة · ص 180 10 - باب ما يستر من العورة خرج فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 367 - من رواية : الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء . الحديث الثاني : 368 - من رواية : أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين : عن اللماس والنباذ ، وأن يشتمل الصماء ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد . قد تضمن الحديثان - معا - النهي عن لبستين ، وسواء في ذلك حال الصلاة وغيرها . وقد روى سفيان الثوري ، عن أبي الزناد - حديث أبي هريرة ، وقال فيه : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين في الصلاة - وذكر الحديث - إحداهما : اشتمال الصماء ، ولم يذكر تفسيرها . وقد خرجه في كتاب : اللباس من رواية الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبي سعيد بسياق مطول ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبستين : اشتمال الصماء ، والصماء : أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه ، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب . واللبسة الأخرى : احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء . وهذا التفسير ، الظاهر أنه من قول الزهري أدرج في الحديث . وعند الزهري فيه إسناد آخر : رواه عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد ، وقد خرجه البخاري في موضع آخر ، وذكر جماعة ممن رواه عن الزهري كذلك . وخرج - أيضا - في اللباس من رواية مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين : أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء وأن يشتمل بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه . وقد روى حديث أبي سعيد : جعفر بن برقان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين : الصماء ، وهو أن يلتحف الرجل في الثوب الواحد ، ثم يرفع جانبه على منكبه ليس عليه ثوب غيره ، أو يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس بينه وبين السماء شيء - يعني : سترا . خرجه النسائي . وهذا لم يسمعه جعفر من الزهري ، بل بلغه عنه ، وقد أنكره عليه جماعة من الأئمة ، وقالوا : رواياته عن الزهري ضعيفة جدا . وهذا قول رابع عن الزهري في إسناده ، إلا أنه لا يصح . وروي تفسيره - أيضا - من حديث أبي هريرة : خرجه أبو داود وغيره من رواية أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين : أن يحتبي الرجل مفضيا بفرجه إلى السماء ، ويلبس ثوبه وأحد جانبيه خارج ، ويلقي ثوبه على عاتقه . وخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يلبس الرجل الثوب الواحد فيشتمل به ويطرح جانبيه على منكبيه ، أو يحتبي بالثوب الواحد . ويروى من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، قال : وأن يشتمل الصماء على أحد شقيه . ويروى من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشتمل بالثوب ، ثم يرفعه على منكبه . وخرجه البخاري مختصرا ، إلا أنه قال : نهي ولم يصرح برفعه . وروى معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى أن يشتمل في إزاره إذا ما صلى ، إلا أن يخالف بين طرفيه على عاتقه . وخرج النسائي من حديث ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى أن يلبس ثوبا واحدا يأخذ بجوانبه فيضعه على منكبه ، فتلك تدعى الصماء . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار ، عن عطاء بن مينا ، أنه سمعه يحدث عن أبي هريرة ، قال : نهى عن لبستين وبيعتين - فذكر الحديث - قال : وأما اللبسة الأخرى فأن يلقي داخلة إزاره وخارجته على أحد عاتقيه ، ويبرز صفحة شقه . قال ابن جريج : قلت لعمرو : إن جمع بين طرفي الثوب على شقه الأيمن ؟ قال : ما رأيتهم إلا يكرهون ذلك . فحاصل ما دلت عليه الأحاديث في لبسة الصماء : هو أن يلبس ثوبا واحدا - وهو الرداء - فيشتمل به على بدنه من غير إزار ، ثم يضع طرفيه على أحد منكبيه ، ويبقى منكبه الآخر وشقه مكشوفا ، فتبدو عورته منه ، وبذلك فسر الصماء أكثر العلماء ، ومنهم : سفيان الثوري ، وابن وهب ، وأحمد ، وأبو عبيد ، وأكثر العلماء . قال الإمام أحمد : هو الاضطباع بالثوب إذا لم يكن عليه غيره . وإنما سن الاضطباع للمحرم لأن عليه إزارا . فلو كان على المصلي إزار وقميص جاز له الاضطباع بردائه في ظاهر مذهب الإمام أحمد ، وروي عنه أنه يكره ذلك ، وإن كان عليه غيره . وقال ابن وهب : وقد كان مالك أجازها على ثوب ، ثم كرهها . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق ، قال : اشتمال الصماء : أن يلتحف بثوب ، ثم يخرج إحدى يديه من تحت صدره . قال أبو عبيد : قال الأصمعي : اشتمال الصماء عند العرب : أن يشمل الرجل بثوبه ، فيجلل به جسده كله ، ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده ، وربما اضطبع فيه على تلك الحال . قال أبو عبيد : كأنه ذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه ، وأن يتقيه بيده فلا يقدر على ذلك . قال : وأما تفسير الفقهاء ؛ فإنهم يقولون : هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ، ثم يرفعه من أحد جانبيه ، فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه . قال أبو عبيد : والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا ، وذلك أصح معنى في الكلام . انتهى . وجعل الخطابي : اشتمال الصماء : أن يشتمل بثوب يجلل به بدنه ، ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر . فإن لم يرفعه على عاتقه فهو اشتمال اليهود الذي جاء النهي عنه في حديث ابن عمر ، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يشتمل بالثوب ويخالف بين طرفيه ، فهو مخالف لهما جميعا . وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغة حسن جدا ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قَدْ يتكلم بكلام من كلام العرب يستعمله فِي معنى هُوَ أخص من استعمال العرب ، أو أعم مِنْهُ ، ويتلقى ذَلِكَ عَنْهُ حملة شريعته من الصَّحَابَة ، ثُمَّ يتلقاه عنهم التابعون ، ويتلقاه عنهم أئمة العلماء ، فلا يجوز تفسير ما ورد في الحديث المرفوع إلا بما قاله هؤلاء أئمة العلماء الذين تلقوا العلم عمن قبلهم ، ولا يجوز الإعراض عن ذلك والاعتماد على تفسير من يفسر ذلك اللفظ بمجرد ما يفهمه من لغة العرب ؛ وهذا أمر مهم جدا ، ومن أهمله وقع في تحريف كثير من نصوص السنة ، وحملها على غير محاملها . والله الموفق . ولو صلى وهو مشتمل الصماء ، ولم تبد عورته لم تبطل صلاته عند أكثر العلماء ، ومنهم من قال ببطلانها ، وهو وجه لأصحابنا . واللبسة الثانية : أن يحتبي بثوب ليس عليه غيره . الاحتباء : استفعال من الحبوة - بضم الحاء وكسرها - والحبوة : أن يقعد على إليتيه ، وينصب ساقيه ، ويحتوي عليهما بثوب ، أو نحوه ، أو بيده . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتبي في جلوسه بيده ، وقد خرج ذلك البخاري في الأدب . وورد في سنن أبي داود أن جلوس النبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك . وهذه الهيئة أخشع هيئات الجلوس ؛ وقد سبق ذكر ذَلِكَ فِي كِتَاب : العلم فِي الجلوس عِنْدَ العالم . وإنما نهى عن الاحتباء بثوب واحد ، فإذا كان على الرجل ثوب واحد فاحتبى به كذلك بدت عورته ، وهذا منهي عنه في الصلاة وغيرها ، فإن كان في الصلاة كان مبطلا لها على ما سبق ذكره في كشف العورة في الصلاة ، وإن كان في غيرها وكان بين الناس فهو محرم ، وإن كان في خلوة انبنى على جواز كشف العورة في الخلوة ، وفيه خلاف سبق ذكره . وإن فعل ذلك وعليه سراويل أو قميص لم يحرم ؛ فإن النهي عن الاحتباء ورد مقيدا في ثوب واحد ، وورد معللا بكشف العورة . ففي رواية البخاري - أيضا - من حديث أبي هريرة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتبي بالثوب الواحد ، ليس على فرجه منه شيء بينه وبين السماء . وفي صحيح مسلم عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشتمل الصماء ، وأن يحتبي في ثوب واحد ، كاشفا عن فرجه . قال عمرو بن دينار : إنهم يرون أنه إذا خمر فرجه فلا بأس - يعني : بالاحتباء . ومن أصحابنا من قال : حكي عن أحمد المنع من هذا الاحتباء مطلقا ، وإن كان عليه ثوب غيره . وهذا بعيد . وأما الملامسة والمنابذة ، فيأتي ذكرها في موضعها من البيوع - إن شاء الله تعالى . ومقصود البخاري بهذه الأحاديث : أن كشف الفرج منهي عنه ، وأن ستره مأمور به ، وهذا يقوي ما يميل إليه ، وهو : أن العورة الفرجان خاصة ؛ لكن النهي عَن اشتمال الصماء ليس فِيهِ تصريح بالتعليل بكشف الفرج خاصة ، فإنه ينكشف بلباس الصماء جانب الرجل كله ، فيدخل فيه : الورك والفخذ - أيضا - والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يستر من العورة · ص 75 باب ما يستر من العورة أي هذا باب في بيان ستر العورة ، وكلمة ما مصدرية ، ويجوز أن تكون موصولة ، والتقدير باب في بيان الشيء الذي يستر أي الذي يجب ستره ، وكلمة من بيانية في الوجهين ، ثم هذا أعم من أن يكون في الصلاة أو خارجها ، وقيد بعضهم بقوله أي خارج الصلاة ، فكأنه أخذ ذلك من لفظ الاحتباء الذي في حديث الباب ، فإنه قيد النهي فيه بقوله : ليس على فرجه منه شيء ، وهذا ليس فيه تخصيص بخارج الصلاة ، بل النهي أعم من أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة ، ثم قول هذا القائل ، والظاهر من تصرف المصنف أنه يرى أن الواجب ستر السوءتين ليس بشيء ؛ لأن الذي يدل على ذلك أي تصرف منه هاهنا ، وإن كان مذهبه ذلك ، والعورة سوءة الإنسان ، وكل ما يستحى منه . 33 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا ليث عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء . مطابقته للترجمة في قوله : ليس على فرجه منه شيء ، فإن النهي فيه أن يكون الفرج مكشوفا ، فهو يدل على أن ستر العورة واجب ، والباب في ستر العورة . ذكر رجاله وهم خمسة قد ذكروا غير مرة ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وأبو سعيد اسمه سعد بن مالك . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه قول الصحابي عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه أن رواته ما بين بلخي وبصري ومدني . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في اللباس عن محمد عن مخلد عن ابن جريج عن الزهري عنه ، وأخرجه في البيوع عن سعد بن عفير عن الليث ، وفي اللباس أيضا عن يحيى بن بكير عن الليث ، وأخرجه أيضا في البيوع عن عباس عن عبد الأعلى عن معمر ، وفي الاستئذان عن علي بن عبد الله عن سفيان ، وأخرجه مسلم في البيوع عن سعيد بن عفير عن الليث ، وفي اللباس عن يحيى بن بكير عن الليث ، وعن عمرو الناقد عن يعقوب بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود في البيوع عن أحمد بن صالح ، وعن قتيبة ، وأبي الطاهر بن السرح كلاهما عن سفيان به ، وأخرجه النسائي في البيوع عن يونس بن عبد الأعلى ، وعن أبي داود الحراني ، وعن إبراهيم بن يعقوب ، وأخرجه في الزينة أيضا عن قتيبة به ، وأخرجه في البيوع أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به ، وعن الحسين بن حريث عن سفيان بالنهي عن البيعتين فيه ، وبالنهي عن اللبستين في الزينة ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وسهل بن أبي سهل الرازي ، كلاهما عن سفيان . ذكر معناه : قوله عن اشتمال الصماء بالصاد المهملة والمد ، واختلف في تفسيره ، ففي الصحاح هو أن يجلل جسده كله بالإزار أو بالكساء ، فيرده من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر ، ثم يرده ثانيا من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن ، فيغطيهما جميعا ، وفي النهاية لابن الأثير هو التجلل بالثوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه ، وفي كتاب اللباس هو أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه ، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب ، وعن الأصمعي : هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده لا يرفع منه جانبا فلا يبقى ما يخرج منه يده ، وعن أبي عبيد إن الفقهاء يقولون : هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه فيبدو منه فرجه ، وقال الكرماني : فإذا قلت : اشتمل فلان الصماء كأنك قلت اشتمل الشملة التي تعرف بهذا الاسم لأن الصماء ضرب من الاشتمال انتهى . ( قلت ) تحقيق هذه الكلمة أن الاشتمال مضاف إلى الصماء ، والصماء في الأصل صفة يقال صخرة صماء إذا لم يكن فيها خرق ، ولا منفذ ، ومعنى النهي عن اشتمال الصماء نهي عن اشتمال الثوب كاشتمال الصخرة الصماء ، واشتمالها كون عدم الخرق ، والمنافذ فيها ، وتشبيه الاشتمال المنهي بها كونه يسد المنافذ كلها ، والذي ذكره الكرماني ليس تفسير ما في لفظ الحديث على ما لا يخفى . قوله وأن يحتبي الرجل أي ونهي أيضا عن أن يحتبي الرجل ، وكلمة إن مصدرية ، والتقدير : وعن احتباء الرجل في ثوب واحد ، والاحتباء أن يقعد الإنسان على أليتيه ، وينصب ساقيه ، ويحتبي عليهما بثوب أو نحوه أو بيده ، واسم هذه القعدة تسمى الحبوة بضم الحاء وكسرها ، وكان هذا الاحتباء عادة العرب في أنديتهم ومجالسهم ، وإن انكشف معه شيء من عورته فهو حرام ، وقال الخطابي : الاحتباء هو أن يحتبي الرجل بالثوب ، ورجلاه متجافيتان عن بطنه فيبقى هناك إذا لم يكن الثوب واسعا قد أسبل شيئا منه على فرجه فرجة تبدو منها عورته ، قال : وهو منهي عنه إذا كان كاشفا عن فرجه ، وقال في موضع آخر : الاحتباء أن يجمع ظهره ، ورجليه بثوب . ذكر ما يستنبط منه ، وهو حكمان : الأول : اشتمال الصماء ، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قالوا : على تفسير أهل اللغة اشتمال الصماء إنما يكره لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك فيعسر أو يتعذر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر ، وعلى تفسير الفقهاء : يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف به بعض العورة ، وإلا فيكره ، والثاني : النهي عن الاحتباء الذي فيه كشف العورة ، وهو حرام مطلقا سواء كان في الصلاة أو خارجها .