59 - بَاب سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ وَيُقَالُ : إِنَّهَا سَرِيَّةُ الْأَنْصَارِي 4340 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ ، فَغَضِبَ فَقَالَ : أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ : أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ : ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا ، وَيَقُولُونَ : فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . والطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ ، وَيُقَالُ : إِنَّهَا سَرِيَّةُ الْأَنْصَاريِّ ) قُلْتُ : كَذَا تَرْجَمَ ، وَأَشَارَ بِأَصْلِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ عَلَى بَعْثٍ أَنَا فِيهِمْ ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَأْسِ غَزَاتِنَا أَوْ كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَذِنَ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ ، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ الْحَدِيثَ . وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِنَحْوِ هَذَا السِّيَاقِ . وَذَكَرَ أَنَّ سَبَبَهَا أَنَّهُ بَلَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ نَاسًا مِنَ الْحَبَشَةِ تَرَاآهُمْ أَهْلُ جِدَّةَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ ، فَانْتَهَى إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ ، فَلَمَّا خَاضَ الْبَحْرَ إِلَيْهِمْ هَرَبُوا ، فَلَمَّا رَجَعَ تَعَجَّلَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَى أَهْلِهِمْ ، فَأَمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ عَلَى مَنْ تَعَجَّلَ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ وَقَّاصَ بْنَ مُجَزِّزٍ كَانَ قُتِلَ يَوْمَ ذِي قَرَدٍ ، فَأَرَادَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ أَنْ يَأْخُذَ بِثَأْرِهِ فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ . قُلْتُ : وَهَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، إِلَّا أَنْ يُجْمَعَ بِأَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِالْأَمْرَيْنِ ، وَأَرَّخَهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ تِسْعٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيُقَالُ : إِنَّهَا سَرِيَّةُ الْأَنْصَارِيِّ فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى احْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِي لِاخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا وَاسْمِ أَمِيرِهِمَا ، وَالسَّبَبُ فِي أَمْرِهِ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ ، وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَيُبْعِدُهُ وَصْفُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ الْقُرَشِيِّ الْمُهَاجِرِيِّ بِكَوْنِهِ أَنْصَارِيًّا ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَيُحْتَمَلُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ أَيْ أَنَّهُ نَصَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِلَى التَّعَدُّدِ جَنَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ . وَأَمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ : قَوْلُهُ : مِنَ الْأَنْصَارِ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ سَهْمِيٌّ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ الْآيَةَ ، نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَرِيَّةٍ ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فَقَالَ : رَجُلًا وَلَمْ يَقُلْ : مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَمْ يُسَمِّهِ ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ خَبَرِ الْوَاحِدِ . وَأَمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ فَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ ثَقِيلَةٌ ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : وَقَعَ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَعَنِ الْقَابِسِيِّ بِجِيمٍ وَمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ . قُلْتُ : وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَحَكَى أَنَّهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فَتْحًا وَكَسْرًا ، وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ ، وَهُوَ وَلَدُ الْقَائِفِ الَّذِي يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي النِّكَاحِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَابْنِهِ أُسَامَةَ : إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ فَعَلْقَمَةُ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ ) بِالتَّصْغِيرِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ السُّلَمِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَغَضِبَ ) فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي الْأَحْكَامِ فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : أَوْقِدُوا نَارًا ) فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ فَقَالَ : عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا ، وَهَذَا يُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ ، فَإِنَّ فِيهِ فَأَوْقَدَ الْقَوْمُ نَارًا لِيَصْنَعُوا عَلَيْهَا صَنِيعًا لَهُمْ أَوْ يَصْطَلُونَ ، فَقَالَ لَهُمْ : أَلَيْسَ عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ؟ قَالُوا : بَلَى ، أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ بِحَقِّي وَطَاعَتِي لَمَا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا ) فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فِيهَا فَقَامُوا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ لَهُمْ شَابٌّ مِنْهُمْ : لَا تَعْجَلُوا بِدُخُولِهَا وَفِي رِوَايَةِ زُبَيْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ : فَأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ ) فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ : فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتِ النَّارُ وَخَمَدَتْ هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ طَفِئَ لَهَبُهَا ، وَحَكَى الْمُطَرِّزِيُّ كَسْرَ الْمِيمِ مِنْ خَمِدَتْ . قَوْلُهُ : ( فَسَكَنَ غَضَبُهُ ) هَذَا أَيْضًا يُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَتْ بِهِ دُعَابَةٌ ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ تَحَجَّزُوا حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ فِيهَا فَقَالَ : احْبِسُوا أَنْفُسَكُمْ ، فَإِنَّمَا كُنْتُ أَضْحَكُ مَعَكُمْ . قَوْلُهُ : ( فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا وَفِي رِوَايَةِ زُبَيْدٍ فَلَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَعْنِي أَنَّ الدُّخُولَ فِيهَا مَعْصِيَةٌ ، وَالْعَاصِي يَسْتَحِقُّ النَّارَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَوْ دَخَلُوهَا مُسْتَحِلِّينَ لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا . وَعَلَى هَذَا فَفِي الْعِبَارَةِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : لَوْ دَخَلُوهَا لِلنَّارِ الَّتِي أَوْقَدُوهَا ، وَالضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا لِنَارِ الْآخِرَةِ ؛ لِأَنَّهُمُ ارْتَكَبُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمْ . وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّارِ الَّتِي أُوقِدَتْ لَهُمْ أَيْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا بِسَبَبِ طَاعَةِ أَمِيرِهِمْ لَا تَضُرُّهُمْ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا فِيهَا لَاحْتَرَقُوا فَمَاتُوا ، فَلَمْ يَخْرُجُوا . قَوْلُهُ : ( الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ) فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ وَفِي رِوَايَةِ زُبَيْدٍ وَقَالَ لِلْآخَرِينَ : لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ لِلْآخَرِينَ - أَيِ الَّذِينَ امْتَنَعُوا - قَوْلًا حَسَنًا وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تُطِيعُوهُ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي حَالِ الْغَضَبِ يَنْفُذُ مِنْهُ مَا لَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ ، وَأَنَّ الْغَضَبَ يُغَطِّي عَلَى ذَوِي الْعُقُولِ . وَفِيهِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ يُنَجِّي مِنَ النَّارِ لِقَوْلِهِمْ : إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النَّارِ وَالْفِرَارُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِرَارٌ إِلَى اللَّهِ ، وَالْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ يُطْلَقُ عَلَى الْإِيمَانِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَعُمُّ الْأَحْوَالَ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوا الْأَمِيرَ ، فَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ حَتَّى فِي حَالِ الْغَضَبِ ، وَفِي حَالِ الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْأَمْرَ بِطَاعَتِهِ مَقْصُورٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّ الْجَمْعَ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ لِانْقِسَامِ السَّرِيَّةِ قِسْمَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ دُخُولُ النَّارِ فَظَنَّهُ طَاعَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَأَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ سَبَبًا لِرَحْمَةِ الْجَمِيعِ . قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ صَادِقَ النِّيَّةِ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي خَيْرٍ ، وَلَوْ قَصَدَ الشَّرَّ فَإِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ عَنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ : مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ وَقَاهُ اللَّهُ ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ وَعَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ وَيُقَالُ إِنَّهَا سَرِيَّةُ الْأَنْصَارِ · ص 655 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزر المدلجي · ص 313 ( باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزر المدلجي ، ويقال : إنها سرية الأنصاري ) أي هذا باب في بيان سرية عبد الله إلى آخره ، وليس في كثير من النسخ لفظ باب ، وقد مر تفسير السرية عن قريب ، وعبد الله بن حذافة بضم الحاء المهملة وتخفيف الذال المعجمة وبالفاء ابن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي ، أسلم قديما ، وكان من المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، ويقال : إنه شهد بدرا ، ولم يذكره ابن إسحاق في البدريين ، وكانت فيه دعابة ، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعثه إلى كسرى ، وقال خليفة بن خياط وفي سنة تسع عشرة أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي ، وقال ابن لهيعة توفي عبد الله بن حذافة السهمي بمصر ، ودفن بمقبرتها ، وعلقمة بن مجزز بضم الميم ، وفتح الجيم ، وكسر الزاي الأولى الثقيلة ، وحكي فتحها ، والأول أشهر ، وقال عياض : وقع لأكثر الرواة بسكون الحاء المهملة ، وكسر الراء ، وقال بعضهم : وأغرب الكرماني فضبطه بالحاء المهملة وتشديد الراء فتحا وكسرا ، وهو خطأ ظاهر انتهى . قلت : هذا تشنيع ظاهر عليه من غير وجه ؛ لأنه لم يضبط إلا بقوله : بضم الميم ، وفتح الجيم ، وفتح الزاي المشددة وكسرها وبزاي أخرى ، ثم قال : وقال بعضهم : هو بالحاء المهملة وبالراء المشددة فتحا وكسرا ثم بالزاي المعجمة ، ونسبة الخطأ إليه خطأ ؛ لأنه حكى ذلك عن بعضهم ، وليس عليه في ذلك مؤاخذة ، وقال الذهبي : علقمة بن مجزز الأعور بن جعدة الكناني المدلجي ، استعمله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على سرية ، وبعثه عمر رضي الله تعالى عنه على جيش إلى الحبشة فهلكوا كلهم وذكر أباه مجززا في الصحابة ، وقال القائف : روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قوله : " المدلجي " بضم الميم ، وسكون الدال المهملة ، وكسر اللام وبالجيم ، قال الرشاطي : المدلجي في كنانة ينسب إلى مدلج بن مرة بن عبد مناة ، منهم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مجزز المدلجي القائف المذكور في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، وهو مجزز بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عتوادة بن عمرو بن مدلج نسبه إلى ابن الكلبي قوله : " ويقال : إنها " أي : إن هذه السرية سرية الأنصاري ، وأراد بها عبد الله بن حذافة السهمي القرشي المهاجري ، وقال ابن الجوزي قوله : " الأنصاري " وهم من بعض الرواة ، وإنما هو سهمي ، وقال بعضهم : يحتمل الحمل على المعنى الأعم ، أي : أنه نصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الجملة ( قلت ) : فيه نظر ؛ لأن هذا الاحتمال يجري في جميع الصحابة ، والأنصار خلاف المهاجرين ، وليس المراد منه المعنى اللغوي . 340 - ( حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا الأعمش قال : حدثني سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي رضي الله عنه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل عليها رجلا من الأنصار ، وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال : أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني ؟ قالوا : بلى ، قال : فاجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال : أوقدوا نارا فأوقدوها ، فقال : ادخلوها فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا ، ويقولون : فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار ، فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة ، الطاعة في المعروف ) . مطابقته للترجمة في قوله : " فاستعمل رجلا من الأنصار " فإنه عبد الله بن حذافة ، وقد مر الكلام في قوله : " الأنصاري " عبد الواحد هو ابن زياد ، والأعمش سليمان ، وسعد بن عبيدة بالتصغير أبو حمزة الكوفي ، ختن أبي عبد الرحمن ، واسم أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي ، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأحكام ، عن عمر بن حفص ، وفي خبر الواحد عن بندار ، عن غندر ، وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي موسى وبندار وغيرهما ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن عمرو بن مسروق ، وأخرجه النسائي في البيعة والسير عن ابن المثنى وغيره ، قوله : " فغضب " وفي رواية الأعمش في الأحكام فغضب عليهم ، وفي رواية مسلم فأغضبوه في شيء ، قوله : " فهموا " فسره الكرماني بقوله : وحزنوا ، وليس كذلك ، بل المعنى قصدوا الدخول ، والدليل عليه رواية حفص ، فلما هموا بالدخول فيها فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض ، وفي رواية ابن جرير من طريق أبي معاوية عن الأعمش فقال لهم شاب منهم : لا تعجلوا بدخولها ، وفي حديث أبي سعيد أنهم تحجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها ، فقال : احبسوا أنفسكم ، فإنما كنت أضحك معكم ، قوله : " حتى خمدت النار " بفتح الميم يعني انطفى لهيبها ، وحكى المطرزي كسر الميم ، قوله : " فبلغ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " ، وفي رواية حفص ، فذكر ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفي رواية مسلم : فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : " لو دخلوها ما خرجوا منها " ، وفي رواية حفص : ما خرجوا منها أبدا ، يعني أن الدخول فيها معصية ، والعاصي يستحق النار ، والمراد بقوله : إلى يوم القيامة التأبيد ، يعني لو دخلوها مستحلين له لما خرجوا منها أبدا ، قوله : " الطاعة في المعروف " يعني الطاعة للمخلوق في أمر عرف بالشرع ، وفي كتاب خبر الواحد لا طاعة في معصية ، وفي حديث أبي سعيد : من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه ، وفيه أن الأمر المطلق يخص بما كان منه في غير معصية فافهم ، والله تعالى أعلم .