14- سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَادٍ : دَاعٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : صَدِيدٌ : قَيْحٌ وَدَمٌ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ . تَبْغُونَهَا عِوَجًا تلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا . وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ أَعْلَمَكُمْ ، آذَنَكُمْ . فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ . مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ . مِنْ وَرَائِهِ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ . لَكُمْ تَبَعًا وَاحِدُهَا تَابِعٌ ، مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ . بِمُصْرِخِكُمْ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي ، يَسْتَصْرِخُهُ مِنْ الصُّرَاخِ . وَلا خِلالٌ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا ، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ . اجْتُثَّتْ اسْتُؤْصِلَتْ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَادٍ دَاعٍ ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ . وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْذِرِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ أَيْ دَاعٍ . وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلِهِ . وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْهَادِي اللَّهُ . وَهَذَا بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ كَأَنَّهُ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : الْهَادِي الْقَائِدُ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ أَيْضًا : الْهَادِي نَبِيٌّ . وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ . وَيُحْمَلُ الْقَوْمُ فِي الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى الْعُمُومِ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، وَأَبِي الضُّحَى ، وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ : الْهَادِي مُحَمَّدٌ . وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْجَمِيعِ . وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ عَلَى هَذَا الْخُصُوصِ أَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَالْمُسْتَغْرَبُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ : أَنَا الْمُنْذِرُ . وَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ : أَنْتَ الْهَادِي بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بَعْدِي فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ . قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ : هُوَ عَلِيٌّ . وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ الشِّيعَةِ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا مَا تَخَالَفَتْ رُوَاتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : صَدِيدٌ قَيْحٌ وَدَمٌ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ قَالَ : قَيْحٌ وَدَمٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْهُ ، وَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ قَالَ : نِعَمِ اللَّهِ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَقُلْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ قَالَ : رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( تَبْغُونَهَا عِوَجًا تَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا ) كَذَا وَقَعَ هُنَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصَنِيعِهِمْ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَذِكْرُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ تَفَاسِيرِهِ أَوْلَى ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا قَالَ تَلْتَمِسُونَ لَهَا الزَّيْغَ ، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ الْعِوَجَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدِّينِ ، وَبِفَتْحِهَا فِي الْعَوْدِ وَنَحْوَهُ مِمَّا كَانَ مُنْتَصِبًا . قَوْلُهُ : وَلا خِلالٌ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا ، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالِ ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ أَيْ لَا مُخَالَّةَ خَلِيلٍ ، قَالَ : وَلَهُ مَعْنَى آخَرَ جَمْعُ خُلَّةٍ مِثْلُ حُلَّةٍ وَالْجَمْعُ خِلَالٌ وَقُلَّةٍ وَالْجَمْعُ قِلَالٌ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا بُيُوعًا وَخِلَالًا يَتَخَالَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، فَمَنْ كَانَ يُخَالِلُ اللَّهَ فَلْيَدُمْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَسَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَنْ جَعَلَ الْخِلَالَ فِي الْآيَةِ جَمْعُ خُلَّةٍ . قَوْلُهُ : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ أَعْلَمَكُمْ رَبُّكُمْ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ إِذْ زَائِدَةٌ ، وَتَأَذَّنَ تَفَعَّلَ مِنْ آذَنَ أَيْ أَعْلَمَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أنَّ تَأَذَّنَ مِنَ الْإِيذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ ، وَمَعْنَى تَفَعَّلَ عَزَمَ عَزْمًا جَازِمًا ، وَلِهَذَا أُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْقَسَمُ . وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَجْعَلُ أَذَّنَ وَتَأَذَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . قُلْتُ : وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ تَعَلَّمَ مَوْضِعَ أَعْلَمَ وَأَوْعَدَ وَتَوَعَّدَ وَقِيلَ إِنَّ إِذْ زَائِدَةٌ فَإِنَّ الْمَعْنَى اذْكُرُوا حِينَ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ . قَوْلُهُ : أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ هَذَا مِثْلُ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ مَجَازُهُ مَجَازُ الْمَثَلِ وَمَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ عَمَّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ يُقَالُ : رَدَّ يَدَهُ فِي فَمِهِ إِذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يُجِبْ . وَقَدْ تَعَقَّبُوا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ : لَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ رَدَّ يَدِهِ فِي فِيهِ إِذَا تَرَكَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : عَضُّوا عَلَى أَصَابِعِهِمْ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ وَقَالَ الشَّاعِرُ : يَرُدُّونَ فِي فِيهِ غَيْظِ الْحَسُودِ أَيْ يَغِيظُونَ الْحَسُودَ حَتَّى يَعَضَّ عَلَى أَصَابِعِهِ وَقِيلَ الْمَعْنَى رَدَّ الْكُفَّارَ أَيْدِي الرُّسُلَ فِي أَفَوَاهِمِ بِمَعْنَى أَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ كَلَامِهِمْ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَيْدِي النِّعَمُ أَيْ رَدُّوا نِعْمَةَ الرُّسُلِ وَهِيَ نَصَائِحُهُمْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَذَبُوهَا كَأَنَّهُمْ رَدُّوهَا مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ . قَوْلُهُ : ( مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي قَالَ : حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسَابِ . قُلْتُ : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرَ قَالَ الْفَرَّاءُ أَيْضًا إِنَّهُ مَصْدَرٌ لَكِنْ قَالَ إِنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ . قَوْلُهُ : مِنْ وَرَائِهِ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ مَجَازَهُ قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ يُقَالُ : الْمَوْتُ مِنْ وَرَائِكَ أَيْ قُدَّامَكَ وَهُوَ اسْمُ لِكُلِّ مَا تَوَارَى عَنِ الشَّخْصِ ، نَقَلَهُ ثَعْلَبٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مُنْيَتِي لُزُومُ الْعَصَا تُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ : وَلَيْسَ وَرَاءُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ أَيْ بَعْدَ اللَّهِ . وَنَقَلَ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ ، وَأَنْكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ نَفْطَوَيْهِ وَقَالَ : لَا يَقَعُ وَرَاءَ بِمَعْنَى أَمَامَ إِلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ . قَوْلُهُ : لَكُمْ تَبَعًا وَاحِدُهَا تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، وَغَيَبُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ . قَوْلُهُ : بِمُصْرِخِكُمْ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي ، يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أَيْ مَا أَنَا بِمُغِيثِكمْ ، وَيُقَالُ اسْتَصْرَخَنِي فَأَصْرَخْتُهُ أَيِ اسْتَغَاثَنِي فَأَغَثْتُهُ . قَوْلُهُ : ( اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا أَيْ قُطِعَتْ جُثَثُهَا بِكَمَالِهَا . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ بِمَثَلِ الْكَافِرِ ، يَقُولُ : الْكَافِرُ لَا يُقْبَلُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْعَدُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فَرْعٌ فِي السَّمَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ أَيْ مَا لَهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ وَلَا ثَمَرَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا يَقُولُ خَيْرًا ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ بَرَكَةً وَلَا مَنْفَعَةً .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ إِبْرَاهِيمَ · ص 226 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ · ص 228 1- بَاب كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ 4698- حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا ، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ . فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ النَّخْلَةُ ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ : يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ ؟ قَالَ : لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا ، قَالَ عُمَرُ : لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ الْآيَةَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى ( حِينٍ ) وَسَقَطَ عِنْدَهُمْ بَابُ قَوْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ) شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْهَا الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ تُشْبِهُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ وَلَمْ يَشُكَّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّجَرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ النَّخْلَةُ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَجَرَةُ الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ فِي قَوْلِهِ : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ قَالَ : هِيَ شَجَرَةُ جَوْزِ الْهِنْدِ لَا تَتَعَطَّلُ مِنْ ثَمَرَةٍ تَحْمِلُ كُلَّ شَهْرٍ ، وَمَعْنَى قَوْلُهُ : ( طَيِّبَةٌ ) أَيْ لَذِيذَةُ الثَّمَرِ أَوْ حَسَنَةُ الشَّكْلِ أَوْ نَافِعَةٌ ، فَتَكُونُ طَيِّبَةٌ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ نَفْعُهَا . وَقَوْلُهُ : أَصْلُهَا ثَابِتٌ أَيْ لَا يَنْقَطِعُ ، وَقَوْلُهُ : وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ أَيْ هِيَ نِهَايَةٌ فِي الْكَمَالِ ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُرْتَفِعَةٌ بَعُدَتْ عَنْ عُفُونَاتِ الْأَرْضِ . وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ النَّخْلَةُ وَالشَّجَرَةُ الْخَبِيثَةُ الْحَنْظَلَةُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة إبراهيم · ص 313 بسم الله الرحمن الرحيم . سورة إبراهيم عليه السلام . أي هذا في تفسير بعض سورة إبراهيم عليه السلام . بسم الله الرحمن الرحيم . لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر وحده ، قال أبو العباس : فيها آية واحدة مدنية وهي قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وعن الكلبي : هي مدنية نزلت فيمن قتل ببدر ، وعن ابن المنذر ، عن قتادة : نزلت بالمدينة من سورة إبراهيم : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا الآيتين ، وسائرها مكي ، وقال الثعلبي : مكية وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا وثمانمائة وإحدى وثلاثون كلمة ، واثنتان وخمسون آية . قال ابن عباس : هاد داع . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ولكن هذا في سورة الرعد ، والظاهر أن ذكر هذا هنا من بعض النساخ ، وفسر لفظ هاد بقوله : داع ، وروى هذا التعليق الحنظلي ، عن أبيه ، حدثنا أبو صالح ، حدثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس . وقال مجاهد : صديد قيح ودم . أشار به إلى قوله تعالى : مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ لم يذكر هذا في رواية أبي ذر ، وروى هذا التعليق ابن المنذر ، عن موسى ، عن أبي بكر ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وعن قتادة : هو ما يخرج من جلد الكافر ولحمه وعن محمد بن كعب ، والربيع بن أنس : هو غسال أهل النار ، وذلك ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر . وقال ابن عيينة : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أيادي الله عندكم وأيامه . أي قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية ، وفسر نعمة الله بقوله : أيادي الله ، والأيادي جمع الأيدي ، وهو جمع اليد بمعنى النعمة ، وهذا التعليق وصله الطبري من طريق الحميدي عنه . وقال مجاهد : مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ رغبتم إليه فيه . أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ أن معناه : وأعطاكم من كل ما رغبتم إليه فيه ، وقال بعض المفسرين : معناه : وآتاكم من كل ما سألتموه ، وما لم تسألوه ، وعن الضحاك : أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها على النفي على قراءة من كل بالتنوين صدق الله تعالى ، كم من شيء أعطانا الله وما سألناه إياه ، ولا خطر لنا على بال ، وعن الحسن رحمه الله : من كل الذي سألتموه أي من كل ما سألتم . تَبْغُونَهَا عِوَجًا يلتمسون لها عوجا . أشار به إلى قوله تعالى : وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا الآية ، هذا وقع هنا في رواية الأكثرين ، وهو الصواب لأنه من تفسير مجاهد أيضا ، وفسر قوله : يبغونها بقوله : يلتمسون لها ، وقد وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : يلتمسون لها الزيغ والعوج بالفتح فيما كان مائلا منتصبا كالحائط والعود ، وبالكسر في الأرض والدين وشبههما ، قاله ابن السكيت ، وابن فارس . وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ أعلمكم آذنكم . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وفسر تأذن بقوله : أعلمكم ، قوله : آذنكم كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر : أعلمكم ربكم ، ونقل بعضهم عن أبي عبيدة أنه قال : كلمة إذ زائدة ، قلت : ليس كذلك بل معناه : اذكروا حين تأذن ربكم ، ومعنى تأذن ربكم أذن ربكم ، قال الزمخشري : ونظير تأذن وآذن توعد وأوعد ، تفضل وأفضل ، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل ، كأنه قيل : وإذ تأذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك ، وقال بعضهم : إذ تأذن من الإيذان ، قلت : ليس كذلك بل هو من التأذين . فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ هذا مثل : كفوا عما أمروا به . أشار به إلى قوله تعالى : جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وقال ابن مسعود : عضوا على أيديهم غيظا عليهم ، قوله : هذا مثل قال الكرماني : هذا بحسب المقصود مثل : كفوا عما أمروا به ، قال : ويروى مثل بالمفتوحتين انتهى ، ولم يوضح ما قاله حتى يشبع الناظر فيه ، أقول : مثل كفوا بكسر الميم وسكون الثاء يعني معنى ردوا أيديهم في أفواههم مثل معنى : كفوا عما أمروا به ، وهو على صيغة المجهول ، وأما المعنى على رواية هذا مثل بفتحتين فعلى طريق المثل أي مثل ما جاء به الأنبياء من النصائح والمواعظ ، وأنهم ردوها أبلغ رد ، فردوا أيديهم في أفواههم ، وقالوا : إنا كفرنا بما أرسلتم به ، أراد إن هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره ، ويقال : أو وضعوا أيديهم على أفواههم يقولون للأنبياء : أطبقوا أيديكم أفواهكم واسكتوا ، أو ردوها في أفواه الأنبياء ، يشيرون لهم إلى السكوت أو وضعوها على أفواههم ولا يذرونهم يتكلمون . مقامي حيث يقيمه الله بين يديه . أشار به إلى قوله تعالى : ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ وفسر قوله : مقامي بقوله : حيث يقيمه بين يديه ، وهكذا روي عن ابن عباس وغيره ، وفي التفسير : مقامي موقفي ، وهو موقف الحساب لأنه موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ، وقيل : خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله . من ورائه قدامه جهنم . أشار به إلى قوله تعالى : وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ وفسر الوراء بالقدام ، وفسره الزمخشري بقوله : بمن بين يديه ، ونقل قطرب وغيره أنه من الأضداد ، وأنكره إبراهيم بن عرفة ، وقال : لا يقع وراء بمعنى أمام إلا في زمان أو مكان ، وقال الأزهري : معناه ما توارى عنه واستتر . لكم تبعا واحدها تابع مثل غيب وغائب . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ التبع جمع تابع كخدم جمع خادم ، ومثله البخاري بقوله : مثل غيب بفتحتين جمع غائب ، وقيل : معناه إنا كنا لكم ذوي تبع . بمصرخكم استصرخني استغاثني يستصرخه من الصراخ . أشار به إلى قوله : فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ وهذا لم يثبت إلا في رواية أبي ذر ، قوله : مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي ما أنا بمغيثكم قال أبو عبيدة ، وقال الزمخشري : مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ لا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه ، والإصراخ الإغاثة ، وقرئ : بمصرخي بكسر الياء وهي ضعيفة ، قلت : القراءة الصحيحة فتح الياء ، وهو الأصل ، وقرأ حمزة بكسر الياء ، وقال الزجاج : هي عند جميع النحويين ضعيفة لا وجه لها إلا وجه ضعيف ، وهو ما أجازه الفراء من الكسر على الأصل لالتقاء الساكنين . قوله : استصرخني يقال : استصرخني فلان أي استغاثني ، فأصرخته أي أغثته ، قوله : يستصرخه معناه يصيح به ، فلذا قال : من الصراخ بالخاء المعجمة وهو الصوت . ولا خلال مصدر خاللته خلالا ويجوز أيضا جمع خلة وخلال . أشار به إلى قوله تعالى : يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ وذكر في لفظ خلال وجهان أحدهما : أنه مصدر خاللته خلال ، والمعنى ولا مخاللة خليل ، وثانيهما : أنه جمع خلة مثل ظلة وظلال وهذا الوجه قاله أبو علي الفارسي وجمهور أهل اللغة على الأول ، والخلة بضم الخاء الصداقة ، والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه ، ومنه الخليل وهو الصديق . اجتثت استؤصلت . أشار به إلى قوله تعالى : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ وفسر هذه اللفظة بقوله : استؤصلت ، وهو على صيغة المجهول من الاستئصال ، وهو القلع من أصله .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين · ص 4 باب قوله : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ هذا باب في قوله تعالى : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وليس في أكثر النسخ لفظ باب ، وفي رواية أبي ذر إلى قوله : ثابت ، وفي رواية غيره إلى حين ، الكلام أولا في وجه التشبيه بين الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة ، وبيانه موقوف على تفسير الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة ، فالكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله ، نقل ذلك عن ابن عباس ، وهو قول الجمهور ، والشجرة الطيبة فيها أقوال فقيل : كل شجرة طيبة مثمرة ، وقيل : النخلة ، وقيل : الجنة وقيل : شجرة في الجنة ، وقيل : المؤمن ، وقيل : قريش ، وقيل : جوز الهند ، وأما بيان وجه التشبيه على القول الأول فهو من حيث الحسن والزهارة والطيب والمنافع الحاصلة في كل واحدة من كلمة الشهادة ، والشجرة الطيبة المثمرة ، وأما على القول الثاني وهو الذي عليه الجمهور فهو من حيث كثرة الخير في العاجل والآجل وحسن المنظر والشكل الموجود في كل واحد من كلمة الشهادة والنخلة ، فإن كثرة الخير في العاجل والآجل مستمرة في صاحب كلمة الشهادة ، وكذلك حسن المنظر والشكل ، وفي النخلة كذلك فإنها كثيرة الخير وطيبة الثمرة من حين تطلع يؤكل منها حتى تيبس فإذا يبست يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها وأغصانها وورقها ونواها ، وقيل : وجه التشبيه أن رأسها إذا قطع ماتت بخلاف باقي الشجر ، وقيل : لأنها لا تحمل حتى تلقح ، وقيل : إنها فضلة طينة آدم عليه الصلاة والسلام على ما روي ، وقيل : في علو فروعها كارتفاع عمل المؤمن ، وقيل : لأنها شديدة الثبوت كثبوت الإيمان في قلب المؤمن ، وأما على القول الثالث أنها شجرة في الجنة رواه أبو ظبيان عن ابن عباس فهو من حيث الدوام والثبوت على ما لا يخفى ، وأما على القول الرابع فهو من حيث ارتفاع عمل المؤمن الصالح في كل وقت ، ووجود ثمرة النخلة في كل حين ، وأما على القول الخامس فهو من حيث ارتفاع القدر في كل واحد من قريش والنخلة أما قريش فلا شك أن قدرهم مرتفع على سائر قبائل العرب ، وأما النخلة فكذلك على سائر الأشجار من الوجوه التي ذكرناها ، وأما على القول السادس الذي هو جوز الهند فهو من حيث إنه لا يتعطل من ثمره على ما رواه ابن مردويه من حديث فروة بن السائب عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس في قوله : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ قال : هي شجر جوز الهند لا يتعطل من ثمره ، تحمل في كل شهر ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضا قال السهيلي : ولا يصح ، وكذلك المؤمن الذي هو صاحب كلمة الشهادة لا يتعطل من عمله الصالح ، قوله : أَصْلُهَا ثَابِتٌ أي في الأرض ، وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ يعني في العلو ، فإذا كان أصلها ثابتا أمن الانقطاع لأن الطيب إذا كان في معرض الانقراض حصل بسبب فنائه وزواله الحزن ، فإذا علم أنه باق عظم الفرح بوجدانه ، وإذا كان فرعها في السماء دل على كمالها من وجهين : الأول : ارتفاع أغصانها وقوتها وتصعدها يدل على ثبوت أصلها ورسوخ عروقها ، الثاني : إذا كانت مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض فكانت ثمرتها نقية طاهرة من جميع الشوائب ، قوله : تُؤْتِي أي تعطي أُكُلَهَا أي ثمرها كُلَّ حِينٍ اختلفوا فيه ، فقال مجاهد ، وعكرمة ، وابن زيد : كل سنة ، وعن ابن عباس : الحين حينان حين يعرف ويدرك ، وحين لا يعرف ، فالأول : قوله : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ والثاني قوله : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ فهو ما بين العام إلى العام المقبل ، وقال سعيد بن جبير ، وقتادة : الحين كل ستة أشهر ما بين صرامها إلى حملها ، وقال الربيع بن أنس : كل حين كل غدوة وعشية كذلك يصعد عمل المؤمن أول النهار وآخره ، وهي رواية عن ابن عباس أيضا ، وقال الضحاك : الحين ساعة ليلا ونهارا صيفا وشتاء يؤكل في جميع الأوقات كذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها ، فإن قلت : قد بينت وجه التشبيه بين الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة ، فما الحكمة بالتمثيل بالشجرة ؟ قلت : لأن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ ، وأصل قائم ، وفرع عال ، فكذلك الإيمان لا يقوم ولا يثمر إلا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل بالأبدان . 218 - حدثني عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخبروني بشجرة تشبه ، أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ، ولا ولا ولا تؤتي أكلها كل حين ، قال ابن عمر : فوقع في نفسي أنها النخلة ، ورأيت أبا بكر ، وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم ، فلما لم يقولوا شيئا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي النخلة ، فلما قمنا ، قلت لعمر : يا أبتاه ، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة ، فقال : ما منعك أن تكلم ؟ قال : لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا ، قال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا . . مطابقته للترجمة من حيث إن الشجرة الطيبة هي النخلة على قول الجمهور ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وعبيد الله بن عمر العمري ، والحديث قد مر في كتاب العلم في أربعة مواضع ، ومر الكلام فيه هناك . قوله : تشبه أو كالرجل المسلم شك من أحد الرواة ، ومعناه تشبه الرجل المسلم أو قال : كالرجل المسلم ، قوله : ولا يتحات من باب التفاعل أي لا يتناثر ، قوله : ولا ولا ولا ثلاث مرات أشار بها إلى ثلاث صفات أخر للنخلة ، ولم يذكرها الراوي ، واكتفى بذكر كلمة لا ثلاث مرات ، وقوله : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ صفة خامسة لها ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، قوله : النخلة بالرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هي النخلة ، قوله : أن تكلم بنصب الميم لأن أصله أن تتكلم ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا ، قوله : من كذا وكذا أي من حمر النعم كما في الرواية الأخرى .