19 - كهيعص قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ اللَّهُ يَقُولُهُ ، وَهُمْ الْيَوْمَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ . فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يَعْنِي قَوْلَهُ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ . لأَرْجُمَنَّكَ لَأَشْتِمَنَّكَ ، وَرِئْيًا مَنْظَرًا . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : تَؤُزُّهُمْ أَزًّا تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِدًّا عِوَجًا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وِرْدًا عِطَاشًا . أَثَاثًا مَالًا . إِدًّا قَوْلًا عَظِيمًا . رِكْزًا صَوْتًا . غَيًّا خُسْرَانًا . بُكِيًّا : جَمَاعَةُ بَاكٍ . صِلِيًّا صَلِيَ يَصْلَى . نَدِيًّا وَالنَّادِي وَاحِدٌ : مَجْلِسًا . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - سُورَةُ كهيعص ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَهِيَ لَهُ بَعْدَ التَّرْجَمَةِ . وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْكَافُ مِنْ كَرِيمٍ ، وَالْهَاءُ مِنْ هَادِي ، وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ ، وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ ، وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ : يَمِينُ بَدَلَ حَكِيمٍ ، وَ عَزِيزٌ بَدَلَ عَلِيمٍ . وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ : الْكَافُ مِنَ كَبِيرِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ من طَرِيقَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كهيعص قَسَمٌ ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ وَمِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ قَالَتْ : كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ : يَا كهيعص اغْفِرْ لِي وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : هِيَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ اللَّهُ يَقُولُهُ ، وَهُمُ الْيَوْمُ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ يَعْنِي قَوْله : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ : سَمِعُوا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ السَّمْعُ ، وَأَبْصَرُوا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ الْبَصَرُ . قَوْلُهُ : لأَرْجُمَنَّكَ لَأَشْتُمَنَّكَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الرَّجْمُ الْكَلَامُ . قَوْلُهُ : ( وَرِئْيًا مَنْظَرًا ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَثَاثُ الْمَتَاعُ ، وَالرِّئْيُ الْمَنْظَرُ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : الثِّيَابُ . وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : الصُّوَرُ . وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا ) كَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَمِثْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ أَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَ : تُغْرِيهِمْ إِغْرَاءً . وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ : تُطْغِيهِمْ طُغْيَانًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِدًّا عِوَجًا ) سَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وِرْدًا عِطَاشًا ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : أَثَاثًا مَالًا ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا قَالَ : أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَحْسَنُ صُوَرًا . قَوْلُهُ : إِدًّا قَوْلًا عَظِيمًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : غَيًّا خُسْرَانًا ) ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْغَيُّ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ بَعِيدُ الْقَعْرِ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَالطَّبَرِيُّ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِثْلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ . قَوْلُهُ : رِكْزًا صَوْتًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الرِّكْزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : بُكِيًّا جَمَاعَةُ بَاكٍ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قِيَاسَ جَمْعِ بَاكٍ مِثْلُ قَاضٍ وَقُضَاةٍ ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ أَصْلَهُ بُكُوًّا بِالْوَاوِ الثَّقِيلَةِ مِثْلُ قَاعِدٍ وَقُعُودٍ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ لِمَجِيئِهَا بَعْدَ كَسْرَةٍ ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ فُعُولٍ مِثْلُ جَلَسَ جُلُوسًا ، ثُمَّ قَالَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبُكِيِّ نَفْسُ الْبُكَاءِ ، ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ : وَيْحَكَ هَذَا السُّجُودُ فَأَيْنَ الْبُكَاءُ ؟ كَذَا قَالَ ، وَكَلَامُ عُمَرَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْجَمَاعَةَ أَيْضًا أَيْ أَيْنَ الْقَوْمُ الْبُكِيُّ . قَوْلُهُ : صِلِيًّا صَلِيَ يَصْلَى ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ : وَالصِّلِيُّ فُعُولٌ ، وَلَكِنِ انْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ . قَوْلُهُ : نَدِيًّا وَالنَّادِي وَاحِدٌ مَجْلِسًا ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَأَحْسَنُ نَدِيًّا قَالَ : مَجْلِسًا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَأَحْسَنُ نَدِيًّا أَيْ مَجْلِسًا ، وَالنَّدِيُّ وَالنَّادِي وَاحِدٌ وَالْجَمْعُ أَنْدِيَةٌ ، وَقِيلَ أُخِذَ مِنَ النَّدَى وَهُوَ الْكَرْمُ لِأَنَّ الْكُرَمَاءُ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ مَجْلِسٍ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ النَّادِي الْمَجْلِسُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْجُلَسَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : فَلْيَمْدُدْ فَلْيَدَعْهُ ) هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ فَلْيَدَعْهُ اللَّهُ فِي طُغْيَانِهِ أَيْ يُمْهِلُهُ إِلَى مُدَّةٍ ، وَهُوَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِخْبَارُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ فِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَزِيدُهُ ضَلَالَةً . 1 - بَاب وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ 4730 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، هَذَا الْمَوْتُ . وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ . ثُمَّ يُنَادِي : يَا أَهْلَ النَّارِ ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، هَذَا الْمَوْتُ . وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ، فَيُذْبَحُ . ثُمَّ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ . وَيَا أَهْلَ النَّارِ ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا - وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ قَوْلُهُ بَابُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَبْحِ الْمَوْتِ ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مَشْرُوحًا ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : فَيَشْرَئِبُّونَ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءَ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ مَضْمُومَةٍ أَيْ يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ يَنْظُرُونَ . وَقَوْلُهُ : أَمْلَحُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ صِفَتَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ السَّوَادُ وَالْبَيَاضُ . قَوْلُهُ ( ثُمَّ قَرَأَ وَأَنْذِرْهُمْ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْإِدْرَاجِ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ فَقَالَ : يُؤْتَى بِالْمَوْتِ إِلَخْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ · ص 280 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة كهيعص · ص 50 بسم الله الرحمن الرحيم . لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . سورة كهيعص . أي هذا في تفسير بعض سورة كهيعص ، قال الثعلبي : مكية كلها ، وقال مقاتل : مكية كلها إلا سجدتها ، فإنها مدنية ، وعن القرطبي عنه نزلت بعد المهاجرة إلى أرض الحبشة ، وهي ثمان وتسعون آية وتسع مائة واثنان وستون كلمة ، وثلاثة آلاف وثمانمائة حرف وحرفان . واختلفوا في معناها فعن ابن عباس : اسم من أسماء الله تعالى ، وقيل : اسم الله الأعظم ، وعن قتادة : هو اسم من أسماء القرآن ، وقيل : اسم السورة ، وعن ابن عباس أيضا هو قسم أقسم الله تعالى به ، وعن الكلبي : هو ثناء أثنى الله به على نفسه ، وعن ابن عباس أيضا : الكاف من كريم ، والهاء : من هاد ، والياء : من رحيم ، والعين : من عليم ، وعظيم ، والصاد : من صادق ، رواه الحاكم من طريق عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . قال ابن عباس : أسمع بهم وأبصر الله يقوله وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون ، في ضلال مبين يعني قوله : أسمع بهم وأبصر الكفار يومئذ أسمع شيء وأبصره . أي قال ابن عباس في قوله تعالى : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قوله : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ لفظه لفظ الأمر ، ومعناه الخبر ، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم ذلك ، وقيل : أسمع بحديثهم ، وأبصر كيف يسمع بهم يوم يأتوننا يعني يوم القيامة ، قوله : الله يقوله جملة اسمية ، قوله : وهم أي الكفار اليوم لا يسمعون ولا يبصرون ، واليوم نصب على الظرف ، قوله : الكفار يومئذ أسمع شيء وأبصره لكنهم اليوم يعني في الدنيا في ضلال مبين لا يسمعون ولا يبصرون ، ثم تعليق ابن عباس هذا وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قوله . لأرجمنك لأشتمنك . أشار به إلى قوله تعالى : يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا وفسر قوله : لأرجمنك بقوله : لأشتمنك ، وكذا فسره مقاتل ، والضحاك ، والكلبي ، وعن ابن عباس : معناه لأضربنك ، وقيل : لأظهرن أمرك ، قوله : مليا أي دهرا ، قاله سعيد بن جبير ، وعن مجاهد ، وعكرمة : حينا ، وعن قتادة والحسن وعطاء : سالما . ورئيا منظرا . أشار به إلى قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا وفسر ورئيا بقوله : منظرا وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس به ، وقال الثعلبي : وقرئ بالزاي وهو الهيئة . وقال أبو وائل : علمت مريم أن التقي ذو نهية حتى قالت : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا وقال ابن عيينة : تَؤُزُّهُمْ أَزًّا تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا . أي قال سفيان بن عيينة في قوله عز وجل : أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا ، وكذا روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وعن الضحاك : تأمرهم بالمعاصي أمرا ، وعن سعيد بن جبير : تغريهم إغراء ، وعن مجاهد : تشليهم إشلاء ، وعن الأخفش : توهجهم ، وعن المورج : تحركهم ، والأز في الأصل الصوت . وقال مجاهد : لدا عوجا . أشار به إلى قوله تعالى : لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا وفسر لدا بقوله : عوجا بضم العين جمع أعوج ، واللد جمع ألد ، يقال : رجل ألد إذا كان من عادته مخاصمة الناس ، وعن مجاهد : الألد الظالم الذي لا يستقيم ، وعن أبي عبيدة : ألالد الذي لا يقبل الحق ، ويدعي الباطل ، وتعليق مجاهد رواه ابن المنذر عن علي بن أبي طلحة ، حدثنا زيد ، حدثنا ابن ثور ، عن ابن جريج ، عن مجاهد . قال ابن عباس : وردا عطاشا . أي قال عبد الله بن عباس في قوله تعالى : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا وفسر وردا بقوله : عطاشا ، والورد جماعة يردون الماء ، اسم على لفظ المصدر ، وقال الثعلبي : عطاشا مشاة على أرجلهم قد تقطعت أعناقهم من العطش . أثاثا : مالا . أشار به إلى قوله تعالى : هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا وفسر أثاثا بقوله : مالا ، وعن ابن عباس : هيئة ، وعن مقاتل : ثيابا ، وقيل : متاعا . إدا : قولا عظيما . أشار به إلى قوله تعالى : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا وفسر إدا بقوله : قولا عظيما ، وهو اتخاذهم لله ولدا ، وروي هكذا عن ابن عباس رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس . ركزا : صوتا . أشار به إلى قوله تعالى : أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا وفسر ركزا بقوله : صوتا ، وكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وكذا روى عبد الرزاق عن قتادة مثله ، قال الطبري : الركز في كلام العرب الصوت الخفي . غيا : خسرانا . أشار به إلى قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وفسر غيا بقوله : خسرانا لم يثبت هذا لأبي ذر ، وروى الطبري من طريق علي ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس مثله ، وعن ابن مسعود : الغي واد في جهنم بعيد القعر ، أخرجه الحاكم ، وعنه : الغي نهر في جهنم ، وعن عطاء الغي : واد في جهنم يسيل قيحا ودما ، وعن كعب هو واد في جهنم أبعدها قعرا ، وأشدها حرا ، فيه بئر يسمى الهيم ، كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فتسعر بها جهنم . بكيا : جماعة باك . أشار به إلى قوله تعالى : خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا وقال : بكيا جمع باك ، وكذا قاله أبو عبيدة ، قلت : أصله بكوي على وزن فعول ، كقعود جمع قاعد اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ثم أدغمت الياء في الياء ثم أبدلت ضمة الكاف كسرة لأجل الياء فافهم ، وقال الثعلبي : هذه الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه . صليا : صلي يصلى . أشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وكان ينبغي أن يقول : صليا مصدر صلي يصلى من باب علم يعلم ، كلقي يلقى لقيا ، يقال : صلي فلان النار أي دخلها واحترق . نديا والنادي واحد مجلسا . أشار به إلى قوله تعالى : أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا وأن نديا والنادي واحد ، ثم فسر نديا بقوله : مجلسا ، وقال أبو عبيدة : الندي والنادي واحد ، والجمع أندية ، وفسر قوله تعالى : نَدِيًّا أي مجلسا ، والندي مجلس القوم ومجتمعهم ، وقيل : أخذ من الندى ، وهو الكرم ، لأن الكرماء يجتمعون فيه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وأنذرهم يوم الحسرة · ص 51 باب قوله : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ أي هذا باب في قوله عز وجل : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي أنذر كفار مكة يوم الحسرة يوم القيامة يوم يتحسر المسيء هلا أحسن العمل ، والمحسن هلا ازداد من الإحسان ، وأكثر المفسرين يوم الحسرة حين يذبح الموت ، قوله : إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ أي فرغ من الحساب ، وقيل : ذبح الموت ، وهم في غفلة في الدنيا وهم لا يؤمنون بما يكون في الآخرة ، وكلمة إذ بدل من الحسرة أو منصوب بالحسرة . 251 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد : يا أهل الجنة ، فيشرئبون ، وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلهم قد رآه ، ثم ينادي : يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلهم قد رآه فيذبح ثم يقول : يا أهل الجنة ، خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، ثم قرأ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ، وهم لا يؤمنون . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والأعمش هو سليمان ، وأبو صالح هو ذكوان السمان ، وأبو سعيد اسمه سعد بن مالك . والحديث أخرجه مسلم في صفة النار ، عن عثمان بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن أحمد بن المنيع ، وأخرجه النسائي في التفسير عن هناد بن العوسي . قوله : يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح ، والأملح الذي فيه بياض كثير سواد قاله الكسائي ، وقال ابن الأعرابي : هو الأبيض الخالص ، والحكمة في كونه على هيئة كبش أبيض لأنه جاء أن ملك الموت أتى آدم عليه الصلاة والسلام في صورة كبش أملح قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح ، والحكمة في كون الكبش أملح أبيض وأسود أن البياض من جهة الجنة والسواد من جهة النار قاله علي بن حمزة ، قوله : فيشرئبون من الاشريباب يقال : اشرأب إذا مد عنقه لينظر ، وقال الأصمعي : إذا رفع رأسه ، قوله : فيقولون : نعم فإن قلت : من أين عرفوا ذلك حتى يقولون : نعم ؟ قلت : لأنهم يعاينون ملك الموت في هذه الصورة عند قبض أرواحهم ، قوله : فيذبح أي بين الجنة والنار ، فيذبح الحديث ، وقيل : يذبح على الصراط على ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ : يجاء بالموت فيوقف على الصراط فيقال : يا أهل الجنة فيطلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم ، ثم يقال : يا أهل النار ، فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من النار ، فيقال : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ، فيؤمر به فيذبح على الصراط ، وقيل : يذبح على السور الذي بين الجنة والنار ، وأخرج الترمذي هذا ، فيقولون : نعم هذا الموت ، ثم قال : حسن صحيح ، فإن قلت : الموت عرض بنا في الحياة أو هو عدم الحياة ، فكيف يذبح ؟ قلت : يجعله الله مجسما حيوانا مثل الكبش ، أو المقصود منه التمثيل ، وعن ابن عباس ، ومقاتل ، والكلبي : أن الموت والحياة جسمان ، فالموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ، ولا يجد ريحه شيء إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبونها ، خطوها مد البصر فوق الحمار ، ودون البغل ، لا يمر بشيء ، ولا يجد ريحها إلا حيي ، وهو الذي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل ، فإن قلت : من الذابح للموت ؟ قلت : يذبحه يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : الذي يذبحه جبريل عليه الصلاة والسلام ، ذكره القرطبي في التذكرة ، قوله : خلود لا موت لفظ خلود إما مصدر ، وإما جمع خالد ، قال الكرماني : ولم يبين ما وراء ذلك ، قلت : إذا كان مصدرا يكون تقديره : أنتم خلود وصف بالمصدر للمبالغة كما تقول : رجل عدل ، وإذا كان جمعا يكون تقديره : أنتم خالدون ، وهذا أيضا يدل على الخلود لأهل الدارين لا إلى أمد وغاية ، ومن قال : إنهم يخرجون منها ، وإن النار تبقى خالية ، وإنها تفنى وتزول ، فقد خرج عن مقتضى العقول ، وخالف ما جاء به الرسول ، وما أجمع عليه أهل السنة والعدول ، وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العليا التي فيها عصاة أهل التوحيد ، وهي التي ينبت على شفيرها الجرجير ، وقد بين ذلك موقوفا عبد الله بن عمرو بن العاص : يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها ، ليس فيها أحد من الموحدين ، وهذا وإن كان موقوفا ، فإن مثله لا يقال بالرأي ، قوله : وهم في غفلة فسر بهؤلاء ليشير إليهم بيانا لكونهم أهل الدنيا إذ الآخرة ليست دار غفلة .