20 - طه قَالَ ابن جبير : بِالنَّبَطِيَّةِ طَهْ يَا رَجُلُ ، يُقَالُ : كُلُّ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ فَهِيَ عُقْدَةٌ . أَزْرِي ظَهْرِي . فَيُسْحِتَكُمْ يُهْلِكَكُمْ . الْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ . يَقُولُ : بِدِينِكُمْ . يُقَالُ : خُذْ الْمُثْلَى ، خُذْ الْأَمْثَلَ . ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يُقَالُ : هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ ؟ يَعْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ . فَأَوْجَسَ : أضمر خَوْفًا فَذَهَبَتْ الْوَاوُ مِنْ خِيفَةً لِكَسْرَةِ الْخَاءِ . فِي جُذُوعِ أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ . خَطْبُكَ بَالُكَ . مِسَاسَ مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا . لَنَنْسِفَنَّهُ لَنَذْرِيَنَّهُ . قَاعًا يَعْلُوهُ الْمَاءُ وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنْ الْأَرْضِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَوْزَارًا أَثْقَالًا . مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الْحُلِيُّ الذي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ . فَقَذَفْتُهَا فَأَلْقَيْتُهَا . أَلْقَى صَنَعَ . فَنَسِيَ مُوسَى هُمْ يَقُولُونَهُ أَخْطَأَ الرَّبَّ . لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا الْعِجْلُ . هَمْسًا حِسُّ الْأَقْدَامِ . حَشَرْتَنِي أَعْمَى عَنْ حُجَّتِي . وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا فِي الدُّنْيَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِقَبَسٍ ضَلُّوا الطَّرِيقَ وَكَانُوا شَاتِينَ . فَقَالَ : إِنْ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهَا مَنْ يَهْدِي الطَّرِيقَ آتِكُمْ بِنَارٍ تُوقِدُونَ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : أَمْثَلُهُمْ أَعْدَلُهُمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَضْمًا لَا يُظْلَمُ فَيُهْضَمُ مِنْ حَسَنَاتِهِ . عِوَجًا وَادِيًا . وَلا أَمْتًا رَابِيَةً . سِيرَتَهَا حَالَتَهَا الْأُولَى . النُّهَى التُّقَى . ضَنْكًا الشَّقَاءُ . هَوَى شَقِيَ . بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ الْمُبَارَكِ . طُوًى اسْمُ الْوَادِي . بِمَلْكِنَا بِأَمْرِنَا . مَكَانًا سُوًى مَنْصَفٌ بَيْنَهُمْ . يَبَسًا يَابِسًا . عَلَى قَدَرٍ على مَوْعِدٍ . لَا تَنِيَا لا تَضْعُفَا . يفرط : عقوبة . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ طَهَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالضَّحَّاكُ : بِالنَّبَطِيَّةِ أَيْ طَهَ يَا رَجُلُ ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالنَّسَفِيِّ ، وَلِغَيْرِهِمَا قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أَيْ سَعِيدٍ ، فَأَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ فِي ذَلِكَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ طَهَ أَيْ طَهَ يَا رَجُلُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ طَهَ : قَالَ : هُوَ كَقَوْلِكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَبَشِيَّةِ وَأَمَّا قَوْلُ الضَّحَّاكِ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قُرَّةِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ فِي قَوْلِهِ طَهَ : قَالَ : يَا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَازِنٍ : مَا يَخْفَى عَلَيَّ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ : مَا طَهَ ؟ قَالَ : اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : إِنَّمَا هُوَ بِالنَّبَطِيَّةِ يَا رَجُلُ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى النَّبَطِ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ . وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَرَوَيْنَاهُ فِي الْجَعْدِيَّاتِ لِلْبَغَوِيِّ ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ الْأَفْطَسِ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الضَّحَّاكِ ، وَزَادَ الْحَارِثُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَا فِي قَوْلِهِ طَهَ قَالَ : يَا رَجُلُ وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ مِثْلِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ أُخْرَى ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى طَهَ ، أَيْ طَأِ الْأَرْضَ وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَحْوَهُ بِزِيَادَةِ أَنَّ ذَلِكَ لِطُولِ قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الصَّدَفِيِّ فِي هَامِشِ نُسْخَتِهِ : بَلَغَنَا أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ كَلَّمَهُ اللَّهُ قَامَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ خَوْفًا ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ طَهَ أَيِ اطْمَئِنَّ . وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : مَنْ قَرَأَ طَهَ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ فَمَعْنَاهُ يَا رَجُلُ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا لُغَةُ عَكٍّ ، وَمَنْ قَرَأَ بِلَفْظِ الْحَرْفَيْنِ فَمَعْنَاهُ اطْمَئِنَّ أَوْ طَأِ الْأَرْضَ . قُلْتُ : جَاءَ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِعَكِّيٍّ يَا رَجُلُ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُقَالَ لَهُ طَهَ . وَقَرَأَ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ الْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَهِيَ اخْتِيَارُ وَرْشٌ ، وَقَدْ وَجَّهُوهَا أَيْضًا عَلَى أَنَّهَا فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْوَطْءِ إِمَّا بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا أَوْ بِإِبْدَالِهَا هـَاءً ، فَيُوَافِقُ مَا جَاءَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ قَدْ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ أَلِفًا وَلَمْ يَحْذِفْهَا فِي الْأَمْرِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِهَا ، لَكِنْ فِي قِرَاءَةِ وَرْشٍ حَذْفُ الْمَفْعُولِ الْبَتَّةَ ، وَعَلَى مَا نَقَلَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَكُونُ الْمَفْعُولُ هُوَ الضَّمِيرُ وَهُوَ لِلْأَرْضِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ ، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ يَكُونُ اسْمًا . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ طَهَ مِنْ أَسْمَاءِ السُّورَةِ كَمَا قِيلَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَلْقَى صَنَعَ : أَزْرِي ظَهْرِي ، فَيُسْحِتَكُمْ يُهْلِكَكُمْ ) تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : الْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ إِلَخْ ) وهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً وَقَوْلُهُ : فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَ خَطْبُكَ وَ مِسَاسَ وَ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا وَكُلُّهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : قَاعًا يَعْلُوهُ الْمَاءُ ، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : الْقَاعُ الصَّفْصَفُ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْقَاعُ مَا انْبَسَطَ مِنَ الْأَرْضِ وَيَكُونُ فِيهِ السَّرَابُ نِصْفَ النَّهَارِ ، وَالصَّفْصَفُ الْأَمْلَسُ الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَوْزَارًا أَثْقَالًا ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الْحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) وَهُوَ الْأَثْقَالُ ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ مُوسَى . وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ : عَمَدَ السَّامِرِيُّ إِلَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُلِيِّ فَضَرَبَهُ عِجْلًا ، ثُمَّ أَلْقَى الْقَبْضَةَ فِي جَوْفِهِ فَإِذَا هُوَ عِجْلٌ لَهُ خُوَارٌ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى الْعِجْلِ فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَبَارِدَ عَلَى شَفِيرِ الْمَاءِ فَمَا شَرِبَ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ عَبَدَ الْعِجْلَ إِلَّا اصْفَرَّ وَجْهُهُ وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ حَدِيثُ الْفُتُونِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا تَوَجَّهَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ خَطَبَ هَارُونُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ : إِنَّكُمْ خَرَجْتُمْ مِنْ مِصْرَ وَلِقَوْمِ فِرْعَوْنَ عِنْدَكُمْ وَدَائِعٌ وَعَوَارِيُّ ، وَأَنَا أَرَى أَنْ نَحْفِرَ حَفِيرَةً وَنُلْقِيَ فِيهَا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ فَنُحْرِقَهُ ، وَكَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ وَكَانَ مِنْ جِيرَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاحْتَمَلَ مَعَهُمْ فَرَأَى أَثَرًا فَأَخَذَ مِنْهُ قَبْضَةً فَمَرَّ بِهَارُونَ فَقَالَ لَهُ : أَلَا تُلْقِي مَا فِي يَدِكَ ؟ فَقَالَ : لَا أُلْقِيهَا حَتَّى تَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ مَا أُرِيدُ ، فَدَعَا لَهُ فَأَلْقَاهَا فَقَالَ : أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عِجْلًا لَهُ جَوْفٌ يَخُورُ ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَيْسَ لَهُ رُوحٌ ، كَانَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ مِنْ دُبُرِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ فِيهِ فَكَانَ الصَّوْتُ مِنْ ذَلِكَ ، فَتَفَرَّقَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ فِرَقًا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَذَفْتُهَا أَلْقَيْتُهَا ، أَلْقَى صَنَعَ ، فَنَسِيَ مُوسَى هُمْ يَقُولُونَهُ أَخْطَأَ الرَّبُّ ، لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا : الْعِجْلُ ) تَقَدَّمَ كُلُّهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى . قَوْلُهُ : هَمْسًا حِسُّ الْأَقْدَامِ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ : صَوْتُ الْأَقْدَامِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : وَطْءُ الْأَقْدَامِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ هَمْسًا قَالَ : صَوْتًا خَفِيًّا . قَوْلُهُ ( حَشَرْتَنِي أَعْمَى عَنْ حُجَّتِي ، وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا فِي الدُّنْيَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَبَسٍ ضَلُّوا الطَّرِيقَ وَكَانُوا شَاتَيْنِ إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ وَفِي آخِرِهِ آتِكُمْ بِنَارٍ تُوقِدُونَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ تَدَّفِئُونَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أَعْدَلُهُمْ ) كَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَفِي رِوَايَةِ لِلطَّبَرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْفَاهُمْ عَقْلًا وَفِي أُخْرَى عَنْهُ أَعْلَمُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَضْمًا لَا يَظْلِمُ فَيَهْضِمُ مِنْ حَسَنَاتِهِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس فِي قَوْلِهِ : فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا قَالَ : لَا يَخَافُ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُظْلَمَ فَيُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِ وَلَا يُهْضَمُ فَيُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ . وَعَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِثْلُهُ . قَوْلُهُ : عِوَجًا وَادِيًا ، وَلا أَمْتًا رَابِيَةً ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْعِوَجُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَا اعْوَجَّ مِنَ الْمَسَايِلِ وَالْأَوْدِيَةِ ، وَالْأَمْتُ الِانْثِنَاءُ ، يُقَالُ مَدَّ حَبْلَهُ حَتَّى مَا تَرَكَ فِيهِ أَمْتًا . قَوْلُهُ : ضَنْكًا الشَّقَاءُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِلطَّبَرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلُهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ فِي قَوْلِهِ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : رِزْقًا فِي مَعْصِيَةٍ ، وَصَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي قَوْلِهِ مَعِيشَةً ضَنْكًا قَالَ : عَذَابُ الْقَبْرِ ، أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ هَذَا مُسْتَنِدًا إِلَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْآيَاتِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى وَفِي تَفْسِيرِ الضَّنْكِ أَقْوَالٌ أُخْرَى : قِيلَ الضِّيقُ وَهَذَا أَشْهَرُهَا ، وَيُقَالُ إِنَّهَا كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ مَعْنَاهَا الضِّيقُ وَأَصْلُهَا التَّنْكُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ بَدَلَ الضَّادِ فَعُرِّبَتْ ، وَقِيلَ الْحَرَامُ ، وَقِيلَ الْكَسْبُ الْخَبِيثُ . قَوْلُهُ : هَوَى شَقِيَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : سِيرَتَهَا حَالَتَهَا الْأُولَى ، وَقَوْلُهُ النُّهَى التُّقَى ، بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ الْمُبَارَكُ ، طُوًى اسْمُ الْوَادِي ) تَقَدَّمَ كُلُّهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : بِمَلْكِنَا بِأَمْرِنَا ، سُوًى مُنَصَّفٌ بَيْنَهُمْ ، يَبَسًا يَابِسًا . عَلَى قَدَرٍ عَلَى مَوْعِدٍ ) سَقَطَ هَذَا كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ مُوسَى أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( يَفْرُطُ : عُقُوبَةً ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، فِي قَوْلِهِ : أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا قَالَ : يَقْدَمُ عَلَيْنَا بِعُقُوبَةٍ ، وَكُلُّ مُتَقَدِّمٍ أَوْ مُتَعَجِّلٍ فَارِطٌ . قَوْلُهُ : وَلا تَنِيَا لَا تَضْعُفَا ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ ، وَمِنْ طَرِيقِ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَلا تَنِيَا لَا تُبْطِئَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ طه · ص 285 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي · ص 288 1 - بَاب وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي 4736 - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى ، فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ : أنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ له آدَمُ : آنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ ، وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى قَوْلُهُ : بَابُ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ وَاصْطَفَيْتُكَ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَلَعَلَّهَا ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ . وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُحَاجَّةِ مُوسَى وَآدَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سورة طه · ص 55 باب سورة طه . ليس في كثير من النسخ لفظ باب ، أي هذا باب في تفسير بعض سورة طه قال مقاتل : مكية كلها ، وكذا ذكره ابن عباس ، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم فيما ذكره ابن مردويه ، وفي مقامات التنزيل : مكية كلها لم يعرف فيها اختلاف إلا ما ذكر عن الكلبي في رواية أبي بكر أنه قال : آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى نزلت بالمدينة ، وهي في أوقات الصلوات ، وهي مائة وخمس وثلاثون آية ، وألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة ، وخمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا . بسم الله الرحمن الرحيم . أي قال سعيد بن جبير : معنى طه بالنبطية يا رجل ، والنبطية منسوبة إلى النبط بفتح النون والباء الموحدة ، وبالطاء المهملة قوم ينزلون البطائح بين العراقين ، وكثيرا يستعمل ويراد به الزراعون ، والمذكور هو رواية قوم ، وفي رواية أبي ذر والنسفي بسم الله الرحمن الرحيم ، قال عكرمة ، والضحاك : بالنبطية طه أي يا رجل ، وتعليق عكرمة وصله ابن أبي حاتم من رواية حصين بن عبد الرحمن ، عن عكرمة في قوله : طه أي يا طه ، يا رجل ، وتعليق الضحاك وصله الطبري من طريق قرة بن خالد ، عن الضحاك بن مزاحم في قوله : طه قال : يا رجل بالنبطية انتهى ، وتمثل قول ابن جبير ، روي عن ابن عباس ، والحسن وعطاء ، وأبي مالك ، ومجاهد ، وقتادة ، ومحمد بن كعب ، والسدي ، وعطية ، وابن أبزى ، وفي تفسير مقاتل : طه يا رجل بالسريانية ، وقال الكلبي : عن ابن عباس : نزلت بلغة على يا رجل ، وعند ابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس : يس بالحبشية يا إنسان ، وطه بالنبطية يا رجل ، وقيل : معنى طه يا إنسان ، وقيل : هي حروف مقطعة لمعان قال الواسطي : أراد بها يا طاهر يا هادي ، وعن أبي حاتم : طه استفتاح سورة ، وقيل : هو قسم أقسم الله به ، وهي من أسماء الله عز وجل ، وقيل : هو من الوطي والهاء كناية عن الأرض أي اعتمد على الأرض بقدمك ولا تتعصب نفسك بالاعتماد على قدم واحدة ، وهو قوله تعالى : مَا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى نزلت الآية فيما كان صلى الله عليه وسلم يتكلفه من السهر ، والتعب ، وقيام الليل ، وقال الليث : بلغنا أن موسى عليه الصلاة والسلام لما سمع كلام الرب تعالى استقره الخوف حتى قام على أصابع قدميه خوفا ، فقال عز وجل : طه ، أي اطمئن ، قال الأزهري : لو كان كذلك لقال : طأها ، أي طأ الأرض بقدمك ، وهي مهموزة ، وفي المعاني للفراء : هو حرف هجاء ، وحدثني قيس قال : حدثني عاصم عن زر قال : قرأ رجل على ابن مسعود رضي الله تعالى عنه طأها ، فقال له عبد الله : طه ، فقال الرجل : يا أبا عبد الرحمن ، أليس إنما أمر أن يطأ قدمه ، قال : فقال عبد الله : طه ، هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وزاد في تفسير ابن مردويه ، وكذا نزل بها جبريل عليه الصلاة والسلام بكسر الطاء والهاء قال : وكان بعض القراء يقطعها ، وقرأ أبو عمرو بن العلاء : طاه ، قال الزجاج : يقرأ طه بفتح الطاء والهاء ، وطه بكسرهما ، وطه بفتح الطاء وسكون الهاء ، وطه بفتح الطاء وكسر الهاء . قال ابن جبير والضحاك بالنبطية طه يا رجل ، وقال مجاهد : ألقى صنع . أي قال مجاهد في قوله تعالى : يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى أي صنع ، وقد مر هذا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام في أحاديث الأنبياء عليهم السلام ، وكذلك يأتي لفظ ألقى في قوله : فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ وفسر هناك أيضا بقوله : صنع ، والمفسرون فسروا كليهما في الإلقاء وهو الرمي . يقال : كل ما لم ينطق بحرف أو فيه تمتمة أو فأفأة فهي عقدة . أشار بذلك إلى تفسير عقدة في قوله تعالى : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي وفسر العقدة بما ذكره ، وقال ابن عباس : يريد موسى عليه الصلاة والسلام : أطلق عن لساني العقدة التي فيه حتى يفهموا كلامي والتمتمة التردد بالتاء في الكلام ، والفأفأة التردد بالفاء . أزري ظهري . أشار به إلى قوله تعالى : هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وفسر الأزر بالظهر ، وفي التفسير : الأزر القوة ، والظهر يقال : أزرت فلانا على الأمر أي قويته عليه ، وكنت له فيه ظهرا . فيسحتكم يهلككم . أشار به إلى قوله تعالى : لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ الآية ، وفسر يسحتكم بقوله : يهلككم ، وفي التفسير : أي يستأصلكم ، يقال : سحته الله وأسحته أي استأصله ، وأهلكه ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بضم الياء والباقون بالفتح لأن فيه لغتين بمعنى واحد . المثلى تأنيث الأمثل يقول : بدينكم يقال : خذ المثلى خذ الأمثل . أشار به إلى قوله تعالى : وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى وقال : المثلى تأنيث الأمثل ، وفسر قوله وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني يذهب بدينكم ، وقد أخبر الله تعالى عن فرعون أنه قال : إن موسى وهارون عليهما السلام يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى يعني بدينكم ، وهكذا فسره الكسائي أيضا ، قوله : يقال : خذ المثلى أي خذ الطريقة المثلى أي الفضلى ، وخذ الأمثل أي الأفضل ، يقال : فلان أمثل قومه أي أفضلهم . ثم ائتوا صفا يقال : هل أتيت الصف اليوم يعني المصلى الذي يصلى فيه . أشار به إلى قوله عز وجل : فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وأشار بقوله : يقال إلى آخره أن معنى صفا مصلى ومجتمعا ، وكذا قال أبو عبيدة ، وعن مقاتل والكلبي : معناه جمعا ، حاصل المعنى أن فرعون يقول لقومه : أجمعوا كيدكم أي مكركم وسحركم ثم ائتوا صفا يعني مصلى وهو مجمع الناس ، وحكي عن بعض العرب الفصحاء : ما استطعت أن آتي الصف أمس أي المصلى . فأوجس أضمر خوفا فذهبت الواو من خيفة لكسرة الخاء . أشار به إلى قوله تعالى : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى وفسر أوجس بقوله : أضمر ، قوله : خوفا أي لأجل الخوف ، وقال مقاتل : إنما خاف موسى عليه الصلاة والسلام أن صنع القوم مثل صنعه أن يشكوا فيه فلا يتبعوه ، ويشك من تابعه فيه ، قوله : فذهبت الواو إلى آخره قال الكرماني : ومثل هذا لا يليق بحال هذا الكتاب أن يذكر فيه ، قلت : إنما قال هذا الكلام لأنه مخالف لما قاله أهل الصرف على ما لا يخفى . في جذوع أي على جذوع . أشار به إلى قوله تعالى : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وأشار به إلى أن كلمة في بمعنى على كما في قوله تعالى : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي عليه . خطبك بالك . أشار به إلى قوله تعالى : قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ وفسره بقوله : بالك ، وفي التفسير : قال موسى عليه الصلاة والسلام للسامري : فما خطبك ؟ أي فما أمرك وشأنك الذي دعاك وحملك على ما صنعت . مساس مصدر ماسه مساسا . أشار به إلى قوله عز وجل : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ الآية ، ولم يذكر معناه ، وإنما قال : مساس مصدر ماسه يماسه مماسة ومساسا ، والمعنى أن موسى عليه الصلاة والسلام قال للسامري : اذهب من بيننا فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أي ما دمت حيا أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ أي لا أمس ولا أمس فعاقبه الله في الدنيا بعقوبة لا شيء أشد وأوحش منها ، وذلك لأنه منع من مخالطة الناس منعا كليا وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته . لننسفنه لنذرينه . أشار به إلى قوله تعالى : لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا وفسر لننسفنه بقوله : لنذرينه من التذرية ، وفي التفسير : أن موسى عليه الصلاة والسلام أخذ العجل فذبحه فسال منه الدم لأنه كان قد صار لحما ودما ثم أحرقه ثم ذراه في اليم أي في البحر . قاعا يعلوه الماء . أشار به إلى قوله تعالى : فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا وفسر القاع بأنه يعلوه الماء ، وهو كذلك لأن القاع ما يعلوه الماء والصفصف المستوي ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : القاع الصفصف الأرض المستوية ، وقال الفراء : القاع ما انبسط من الأرض ، ويكون فيه السراب نصف النهار ، والصفصف الأملس الذي لا نبات فيه . والصفصف المستوي من الأرض . قد مر الكلام فيه ، وفي التفسير : الصفصف المستوي كأنها من استوائها على صفة واحدة ، وقيل : هي التي لا أثر للجبال فيها . وقال مجاهد : أوزارا أثقالا . أي قال مجاهد في تفسير قوله تعالى : وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ أي أثقالا ، وهو جمع وزر ، ويراد به العقوبة الثقيلة ، سماها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب ، وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يقدح الحامل ، ويفضض ظهره ، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم . من زينة القوم الحلي الذي استعاروا من آل فرعون . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ وفسر زينة القوم بقوله : الحلي الذي استعاروا أي استعار بنو إسرائيل من الحلي الذي هو من آل فرعون يعني من قومه ، وأسنده أبو محمد الرازي من حديث ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وفي بعض النسخ : وقال مجاهد : من زينة القوم إلى آخره . فقذفناها فألقيناها . أشار به إلى قوله تعالى : فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ وفسر قوله : فقذفناها بقوله : فألقيناها ، وقال الثعلبي : أي فجمعناها ودفعناها إلى السامري فألقاها في النار لترجع أنت فترى فيه رأيك ، وفي بعض النسخ : فقذفتها فألقيتها . ألقى صنع . أشار به إلى قوله تعالى : فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ وفسر ألقى بقوله : صنع ، وفي التفسير : فكذلك ألقى السامري أي ألقى ما معه ، معناه كما ألقينا . فنسي موسى ، هم يقولونه : أخطأ الرب ، لا يرجع إليهم قولا : العجل . أشار به إلى قوله تعالى : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا قوله : هم يقولونه أي السامري ومن تبعه يقولون : فنسي موسى ربه أي أخطأ حيث لم يخبركم أن هذا إلهه ، وقيل : قالوا : فنسي موسى الطريق إلى ربه ، وقيل : نسي موسى إلهه عندكم ، وخالفه في طريق آخر ، قوله : لا يرجع إليهم قولا يعني لا يكلمهم العجل ولا يجيبهم . همسا حس الأقدام . أشار به إلى قوله تعالى : وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا وفسره بقوله : حس الأقدام وكذا فسره الثعلبي أي وطء الأقدام ، ونقلها إلى المحشر ، وكذا فسر قتادة ، وعكرمة ، وأصله الصوت الخفي يقال : همس فلان لحديثه إذا أسره وأخفاه . حشرتني أعمى عن حجتي ، وقد كنت بصيرا في الدنيا . أشار به إلى قوله تعالى : قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا وفسره بقوله : أي عن حجتي إلى آخره ، وفي التفسير : قوله : أعمى قال ابن عباس : أعمى البصر ، وقال مجاهد : أعمى عن الحجة . وقال ابن عيينة : أمثلهم طريقة أعضلهم . أي قال سفيان بن عيينة في معنى قوله تعالى : إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي أفضلهم ، وفسره الطبري بقوله : أوفاهم عقلا ، رواه عن سعيد بن جبير . وقال ابن عباس : هضما لا يظلم فيهضم من حسناته . أي قال عبد الله بن عباس في معنى قوله تعالى : فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا لا يظلم فيهضم أي فينقص من حسناته ، ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وأصل الهضم النقص والكسر يقال : هضمت لك من حقك أي حططت ، وهضم الطعام . عوجا واديا . أشار به إلى قوله تعالى : لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وفسره بقوله : واديا وعن ابن عباس : العوج الأودية ، وعن مجاهد : العوج الانخفاض . ولا أمتا رابية . أشار به إلى قوله تعالى : لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا وفسر الأمت بالرابية ، وعن ابن عباس : الأمت الروابي ، وعن مجاهد : الارتفاع ، وعن ابن زيد : الأمت التفاوت ، وعن يمان : الأمت الشقوق في الأرض . سيرتها حالتها الأولى . أشار به إلى قوله تعالى : سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى وفسره بقوله : حالتها الأولى أي هيئتها الأولى ، وهي كما كان عصا ، وذلك أن موسى عليه السلام لما أمر بإلقاء عصاه فألقاها فصارت حية تسعى قال الله تعالى : خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى . النهى التقى . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى وفسر النهى بقوله : التقى ، وعن ابن عباس معناه : ذوو التقى ، وعن الضحاك : هم الذين ينتهون عما حرم الله عليهم ، وعن قتادة : هم ذوو الورع ، وقال الثعلبي : ذوو العقول واحدها نهيا سميت بذلك لأنها تنهى صاحبها عن القبائح ، والفضائح ، وارتكاب المحظورات والمحرمات . ضنكا الشقاء . أشار به إلى قوله تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وفسر الضنك بالشقاء ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال الثعلبي : ضنكا ضيقا ، يقال : منزل ضنك وعيش ضنك يستوي فيه الذكر والأنثى ، والواحد والاثنان والجمع ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : الضنك عذاب القبر ، وعن الحسن : الزقوم والغسلين والضريع ، وعن عكرمة : الحرام ، وعن الضحاك : الكسب الخبيث ، ويقال : الضنك معرب وأصله التنك وهو في اللغة الفارسية الضيق . هوى شقي . أشار به إلى قوله تعالى : وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى وفسره بقوله : شقي ، وقيل : هلك ، وتردى في النار . المقدس المبارك . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وفسره بقوله : المبارك . طوى اسم الوادي . أشار به إلى قوله تعالى : الْمُقَدَّسِ طُوًى وفسره بالوادي ، وعن الضحاك : واد عميق مستدير مثل المطوي في استدارته ، وقيل : هو الليل يقال : أتيتك طوى من الليل ، وقيل : طويت عليه البركة طيا . بملكنا بأمرنا . أشار به إلى قوله تعالى : قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وفسره بقوله : بأمرنا هذا على كسر الميم ، وعليها أكثر القراء ، ومن قرأ بالفتح فهو المصدر الحقيقي ، ومن قرأ بالضم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا ، وسقط هذا لأبي ذر . مكانا سوى منصف بينهم . أشار به إلى قوله تعالى : لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى قوله : منصف بينهم أي مكانا بينهم تستوي فيه مسافته على الفريقين ، وقرئ بضم السين ، وهذا أيضا سقط لأبي ذر . يبسا يابسا . أشار به إلى قوله تعالى : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا وفسره بقوله : يابسا ، وفي التفسير : أي يابسا ليس فيه ماء ولا طين . على قدر على موعد . أشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى وفسره بقوله : على موعد على القدر الذي قدر لك أنك تجيء ، وعن عبد الرحمن بن كيسان : على رأس أربعين سنة ، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء . لا تنيا لا تضعفا . أشار به إلى قوله تعالى : وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى وفسره بقوله : لا تضعفا وهكذا فسره ابن عباس ، وعن السدي : لا تفترا ، وعن محمد بن كعب : لا تقصرا ، وفي قراءة ابن مسعود : لا تهنا ، وأصله من وني يني ونيا قال الجوهري : الوني الضعف والفتور ، والكلال والإعياء ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله واصطنعتك لنفسي · ص 59 باب قوله : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي هذا باب في قوله عز وجل : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي اخترتك واصطفيتك واختصصتك بالرسالة والنبوة . 257 - حدثنا الصلت بن محمد ، حدثنا مهدي بن ميمون ، حدثنا محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ، قال له آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه ، وأنزل عليك التوراة ، قال : نعم ، قال : فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني ، قال : نعم ، فحج آدم موسى ، واليم : البحر . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : أنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه تفهم بالتأمل ، والصلت بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وبالتاء المثناة من فوق ابن محمد بن عبد الرحمن الخاركي بالخاء المعجمة والراء البصري وهو من أفراده . والحديث من أفراده أيضا من هذا الوجه ، وقال الدارقطني : رواه أبو هلال الراسبي ، عن أبي هريرة فوقفه ، وكان كثيرا ما يتوقى رفعه ، ولما رواه هدبة ، عن مهدي رفعه مرة ، ثم رجع عن رفعه فوقفه ، ومضى هذا الحديث أيضا في كتاب الأنبياء في باب وفاة موسى ، فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة إلى آخره ، وسيأتي أيضا من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، وأخرجه أيضا من حديث أبي سعيد ، وأخرجه مسلم بألفاظ منها : فقال موسى : يا آدم ، أنت أبونا ، أخرجتنا من الجنة ، ومنها : قبل أن يخلقني بأربعين سنة ، ومنها : أنت الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ، ومنها : هل وجدت فيها يعني في التوراة : وعصى آدم ربه فغوى ، قال : نعم . قوله : التقى آدم وموسى عليهما السلام ، وفي لفظ ابن مردويه : فلقيه موسى فقال له ، وفي لفظ للبخاري : احتج آدم وموسى عليهما السلام ، وفي حديث عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى قال : يا رب ، أرنا أبانا الذي أخرجنا ونفسه من الجنة ، فأراه آدم عليه السلام ، فقال : أنت أبونا ؟ قال : نعم ، قال : أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وأسجد لك ملائكته ؟ قال : نعم ، قال : فما حملك على أن أخرجتنا من الجنة ؟ فقال له آدم : من أنت ؟ قال : موسى ، قال : نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من غير رسول من خلقه ؟ قال : نعم ، قال : أما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق ؟ قال : نعم ، قال : ففيم تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء ؟ قيل : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عند ذلك فحج آدم موسى ، فإن قلت : التقاؤهما في أين كان ؟ أكان بالأرواح فقط ؟ أو بالأرواح والأجسام ؟ قلت : قال القابسي : التقت أرواحهما في السماء ، وقيل : يجوز أن يكون ذلك يوم القيامة ، وقال عياض : يجوز أن يحمل على ظاهره ، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما ، وقد ثبت في حديث الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات ، وفي بيت المقدس ، وصلى بهم فلا يبعد أن الله عز وجل أحياهم كما أحيى الشهداء ، ويحتمل أن يكون جرى ذلك في حياة موسى عليه الصلاة والسلام لحديث عمر : أرنا أبانا ، وقد مر الآن ، وقال ابن الجوزي : يجوز أن يكون المراد شرح حال بضرب مثل لو اجتمعا لقالا ، فإن قلت : ما وجه اختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بهذا دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ قلت : لأنه أول من جاء بالتكاليف ، قوله : أنت الذي أشقيت الناس من الشقاوة ، وهي ضد السعادة ، وفي لفظ لمسلم : يا آدم ، أنت أبونا ، خيبتنا ، أي أوقعتنا في الخيبة ، وهي الحرمان والخسران ، وقد خاب يخيب ويخوب معناه كنت سبب خيبتنا ، وفيه جواز إطلاق نسبة الشيء على من تسبب فيه ، قوله : من الجنة المراد بالجنة التي أخرج منها آدم عليه الصلاة والسلام جنة الخلد ، وجنة الفردوس التي هي دار الجزاء في الآخرة ، وجنة الفردوس وغيرها التي هي دار البقاء ، وهي كانت موجودة قبل آدم عليه الصلاة والسلام ، وهو مذهب أهل الحق ، قوله : اصطفاك الله أي أخصك الله بذلك ، ويقال : جعلك خالصا صافيا عن شائبة ما لا يليق بك ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا قوله : وأنزل عليك التوراة فيها تبيان كل شيء من الإخبار بالغيوب والقصص والحلال والحرام والمواعظ وغير ذلك ، قوله : فوجدتها ، ويروى : فوجدته ، الضمير بالتأنيث والتذكير يرجع إلى التوراة بالتأنيث باعتبار اللفظ ، والتذكير باعتبار المعنى وهو الكتاب ، قوله : كتب علي ليس المراد أنه ألزمه إياه وأوجبه عليه ، فلم يكن له في تناول الشجرة كسب واختيار ، وإنما المعنى أن الله أثبته في أم الكتاب قبل كونه وحكم بأن ذلك كائن لا محالة لعلمه السابق ، فهل يجوز أن يصدر عني خلاف علم الله ، فكيف تغفل عن العلم السابق ، وتذكر الكسب الذي هو السبب ، وتنسى الأصل الذي هو القدر ، قوله : فحج آدم موسى عليهما السلام هكذا الرواية برفع آدم على الفاعلية في جميع كتب الحديث باتفاق الناقلين والرواة والشراح أي غلبه بالحجة ، وظهر عليه بها ، وموسى عليه الصلاة والسلام مال في لومه إلى الكسب ، وآدم عليه الصلاة والسلام مال إلى القدر ، وكلاهما حق لا يبطل أحدهما صاحبه ، ومتى قضي للقدر على الكسب أخرج إلى مذهب القدرية ، أو للكسب على القدر أخرج إلى مذهب الجبرية ، وإنما وقعت الغلبة لآدم عليه الصلاة والسلام من وجهين أحدهما : أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقا فيما قضي عليه إلا أن يأذن الشرع بلومه فيكون الشرع هو اللائم ، الثاني : أن الفعل اجتمع فيه القدر والكسب والتوبة تمحو أثر الكسب ، فلما تيب عليه لم يبق إلا القدر ، والقدر لا يتوجه إليه لوم ، قوله : واليم البحر إنما أورد هذا في آخر الحديث إشارة إلى تفسير ما وقع في كتاب الله تعالى من قوله : فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ وفسر بأن المراد من اليم هو البحر ، وقال الثعلبي : اليم نهر النيل ، قيل : وموضع ذكر هذا في الباب الآتي ، وذكره هنا ليس بموجه ، قلت : المراد باليم في الباب الآتي هو بحر القلزم ، والذي ذكره هنا هو النيل ، أطلق عليه البحر لتبحره أيام الزيادة ، والله أعلم .