24 - سُورَةُ النُّورِ مِنْ خِلالِهِ مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ . سَنَا بَرْقِهِ وَهُوَ الضِّيَاءُ ، مُذْعِنِينَ يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ أَشْتَاتًا وَشَتَّى وَشَتَاتٌ وَشَتٌّ وَاحِدٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا بَيَّنَّاهَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ ، وَسُمِّيَتْ السُّورَةُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنْ الْأُخْرَى ، فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآنًا . وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ : الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أَيْ مَا جُمِعَ فِيهِ ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ ، وَيُقَالُ لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ ؛ أَيْ : تَأْلِيفٌ ، وَسُمِّيَ الْفُرْقَانَ ؛ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ : مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ أَيْ لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا . وقال فَرَّضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً ، وَمَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ : فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ . قَالَ مُجَاهِدٌ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا لَمْ يَدْرُوا ، لِمَا بِهِمْ مِنْ الصِّغَرِ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : أُولِي الإِرْبَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَرَبٌ . : . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يُهِمُّهُ إِلَّا بَطْنُهُ ، وَلَا يَخَافُ عَلَى النِّسَاءِ ، وَقَالَ طَاوُسٌ : هُوَ الْأَحْمَقُ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ النُّورِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) مِنْ خِلالِهِ مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَلَفْظَةُ أَضْعَافٍ أَوْ بَيْنَ مَزِيدَةٌ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ بِأَحَدِهِمَا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ ( يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ ) قَالَ هَارُونُ أَحَدُ رُوَاتِهِ : فَذَكَرْتُهُ لِأَبِي عَمْرٍو فَقَالَ : إِنَّهَا لَحَسَنَةٌ وَلَكِنَّ خِلَالَهُ أَعَمُّ . قَوْلُهُ : سَنَا بَرْقِهِ وَهُوَ الضِّيَاءُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ مَقْصُورٌ أَيْ ضِيَاءُ ، وَالسَّنَاءُ مَمْدُودٌ فِي الْحَسَبِ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَقُولُ : ضَوْءُ بَرْقِهِ . وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : لَمَعَانُ الْبَرْقِ . قَوْلُهُ : مُذْعِنِينَ يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَيْ مُسْتَخْذِينَ ، وَهُوَ بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مُذْعِنِينَ قَالَ : سِرَاعًا . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الْإِذْعَانُ الْإِسْرَاعُ فِي الطَّاعَةِ . قَوْلُهُ : أَشْتَاتًا وَشَتَّى وَشَتَاتٍ وَشَتٍّ وَاحِدٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : أَشْتَاتٌ جَمْعٌ وَشت مُفْرَدٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لِوَاذًا خِلَافًا ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَاللِّوَاذُ مَصْدَرُ لَاوَذْتُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ نِسْبَةً إِلَى ثُمَالَةَ قَبِيلَةٍ مِنَ الْأَزْدِ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ، ذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَلَمْ يَثْبُتْ ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هـَذَا الْمَوْضِعُ ، وَلَهُ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مَاتَ غَازِيًا بِأَرْضِ الرُّومِ . قَوْلُهُ : ( الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ ) وَصَلَهُ ابْنُ شَاهِينٍ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي فَوَائِدِ جَعْفَرٍ السَّرَّاجِ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ : الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ وَالْكُوَّةُ بِضَمِّ الْكَافِ وَبِفَتْحِهَا وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهِيَ الطَّاقَةُ لِلضَّوْءِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ فَمَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمِشْكَاةُ مَوْضِعُ الْفَتِيلَةِ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : كَمِشْكَاةٍ قَالَ : يَعْنِي الْكُوَّةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا بَيَّنَّاهَا ) قَالَ عِيَاضٌ : كَذَا فِي النُّسَخِ وَالصَّوَابُ أَنْـزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا بَيَّنَّاهَا ، فَبَيَّنَّاهَا تَفْسِيرُ فَرَضْنَاهَا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا : وَيُقَالُ فِي فَرَضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ انْتَهَى . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَفَرَضْنَاهَا يَقُولُ بَيَّنَّاهَا ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ عِيَاضٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ ، وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الْأُخْرَى . فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآنًا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْمَجَازِ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُصَادِرِيِّ عَنْهُ : سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ ، فَذِكْرَ مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ فِي قِرَاءَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ - وَهِيَ لجَمَاعَة - وَجْهَيْنِ : إِمَّا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَآخِرُهَا تَاءُ تَأْنِيثٍ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ ، وَإِمَّا بِكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ إِلَخْ ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقِيَامَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : وَيُقَالُ لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ تَأْلِيفٌ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ ، أَيْ لَمْ تَجْمَعْ وَلَدًا فِي بَطْنِهَا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَهُ فِي الْمَجَازِ رِوَايَةَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُصَادِرِيِّ عَنْهُ ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ هِجَانُ اللَّوْنِ لَمْ يَقْرَأْ جَنِينًا وَالسَّلَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَهُ مِنْ قَرَأَ بِمَعْنَى جَمَعَ ، لَا مِنْ قَرَأَ بِمَعْنَى تَلَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ فَرَّضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً ، وَمَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ ) فِيهَا كَذَا وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ فَرَضْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً ، وَإِنْ شِئْتَ فَرَضْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : فَالتَّشْدِيدُ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ حَسَنٌ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : فَرَضْنَاهَا حَدَّدْنَا فِيهَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ ، وَفَرَضْنَا مِنَ الْفَرِيضَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَمَنْ خَفَّفَهَا جَعَلَهَا مِنَ الْفَرِيضَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : أُولِي الإِرْبَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَرَبٌ ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ ، وَسَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي النِّكَاحِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ : الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ أَرَبُهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةِ النِّسَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ طَاوُسٌ : هُوَ الْأَحْمَقُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يُهِمُّهُ إِلَّا بَطْنُهُ وَلَا يَخَافُ عَلَى النِّسَاءِ ) أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا لَمْ يَدْرُوا لِمَا بِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ قَالَ : الَّذِي يُرِيدُ الطَّعَامَ وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ : الَّذِينَ لَا يُهِمُّهُمْ إِلَّا بُطُونُهُمْ وَلَا يَخَافُونَ عَلَى النِّسَاءِ . وَفِي قَوْلِهِ : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ قَالَ : لَمْ يَدْرُوا مَا هـِيَ مِنَ الصِّغَرِ قَبْلَ الْحُلُمِ . 1- بَاب وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 4745 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفريابي ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ فَقَالَ : كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ . فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ الْمَسَائِلَ ، وَعَابَهَا . قَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، فَلَاعَنَهَا ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا ، فَطَلَّقَهَا ، فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْظُرُوا ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ الْآيَةَ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مُطَوَّلًا وَفِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ . وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ . هُوَ الْفِرْيَابِيُّ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ لَكِنْ رُبَّمَا أُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ ، وَإِسْحَاقُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ وَلَمْ يَنْسُبْهُ الْكَلَابَاذِيُّ أَيْضًا ، وَعِنْدِي أَنَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ · ص 301 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة النور · ص 71 ( سورة النور ) أي : هذا في بيان تفسير بعض سورة النور ، قال أبو العباس ومقاتل وابن الزبير وابن عباس في آخرين : مدنية كلها ، لم يذكر فيها اختلاف ، وهي أربع وستون آية ، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة ، وخمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا . بسم الله الرحمن الرحيم مِنْ خِلالِهِ من بين أضعاف السحاب . أشار به إلى قوله تعالى : فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وفسره بقوله : من بين أضعاف السحاب ، وهكذا فسره أبو عبيدة ، والخلال : جمع خلل وهو الوسط ، ويقال : الخلل موضع المطر ، والودق المطر . سنا برقه : الضياء أشار به إلى قوله تعالى : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ من شدة ضوئه وبرقه . مذعنين ، يقال للمستخذي مذعن . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ وأشار بقوله : " يقال " إلى آخره ، أن معنى مذعنين مستخذين ، من استخذى بالخاء والذال المعجمتين ، أي : خضع ، قاله الكرماني . وقال الجوهري : يقال خذت الناقة تخذي أسرعت ، مثل وخذت وخوذت ، كله بمعنى واحد . وقال أيضا : خذا الشيء يخذو خذوا ، استرخى ، وخذي بالكسر مثله ، وأما المذعن فمن الإذعان ، وهو الإسراع ، قال الزجاج : يقال أذعن لي بحقي ، أي : طاوعني لما كنت ألتمس منه وصار يسرع إليه . أشتاتا وشتى وشتات وشت واحد . أشار به إلى قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا قوله : " أشتاتا " في محل الرفع على الابتداء ، بتقدير : قوله أشتاتا ، وقوله : وشتى وشتات وشت ، عطف عليه ، قوله : " واحد " خبر المبتدأ ، والأشتات جمع شت ، والشت مفرد ، ومعنى أشتاتا : متفرقين . وقال ابن عباس : سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا بيناها . كذا وقع ، وقال عياض كذا في النسخ ، والصواب : أَنْـزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا بيناها ، فقوله : " بيناها " تفسير " فرضناها " ويؤيد قول عياض ما رواه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : فرضناها ، يقول بيناها . وقال غيره : سمي القرآن لجماعة السور ، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى ، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنا . أي : قال غير ابن عباس ، وهو قول أبي عبيدة ، قوله : " لجماعة السور " قال الكرماني : السور بالنصب بأن يكون مفعول الجماع ، بمعنى الجمع ، مصدرا ، وهو بكسر الجيم وهاء الضمير ، وبالجر بأن يكون مضافا إليه ، والجماعة بمعنى الجمع ضد المفرد ، وهو بفتح الجيم وتاء التأنيث ، قوله : " وسميت السور " وهي الطائفة من القرآن محدودة ، وإما من السورة التي هي الرتبة لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب ، وإما من السؤر التي هي البقية من الشيء فقلبت همزتها واوا لأنها قطعة من القرآن . وقال سعد بن عياض : الثمالي المشكاة الكوة بلسان الحبشة . سعد بن عياض من التابعين من أصحاب ابن مسعود ، وقال ابن عبد البر : حديثه مرسل ولا يصح له صحبة ، والثمالي بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم نسبة إلى ثمالة في الأزد ، وفي ألهان ، وفي تميم ، والذي في الأزد ثمالة هو عوف بن أسلم بن كعب ، والذي في ألهان ثمالة بن ألهان ، والذي في تميم ثمالة وهو عبد الله بن حرام بن مجاشع بن دارم . قوله : " المشكاة الكوة " بفتح الكاف وضمها ، وقال الواحدي : وهي عند الجميع غير نافذة . وقيل : المشكاة التي يعلق بها القنديل التي يدخل فيها الفتيلة . وقيل : المشكاة الوعاء من أدم يبرد فيها الماء . وعن مجاهد : هي القنديل . وقال ابن كعب : المشكاة صدره ، والمصباح الإيمان والقرآن ، والزجاجة قلبه ، والشجرة المباركة الإخلاص . وقوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ تأليف بعضه إلى بعض ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فإذا جمعناه وألفناه فاتبع قرآنه ، أي : ما جمع فيه ، فاعمل بما أمرك وانته عما نهاك الله ، ويقال : ليس لشعره قرآن ، أي : تأليف ، وسمي الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل ، ويقال للمرأة : ما قرأت بسلا قط ، أي : لم تجمع في بطنها ولدا . هذا كله ظاهر ، ومقصوده بيان أن القرآن مشتق من قرأ بمعنى جمع ، لا من قرأ بمعنى تلا ، قوله : " بسلا " بفتح السين المهملة وفتح اللام مقصورا ، وهي الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد . وقال : ( فرّضناها ) : أنزلنا فيها فرائض مختلفة ، ومن قرأ : ( فرَضناها ) يقول : فرضنا عليكم وعلى من بعدكم . فرضناها ، بتشديد الراء معناه : أنزلنا فيها فرائض مختلفة ، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة ، وهذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وقراءة الباقين ( فرضناها ) بالتخفيف ، أي : جعلناها واجبة مقطوعا بها ، وهو معنى قوله " ومن قرأ فرضناها ) يعني بالتخفيف من الفرض ، وهو القطع . قوله : " وعلى من بعدكم " أي : على الذين يأتون بعدكم إلى يوم القيامة . قال مجاهد : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا لم يدروا لما بهم من الصغر . أي : قال مجاهد في قوله عز وجل : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وفسره بقوله : " لم يدروا لما بهم " أي : لأجل ما بهم من الصغر ، وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد : لم يدروا ما هي من الصغر قبل الحلم ، وفي رواية النسفي : وقال مجاهد : لا يهمه إلا بطنه ، ولا يخاف على النساء ، أو الطفل الذين لم يظهروا إلى آخره ، وقال الثعلبي : الطفل يكون واحدا وجمعا . وقال الشعبي " غير أولي الإربة " : من ليس له إرب . هذا ثبت للنسفي ، أي : قال عامر بن شراحيل الشعبي في قوله تعالى : أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ وفسر " غير أولي الإربة " بقوله : من ليس له إرب ، بكسر الهمزة ، أي : حاجة من الرجال ، وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ، ولا حاجة لهم في النساء ولا يشتهونهن . وقال مجاهد : لا يهمه إلا بطنه ولا يخاف على النساء . وقال طاوس : هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء . أي : " غير أولى الإربة " هو الأحمق إلى آخره ، ووصله عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه بمثله . وفي تفسير النسفي : وقيل : هذا التابع هو الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل . وقيل : هو الأبلة الذي يريد الطعام ولا يريد النساء . وقيل : العنين . وقيل : الشيخ الفاني . وقيل : المجبوب . وقال الزجاج : غير صفة للتابعين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله عز وجل وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ · ص 73 ( باب قوله عز وجل : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي : هذا باب في قوله عز وجل : " والذين يرمون " الآية ، أي : يقذفونهم بالزنا ، " ولم يكن لهم شهداء " على صحة ما قالوا " إلا أنفسهم " بالرفع ، على أنه بدل من الشهداء . قوله : " أربع شهادات " قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم : ( أربع ) بالرفع ، والمعنى : فشهادة أحدهم التي تدرأ العذاب أربع شهادات ، والباقون بالنصب لأنه في حكم المصدر ، والعامل فيه المصدر الذي هو فشهادة أحدهم ، وهي مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات . 266 - حدثنا إسحاق ، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ، حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن سهل بن سعد ، أن عويمرا أتى عاصم بن عدي - وكان سيد بني عجلان - فقال : كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلا ؛ أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع ؟ سل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأتى عاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل ، فسأله عويمر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعابها . قال عويمر : والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . فجاء عويمر فقال : يا رسول الله ، رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك ، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بالملاعنة ، بما سمى الله في كتابه ، فلاعنها ثم قال : يا رسول الله ، إن حبستها فقد ظلمتها . فطلقها ، فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انظروا ، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين ، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها ، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة ، فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها ، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر ، فكان بعد ينسب إلى أمه . مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من ظاهر الحديث . ( ذكر رجاله ) : وهم سبعة ؛ الأول : إسحاق ، ذكر غير منسوب ، وقال بعضهم : وعندي أنه ابن منصور . قلت : لا حاجة إلى قوله وعندي ، لأن ابن الغساني قال : إنه منصور . الثاني : محمد بن يوسف ، أبو عبد الله الفريابي ، وهو من مشايخ البخاري ، وروى عنه بالواسطة . الثالث : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي . الرابع : محمد بن مسلم الزهري . الخامس : سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري رضي الله عنه ، وهؤلاء رواة الحديث . السادس : عويمر ، مصغر عامر ، ابن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن العجلاني ، كذا ذكره صاحب التوضيح ، وقال الذهبي : عويمر بن أبيض ، وقيل : ابن أشقر العجلاني الأنصاري صاحب قصة اللعان . وقيل : هو ابن الحارث . السابع : عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة العجلاني ، وهو أخو معن بن عدي ، ووالد أبي البداح بن عاصم ، وعاش عاصم عشرين ومائة سنة ، ومات في سنة خمس وأربعين ، وذكر موسى بن عقبة أنه وأخاه من شهداء بدر ، ومعن قتل باليمامة رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الطلاق عن إسماعيل بن عبد الله ، وفي التفسير عن عبد الله بن يوسف ، وفي الاعتصام عن آدم ، وفي الأحكام وفي المحاربين عن علي بن عبد الله ، وفي التفسير أيضا عن أبي الربيع الزهراني ، وفي الطلاق أيضا عن يحيى . وأخرجه مسلم في اللعان عن يحيى وغيره . وأخرجه أبو داود في الطلاق عن القعنبي وغيره . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن مسلمة . وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان . ( ذكر معانيه ) : قوله : " أيقتله " ، الهمزة فيه للاستفهام ، على سبيل الاستخبار ، أي : أيقتل الرجل ؟ قوله : " سل " أصله اسأل ، فنقلت حركة الهمزة إلى السين بعد حذفها للتخفيف واستغني عن همزة الوصل فحذفت ، فصار سل ، على وزن فل . قوله : " فكره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسائل " إنما كره لأن سؤال عاصم فيه عن قضية لم تقع بعد ولم يحتج إليها ، وفيها إشاعة على المسلمين والمسلمات وتسليط اليهود والمنافقين في الكلام في عرض المسلمين ، وفي رواية مسلم " فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال : يا عاصم ، ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عاصم لعويمر : لم تأتني بخير ، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها . قال عويمر : والله لا أنتهي حتى أسأله عنها . فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال : يا رسول الله ، أرأيت .. " إلى آخره . قوله : " فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة " أي : ملاعنة الرجل امرأته ، وسميت بذلك لقول الزوج : وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين ، واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب وإن كانا موجودين في الآية الكريمة وفي صورة اللعان ، لأن لفظ اللعن متقدم في الآية ، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانبها ، لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها ، ولأنه قد ينفك لعانه عن لعانها ولا ينعكس . وقيل : سمي لعانا من اللعن وهو الطرد والإبعاد ، لأن كلا منهما يبعد عن صاحبه ويحرم النكاح بينهما على التأبيد ، بخلاف المطلق وغيره ، وكانت قصة اللعان في شعبان سنة تسع من الهجرة ، وممن نقله القاضي عن الطبري ، واختلف العلماء في سبب نزول آية اللعان هل هو بسبب عويمر العجلاني ، أم بسبب هلال بن أمية ؟ فقال بعضهم : بسبب عويمر العجلاني ، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك " . وقال جمهور العلماء : سبب نزولها قصة هلال ، قال : وكان أول رجل لاعن في الإسلام . وجمع الداودي بينهما باحتمال كونهما في وقت ، فنزل القرآن فيهما أو يكون أحدهما وهما . وقال الماوردي : النقل فيهما مشتبه مختلف ، وقال ابن الصباغ : قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولا ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام لعويمر " إن الله أنزل فيك وفي صاحبتك " ، فمعناه ما نزل في قصة هلال ، لأن ذلك حكم عام لجميع الناس . وقال النووي : لعلهما سألا في وقتين متقاربين ، فنزلت الآية فيهما ، وسبق هلال باللعان فيصدق أنها نزلت في ذا وذاك . قلت : هذا مثل جواب الداودي بالوجه الأول ، وهو الأوجه . فإن قلت : جاء في حديث أنس بن مالك " هلال بن أمية " وفي حديث ابن عباس " لاعن بين العجلاني وامرأته " وفي حديث عبد الله بن مسعود " وكان رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاعن امرأته " . قلت : لا اختلاف في ذلك ، لأن العجلاني هو عويمر ، وكذا في قول ابن مسعود ، وكان رجلا . قوله : " فتلاعنا " ، فيه حذف ، والتقدير أنه سأل وقذف امرأته وأنكرت الزنا ، وأصر كل واحد منهما على كلامه ، ثم تلاعنا ، والفاء فيه فاء الفصيحة . قوله : " إن حبستها فقد ظلمتها ، فطلقها " يفهم من ذلك أن بمجرد اللعان لا تحصل الفرقة ، على ما نذكره في استنباط الأحكام . قوله : " فكانت " أي : الملاعنة ، كانت سنة بالوجه المذكور لمن يأتي بعدهما من المتلاعنين . قوله : " فإن جاءت به " أي : بالولد ، " أسحم " بالحاء المهملة وهو شديد السواد . قوله : " أدعج العينين " الدعج في العين شدة سوادها ، وفي حديث ابن عباس الآتي " أكحل العينين " . قوله : " عظيم الأليتين " بفتح الهمزة العجز ، يقال : رجل ألي وامرأة عجزاء ، وفي حديث ابن عباس " سابغ الأليتين " . قوله : " خدلج الساقين " الخدلج بفتح الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وفتح اللام المشددة وبالجيم : العظيم ، وساق خدلجة مملوءة . قوله : " أحيمر " تصغير أحمر ، وقال ابن التين : الأحمر الشديد الشقرة . قوله : " وحرة " بفتح الواو وبالحاء المهملة والراء ، وهي دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعظاءة . قوله : " فكان بعد " أي : بعد أن جاء الولد ينسب إلى أمه . ( ذكر استنباط الأحكام ) : وهو على وجوه ، الأول : فيه الاستعداد للوقائع قبل وقوعها ليعلم أحكامها . الثاني : فيه الرجوع إلى من له الأمر . الثالث : فيه أداء الأحكام على الظاهر والله يتولى السرائر . الرابع : فيه كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها ، لا سيما ما كان فيه هتك سيرة مسلم أو مسلمة أو إشاعة فاحشة على مسلم أو مسلمة . الخامس : فيه أن العالم يقصد في منزله للسؤال ، ولا ينتظر به عند تصادفه في المسجد أو الطريق . السادس : اختلف العلماء فيمن قتل رجلا وزعم أنه وجده قد زنا بامرأته ، فقال جمهورهم : لا يقتل بل يلزمه القصاص ، إلا أن تقوم بذلك بينة أو تعترف به ورثة القتيل ، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنا ، ويكون القتيل محصنا ، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان صادقا فلا شيء عليه ، وقال بعض الشافعية : يجب على كل من قتل زانيا محصنا القصاص . السابع : فيه مشروعية اللعان ، وهو مقتبس من قوله تعالى : وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وقال أصحابنا : اللعان شهادة مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن والغضب ، وأنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف ، وفي جانبها قائم مقام حد الزنا ، وقال الشافعي : اللعان إنما كان بلفظ الشهادة مقرونة بالغضب أو اللعن ، فكل من كان من أهل الشهادة واليمين كان من أهل اللعان ، ومن لا فلا عندنا ، وكل من كان من أهل اليمين فهو من أهل اللعان عنده ، سواء كان من أهل الشهادة أو لم يكن ، ومن لم يكن من أهل الشهادة ولا من أهل اليمين لا يكون من أهل اللعان بالإجماع . الثامن : أن اللعان يكون بحضرة الإمام أو القاضي ، وبمجمع من الناس ، وهو أحد أنواع تغليظ اللعان ، وقال النووي : يغلظ اللعان بالزمان والمكان والمجمع ، فأما الزمان فبعد العصر والمكان في أشرف موضع في ذلك البلد ، والمجمع طائفة من الناس وأقلهم أربعة ، وهل هذه التغليظات واجبة أم مستحبة ؟ فيه خلاف عندنا ، الأصح الاستحباب . التاسع : فيه أن بمجرد اللعان لا تقع الفرقة بل تقع بحكم الحاكم عند أبي حنيفة ، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم " فطلقها " ، ولما في حديث ابن عمر أخرجه مسلم " ثم فرق بينهما " وبه قال الثوري وأحمد ، وفي مذهب مالك أربعة أقوال ؛ أحدها : أن الفرقة لا تقع إلا بالتعانهما جميعا ، والثاني : وهو ظاهر قول مالك في الموطأ ، أنها تقع بلعان الزوج ، وهو رواية أصبغ ، والثالث : قول سحنون ، يتم بلعان الزوج مع نكول المرأة ، والرابع : قول ابن القاسم ، يتم بالتعان الزوج إن التعنت ، فحاصل مذهب مالك أنها تقع بينهما بغير حكم حاكم ولا تطليق ، وبه قال الليث والأوزاعي وأبو عبيد وزفر بن هزيل . وعند الشافعي تقع بالتعان الزوج . واتفق أبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، أن اللعان حكمه وسنته الفرقة بين المتلاعنين إما باللعان وإما بتفريق الحاكم ، على ما ذكرنا من مذاهبهم ، وهو مذهب أهل المدينة ومكة وكوفة والشام ومصر . وقال عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة : إذا تلاعنا لم ينقص اللعان شيئا من العصمة حتى يطلق الزوج ، قال : وأحب إلي أن يطلق . وقال الإشبيلي : هذا قول لم يتقدمه أحد إليه . قلت : حكى ابن جرير هذا القول أيضا عن أبي الشعثاء جابر بن زيد ، ثم اختلفوا أن الفرقة بين المتلاعنين فسخ أو تطليقة ؛ فعند أبي حنيفة وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب : هي طلقة واحدة ، وقال مالك والشافعي : هي فسخ . العاشر : فيه أنهما لا يجتمعان أصلا ، لقوله : " فكانت سنة لمن كان بعدهما " . الحادي عشر : فيه الاعتبار بالشبه لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم اعتبر الشبه ولكن لم يحكم به لأجل ما هو أقوى من الشبه ، فلذلك قال في ولد وليدة زمعة لما رأى الشبه بعينه احتجبي منه يا سودة ، وقضى بالولد للفراش ، لأنه أقوى من الشبه ، وحكم بالشبه في حكم القافة إذ لم يكن هناك شيء أقوى من الشبه . الثاني عشر : فيه إثبات التوارث بينها وبين ولدها ، يفهم ذلك من قوله " فكان بعد ينسب إلى أمه " ، وجاء في حديث يأتي أصرح منه وهو قوله " ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها " وهذا إجماع فيما بينه وبين الأم ، وكذا بينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه ، وبه قال الزهري ومالك وأبو ثور ، وقال أحمد : إذا انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة . وقال أبو حنيفة : إذا انفردت أخذت الجميع ، لكن الثلث فرضا والباقي ردا ، على قاعدته في إثبات الرد . الثالث عشر : فيه أن شرط اللعان أن يكون بين الزوجين ، لأن الله خصه بالأزواج بقوله : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فعلى هذا إذا تزوج امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها لم يلاعنها لعدم الزوجية . وقال الشافعي : يلاعنها إذا كان القذف ينفي الولد ، وكذا لو طلق امرأته طلاقا بائنا أو ثلاثا ثم قذفها بالزنا لا يجب اللعان ، ولو طلقها طلاقا رجعيا ثم قذفها يجب اللعان ، ولو قذفها بزنا كان قبل الزوجية فعليه اللعان عندنا لعموم الآية ، خلافا للشافعي ، ولو قذف امرأته بعد موتها لم يلاعن عندنا ، وعند الشافعي يلاعن على قبرها . الرابع عشر : فيه سقوط الحد عن الرجل ، وذلك لأجل أيمانه سقط الحد . الخامس عشر : فيه أن شرط وجوب اللعان عدم إقامة البينة ، لقوله تعالى : ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حتى لو أقامهم الزوج عليها بالزنا لا يجب اللعان ، ويقام عليها الحد . السادس عشر : فيه إشارة إلى أن شرط وجوب اللعان إنكار المرأة وجود الزنا ، حتى لو أقرت بذلك لا يجب اللعان ، ويلزمها حد الزنا ؛ الجلد إن كانت غير محصنة والرجم إذا كانت محصنة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .