25 - سُورَةُ الْفُرْقَانِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَبَاءً مَنْثُورًا مَا تَسْفِي بِهِ الرِّيحُ ، مَدَّ الظِّلَّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، سَاكِنًا دَائِمًا ، عَلَيْهِ دَلِيلا طُلُوعُ الشَّمْسِ ، خِلْفَةً مَنْ فَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ عَمَلٌ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ ، أَوْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَمَا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى حَبِيبَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثُبُورًا : وَيْلًا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ ، وَالتَّسَعُّرُ وَالْاضْطِرَامُ : التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ ، تُمْلَى عَلَيْهِ تُقْرَأُ عَلَيْهِ ، مِنْ أَمْلَيْتُ وَأَمْلَلْتُ ، الرَّسُّ : الْمَعْدِنُ ، جَمْعُهُ رِسَاسٌ ، مَا يَعْبَأُ يُقَالُ : مَا عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا : لَا يُعْتَدُّ بِهِ ، غَرَامًا هَلَاكًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَعَتَوْا : طَغَوْا . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَاتِيَةٍ عَتَتْ على الْخَزَّانِ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَبَاءً مَنْثُورًا مَا يسْفِي بِهِ الرِّيحُ ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : وَيَبُثُّهُ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : هَبَاءً مَنْثُورًا : هُوَ الَّذِي يَدْخُلُ الْبَيْتَ مِنَ الْكُوَّةِ ، يَدْخُلُ مِثْلَ الْغُبَارِ مَعَ الشَّمْسِ ، وَلَيْسَ لَهُ مَسٌّ وَلَا يُرَى فِي الظِّلِّ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوَهُ وَزَادَ : لَوْ ذَهَبَ أَحَدُكُمْ يَقْبِضُ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَطِعْ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ : هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ : مَا يُنْثَرُ مِنَ الْكُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ . قَوْلُهُ : مَدَّ الظِّلَّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : تَظَاهَرَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ بِهَذَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِهَذَا الْوَقْتِ بِذَلِكَ ، بَلْ مِنْ بَعْدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ يَبْقَى فِيهَا ظِلٌّ مَمْدُودٌ مَعَ أَنَّهُ فِي نَهَارٍ ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّهَارِ فَفِيهِ ظِلَالٌ مُتَقَطِّعَةٌ . ثُمَّ أَشَارَ إِلَى اعْتِرَاضٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الظِّلَّ إِنَّمَا يُقَالُ لِمَا يَقَعُ بِالنَّهَارِ ، قَالَ : وَالظِّلُّ الْمَوْجُودُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ مِنْ بَقَايَا اللَّيْلِ انْتَهَى . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ذَكَرَ تَفْسِيرَ الْخُصُوصِ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ ، فَإِنَّ فِي بَقِيَّتِهَا : ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا وَالشَّمْسُ تَعْقُبُ الَّذِي يُوجَدُ قَبْلَ طُلُوعِهَا ، فَيُزِيلُهُ ، فَلِهَذَا جُعِلَتْ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، فَظَهَرَ اخْتِصَاصُ الْوَقْتِ الَّذِي قَبْلَ الطُّلُوعِ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ دُونَ الَّذِي بَعْدَ الْغُرُوبِ . وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَسَاقِطٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي نَقَلَ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ ظِلٌّ ثِقَةٌ مُثْبِتٌ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النافي ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ قَوْلُ النَّافِي مُحَقَّقًا لَمَا امْتَنَعَ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَجَازًا . قَوْلُهُ : سَاكِنًا دَائِمًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : عَلَيْهِ دَلِيلا طُلُوعُ الشَّمْسِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : خِلْفَةً مَنْ فَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ عَمَلٌ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ أَوْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ الْحَسَنُ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ . قَوْلُهُ : هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ : هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا : مَا الْقُرَّةُ ، أَفِي الدُّنْيَا أَمْ فِي الْآخِرَةِ ؟ قَالَ : بَلْ فِي الدُّنْيَا ، هِيَ وَاللَّهِ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ مِنْ وَلَدِهِ طَاعَةَ اللَّهِ ... إِلَخْ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَنْ حَزْمِ الْقُطَعِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَسُمِّيَ الرَّجُلُ السَّائِلُ : كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ . قَوْلُهُ : ( وَمَا شَيْءٌ أَقَرُّ لِعَيْنِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى حَبِيبَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : أَنْ يَرَى حَمِيمَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثُبُورًا : وَيْلًا ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالنَّسَفِيِّ فَقَطْ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ؛ أَيْ هَلَكَةً ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَتَوْا : طَغَوْا ، وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا قَالَ : طَغَوْا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا - ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ - إِذَا رَأَتْهُمْ وَالسَّعِيرُ مُذَكَّرٌ ، وَهُوَ مَا يُسَعَّرُ بِهِ النَّارُ ، ثُمَّ أَعَادَ الضَّمِيرَ لِلنَّارِ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ تُظْهِرُ مُذَكَّرًا مِنْ سَبَبِ مُؤَنِّثٍ ثُمَّ يُؤَنِّثُونَ مَا بَعْدَ الْمُذَكَّرِ . قَوْلُهُ : ( وَالتَّسْعِيرُ وَالِاضْطِرَامُ التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( أَسَاطِيرُ ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ . قَوْلُهُ : تُمْلَى عَلَيْهِ تُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْلَيْتُ وَأَمْلَلْتُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ : أَيْ تُقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ أَمْلَيْتُ عَلَيْهِ ، وَهِيَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَمْلَلْتُ عَلَيْهِ ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَوْلُهُ : ( الرَّسُّ الْمَعْدِنُ ، جَمْعُهُ : رِسَاسٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَأَصْحَابُ الرَّسِّ أَيِ الْمَعْدِنِ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : الرَّسُّ كُلُّ بِئْرٍ تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ أَقْوَالٌ . أَحَدُهَا أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الرَّسُّ الْبِئْرُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أَصْحَابُ الرَّسِّ رَسُّوا نَبِيَّهُمْ فِي بِئْرٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ كَانُوا بِالْيَمَامَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ شَبِيبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَصْحَابُ الرَّسِّ قَالَ : بِئْرٌ بِأَذْرَبِيجَانَ . قَوْلُهُ : ( مَا يَعْبَأُ ، يُقَالُ : مَا عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ : مَا عَبَأْتُ بِكَ شَيْئًا أَيْ مَا عَدَدْتُكَ شَيْئًا . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ لِهَذِهِ التَّفَاسِيرِ ، وَالْخَطْبُ فِيهَا سَهْلٌ . قَوْلُهُ : ( غَرَامًا هـَلَاكًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا أَيْ : هَلَاكًا وَإِلْزَامًا لَهُمْ ، وَمِنْهُ رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالْحُبِّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَاتِيَةٌ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ ) كَذَا فِي تَفْسِيرِهِ ، وَهَذَا فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ ; وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا لِمَا ذُكِرَ قَوْلُهُ : ( عَتَوْا ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا فِي قِصَّةِ هُودٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . 1 - بَاب : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا 4760 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ قَتَادَةُ : بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ الْآيَةَ . كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى قَوْلِهِ : وَأَضَلُّ سَبِيلا قَوْلُهُ : ( شَيْبَانُ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ يُحْشَرُ الْكَافِرُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ السَّائِلِ ; وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( يُحْشَرُ الْكَافِرُ ) فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْشَرُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ : يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ : صِنْفٌ عَلَى الدَّوَابِّ ، وَصِنْفٌ عَلَى أَقْدَامِهِمْ ، وَصِنْفٌ عَلَى وُجُوهِهِمْ . فَقِيلَ : فَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ الْحَدِيثَ . وَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ يُحْشَرُونَ رُكْبَانًا ، وَمَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَيُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ . قَوْلُهُ : ( قَالَ قَتَادَةُ : بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَوْصُولَةٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، قَالَهَا قَتَادَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ : أَلَيْسَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا · ص 348 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة الفرقان · ص 93 ( سورة الفرقان ) أي : هذا في تفسير بعض سورة الفرقان ، وهو مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما ، وسمي القرآن به لفصله بين الحق والباطل ، وقيل : لأنه لم ينزل جملة واحدة ولكن مفروقا مفصولا بين بعضه وبعض في الإنزال ، قال تعالى : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ الآية ، وهي مكية ، وفي آية اختلاف وهي قوله عز وجل : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا وقيل : فيها آيتان اختلف الناس فيهما فقيل : إنهما مدنيتان ، وقيل : مكيتان ، وقيل : إحداهما مكية والأخرى مدنية ، وهما قوله : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ الآية وقوله : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ فالذي قال إن الأولى مكية وهو سعيد بن جبير وهي قوله : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ إلى قوله مُهَانًا والثانية مدنية وهي قوله : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ إلى قوله : وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وهي سبع وسبعون آية ، وثمانمائة واثنتان وتسعون كلمة ، وثلاثة آلاف وسبعمائة وثمانون حرفا . بسم الله الرحمن الرحيم ثبتت عند الكل . قال ابن عباس : هباء منثورا ما تسفي به الريح . أي : قال عبد الله بن عباس في تفسير هباء منثورا في قوله تعالى : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ما تسفي به الريح أي : تذريه وترميه ، ووصله ابن المنذر من حديث عطاء عن ابن عباس بلفظ : ما تسفي به الريح وتبثه ، وقال الثعلبي : هباء منثورا ، أي : باطلا لا ثواب له ، لأنهم لم يعملوه لله وإنما عملوه للشيطان ، واختلف المفسرون في الهباء فقال مجاهد وعكرمة والحسن : هو الذي يرى في الكوى من شعاع الشمس كالغبار ولا يمس بالأيدي ولا يرى في الظل . وقال ابن زيد : هو الغبار . وقال مقاتل : هو ما يسطع من حوافر الدواب ، ويقال : الهباء جمع هباة ، والمنثور المتفرق . مد الظل : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . أشار به إلى قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ الآية ، وفسره بقوله : " ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس " وإنما جعله ممدودا لأنه لا شمس معه ، كما قال في ظل الجنة : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وبمثل ما فسره رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وروى مثله أيضا عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة . ساكنا دائما عليه دليلا طلوع الشمس . أشار به إلى قوله تعالى وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا وفسر " ساكنا " بقوله : دائما ، أي : غير زائل . وقيل : لاصقا بأصل الجدار غير منبسط ، وفسر " دليلا " بقوله : طلوع الشمس ، أي : طلوع الشمس دليل على حصول الظل ، وهو قول ابن عباس : تدل على الظل الشمس ، يعني : لولا الشمس ما عرف الظل ، ولولا النور ما عرفت الظلمة . " خلفة " من فاته من الليل عمل أدركه بالنهار أو فاته بالنهار أدركه بالليل . أشار به إلى قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً الآية ، وفسر " خلفة " بقوله : من فاته ، إلى آخره ، وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الحسن مثله ، وفي التفسير وعن ابن عباس وقتادة : خلفة ، يعني : عوضا وخلفا ، يقوم واحدهما مكان صاحبه ، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر . وعن مجاهد : يعني : جعل كل واحد منهما مخالفا للآخر ، فجعل هذا أسود وهذا أبيض . وعن ابن زيد : يعني : إذا جاء أحدهما ذهب الآخر ، فهما يتعاقبان في الظلام والضياء والزيادة والنقصان . وقال الحسن : " هب لنا من أزواجنا " في طاعة الله وما شيء أقر لعين المؤمن أن يرى حبيبه في طاعة الله . أي : قال الحسن البصري في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا وهكذا أسنده عنه ابن المنذر من حديث جرير عنه ، وفي التفسير " قرة أعين " بأن نراهم مؤمنين صالحين مطيعين لك ، ووحد القرة لأنها مصدر وأصلها من البرد ؛ لأن العين تتأذى بالحر وتستريح بالبرد . وقال ابن عباس : ثبورا ويلا . أي : قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى : دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا أي : ويلا ، وأسنده ابن المنذر عنه من حديث علي بن أبي طلحة عنه . وقال غيره : السعير مذكر ، والتسعر والاضطرام التوقد الشديد . أي : قال غير ابن عباس ، وهو أبو عبيدة ، في قوله تعالى : وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا وقال : السعير مذكر ، لأنه ما يسعر به النار ، وإنما حكم بتذكيره إما من حيث إنه فعيل فيصدق عليه أنه مذكر ، وإنه مؤنث ، وقيل : المشهور أن السعير مؤنث ، وقال تعالى : إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ويمكن أن يقال : إن الضمير يحتمل أن يعود إلى الزبانية ، أشار إليه الزمخشري ، قوله : والتسعر إلى آخره ، يريد به أن معنى التسعر ومعنى الاضطرام التوقد الشديد . تملى عليه ، أي : تقرأ عليه ، من أمليت وأمللت . أشار به إلى قوله تعالى : وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا وفسر " تملى عليه " بقوله : تقرأ عليه ، قوله : " وقالوا " أي : الكفار " أساطير الأولين " يعني : ما سطره المتقدمون من نحو أحاديث رستم وإسفنديار ، والأساطير جمع إسطار ، وأسطورة كأحدوثة ، قوله : " اكتتبها " يعني أمر بكتبها لنفسه وأخذها ، وقيل : المعنى اكتتبها كاتب له ، لأنه كان أميا لا يكتب بيده ، وذلك من تمام إعجازه ، قوله : " من أمليت " أشار به إلى أن " تملى " من أمليت من الإملاء ، وأشار بقوله : " أمللت " إلى أن الإملال لغة في الإملاء ، وقال الجوهري : أمليت الكتاب أملي وأمللته أمله ، لغتان جيدتان ، جاء بهما القرآن ، كقوله تعالى : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الرس المعدن ، جمعه : رساس . أشار به إلى قوله تعالى : وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا وفسر الرس بالمعدن ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وقال الخليل : الرس كل بئر غير مطوية ، وقال قتادة : أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل الله إليهما شعيبا ، فعذبوا بعذابين . قال السدي : الرس بئر بأنطاكية ، قتلوا فيها حبيبا النجار ، فنسبوا إليها ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وروى عكرمة أيضا عن ابن عباس في قوله : " أصحاب الرس " قال : بئر بأذربيجان . ما يعبأ ، يقال : ما عبأت به شيئا لا يعتد به . أشار به إلى قوله تعالى : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ الآية ، وفسر " ما يعبأ " بقوله : يقال .. إلخ ، وعن أبي عبيدة : يقال : ما عبأت به شيئا ، أي : لم أعده ، فوجوده وعدمه سواء ، وأصل هذه الكلمة تهيئة الشيء ، يقال : عبيت الجيش وعبأت الطيب عبوا إذا هيأته . غراما هلاكا . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا وفسر الغرام بالهلاك ، وكذا فسره أبو عبيدة ، ومنه قولهم : رجل مغرم بالحب . وقال مجاهد : " وعتوا " طغوا . أي : قال مجاهد في قوله تعالى : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا وقال : يعني " عتوا " طغوا ، أخرجه ورقاء في تفسيره عن ابن أبي نجيح عنه . وقال ابن عيينة : " عاتية " عتت على الخزان . أي : قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى : وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ هذه في سورة الحاقة ، ذكرها هنا استطرادا لقوله وعتوا . قوله " صرصر " هو الشديد الصوت . وقيل : الريح الباردة ، من الصر ، فتحرق من شدة بردها . قوله : " عاتية " شديدة العصف . وقال سفيان في تفسير عاتية : عتت على خزانها فخرجت بلا كيل ولا وزن ، والخزان بضم الخاء وتشديد الزاي ، جمع خازن ، وأريد به خزان الريح الذين لا يرسلون شيئا من الريح إلا بإذن الله ، بمقدار معلوم ، ووقع في هذه التفاسير في النسخ تقديم وتأخير وزيادة ونقصان .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا · ص 95 ( باب قوله : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا الآية أي : هذا باب في قوله تعالى " الَّذِينَ يُحْشَرُونَ " إلى آخره ، وهذا المقدار في رواية أبي ذر وفي رواية غيره ساقه إلى قوله " وَأَضَلُّ سَبِيلا " . قوله : " الَّذِينَ يُحْشَرُونَ " أي : يسحبون على وجوههم . قوله : " أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا " أي : منزلة ، وهي النار . قوله : " وَأَضَلُّ سَبِيلا " أي : طريقا ، لأن طريقهم إلى النار . 280 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا يونس بن محمد البغدادي ، حدثنا شيبان ، عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رجلا قال : يا نبي الله ، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ قال : أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ؟ قال قتادة : بلى وعزة ربنا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الرقاق عن عبد الله بن محمد . وأخرجه مسلم في التوبة عن زهير بن حرب ، وعبد بن حميد . وأخرجه النسائي في التفسير عن الحسين بن منصور . قوله : " قال قتادة .. إلى آخره " ، زيادة موصولة بالإسناد المذكور قالها قتادة تصديقا لقوله " أليس الذي أمشاه " .