26 - سُورَةُ الشُّعَرَاءِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَعْبَثُونَ : تَبْنُونَ ، هَضِيمٌ : يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ ، مُسَحَّرِينَ : مَسْحُورِينَ ، الليْكَةُ وَالْأَيْكَةُ : جَمْعُ أَيْكَةٍ وَهِيَ جَمْعُ الشَجَرٍ ، يَوْمِ الظُّلَّةِ : إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ ، مَوْزُونٍ : مَعْلُومٍ . كَالطَّوْدِ : كَالْجَبَلِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَشِرْذِمَةٌ الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ ، فِي السَّاجِدِينَ : الْمُصَلِّينَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ : كَأَنَّكُمْ ، الرِّيعُ : الْأَيْفَاعُ مِنْ الْأَرْضِ ، وَجَمْعُهُ : رِيَعَةٌ ، وَأَرْيَاعٌ وَاحِدُهُ الرِّيعَةٌ ، مَصَانِعَ : كُلُّ بِنَاءٍ فَهُوَ مَصْنَعَةٌ ، فَرِهِينَ : مَرِحِينَ ، فَارِهِينَ : بِمَعْنَاهُ ، وَيُقَالُ : فَارِهِينَ : حَاذِقِينَ ، تَعْثَوْا : هُوَ أَشَدُّ الْفَسَادِ ، وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا ، الْجِبِلَّةَ : الْخَلْقُ ، جُبِلَ : خُلِقَ ، وَمِنْهُ : جُبُلًا وَجِبِلًا وَجُبْلًا : يَعْنِي الْخَلْقَ - قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ ( سُورَةُ الشُّعَرَاءِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ مُؤَخَّرَةً . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ قَالَ : بِكُلِّ فَجٍّ . آيَةً تَعْبَثُونَ بُنْيَانًا ، وَقِيلَ : كَانُوا يَهْتَدُونَ فِي الْأَسْفَارِ بِالنُّجُومِ ، ثُمَّ اتَّخَذُوا أَعْلَامًا فِي أَمَاكِنَ مُرْتَفِعَةٍ لِيَهْتَدُوا بِهَا ، وَكَانُوا فِي غُنْيَةٍ عَنْهَا بِالنُّجُومِ ، فَاتَّخَذُوا الْبُنْيَانَ عَبَثًا . قَوْلُهُ : هَضِيمٌ يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ : يَتَهَشَّمُ هَشِيمًا ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ : الطَّلْعَةُ إِذَا مَسِسْتَهَا تَنَاثَرَتْ ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : الْهَضِيمُ الرَّطْبُ اللِّينُ ، وَقِيلَ : الْمُذَنَّبُ . قَوْلُهُ : ( مُسَحَّرِينَ : مَسْحُورِينَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أَيْ : مِنَ الْمَسْحُورِينَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : كُلُّ مَنْ أَكَلَ فَهُوَ مُسَحَّرٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ سِحْرًا يَفْرِي مَا أَكَلَ فِيهِ انْتَهَى . وَالسَّحْرُ بِمُهْمَلَتَيْنِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ : الرِّئَةُ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَعْنَى : إنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَتَسْحَرُ بِهِ فَأَنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنَا لَا تَفْضُلُنَا فِي شَيْءٍ . قَوْلُهُ : فِي السَّاجِدِينَ الْمُصَلِّينَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ فِي الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( اللَّيْكَةُ وَالْأَيْكَةُ جَمْعُ أَيْكَةٍ ، وَهِيَ جَمْعُ الشَّجَرِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : جَمْعُ شَجَرٍ ، وَلِلْبَعْضِ : جَمَاعَةُ الشَّجَرِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مَعَ شَرْحِهِ ، وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : جَمْعُ أَيْكَةٍ ... إِلَخْ هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَوَقَعَ فِيهِ سَهْوٌ ؛ فَإِنَّ الليْكَةَ وَالْأَيْكَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ فَقَطْ ، وَقِيلَ : لَيْكَةِ اسْمُ الْقَرْيَةِ ، وَالْأَيْكَةُ الْغَيْضَةُ وَهِيَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : جَمْعُ شَجَرٍ يُقَالُ : جَمْعُهَا لَيْكٌ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ . قَوْلُهُ : يَوْمِ الظُّلَّةِ إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : مَوْزُونٍ مَعْلُومٌ ) كَذَا لَهُمْ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كَأَنَّكُمْ . لَيْكَةٌ الْأَيْكَةُ وَهِيَ الْغَيْضَةُ . مَوْزُونٌ مَعْلُومٌ فَأَمَّا قَوْلُهُ : لَعَلَّكُمْ . فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِهِ ، وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْوَاحِدِيِّ قَالَ : كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ لَعَلَّ فَهُوَ لِلتَّعْلِيلِ ، إِلَّا هـَذَا الْحَرْفُ فَإِنَّهُ لِلتَّشْبِيهِ ، كَذَا قَالَ : وَفِي الْحَصْرِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ وَقَدْ قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَيْ تَخْلُدُوا ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَوْثِقُونَ مِنَ الْبِنَاءِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا تُحْصِنَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، فَكَأَنَّهُمْ صَنَعُوا الْحِجْرَ صَنِيعَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَخْلُدُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَيْكَةٌ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَوْزُونٍ فَمَحَلُّهُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ ، وَوَقَعَ ذِكْرُهُ هُنَا غَلَطًا ، وَكَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ بَعْضِ مَنْ نَسَخَ الْكِتَابَ مِنْ مَحَلِّهِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ قَالَ : بِقَدَرٍ مَقْدُورٍ . قَوْلُهُ : كَالطَّوْدِ كَالْجَبَلِ ) وَقَعَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ مَنْسُوبًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِغَيْرِهِ مَنْسُوبًا إِلَى مُجَاهِدٍ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ : عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ لَشِرْذِمَةٌ الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ ) ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ ذِكْرُ ذَلِكَ فِيمَا نُسِبَ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ أَيْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ ، وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ : قَلِيلُونَ ، وَالَّذِي أَوْرَدَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ قَالَ : هُمْ يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ ، وَلَا يُحْصَى عَدَدُ أَصْحَابِ فِرْعَوْنِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسَى الْبَحْرَ كَانُوا سِتَّمِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةٍ فَصَاعِدًا ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : ( الرِّيَعُ : الْأَيْفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ ، وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وَأَرْيَاعٌ ، وَاحِدُهُ رَيْعَةٌ ) كَذَا فِيهِ ، وَرَيْعَةُ الْأَوَّلِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالثَّانِي بِسُكُونِهَا ، وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : رِيعٌ وَاحِدٌ جَمْعُهُ أَرْيَاعٌ ، وَرِيَعَةٌ بِالتَّحْرِيكِ ، وَرِيَعٌ أَيْضًا وَاحِدُهُ : رَيْعَةٌ بِالسُّكُونِ كَعِهْنٍ وَعِهْنَةٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ الرِّيعُ : الِارْتِفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ وَالْجَمْعُ : أَرْيَاعٌ وَرِيَعَةٌ ، وَالرَّيْعَةُ وَاحِدُه أَرْيَاعٍ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : بِكُلِّ رِيعٍ أَيْ بِكُلِّ طَرِيقٍ . قَوْلُهُ : مَصَانِعَ كُلُّ بِنَاءٍ فَهُوَ مَصْنَعَةٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ : بِفَتْحِ النُّونِ وَبِضَمِّهَا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : الْمَصَانِعُ الْقُصُورُ وَالْحُصُونُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : الْمَصَانِعُ عِنْدَنَا بِلُغَةِ الْيَمَنِ الْقُصُورُ الْعَادِيَّةُ . وَقَالَ سُفْيَانُ : مَا يُتَّخَذُ فِيهِ الْمَاءُ . وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْمَصَانِعُ الْقُصُورُ الْمُشَيَّدَةُ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ : الْمَصَانِعُ بُرُوجُ الْحَمَامِ . قَوْلُهُ : ( فَرِهِينَ : مَرِحِينَ ) كَذَا لَهُمْ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ : فَرِحِينَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ لِقُرْبِ مَخْرَجِ الْحَاءِ مِنَ الْهَاءِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ( بُيُوتًا فَرِهِينَ ) أَيْ مَرِحِينَ . وَلَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْفَرِحِينَ بِالْمَرِحِينَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ . قَوْلُهُ : ( فَارِهِينَ بِمَعْنَاهُ ، وَيُقَالُ : فَارِهِينَ : حَاذِقِينَ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، وَأَنْشَدَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ : لَا أَسْتَكِينُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ وَلَنْ تَرَانِي بِخَيْرٍ فَارِهَ اللِّيثِ وَاللِّيْثُ بِكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ : الْعُنُقُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَالْكَلْبِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( فَرِهِينَ ) قَالَ : مُعْجَبِينَ بِصَنِيعِكُمْ . وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : آمِنِينَ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : شَرِهِينَ . وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادَ قَالَ أَحَدُهُمَا : حَاذِقِينَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : جَبَّارِينَ . قَوْلُهُ : ( تَعْثَوْا : هُوَ أَشَدُّ الْفَسَادُ ، وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا ) مُرَادُهُ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَرِدْ أَنْ تَعْثَوْا مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَيْثِ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ هُوَ مِنْ عَثِيَتْ تَعْثِي ، وَهُوَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ عَثَتْ تَعِيثُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلا تَعْثَوْا ؛ أَيْ : لَا تَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَوْلُهُ : ( الْجِبِلَّةَ : الْخَلْقُ ، جُبِلَ خُلِقَ ، وَمِنْهُ جُبُلًا وَجِبِلًّا وَجُبْلًا يَعْنِي الْخَلْقُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَهُوَ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ أَيِ الْخَلْقُ ، هُوَ مِنْ جُبِلَ عَلَى كَذَا أَيْ : تَخَلَّقَ . وَفِي الْقُرْآنِ : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا مُثَقَّلٌ وَغَيْرُ مُثَقَّلٍ ، وَمَعْنَاهُ : الْخَلْقُ ، انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : مُثَقَّلٌ وَغَيْرُ مُثَقَّلٍ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُمَا ، وَفِيهِمَا قِرَاءَاتٌ : فَفِي الْمَشْهُورِ بِكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدُ اللَّامِ لِنَافِعٍ ، وَعَاصِمٍ ، وَبِضَمَّةٍ ثُمَّ سُكُونٍ لِأَبِي عَمْرٍو ، وَابْنِ عَامِرٍ ، وَبِكَسْرَتَيْنِ وَاللَّامُ خَفِيفَةٌ لِلْأَعْمَشِ ، وَبِضَمَّتَيْنِ وَاللَّامُ خَفِيفَةٌ لِلْبَاقِينَ ، وَفِي الشَّوَاذِّ بِضَمَّتَيْنِ ثُمَّ تَشْدِيدٌ ، وَبِكَسْرَةٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، وَبِكَسْرَةٍ ثُمَّ فَتْحَةٍ مُخَفَّفَةٍ ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخْرَى . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ قَالَ : خَلْقُ الْأَوَّلِينَ ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : ( الْجِبِلَّةُ ) الْخَلْقُ ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا 1 - بَاب : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ 4768 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ : عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ ، والْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ قَوْلُهُ : بَابُ وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ... إِلَخْ ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا ، وَأَشَارَ إِلَى الطَّرِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي زِيدَ فِيهَا بَيْنَ سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَجُلٌ فَذَكَرَهَا مُعَلَّقَةً ، وَسَعِيدٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَلَعَلَّ هَذَا مِمَّا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَصَرًا وَمِنْ أَبِيهِ عَنْهُ تَامًّا ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ ثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ وُجِدَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَشَاهِدُهُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ . وَالْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ : وَعَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ ، فَقَالَ لَهُ : قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا فَعَصَيْتَنِي ، قَالَ : لَكِنِّي لَا أَعْصِيكَ الْيَوْمَ ، الْحَدِيثَ ، فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ : وَالْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ، وَأَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ . وَأَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُونُسَ : وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ الْقَتَرُ : الْغُبَارُ ، وَأَنْشَدَ لِذَلِكَ شَاهِدَيْنِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ عَبَسَ : غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ ، كَأَنَّهُ قَالَ : غَبَرَةٌ فَوْقَهَا غَبَرَةٌ . وَقَالَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ : الْقَتَرَةُ مَا يَغْشَى الْوَجْهَ مِنَ الْكَرْبِ ، وَالْغَبَرَةُ مَا يَعْلُوهُ مِنَ الْغُبَارِ ، وَأَحَدُهُمَا حِسِّيٌّ وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ . وَقِيلَ : الْقَتَرَةُ شِدَّةُ الْغَبَرَةِ بِحَيْثُ يَسْوَدُّ الْوَجْهُ . وَقِيلَ : الْقَتَرَةُ سَوَادُ الدُّخَانِ فَاسْتُعِيرَ هُنَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ · ص 355 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ · ص 358 4769 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا أَخِي ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ : إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ . قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ : ( يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ : إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا ، وَسَاقَهُ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَامًّا . قَوْلُهُ : ( يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ ) هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي تَسْمِيَةِ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ سَبَقَتْ نِسْبَتُهُ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . وَحَكَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ضَعِيفَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ آزَرَ اسْمُ الصَّنَمِ وَهُوَ شَاذٌّ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَى وَجْهٍ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ ) هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أَيْ : يَغْشَاهَا قَتَرَةٌ ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْغَبَرَةَ الْغُبَارُ مِنَ التُّرَابِ ، وَالْقَتَرَةُ السَّوَادُ الْكَائِنُ عَنِ الْكَآبَةِ . قَوْلُهُ : ( فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي ؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ : فَالْيَوْمُ لَا أَعْصِيكَ ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ : فَقَالَ لَهُ : قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا فَعَصَيْتَنِي ، قَالَ : لَكِنِّي لَا أَعْصِيكَ وَاحِدَةً . قَوْلُهُ : ( فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ : يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ ) وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْأَبْعَدِ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ إِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُ فِي أَبِيهِ ، وَقِيلَ : الْأَبْعَدُ صِفَةُ أَبِيهِ ، أَيْ أَنَّهُ شَدِيدُ الْبُعْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ بَعِيدٌ مِنْهَا فَالْكَافِرٌ أَبْعَدٌ ، وَقِيلَ : الْأَبْعَدُ بِمَعْنَى الْبَعِيدَ وَالْمُرَادُ الْهَالِكُ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ : وَإِنْ أَخْزَيْتَ أَبِي فَقَدْ أَخْزَيْتَ الْأَبْعَدَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : يَلْقَى رَجُلٌ أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَهُ : أَيُّ ابْنٍ كُنْتَ لَكَ ؟ فَيَقُولُ : خَيْرُ ابْنٍ ، فَيَقُولُ : هَلْ أَنْتَ مُطِيعِي الْيَوْمَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ . فَيَقُولُ خُذْ بَازَرتِي . فَيَأْخُذُ بَازَرتَهُ . ثُمَّ يَنْطَلِقُ حَتَّى يَأْتِيَ رَبَّهُ وَهُوَ يَعْرِضُ الْخَلْقَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ : يَا عَبْدِي ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ أَبِي مَعِي ، فَإِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي . قَوْلُهُ : ( فَيَقُولُ اللَّهُ : إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : فَيُنَادِي : إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا مُشْرِكٌ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُقَالُ يَا إِبْرَاهِيمَ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ انْظُرْ ، فَيَنْظُرُ ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ : فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَيَقُولُ : يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ أَبُوكَ ؟ قَالَ : أَنْتَ أَخَذْتَهُ مِنِّي ، قَالَ : انْظُرْ أَسْفَلَ ، فَيَنْظُرُ فَإِذَا ذِيخٌ يَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : فَيَمْسَخُ اللَّهُ أَبَاهُ ضَبُعًا ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفِهِ فَيَقُولُ : يَا عَبْدِي أَبُوكَ هُوَ ، فَيَقُولُ : لَا وَعِزَّتِكَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : فَيُحَوَّلُ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ وَرِيحٍ مُنْتِنَةٍ فِي صُورَةِ ضِبْعَانَ ، زَادَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : فَإِذَا رَآهُ كَذَا تَبَرَّأَ مِنْهُ قَالَ : لَسْتَ أَبِي ، وَالذِّيخُ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ذَكَرُ الضِّبَاعِ ، وَقِيلَ : لَا يُقَالُ لَهُ : ذِيخٌ إِلَّا إِذَا كَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ . وَالضِّبْعَانُ لُغَةٌ فِي الضَّبْعِ . وَقَوْلُهُ : مُتَلَطِّخٌ ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : أَيْ فِي رَجِيعٍ أَوْ دَمٍ أَوْ طِينٍ . وَقَدْ عَيَّنَتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْمُرَادَ ، وَأَنَّهُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ ؛ حَيْثُ قَالَ : فَيَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ . قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي مَسْخِهِ لِتَنْفِرَ نَفْسُ إِبْرَاهِيمَ مِنْهُ ، وَلِئَلَّا يَبْقَى فِي النَّارِ عَلَى صُورَتِهِ فَيَكُونُ فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَقِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي مَسْخِهِ ضَبْعًا أَنَّ الضَّبْعَ مِنْ أَحْمَقِ الْحَيَوَانِ ، وَآزَرَ كَانَ مِنْ أَحْمَقِ الْبَشَرِ ، لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَلَدِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى مَاتَ . وَاقْتَصَرَ فِي مَسْخِهِ عَلَى هَذَا الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ وَسَطٌ فِي التَّشْوِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَإِلَى مَا فَوْقَهُ كَالْأَسَدِ مَثَلًا ، وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَالَغَ فِي الْخُضُوعِ لَهُ وَخَفْضَ الْجَنَاحَ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَأَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ فَعُومِلَ بِصِفَةِ الذُّلِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلِأَنَّ لِلضَّبْعِ عِوَجًا فَأُشِيرَ إِلَى أَنَّ آزَرَ لَمْ يَسْتَقِمْ فَيُؤْمِنُ بَلِ اسْتَمَرَّ عَلَى عِوَجِهِ فِي الدِّينِ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَصْلِهِ وَطَعَنَ فِي صِحَّتِهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ : هَذَا خَبَرٌ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ; فَكَيْفَ يَجْعَلُ مَا صَارَ لِأَبِيهِ خِزْيًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ؟ وَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ انْتَهَى . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَبَرَّأَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ ، فَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرَ مُشْرِكًا ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَفِي رِوَايَةِ : فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ قَالَ : اسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ ، وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَّا يَئِسَ مِنْهُ حِينَ مُسِخَ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْذِرِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا ، وَهَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَبِّ وَالِدِي ، رَبِّ وَالِدِي . فَإِذَا كَانَ الثَّالِثَةُ أُخِذَ بِيَدِهِ فَيَلْتَفِتَ إِلَيْهِ وَهُوَ ضِبْعَانُ فَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ . وَمِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ : إِنِّي كُنْتَ آمُرُكَ فِي الدُّنْيَا وَتَعْصِينِي ، وَلَسْتُ تَارِكَكَ الْيَوْمَ فَخُذْ بِحَقْوِي ، فَيَأْخُذُ بِضَبْعَيْهِ فَيُمْسَخُ ضَبْعًا ، فَإِذَا رَآهُ إِبْرَاهِيمُ مُسِخَ تَبَرَّأَ مِنْهُ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا فَتَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ ، لَكِنْ لَمَّا رَآهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَدْرَكَتْهُ الرَّأْفَةُ وَالرِّقَّةُ فَسَأَلَ فِيهِ ، فَلَمَّا رَآهُ مُسِخَ يَئِسَ مِنْهُ حِينَئِذٍ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ تَبَرُّؤًا أَبَدِيًّا ، وَقِيلَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَوْتَهُ عَلَى الْكُفْرِ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ آمَنَ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَطَّلِعْ إِبْرَاهِيمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَتَكُونُ تَبْرِئَتُهُ مِنْهُ حِينَئِذٍ بَعْدَ الْحَالِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ : إِذَا أَدْخَلَ اللَّهُ أَبَاهُ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَاهُ لِقَوْلِهِ : إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَخِزْيُ الْوَالِدِ خِزْيُ الْوَلَدِ فَيَلْزَمُ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ وَهُوَ مُحَالٌ ، وَلَوْ لم يَدْخُلُ النَّارَ لَزِمَ الْخُلْفُ فِي الْوَعِيدِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) وَالْجَوَابُ : أَنَّهُ إِذَا مُسِخَ فِي صُورَةِ ضَبُعٍ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ لَمْ تَبْقَ الصُّورَةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْخِزْيِ ، فَهُوَ عَمَلٌ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ . وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ الْوَعْدَ كَانَ مَشْرُوطًا بِالْإِيمَانِ ، وَإِنَّمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَفَاءً بِمَا وَعَدَهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ . قُلْتُ : وَمَا قَدَّمْتُهُ يُؤَدِّي الْمَعْنَى الْمُرَادَ مَعَ السَّلَامَةِ مِمَّا فِي اللَّفْظِ مِنَ الشَّنَاعَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة الشعراء · ص 98 ( سورة الشعراء ) أي : هذا تفسير بعض سورة الشعراء ، مكية كلها إلا آية واحدة إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا نزلت في حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ، شعراء الأنصار ، وقال مقاتل : فيها من المدني آيتان : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ وقوله : أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وعند السخاوي نزلت بعد سورة الواقعة وقبل سورة النمل ، وهي مائتان وسبع وعشرون آية ، وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة ، وخمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا . بسم الله الرحمن الرحيم ثبتت لأبي ذر . وقال مجاهد : تعبثون ، تبنون . أي : قال مجاهد في قوله تعالى : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وفسر تعبثون بقوله تبنون ، ووصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه في قوله : " أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ " قال : بكل فج آية تعبثون قال : بنيانا ، وعن ابن عباس : بكل ريع بكل شرف ، عن قتادة والضحاك ومقاتل والكلبي طريق وهي رواية عن ابن عباس وعن عكرمة : واد ، وعن مقاتل : كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم فبنوا على الطرق أعلاما طوالا عبثا ليهتدوا بها وكانوا في غبة منها ، وقال الكرماني : كانوا يبنون بروجا للحمامات يعبثون بها . والريع : المرتفع من الأرض ، والجمع : ريعة ، بكسر الراء وفتح الياء ، وأما الأرياع فمفرده ريعة ، بالكسر والسكون . هضيم ، يتفتت إذا مس أشار به إلى قوله تعالى : فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وفسر " هضيما " بقوله : يتفتت إذا مس ، على صيغة المجهول ، وهذا قول مجاهد أيضا ، وقيل : هو المنظم في وعائه قبل أن يظهر . " مسحرين " ، المسحورين أشار به إلى قوله تعالى : قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وفسره بقوله " المسحورين " أي : من سحر مرة بعد مرة من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب ، وقال الفراء : أي أنك تأكل الطعام وتشرب الشراب وتسحر به ، والمعنى : لست بملك إنما أنت بشر مثلنا لا تفضلنا في شيء . وقال أبو عبيدة : كل من أكل فهو مسحر ، وذلك أن له سحرا ، بفتح السين وسكون الحاء أي رئة ، وقيل : من السحر ، بالكسر . والليكة والأيكة جمع أيكة ، وهي جمع شجر . أشار به إلى قوله تعالى : كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ والليكة بفتح اللام والأيكة بفتح الهمزة ، قال الجوهري : من قرأ ( أصحاب الأيكة ) فهي الغيضة ، ومن قرأ ( ليكة ) فهي القرية . وقال : الأيك : الشجر الكثير الملتف ، الواحدة أيكة . قلت : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ( أصحاب ليكة ) هنا وفي ( ص ) بغير همزة ، والباقون بالهمزة فيهما ، قوله : " جمع أيكة " كذا في النسخ وهو غير صحيح ، والصواب أن يقال : والليكة ، والأيكة مفرد أيك ، ويقال : جمعها أيك ، والعجب من بعض الشراح حيث لم يذكر هنا شيئا ، بل قال : الكلام الأول من قول مجاهد ، ومن جمع أيكة إلخ من كلام أبي عبيدة ، وحاشا من مجاهد ومن أبي عبيدة أن يقولا الأيكة جمع أيكة . قوله : " وهي جمع شجر " كذا للأكثرين وعند أبي ذر " وهي جمع الشجر " وفي بعض النسخ " وهي جماعة الشجر " وعلى كل التقدير هذا في نفس الأمر تفسير غيضة التي يفسر بها الأيكة ، لأن الغيضة هي جماعة الشجر ، وإذا لم يفسر الأيكة بالغيضة لا يستقيم هذا الكلام ، فافهم فإنه موضع التأمل . " يوم الظلة " ، إظلال العذاب إياهم . أشار به إلى قوله تعالى فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وفسر يوم الظلة بقوله : إظلال العذاب إياهم ، وفي التفسير : معنى الظلة هنا السحاب التي أظلتهم . " موزون " معلوم هذا غير واقع في محله ، فإنه في سورة الحجر وكأنه من جهل الناسخ لعدم تمييزه ، وهو قوله تعالى : وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ " كالطود " الجبل أشار به إلى قوله تعالى : فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وفسر الطود بالجبل ، ووقع هذا لأبي ذر منسوبا إلى ابن عباس ، ولغيره منسوبا إلى مجاهد ، وفي بعض النسخ " كالطود الجبل " . الشرذمة ، طائفة قليلة . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وفسر الشرذمة بطائفة قليلة ، وقال الثعلبي : أرسل فرعون في إثر موسى لما خرج مع بني إسرائيل ألف ألف وخمسمائة ألف ملك ، مع كل ملك ألف فارس ، وخرج فرعون في الكرسي العظيم ، فكان فيه ألفا ألف فارس . فإن قلت : روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : اتبعه فرعون في ألفي حصان سوى الإناث ، وكان موسى صلى الله عليه وسلم في ستمائة ألف من بني إسرائيل ، فقال فرعون : إن هؤلاء لشرذمة قليلون ، فكيف التوفيق بين الكلامين ؟ قلت : يحتمل أن يكون مراد ابن عباس خواص فرعون الذين كانوا يلازمونه ليلا ونهارا ولم يذكر غيرهم على أن الذي ذكره الثعلبي لا يخلو عن نظر ، وقد روي عن عبد الله قال : كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا . " في الساجدين " ، المصلين . أشار به إلى قوله تعالى : الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ وفسر الساجدين بالمصلين وكذا فسره الكلبي ، وقال : الذي يرى تصرفك مع المصلين في أركان الصلاة في الجماعة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا . قال الثعلبي : هو رواية عن ابن عباس . قال ابن عباس : " لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ " كأنكم . أي : قال ابن عباس في قوله تعالى : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أن معنى " لعلكم " كأنكم ، وقرأ أبي بن كعب : ( كأنكم تخلدون ) ، وقرأ ابن مسعود : لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ، وعن الواحدي : كل ما في القرآن لعل فهو للتعليل ، إلا هذا الحرف فإنه للتشبيه . قيل : في الحصر نظر ، لأنه قد قيل مثل ذلك في قوله : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ الريع : الأيفاع من الأرض ، وجمعه ريعة ، وأرياع واحد الريعة . أشار به إلى قوله تعالى : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وقال : الريع : الأيفاع من الأرض ، الأيفاع بفتح الهمزة جمع يافع ، وهو المكان المرتفع من الأرض ، ومنه يقال : غلام يافع ، من أيفع الغلام أي ارتفع ، والصواب اليفاع من الأرض بفتح الياء والفاء ، وهو المرتفع منها ، وقد فسر الريع بكسر الراء ، بقوله : الأيفاع واليفاع من الأرض . وقال الجوهري : يقال غلام يافع ويفع ويفعة ، وغلمان أيفاع ويفعة أيضا . وقال : والريع بالكسر : المرتفع من الأرض . وقال عمارة : هو الجبل ، والريع أيضا الطريق ، قلت : وكذا قال المفسرون . وقيل : الفج بين الجبلين . وعن مجاهد : الثنية الصغيرة . وعن عكرمة : واد . وعن ابن عباس : " بِكُلِّ رِيعٍ " يعني : بكل شرف . والريع بالفتح : النماء ، ومنه ريع الأملاك . قوله : " وجمعه " أي : جمع الريع ريعة ، بكسر الراء وفتح الياء كقرد وقردة ، قوله : " وأرياع واحد الريعة " بكسر الراء وسكون الياء وعند جماعة من المفسرين " ريع واحد وجمعه أرياع وريعة " بالتحريك ، وريع جمع أيضا واحده ريعة ، بالسكون كعهن وعهنة . " مصانع " كل بناء فهو مصنعة . أشار به إلى قوله تعالى : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وقال : كل بناء فهو مصنعة ، وكذا قال أبو عبيدة ، ومصنعة مفرد مصانع ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : المصانع القصور والحصون . وقال عبد الرزاق : المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية . وقيل : المصانع بروج الحمام . " فرهين " مرحين ، " فارهين " بمعناه ، ويقال : فارهين حاذقين . أشار به إلى قوله تعالى : وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ وفسره بقوله : مرحين ، وكذا فسره أبو عبيدة ، ومرحين جمع مرح ، صفة مشبهة من مرح بالكسر مرحا ، والمرح شدة الفرح والنشاط ، وعن ابن عباس : أشرين . وعن الضحاك : كيسين . وعن قتادة : معجبين بصنيعهم . وعن مجاهد : شرهين . وعن عكرمة : ناعمين . وعن السدي : متحيرين . وعن ابن زيد : أقوياء . وعن الكسائي : بطرين . وعن الأخفش : فرحين . وهكذا هو رواية أبي ذر ، وقال بعضهم : وصوبه بعضهم لقرب مخرج الحاء من الهاء وليس بشيء . قلت : أراد بالمصوب صاحب التوضيح ، ورده عليه ليس بشيء ، لأن الهاء والحاء من حروف الحلق ، والعرب تعاقب بين الحاء والهاء مثل مدحته ومدهته . قوله : " فَارِهِينَ بمعناه " أي : بمعنى فرهين ، من قوله : فره الرجل فهو فاره ، قوله : ويقال فارهين حاذقين ، وكذا روي عن عبد الله بن شداد ، وقال الثعلبي : وقرئ فرهين بالألف فارهين ، أي : حاذرين بنحتها ، وقيل : متحيرين لمواضع نحتها . " تعثوا " هو أشد الفساد . أشار به إلى قوله تعالى : وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ وتفسيره بأشد الفساد تفسير مصدر تعثوا ، لأنه من عثا في الأرض يعثو : فسد ، وكذلك عثى بالكسر يعثي ، فمصدر الأول عثوا ومصدر الثاني عثى ، فافهم . عاث يعيث عيثا . أراد بهذا أن معنى عاث مثل معنى عثى : أفسد ، وليس مراده أن تعثوا مشتق من عاث ، لأن تعثوا معتل اللام ناقص وعاث معتل العين أجوف ، ومن له أدنى ملكة من التصريف يفهم هذا . " الجبلة " الخلق ، جبل : خلق ، ومنه : جبلا وجبلا وجبلا ، يعني الخلق ، قاله ابن عباس . أشار به إلى قوله تعالى : وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ وفسرها بالخلق . قوله " جبل " على صيغة المجهول ، أي : خلق ، مجهول أيضا . قوله : " ومنه " أي : ومن هذا الباب " جبلا " في قوله تعالى : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا وفيه قراءات شتى ذكره البخاري هنا ثلاثة ؛ الأولى : جبلا ، بضمتين ، الثانية : جبلا ، بضم الجيم وسكون الباء ، الثالثة : جبلا ، بضم الجيم والباء وتشديد اللام ، والحاصل أن قراءة نافع وعاصم بكسرتين وتشديد اللام ، وقراءة أبي عمرو وابن عامر بكسرتين وتخفيف اللام ، وقرأ الأعمش بكسرتين وتخفيف اللام ، وقرأ الباقون بضمتين واللام خفيفة ، وقرئ في الشواذ بضمتين وبالتشديد وبكسرة وسكون وبكسرة وفتحة وبالتخفيف . قوله : " قاله ابن عباس " ، وقع في رواية أبي ذر ولم يقع عند غيره ، وقال بعضهم : هذا أولى ، فإن هذا كله كلام أبي عبيدة ، انتهى . قلت : ليت شعري من أين الأولوية ، وكونه كلام أبي عبيدة لا يستلزم نفي كونه من كلام ابن عباس أيضا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ · ص 100 ( باب : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ أي : هذا باب في قوله عز وجل " وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ " ولم يثبت لفظ باب إلا في رواية أبي ذر وحده . قوله : " يَوْمَ يُبْعَثُونَ " أي : العباد . وقيل : يوم يبعث الضالون وأبي فيهم . 261 - وقال إبراهيم بن طهمان ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة ، الغبرة هي القترة . مطابقته للترجمة من حيث إن هذه والتي قبلها وهي قوله تعالى : وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ في قصة سؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام ورؤيته أباه على الهيئة المذكورة ، وإبراهيم بن طهمان : بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء ، الهروي أبو سعيد ، سكن نيسابور ثم سكن مكة ، ومات سنة ستين ومائة ، وهو من رجال الصحيحين . وابن أبي ذئب : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، واسمه هشام . وسعيد : يروي عن أبيه عن أبي سعيد واسمه كيسان المديني ، وكان يسكن عند مقبرة فنسب إليها . والحديث معلق وصله النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان إلى آخر الحديث . قوله : ( يرى ) ويروى " رأى " . قوله : " أباه " هو آزر . قوله : " عليه الغبرة " جملة حالية بلا واو . قوله : " والقترة " بفتح القاف والتاء المثناة من فوق ، وهي سواد كالدخان ، وهذا مقتبس من قوله تعالى : عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أي : تصيبها قترة ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه . قوله : " الغبرة " مبتدأ . وقوله : هي " القترة " جملة خبره ، وهذا من كلام البخاري ، والدليل عليه رواية النسائي " وعليه الغبرة والقترة " وتفسيره هكذا غير طائل على ما لا يخفى ، يفهم بالتأمل .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ · ص 101 262 - حدثنا إسماعيل ، حدثنا أخي ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يلقى إبراهيم أباه فيقول : يا رب ، إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون ! فيقول الله : إني حرمت الجنة على الكافرين . هذا طريق آخر عن سعيد عن أبي هريرة بلا واسطة أبيه ، وسعيد قد سمع عن أبيه عن أبي هريرة وسمع أيضا عن أبي هريرة ، وذا لا يقدح في صحة الحديث ، وإسماعيل : هو ابن أبي أويس ، واسمه عبد الله ، يروي عن أخيه عبد الحميد بن أبي ذئب ، إلى آخره . والحديث قد مضى في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قوله : لا تخزني ، فإن قيل : إذا أدخل الله أباه في النار فقد أخزاه لقوله : إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وخزي الوالد خزي الولد ، فيلزم الخلف في الوعد ، وأنه محال ، وأجيب لو لم يدخل النار لزم الخلف في الوعيد ، وهذا هو المراد بقوله حرمت الجنة على الكافرين ، ويجاب أيضا بأن أباه يمسخ إلى صورة ذيخ ، بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره خاء معجمة ، أي : ضبع ، ويلقى في النار فلا خزي حيث لا تبقى له صورته التي هي سبب الخزي ، فهو عمل بالوعد والوعيد كليهما ، وقيل : الوعد مشروط بالإيمان ، كما أن الاستغفار له كان عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه .