28 - سُورَةُ الْقَصَصِ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ : إِلَّا مُلْكَهُ ، وَيُقَالُ : إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَنْبَاءُ : الْحُجَجُ . 28 - سُورَةُ الْقَصَصِ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ إِلَا مُلْكَهُ . وَيُقَالُ : إِلَا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ : الْحُجَجُ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الْقَصَصِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالنَّسَفِيِّ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا وَجْهَهُ : إِلَّا مُلْكَهُ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ فَذَكَرَهُ . وَمَعْمَرٌ هَذَا هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَهَذَا كَلَامُهُ فِي كِتَابِهِ مَجَازُ الْقُرْآنِ لَكِنْ بِلَفْظِ إِلَّا هُوَ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ . وَقَالَ : ابْنُ التِّينِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : إِلَّا وَجْهَهُ ؛ أَيْ جَلَالَهُ ، وَقِيلَ : إِلَّا إِيَّاهُ ، تَقُولُ : أَكْرَمَ اللَّهُ وَجْهَكَ ؛ أَيْ : أَكْرَمَكَ اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ : إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ ) نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ : إِلَّا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ انْتَهَى . وَيَتَخَرَّجُ هَذَانِ الْقَوْلَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ شَيْءٍ عَلَى اللَّهِ ، فَمَنْ أَجَازَهُ قَالَ : الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ بِالْأَشْرَفِ عَنِ الْجُمْلَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ إِطْلَاقَ شَيْءٍ عَلَى اللَّهِ قَالَ : هُوَ مُنْقَطِعٌ ، أَيْ : لَكِنْ هُوَ تَعَالَى لَمْ يَهْلِكْ ، أَوْ مُتَّصِلٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ مَا عُمِلَ لِأَجْلِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : مُجَاهِدٌ : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ : الْحُجَجُ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ . 1 - بَاب : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ 4772 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، فَقَالَ : أَيْ عَمِّ ، قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ : عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُولِي الْقُوَّةِ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ ، لَتَنُوءُ لَتُثْقِلُ ، فَارِغًا إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى ، الْفَرِحِينَ الْمَرِحِينَ ، قُصِّيهِ اتَّبِعِي أَثَرَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ وَعَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ ، وَعَنْ اجْتِنَابٍ أَيْضًا ، وَيَبْطِشُ وَيَبْطُشُ ، يَأْتَمِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ ، الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ ، آنَسَ أَبْصَرَ ، الْجِذْوَةُ : قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ ، وَالشِّهَابُ فِيهِ لَهَبٌ ، وَالْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ ، رِدْءًا مُعِينًا ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُصَدِّقُنِي وَقَالَ غَيْرُهُ : سَنَشُدُّ سَنُعِينُكَ كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُضا ، مَقْبُوحِينَ : مُهْلَكِينَ ، وَصَّلْنَا بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ ، يُجْبَى يُجْلَبُ ، بَطِرَتْ أَشِرَتْ ، فِي أُمِّهَا رَسُولا أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا ، تَكُنْ تُخْفِي ، أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ : أَخْفَيْتُهُ ، وَكَنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ ، وَيْكَأَنَّ اللَّهَ مِثْلُ ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : بَابُ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ لَمْ تَخْتَلِفِ النَّقَلَةُ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِمُتَعَلِّقِ : أَحْبَبْتَ ، فَقِيلَ : الْمُرَادُ : أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ ، وَقِيلَ : أَحْبَبْتَهُ هُوَ لِقَرَابَتِهِ مِنْكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ الْمُسَيَّبُ بْنُ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي الْجَنَائِزِ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْمُرَادُ : حَضَرَتْ عَلَامَاتُ الْوَفَاةِ ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ انْتَهَى إِلَى الْمُعَايَنَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْإِيمَانُ لَوْ آمَنَ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَا وَقَعَ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، انْتَهَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْتَهَى إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَكِنْ رَجَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَلَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ بِخُصُوصِهِ وَتَسُوغُ شَفَاعَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَكَانِهِ مِنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : أُجَادِلُ لَكَ بِهَا وَأَشْفَعُ لَكَ . وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ . وَيُؤَيِّدُ الْخُصُوصِيَّةَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَقَالَ هُوَ : عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْرُكِ الشَّفَاعَةَ لَهُ ، بَلْ شَفَعَ لَهُ حَتَّى خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ فِي حَقِّهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَيَّبُ حَضَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ، فَإِنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَيْضًا ، وَكَانَ الثَّلَاثَةُ يَوْمَئِذٍ كُفَّارًا ، فَمَاتَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى كُفْرِهِ وَأَسْلَمَ الْآخَرَانِ . وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ فَمَرْدُودٌ ، لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُسَيَّبَ عَلَى قَوْلِ مُصْعَبٍ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَعَلَى قَوْلِ الْعَسْكَرِيِّ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، قَالَ : فَأَيًّا مَا كَانَ فَلَمْ يَشْهَدْ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ ؛ لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ هُوَ وَخَدِيجَةُ فِي أَيَّامٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ نَحْوَ الْخَمْسِينَ انْتَهَى . وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُسَيَّبِ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ كَمَا شَهِدَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَعَجَبٌ مِنْ هَذَا الْقَائِلُ كَيْفَ يَعْزُو كَوْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إِلَى الْعَسْكَرِيِّ وَيَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ ثَابِتًا فِي هَذَا الصَّحِيحِ الَّذِي شَرَحَهُ كَمَا مَرَّ فِي الْمَغَازِي وَاضِحًا . قَوْلُهُ : ( أَيْ عَمِّ ) أَمَّا أَيْ فَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ نِدَاءٍ ، وَأَمَّا عَمِّ فَهُوَ مُنَادَى مُضَافٌ ، وَيَجُوزُ فِيهِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ وَحَذْفُهَا . قَوْلُهُ : ( كَلِمَةً ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ الِاخْتِصَاصِ . وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ . قَوْلُهُ : ( أُحَاجَّ ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِنَ الْمُحَاجَّةِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْحُجَّةِ وَالْجِيمُ مَفْتُوحَةٌ عَلَى الْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ تَقُلْ أُحَاجَّ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْجَنَائِزِ : أَشْهَدُ بَدَلَ : أُحَاجَّ ، وَفِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ : أُجَادِلُ عَنْكَ بِهَا ، زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَيْ عَمِّ ، إِنَّكَ أَعْظَمُ النَّاسِ عَلَيَّ حَقًّا ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا ، فَقُلْ كَلِمَةً تَجِبُ لِي بِهَا الشَّفَاعَةُ فِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَزَلْ يَعْرِضُهَا ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ : فَقَالَ : لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا . قَوْلُهُ : ( وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ) أَيْ وَيُعِيدَانِهِ إِلَى الْكُفْرِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : كَانَ قَارَبَ أَنْ يَقُولَهَا فَيَرُدَّانِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَيَعُودَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ وَهِيَ أَوْضَحُ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ ، قَالَ : الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : كَذَا فِي الْأُصُولِ وَعِنْدَ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَكَرَّرَهَا عَلَيْهِ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَيُعِيدَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، وَالْمُرَادُ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ وَرَفِيقُهُ لَهُ : تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . قَوْلُهُ : ( آخِرُ مَا كَلَّمَهُمْ : عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ : أَنَا فَغَيَّرَهَا الرَّاوِي أَنَفَةً أَنْ يَحْكِيَ كَلَامَ أَبِي طَالِبٍ اسْتِقْبَاحًا لِلَّفْظِ الْمَذْكُورِ ؛ وَهِيَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْحَسَنَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي مِلَّةُ الْأَشْيَاخِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَالطَّبَرِيِّ قَالَ : لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ : مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَعُ الْمَوْتِ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ قَالَ : لَوْلَا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ عَارٌ لَمْ أُبَالِ أَنْ أَفْعَلَ ، وَضَبْطُ جَزَعُ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ ، وَلِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ . قَوْلُهُ : ( وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) هُوَ تَأْكِيدٌ مِنَ الرَّاوِي فِي نَفْيِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَأَنَّهُ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى عَدَمِ سَمَاعِهِ ذَلِكَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ إطْلَاعُهُ عَلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ وَالْمُسَامَحَةُ بِذَنْبِ الشِّرْكِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَخْفِيفُ الْعَذَابِ عَنْهُ كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ . قُلْتُ : وَهِيَ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ لِأَبِي طَالِبٍ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ لَمْ تَرِدْ ، وَطَلَبُهَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ ، وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتِدَاءً بِإِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ وَرَدَ نَسْخُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَاضِحًا . قَوْلُهُ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ أَيْ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ ذَلِكَ ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ ، فَلَا أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لِأَبِي طَالِبٍ حَتَّى يَنْهَانِي عَنْهُ رَبِّي . فَقَالَ أَصْحَابُهُ : لَنَسْتَغْفِرَنَّ لِآبَائِنَا كَمَا اسْتَغْفَرَ نَبِيُّنَا لِعَمِّهِ ، فَنَزَلَتْ : وَهَذَا فِيهِ إِشْكَالٌ ؛ لِأَنَّ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقًا ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى قَبْرَ أُمِّهِ لَمَّا اعْتَمَرَ فَاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَكَرُّرِ النُّزُولِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا إِلَى الْمَقَابِرِ فَاتَّبَعْنَاهُ ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكَى ، فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ أُمِّي ، وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، فَأَنْزَلَ عَلَيَّ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ وَفِيهِ : نَزَلَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى رَسْمَ قَبْرٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ : لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ وَقَفَ عَلَى قَبْرِ أُمِّهِ حَتَّى سَخِنَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ رَجَاءَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَيَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ : لَمَّا هَبَطَ مِنْ ثَنِيَّةِ عُسْفَانَ ، وَفِيهِ نُزُولُ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ . فَهَذِهِ طُرُقٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى تَأْخِيرِ نُزُولِ الْآيَةِ عَنْ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ أَنْ شُجَّ وَجْهُهُ : رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفَارُ خَاصًّا بِالْأَحْيَاءِ وَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ تَأَخَّرَ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهَا تَقَدَّمَ ، وَيَكُونُ لِنُزُولِهَا سَبَبَانِ : مُتَقَدِّمٌ وَهُوَ أَمْرُ أَبِي طَالِبٍ ، وَمُتَأَخِّرٌ وَهُوَ أَمْرُ آمِنَةَ . وَيُؤَيِّدُ تَأْخِيرَ النُّزُولِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ مِنَ اسْتِغْفَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُنَافِقِينَ حَتَّى نَزَلَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ النُّزُولِ وَإِنْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ وَفِي غَيْرِهِ ، وَالثَّانِيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ وَحْدَهُ ، وَيُؤَيِّدُ تَعَدُّدَ السَّبَبِ مَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِوَالِدَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ . . . الْآيَةَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ أَلَا نَسْتَغْفِرُ لِآبَائِنَا كَمَا اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ ؟ فَنَزَلَتْ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : ذَكَرْنَا لَهُ أَنَّ رِجَالًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِذَا خُتِمَ عُمْرُهُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، وَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ قَارَنَ نُطْقُ لِسَانِهِ عَقْدَ قَلْبِهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهَ تَعَالَى ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَصَلَ إِلَى حَدِّ انْقِطَاعِ الْأَمَلِ مِنَ الْحَيَاةِ ، وَعَجَزَ عَنْ فَهْمِ الْخِطَابِ وَرَدِّ الْجَوَابِ وَهُوَ وَقْتُ الْمُعَايَنَةِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ ) أَيْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَرَادَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَشُعَيْبٍ : فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَالْعَدَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَمْدُودٌ قَالَ : أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَهُوَ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَالْعَدْوُ كُلُّهُ وَاحِدٌ ، وَالْعَدْوُ مِنْ قَوْلِهِ : عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ . قَوْلُهُ : وَقَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ : أُولِي الْقُوَّةِ : لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ ، لَتَنُوءُ لَتَثْقُلُ ، فَارِغًا : إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى ، الْفَرِحِينَ : الْمَرِحِينَ . قُصِّيهِ : اتَّبِعِي أَثَرَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ . عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ وَعَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا . نَبْطِشُ وَنَبْطُشُ أَيْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا . ( يَأْتَمِرُونَ : يَتَشَاوَرُونَ ) هَذَا جَمِيعُهُ سَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَثَبَتَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ : ذِكْرُ مُوسَى ، تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ مُوسَى ، وَكَذَا قَوْلُهُ : نَبْطِشُ ... إِلَخْ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْفَرِحِينَ الْمَرِحِينَ فَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَوْصُولٌ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَوْلُهُ : قُصِّيهِ اتَّبِعِي أَثَرَهُ ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : فِي قَوْلِهِ : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ قُصِّي أَثَرَهُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ( قُصِّيهِ ) اتَّبِعِي أَثَرَهُ ، يُقَالُ : قَصَصْتُ آثَارَ الْقَوْمِ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ أَيْ : عَنْ بُعْدٍ وَتَجَنُّبٍ ، وَيُقَالُ : مَا تَأْتِينَا إِلَّا عَنْ جَنَابَةٍ وَعَنْ جُنُبٍ . قَوْلُهُ : تَأْجُرَنِي تَأْجُرُ فُلَانًا تُعْطِيهِ أَجْرًا ، وَمِنْهُ التَّعْزِيَةُ آجَرَكَ اللَّهُ ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ مِنَ الْإِجَارَةِ ، يُقَالُ : فُلَانٌ تَأَجَّرَ فُلَانًا ، وَمِنْهُ : آجَرَكَ اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( الشَّاطِئُ وَالشَّطُّ وَاحِدٌ ، وَهُمَا ضَفَّتَا وَعُدْوَتَا الْوَادِي ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الشَّاطِئُ وَالشَّطُّ وَاحِدٌ وَهُمَا ضَفَّتَا الْوَادِي وَعُدْوَتَاهُ . قَوْلُهُ : كَأَنَّهَا جَانٌّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : حَيَّةٌ تَسْعَى . وَالْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ . الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ ، ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( مَقْبُوحِينَ : مُهْلَكِينَ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : وَصَّلْنَا بَيَّنَاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ قَالَ : بَيَّنَّا لَهُمُ الْقَوْلَ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى : أَتْبَعْنَا بَعْضَهُ بَعْضًا فَاتَّصَلَ ، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ . قَوْلُهُ : يُجْبَى يُجْلَبُ ) هُوَ بِسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ ، وَقَالَ : أَبُو عُبَيْدَةُ فِي قَوْلِهِ : يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ أَيْ : يُجْمَعُ كَمَا يُجْمَعُ الْمَاءُ فِي الْجَابِيَةِ فَيُجْمَعُ لِلْوَارِدِ . قَوْلُهُ : بَطِرَتْ أَشِرَتْ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ؛ أَيْ : أَشِرَتْ وَطَغَتْ وَبَغَتْ ، وَالْمَعْنَى : بَطِرَتْ فِي مَعِيشَتِهَا . فَانْتَصَبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَعْنَى أَبْطَرَتْهَا مَعِيشَتُهَا . قَوْلُهُ : فِي أُمِّهَا رَسُولا أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا ) قَالَ : أَبُو عُبَيْدَةَ : أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوُهُ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : فِي أُمِّهَا قَالَ : فِي أَوَائِلِهَا . قَوْلُهُ : تُكِنُّ تُخْفِي ، أَكْنَنْتُ الشَّيْءُ : أَخْفَيْتُهُ ، وَكَنَنْتُهُ : أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِبَعْضِهِمْ : أَكْنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ ، وَكَنَنْتُهُ خَفَيْتُهُ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : أَخْفَيْتُهُ : سَتَرْتُهُ ، وَخَفَيْتُهُ : أَظْهَرْتُهُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ؛ أَيْ : تُخْفِي ، يُقَالُ : أَكْنَنْتُ ذَلِكَ فِي صَدْرِي بِأَلِفٍ ، وَكَنَنْتُ الشَّيْءَ خَفَيْتُهُ وَهُوَ بِغَيْرِ أَلِفٍ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَكْنَنْتُ وَكَنَنْتُ وَاحِدٌ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَكْنَنْتُهُ إِذَا أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ . قَوْلُهُ : وَيْكَأَنَّ اللَّهَ مِثْلَ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ، يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ ) وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيْكَأَنَّ اللَّهَ ؛ أَيْ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ، وَقَالَ : عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَيْكَأَنَّ اللَّهَ أَيْ أَوَلَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ · ص 364 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة القصص · ص 104 ( سورة القصص ) أي : هذا في تفسير بعض سورة القصص ، قال أبو العباس : هي مكية إلا آية نزلت بالجحفة ، وهي قوله : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ أي : إلى مكة . وعن ابن عباس : إلى الموت . وعنه : إلى يوم القيامة . وعنه : إلى بيت المقدس . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه : إلى الجنة . وهي ثمان وثمانون آية ، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة ، وخمسة آلاف وثمانمائة حرف . بسم الله الرحمن الرحيم لم يثبت لفظ سورة والبسملة إلا لأبي ذر والنسفي . يقال : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ إلا ملكه ، ويقال : إلا ما أريد به وجه الله . أشار به إلى قوله تعالى في آخر سورة القصص : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وفسر الوجه بالملك ، وكذا نقل الطبري عن بعض أهل العربية وكذا ذكره الفراء ، وعن أبي عبيد : " إِلا وَجْهَهُ " إلا جلاله . قوله : " ويقال " إلى آخره ، قال سفيان : معناه إلا ما أريد به رضاء الله والتقرب لا الرياء ووجه الناس . وقال مجاهد : " الأنباء " الحجج . أي قال مجاهد في قوله تعالى : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ إن الأنباء هي الحجج ، وكذا ذكره الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ · ص 104 ( باب قوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أي : هذا باب في قوله تعالى " إِنَّكَ لا تَهْدِي " الآية ، قوله : " لا تَهْدِي " خطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " من أحببت " هدايته ، وقيل : لقرابته . 265 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال : أي عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ، ويعيدانه بتلك المقالة ، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إله إلا الله . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك . فأنزل الله : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وأنزل الله في أبي طالب ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة . والحديث مر في كتاب الجنائز في باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله . قال الكرماني : قيل هذا الإسناد ليس على شرط البخاري ، إذ لم يرو عن المسيب إلا ابنه . وقال صاحب التلويح وتبعه صاحب التوضيح : هذا الحديث من مراسيل الصحابة ، لأن المسيب من مسلمة الفتح ، على قول مصعب ، وعلى قول العسكري ممن بايع تحت الشجرة ، فأيا ما كان فلم يشهد وفاة أبي طالب ، لأنه توفي هو وخديجة رضي الله تعالى عنها في أيام متقاربة في عام واحد للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم نحو الخمسين ، ورد عليهما بعضهم بأنه لا يلزم من كون المسيب متأخرا إسلامه أن لا يشهد وفاة أبي طالب كما شهدها عبد الله بن أبي أمية ، وهو يومئذ كافر ثم أسلم بعد ذلك ، انتهى . قلت : حضور عبد الله بن أبي أمية وفاة أبي طالب وهو كافر ثبت في الصحيح ، ولم يثبت حضور المسيب وفاة أبي طالب وهو كافر ، لا في الصحيح ولا في غيره ، وبالاحتمال لا يرد على كلام بغير احتمال ، فافهم . قال ابن عباس : " أولي القوة " لا يرفعها العصبة من الرجال ، " لتنوء " لتثقل . أي قال ابن عباس في قوله تعالى : وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ الآية ، وفسر قوله " أُولِي الْقُوَّةِ " بقوله " لا يرفعها العصبة من الرجال " والعصبة : ما بين العشرة إلى خمسة عشرة ، قاله مجاهد ، وعن قتادة : ما بين العشرة إلى أربعين . وعن أبي صالح : أربعون رجلا . وعن ابن عباس : ما بين الثلاثة إلى العشرة . وقيل : ستون . وفسر قوله " لتنوء " بقوله : " لتثقل " . وقيل : لتميل ، وهذا إلى قوله ( يتشاورون ) لم يثبت لأبي ذر والأصيلي وثبت لغيرهما إلى قوله : ( ذكر موسى ) . " فارغا " إلا من ذكر موسى . أشار به إلى قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا وفسر فارغا بقوله " إلا من ذكر موسى " وفي التفسير : أي : ساهيا لاهيا من كل شيء إلا من ذكر موسى عليه الصلاة والسلام وهمه ، قاله أكثر المفسرين . وعن الكسائي : " فارغا " أي ناسيا . وعن أبي عبيدة : أي : فارغا من الحزن ، لعلمها بأنه لم يغرق . " الفرحين " المرحين . أشار به إلى قوله تعالى : لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وفسره بقوله " المرحين " ، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس . " قصيه " اتبعي أثره ، وقد يكون أن يقص الكلام ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أشار به إلى قوله تعالى : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي : قالت أم موسى لأخت موسى قصيه ، أي : اتبعي أثره ، من قولهم : قصصت آثار القوم ، أي : تبعتها . قوله : " وقد يكون " إلى آخره ، أراد به أن قص يكون أيضا من قص الكلام كما في قوله تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ومنه : قص الرؤيا ، إذا أخبر بها . " عن جنب " ، عن بعد ، عن جنابة واحد ، وعن اجتناب أيضا . أشار به إلى قوله تعالى فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وفسر " عَنْ جُنُبٍ " بقوله : " عن بعد " ، أي : بصرت أخت موسى بموسى ، أي : أبصرته عن بعد ، والحال " أنهم لا يشعرون " لا يعلمون أنها أخت موسى عليه السلام . وعن ابن عباس : " الجنب " أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به . وعن قتادة : جعلت أخت موسى تنظر إليه كأنها لا تريده . قوله " عن جنابة " أراد به أيضا أن معنى عن جنابة عن بعد . قوله : واحد ، أي معنى عن جنب وعن جنابة واحد ، وكذلك معنى وعن اجتناب ، والحاصل أن كل ذلك بمعنى واحد ، وهو البعد ، ومنه الجنب سمي به لأنه بعيد عن تلاوة القرآن . يبطش ويبطش . أشار به إلى قوله تعالى : أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا وبين أن فيه لغتين إحداهما : يبطش ، بضم الطاء ، والآخرى يبطش بالكسر . " يأتمرون " يتشاورون . أشار به إلى قوله تعالى : قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ وفسر " يَأْتَمِرُونَ " بقوله " يتشاورون " وقيل : معناه : يأمر بعضهم بعضا ، والقائل لموسى بذلك هو حزقيل مؤمن آل فرعون ، وكان ابن عم فرعون ، والملأ الجماعة . العدوان والعداء والتعدي واحد . أشار به إلى قوله تعالى : فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ وبين أن معنى هذه الألفاظ الثلاثة واحد ، وهو التعدي والتجاوز عن الحق ، والقائل بهذا هو شعيب عليه السلام وقصته مشهورة . آنس أبصر . أشار به إلى قوله تعالى : فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا وفسره بقوله : أبصر . الجذوة : قطعة غليظة من الخشب ليس فيها لهب ، والشهاب فيه لهب . أشار به إلى قوله تعالى : أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ وفسر الجذوة بقوله قطعة إلى آخره ، وقال مقاتل وقتادة : الجذوة : العود الذي احترق بعضه ، وجمعها جذى ، والجيم في جذوة مثلثة ، وهي لغات وقراءات . ومعنى " تَصْطَلُونَ " تستدفئون . قوله : " والشهاب فيه لهب " أشار به إلى قوله تعالى في سورة النمل : لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ وفسر الشهاب بأن فيه لهبا ، قال الجوهري : الشهاب شعلة نار ساطعة ، وقال اللهب لهب النار ، وهو لسانها ، وكني أبو لهب لجماله . كَأَنَّهَا جَانٌّ وهي في آية أخرى كأنها حَيَّةٌ تَسْعَى والحيات أجناس الجان والأفاعي والأساود . هذا ثبت للنسفي وأشار بقوله " كَأَنَّهَا " إلى قوله تعالى في هذه السورة : وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا قوله : " وهي في آية أخرى كأنها حَيَّةٌ تَسْعَى " وهو في سورة طه وهي قوله تعالى : قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى وفي الشعراء : فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ولم يذكر البخاري هذا مع أنه داخل في قوله " والحيات أجناس " وهي جمع حية ، وهي اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير . وذكر الله تعالى في القرآن الحية والجان والثعبان ، فالحية تشمل الجان والثعبان . وكانت حية ليلة المخاطبة لئلا يخاف موسى عليه الصلاة والسلام منها إذا ألقاها بين يدي فرعون ، وعن ابن عباس : صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس ، وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا ، وهي أكبر ما يكون من الحيات ، فلذلك قال في موضع آخر : " كأنها جان " وهي أصغر الحيات ، وفي موضع آخر " ثعبان " وهو أعظمها ، فالجان ابتداء حالها والثعبان انتهاء حالها ، وكأن الجان في سرعة ، فلذلك قال : فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ويقال : كان ما بين لحيي الحية أربعون ذراعا . وعن ابن عباس : لما انقلبت الحية ثعبانا ذكرا صار يبتلع الصخر والحجر . قوله : " والأفاعي " جمع أفعى على وزن أفعل ، يقال : هذه أفعى بالتنوين ، والأفعوان ذكر الأفاعي . قوله : " والأساود " جمع أسود وهو العظيم من الحيات وفيه سواد . وقال الجوهري : الجمع الأساود ، لأنه اسم ، ولو كان صفة لجمع على فعل ، يعني لقال : سود ، يقال : أسود سالخ غير مضاف لأنه يسلخ جلده كل عام ، والأنثى أسودة ، ولا توصف بسالخة . " ردءا " معينا . أشار به إلى قوله تعالى : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي وفسره بقوله " معينا " يقال : فلان ردء فلان إذا كان ينصره ويشد ظهره ، ويقال : أردأت الرجل : أعنته . قال ابن عباس : لكي يصدقني . وقال غيره : " سنشد " سنعينك ، كلما عززت شيئا فقد جعلت له عضدا . أي : قال ابن عباس في قوله : رِدْءًا يُصَدِّقُنِي لكي يصدقني ، وفي التفسير : يصدقني أي مصدقا ، وليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى ، وإنما هو أن يلخس بلسانه الحق أو يبسط القول فيه ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو المعارضة . قوله : " وقال غيره " أي : غير ابن عباس في معنى قول الله تعالى : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ سنعينك . وقيل : سنقويك به ، وشد العضدد كناية عن التقوية . قوله " كلما عززت " من عز فلان أخاه إذا قواه ، ومنه قوله تعالى : فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ يخفف ويشدد ، أي : قوينا وشددنا . " مقبوحين " مهلكين . أشار به إلى قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ وفسره بقوله : مهلكين ، وهكذا فسره أبو عبيدة . وقال غيره : أي من المتعدين الملعونين ، من القبح وهو الإبعاد ، وقال ابن زيد : يقال : قبح الله فلانا قبحا وقبوحا ، أي : أبعده من كل خير . وقال الكلبي : يعني سواد الوجه وزرقة العين ، وعلى هذا يكون بمعنى المقبحين . " وصلنا " بيناه وأتممناه . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وفسر وصلناه بقوله " بيناه " . وعن السدي كذلك ، وعن الفراء : أتبعنا بعضه بعضا فاتصل . قوله : " وأتممناه " الضمير المنسوب فيه وفي بيناه يرجع إلى القول ، المعنى : بينا لكفار مكة في القرآن من خبر الأمم الماضية كيف عذبوا بتكذيبهم . " يجبى " يجلب . أشار به إلى قوله تعالى : يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ وفسر يجبى من الجباية بقوله : " يجلب " . وقرأ نافع ( تجبى ) بالتاء المثناة من فوق ، والباقون بالياء . قوله : " إليه " أي : إلى الحرم ، والمعنى : يجلب ويحمل من النواحي ثمرات كل شيء " رزقا من لدنا " ، أي : من عندنا . بطرت ، أشرت . أشار به إلى قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا وفسر قوله : بطرت ، بقوله : " أشرت " أي : طغت وبغت ، وقال ابن فارس : البطر تجاوز الحد في المرح . وقيل : هو الطغيان بالنعمة . فِي أُمِّهَا رَسُولا أم القرى مكة وما حولها . أشار به إلى قوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا الآية ، وذكر أن المراد بأم القرى مكة وما حولها ، سميت بذلك لأن الأرض دحيت من تحتها . " تكن " ، تخفي ، أكننت الشيء أخفيته ، وكننته أخفيته وأظهرته . أشار به إلى قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وفسر " تُكِنُّ " بقوله : " تخفي " ، وتكن بضم التاء من أكننت الشيء إذا أخفيته ، قوله : " وكننته " من الثلاثي ومعناه : خفيته بدون الهمزة في أوله ، أي : أظهرته ، وهو من الأضداد ووقع في الأصول أخفيته في الموضعين بالهمزة في أوله ، ولأبي ذر بحذف الألف في الثاني ، وكذا قال ابن فارس : أخفيته سترته ، وخفيته أظهرته . " ويكأن الله " مثل : ( ألم تر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) يوسع عليه ويضيق عليه . أشار به إلى قوله تعالى : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ وهذا وقع لغير أبي ذر ، وفسر قوله " وَيْكَأَنَّ اللَّهَ " بقوله : " مثل ألم تر إلى آخره " ، وكذا فسره أبو عبيدة وقال الزمخشري : وي مفصولة عن كأن ، وهي كلمة تنبيه على الخطأ ، وهو مذهب الخليل وسيبويه . وعند الكوفيين : أن ويك بمعنى ويلك ، وأن المعنى : ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون ، ويجوز أن يكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي ، وأنه بمعنى لأنه ، والكلام لبيان المقول لأجله هذا القول ، أو لأنه لا يفلح الكافرون ، قوله : " ويقدر " أي : ويقتر . قوله : " يوسع عليه " يرجع إلى قوله : " يَبْسُطُ الرِّزْقَ " ، وقوله : " يضيق عليه " يرجع إلى قوله " وَيَقْدِرُ " .