44 - بَابُ الْقَضَاءِ وَاللِّعَانِ فِي الْمَسْجِدِ بين الرجال والنساء 423 - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ ؟ فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْقَضَاءِ وَاللِّعَانِ فِي الْمَسْجِدِ ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ . وَسَقَطَ قَوْلُهُ : بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ ابْنُ مُوسَى وَكَذَا نَسَبَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورِ وَتَسْمِيَةِ مَنْ أُبْهِمَ فِيهِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَيَأْتِي ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقَضَاءِ وَاللِّعَانِ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ · ص 616 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء · ص 372 44 - باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء 423 - حدثنا يحيى بن موسى : ثنا عبد الرزاق : أبنا ابن جريج : أخبرني ابن شهاب ، عن سهل بن سعد ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله ؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد هذا مختصر من حديث سهل في قصة المتلاعنين . وكأن غرض البخاري منه قول سهل : فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي لاعن بينهما ، فدل ذلك على جواز الحكم في المسجد والتلاعن فيه بين الزوجين ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم حكم عليهما بالتلاعن ولاعن بينهما . ولا خلاف نعلمه بين العلماء في جواز الملاعنة في المساجد بين الزوجين المسلمين ، وإنما اختلفوا : هل ذلك مستحب أو واجب أو مباح : فأوجبه الشافعي في قول له ، واستحبه في قوله الآخر ، وأكثر أصحابنا ، ومنهم من قال : هو جائز غير مستحب . وقال ابن عبد البر : لا يختلفون أن اللعان لا يكون إلا في المسجد الجامع ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن في مسجده . وأما القضاء في المسجد ، فقد بوب البخاري عليه في آخر صحيحه في كتاب : الأحكام ، فقال : باب : من قضى ولاعن في المسجد . ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم . وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمن عند المنبر . وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد . وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارج المسجد . ثم خرج حديث سهل في اللعان . ثم قال : باب : من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد فيقام . وقال عمر : أخرجاه من المسجد فاضرباه . ويذكر عن علي نحوه . ثم خرج فيه من حديث أبي هريرة ، قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ، فناداه ، فقال : يا رسول الله ، إني زنيت ، فأعرض عنه ، فلما شهد على نفسه أربعا قال : أبك جنون ؟ قال : لا . قال : اذهبوا به فارجموه - وذكر الحديث . وذكر غيره ممن كان يقضي في المسجد : شريح ، والحسن ، والشعبي ، ومحارب بن دثار ، ويحيى بن يعمر ، وابن أبي ليلى ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق . قال أحمد : لم يزل الناس يقضون في المساجد . وقال مالك : هو من أمر الناس القديم . وكرهه الشافعي . وحكي عن عمر بن عبد العزيز ، ورواية عن أبي حنيفة . وقال سفيان الثوري : لا بأس أن يقضي القاضي في المسجد ؛ كان شريح والقضاة يفعلون ذلك ، وكان عمر بن عبد العزيز كتب أن لا يقضي القاضي في المسجد . وكان الشعبي يقضي بين أهل الذمة والنساء إذا لم يصلين على باب داره . وأما إقامة الحد في المسجد ، ففي النهي عنه حديث خرجه الترمذي ، وفي إسناده مقال . وهو قول الجمهور ، وكان ابن أبي ليلى يقيم حد الجلد في المسجد . ومذهب مالك : لا بأس في المسجد بخفيف الأدب ، ولا بأس بضرب الخصم فيه إذا تبين لدده - : نقله صاحب تهذيب المدونة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء · ص 163 باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء أي : هذا باب في بيان القضاء - وهو الحكم - وحكم اللعان في المسجد ، وعطف اللعان على القضاء من عطف الخاص على العام ؛ لأن القضاء أعم من أن يكون في اللعان أو غيره ، واللعان مصدر لاعن من اللعن وهو الطرد والإبعاد ، وسمي به لما فيه من لعن نفسه في الخامسة ، وهي من تسمية الكل باسم البعض كالصلاة تسمى ركوعا وسجودا . واللعان عندنا شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام القذف في حقه ومقام حد الزنا في حقها ، وعند الشافعي ومالك وأحمد هو أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة بشرط أهلية اليمين ، وصفة اللعان ما نطق به نص القرآن في سورة النور وهو أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد أربع شهادات يقول في كل مرة : أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا - يشير إليها في كل مرة ، ويقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا ، ثم تشهد المرأة أربع شهادات تقول في كل مرة : أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا ، وتقول في الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا . قوله ( بين الرجال والنساء ) حشو ، ولهذا لم يثبت إلا في رواية المستملي . 84 - حدثنا يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني ابن شهاب ، عن سهل بن سعد أن رجلا قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ، أيقتله ؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله أيقتله ؟ ؛ لأنه لو لم ير مباشرة تامة لما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جواز قتل الرجل ، وإلا فمجرد وجدان الرجل مع امرأته من غير مباشرة لا يقتضي سؤال القتل فيه ، ففي الجملة ليس فيه إشعار بالزنا ولا يقتضيه إلا ما يفهم من قوله أيقتله ؟ . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : يحيى بن موسى أبو زكريا ، يعرف بالخت ؛ بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة من فوق . الثاني : عبد الرزاق بن همام الصنعاني . الثالث : عبد الملك بن جريج . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : سهل بن سعد بن مالك بن خالد الخزرجي الساعدي ، أبو العباس ، وقيل : أبو يحيى . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه حدثنا يحيى مجردا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني يحيى بن موسى ، وقال ابن السكن : هو يحيى بن موسى ، وقيل : هو يحيى بن جعفر البيكندي . وقال الكرماني : ويحتمل أن يراد به يحيى بن معين ؛ لأنه سمع من عبد الرزاق . قلت : الأصح ما قاله ابن السكن ، وفيه أن رواته ما بين بلخي وصنعاني ومكي ومدني . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الطلاق عن إسماعيل بن عبد الله ، وفي التفسير عن عبد الله بن يوسف ؛ كلاهما عن مالك ، وفي الاعتصام عن آدم عن ابن أبي ذئب ، وفي الأحكام وفي المحاربين عن علي بن عبد الله عن سفيان ، وفي التفسير عن أبي الربيع الزهراني عن فليح ، وعن إسحاق عن الفريابي عن الأوزاعي ، وفي الطلاق أيضا عن يحيى عن عبد الرزاق . وأخرجه مسلم في اللعان عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وعن حرملة عن ابن وهب ، وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق . وأخرجه أبو داود في الطلاق عن القعنبي عن مالك مطولا ، وعن أبي الربيع الزهراني ببعضه ، وعن مسدد ووهب بن بيان وأحمد بن عمرو بن السرح وعمرو بن عثمان ، وعن محمود بن خالد ، وعن أحمد بن صالح ، وعن محمد بن جعفر الوركاني . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن مالك به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان . ذكر معناه وما يستنبط منه : قوله ( أن رجلا ) اختلفوا فيه ؛ فقيل : إنه هلال بن أمية ، وقيل : عاصم بن عدي ، وقيل : عويمر العجلاني . قلت : روى الطحاوي من حديث الزهري عن سهل بن سعد الساعدي أن عويمرا جاء إلى عاصم بن عدي فقال : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله ، أتقتلونه ؟ سل يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . الحديث ، وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه هلال بن أمية ، روى الطحاوي من حديث ابن سيرين عن أنس بن مالك أن هلال بن أمية قذف شريك بن سمحاء بامرأته فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ائت بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك . . . الحديث ، وفيه : فنزلت آية اللعان . وأخرجه مسلم والنسائي أيضا ، وفي حديث ابن عباس : عويمر العجلاني ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين العجلاني وامرأته . . . الحديث ، رواه الطحاوي وأحمد في مسنده والبيهقي في سننه ، ووقع في حديث عبد الله بن مسعود : وكان رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلاعن امرأته . وقال المهلب : الصحيح أن القاذف عويمر ، والذي ذكر في حديث ابن عباس من قوله العجلاني هو عويمر ، وكذا في قول عبد الله بن مسعود : وكان رجلا ، وهلال بن أمية خطأ ، وأظنه غلطا من هشام بن حسان وذلك لأنها قصة واحدة ، والدليل على ذلك توقفه - صلى الله عليه وسلم - فيها حتى نزلت الآية الكريمة ، ولو أنهما قضيتان لم يتوقف على الحكم في الثانية بما نزل عليه في الأولى . قلت : كأنه تبع في هذا الكلام محمد بن جرير ، فإنه قال في التهذيب يستنكر قوله في الحديث هلال بن أمية : وإنما القاذف عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان . وفيما قالاه نظر ؛ لأن قضية هلال وقذفه زوجته بشريك ثابتة في صحيح البخاري في موضعين : الشهادات والتفسير ، وفي صحيح مسلم من حديث أنس ، وقال ابن التين : الصحيح أن هلالا لاعن قبل عويمر . وقال الماوردي في الحاوي : الأكثرون على أن قصة هلال أسبق من قصة عويمر . وفي الشامل لابن الصباغ : قصة هلال تبين أن الآية الكريمة نزلت فيه أولا . قوله ( أرأيت رجلا ) ، الهمزة فيه للاستفهام ؛ أي أخبرني بحكمه في أنه هل يجوز قتله أو لا ؟ قوله ( فتلاعنا ) فيه حذف كثير ، وقد بين ذلك في غيره من الأحاديث التي أخرجها البخاري مكررة كما ذكرنا ، والمحذوف بعد قوله أيقتله أم كيف يفعل ؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين ، ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد قضى الله فيك وفي امرأتك . قال : فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد ، فلما فرغا قال : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ! فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغا من التلاعن ، ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ذاك تفريق بين كل متلاعنين الحديث ، وسيأتي أحكام اللعان مستقصاة في كتاب اللعان ، وإنما ذكر البخاري هذا الحديث مختصرا لأجل جواز القضاء في المسجد وهو جائز عند عامة العلماء ، وقال مالك : جلوس القاضي في المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به . وقال ابن حبيب : وكان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المساجد خارجا . وقال أشهب : لا بأس أن يقضي في بيته أو حيث أحب ، واستحب بعضهم الرحاب . وفي المعونة : الأولى أن يقضي في المسجد ، وكان شريح وابن أبي ليلى يقضيان فيه ، وروي عن سعيد بن المسيب كراهية ذلك ؛ قال : لو كان لي من الأمر شيء ما تركت اثنين يختصمان في المسجد . وعن الشافعي كراهيته في المسجد إذا أعده لذلك دون ما إذا اتفقت له حكومة فيه ، إذ فيه حديث جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم ، ولا يعترض على هذا باللعان لأنها أيمان ويراد بها الترهيب ليرجع المبطل . قلت : قال أصحابنا جميعا : والمستحب أن يجلس في مجلس الحكم في الجامع ، فإن كان مسجدا بجنب داره فله ذلك ، وإن قضى في داره جاز ، والجامع أرفق المواضع بالناس وأجدر أن لا يخفى على أحد جلوسه ولا يوم حكمه ، وقد كان الشعبي يقضي في الجامع وشريح يقضي في المسجد ويخطب بالسواد ، وقد قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجده بين الأنصار في مواريث تقادمت ، وكانت الأئمة يقضون في المساجد ، وعثمان رضي الله تعالى عنه في الحر يقيم في المسجد وقضى بين سقا وخصم له في المسجد ، وإن حضر في المسجد لغير الحكم فحضر خصمان لم يكره له أن يحكم بينهما ، وعن عمر بن عبد العزيز : لا يقعد القاضي في المسجد يدخل فيه المشركون ، فإنهم نجس ، وتلا الآية . وكان يحيى بن يعمر في الطريق وقصده رجل إلى منزله ، فقال : القاضي لا يؤتى في منزله .