34 - سُورَةُ سَبَأٍ يُقَالُ مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ . بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ . مُعَاجِزِي : مُسَابِقِي . سَبَقُوا فَاتُوا . لا يُعْجِزُونَ لَا يُفَوِّتُونَ . يَسْبِقُونَا يُعْجِزُونَا . قَوْلُهُ بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ . وَمَعْنَى مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ . يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ . مِعْشَارَ عُشْرَ . يُقَالُ : الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ . بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لا يَعْزُبُ لَا يَغِيبُ . سَيْلَ الْعَرِمِ : السَّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ فِي السَّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِي فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَتيْنِ وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السَّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ . وَقَالَ عمرو بْنُ شُرَحْبِيلَ : الْعَرِمِ الْمُسْنَاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْعَرِمُ : الْوَادِي . السَّابِغَاتُ : الدُّرُوعُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُجَازَى : يُعَاقَبُ . أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ بِطَاعَةِ اللَّهِ . مَثْنَى وَفُرَادَى وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ . التَّنَاوُشُ الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا . وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ . بِأَشْيَاعِهِمْ بِأَمْثَالِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَالْجَوَابِ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ . الْخَمْطُ : الْأَرَاكُ . وَالْأَثْلُ : الطَّرْفَاءُ . الْعَرِمِ الشَّدِيدِ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ سَبَأٍ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَ لَفْظُ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . وَهَذِهِ السُّورَةُ سُمِّيَتْ بِقَوْلِهِ فِيهَا : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ الْآيَةَ ، قَالَ : ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ : هُوَ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ . وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ قَالَ : أُنْزِلَ فِي سَبَأٍ مَا أُنْزِلَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا سَبَأٌ ، أَرْضٌ أَوِ امْرَأَةٌ ؟ قَالَ : لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الْعَرَبِ ، فَتَيَامَنَ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ الْحَدِيثَ . قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قُلْتُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفَرْوَةَ صَحَّحَهُمَا الْحَاكِمُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي حَدِيثِ فَرْوَةَ زِيَادَةً أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ سَبَأَ قَوْمٌ كَانَ لَهُمْ عِزٌّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَرْتَدُّوا فَأُقَاتِلَهُمْ ، قَالَ : مَا أُمِرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ ، فَنَزَلَتْ : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ الْآيَاتِ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا سَبَأٌ ؟ فَذَكَرَهُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْأَنْسَابِ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ . وَأَصْلُهُ قِصَّةُ سَبَأٍ . وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلَةً فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ . وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَأَخْرَجَهَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُطَوَّلًا . قَوْلُهُ : مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ ، بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ ، مُعَاجِزِي مُسَابِقِي ، سَبَقُوا فَاتُوا ، لَا يَعْجِزُونَ لَا يَفُوتُونَ ، يَسْبِقُونَا يُعْجِزُونَا . قَوْلُهُ : بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ وَمَعْنَى مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ ) أَمَّا قَوْلُهُ مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أَيْ مُسَابِقِينَ ، يُقَالُ : مَا أَنْتَ بِمُعْجِزِي أَيْ : سَابِقِي . وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْ مُعَاجِزِينَ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى لِابْنِ كَثِيرٍ ، وَأَبِي عَمْرٍو مُعْجِزِينَ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا ، وَقِيلَ : مَعْنَى مُعَاجِزِينَ : مُعَانِدِينَ وَمُغَالِبِينَ ، وَمَعْنَى مُعْجِزِينَ : نَاسِبِينَ غَيْرَهُمْ إِلَى الْعَجْزِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِمُعْجِزِينَ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُعَاجِزِي : مُسَابِقِي فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَثَبَتَ عِنْدَهُمَا مُعَاجِزِينَ : مُغَالِبِينَ وَتَكَرَّرَ لَهُمَا بَعْدُ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ بَقِيَّةُ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا قَدَّمْتُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : سَبَقُوا إِلَخْ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فِي قَوْلِهِ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا مَجَازُهُ فَاتُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ أَيْ : لَا يَفُوتُونَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَسْبِقُونَا فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا أَيْ يُعْجِزُونَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ فَكَذَا وَقَعَ مُكَرَّرًا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُعَاجِزِينَ : مُغَالِبِينَ إِلَخْ . فَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ : مُعَانِدِينَ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مُعَاجِزِينَ قَالَ : مُرَاغِمِينَ . وَكُلُّهَا بِمَعْنًى . قَوْلُهُ : ( مِعْشَارَ : عُشْرَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ أَيْ عُشْرَ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَعْنَى وَمَا بَلَغَ أَهْلُ مَكَّةَ مِعْشَارَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْجِسْمِ وَالْوَلَدِ وَالْعَدَدِ ، وَالْمِعْشَارُ : الْعُشْرُ . قَوْلُهُ : ( يُقَالُ الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ قَالَ : الْخَمْطُ : هُوَ كُلُّ شَجَرٍ ذِي شَوْكٍ ، وَالْأُكُلُ : الْجَنَى أَيْ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَقْصُورٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الثَّمَرَةِ . قَوْلُهُ : ( بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا مَجَازُهُ مَجَازُ الدُّعَاءِ ، وَقَرَأَهُ قَوْمٌ بَعِّدْ يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ . قُلْتُ : قِرَاءَةُ بَاعِدْ لِلْجُمْهُورِ ، وَقَرَأَهُ بَعِّدْ أَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَهِشَامٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لا يَعْزُبُ لَا يَغِيبُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( سَيْلَ الْعَرِمِ السُّدِّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ الشَّدِيدُ بِمُعْجَمَةٍ وَزْنَ عَظِيمٍ . قَوْلُهُ : ( فَشَقَّهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُعْجَمَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الثَّقِيلَةِ ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَبَثَقَهُ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الْخَفِيفَةِ ، قَالَ : وَهُوَ الْوَجْهُ ، تَقُولُ : بَثَقْتَ النَّهْرَ إِذَا كَسَرْتَهُ لِتَصْرِفَهُ عَنْ مَجْرَاهُ . قَوْلُهُ : ( فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنَبَتَيْنِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ نُونٌ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ . وَاسْتُشْكِلَ هَذَا التَّرْتِيبُ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ : ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى الْجَنَّتَيْنِ ، وَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنِ الْمَاءِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِارْتِفَاعِ الزَّوَالُ أَيِ : ارْتَفَعَ اسْمُ الْجَنَّةِ مِنْهُمَا ، فَالتَّقْدِيرُ : فَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنْ كَوْنِهِمَا جَنَّتَيْنِ . وَتَسْمِيَةُ مَا بُدِّلُوا بِهِ جَنَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ مِنَ السَّيْلِ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ السُّيُولِ . وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا وَقَالَ : السُّدُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَقَالَ : فَشَقَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ الثَّقِيلَةِ ، وَقَالَ : عَلَى الْجَنَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ كَمَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ ؛ الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ . الْعَرِمُ الْوَادِي ) أَمَّا قَوْلُ عَمْرٍو فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ فَذَكَرَهُ سَوَاءً ، وَاللَّحْنُ : اللُّغَةُ ، وَالْمُسَنَّاةُ : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَضُبِطَ فِي أَصْلِ الْأَصِيلِيِّ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْمُرَادُ بِهَا مَا يُبْنَى فِي عُرْضِ الْوَادِي لِيَرْتَفِعَ السَّيْلُ وَيَفِيضَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ عَرَامَةِ الْمَاءِ وَهُوَ ذَهَابُهُ كُلَّ مَذْهَبٍ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ وَهِيَ مُسَنَّاةٌ كَانَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْهَا ، فَيُسَيِّبُونَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الْآخَرِ ، وَلَا يَنْفُذُ حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ السَّنَةَ الْمُقْبِلَةَ ، وَكَانُوا أَنْعَمَ قَوْمٍ ، فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بَثَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْمُسَنَّاةِ ، فَغَرِقَتْ أَرْضُهُمْ وَدَقَّتِ الرَّمْلُ بُيُوتَهُمْ وَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ ، حَتَّى صَارَ تَمْزِيقُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ مَثَلًا يَقُولُونَ : تَفَرَّقُوا أَيْدِيَ سَبَأٍ . وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ : فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الْعَرِمُ اسْمُ الْوَادِي ، وَقِيلَ : الْعَرِمُ اسْمُ الْجُرَذِ الَّذِي خَرَّبَ السَّدَّ ، وَقِيلَ : هُوَ صِفَةُ السَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرَامَةِ ، وَقِيلَ : اسْمُ الْمَطَرِ الْكَثِيرِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : سَيْلُ الْعَرِمِ وَاحِدَتُهَا عَرِمَةٌ ، وَهُوَ بِنَاءٌ يُحْبَسُ بِهِ الْمَاءُ يُبْنَى فَيُشْرَفُ بِهِ عَلَى الْمَاءِ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ ، وَيُتْرَكُ فِيهِ سَبِيلٌ لِلسَّفِينَةِ ، فَتِلْكَ الْعَرِمَاتُ وَاحِدَتُهَا عَرِمَةٌ . قَوْلُهُ : ( السَّابِغَاتُ الدُّرُوعُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ أَيْ دُرُوعًا وَاسِعَةً طَوِيلَةً . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُجَازِي يُعَاقِبُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ : هُوَ الْمُنَاقَشَةُ فِي الْحِسَابِ ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ ، وَهُوَ الْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ الْحَصْرِ فِي الْكُفْرِ ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْكُفْرِ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَمِثْلُهُ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَقِيلَ : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وَقِيلَ : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وَقِيلَ : كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وَقِيلَ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ ، وَقِيلَ : آيَةُ الدَّيْنِ ، وَقِيلَ : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ وَهَذَا الْأَخِيرُ نَقَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَقِبَ حَدِيثِ الْإِفْكِ ، وَفِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَوْلُهُ : ( أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ : بِطَاعَةِ اللَّهِ ، مَثْنَى وَفُرَادَى وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( التَّنَاوُشُ : الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : ( وَأَنَّى لَهُمَا التَّنَاوُشُ ) قَالَ : رَدٌّ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا . وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ التَّمِيمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ قَالَ : يَسْأَلُونَ الرَّدَّ ، وَلَيْسَ بِحِينِ رَدٍّ . قَوْلُهُ : ( وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ : مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ . أَوْ زَهْرَةٍ . قَوْلُهُ : ( بِأَشْيَاعِهِمْ : بِأَمْثَالِهِمْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ قَالَ : الْكُفَّارُ مِنْ قَبْلِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَالْجَوَابِي كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ ) تَقَدَّمَ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، قِيلَ : الْجَوَابِي فِي اللُّغَةِ جَمْعُ جَابِيَةٍ وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الشَّيْءُ أَيْ يُجْمَعُ ، وَأَمَّا الْجَوْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ فَهِيَ الْمَوْضِعُ الْمُطْمَئِنُ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ الْجَوَابِي بِهَا ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَسَّرَ الْجَابِيَةَ بِالْجَوْبَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ اشْتِقَاقَهُمَا وَاحِدٌ . قَوْلُهُ : ( الْخَمْطُ : الْأَرَاكُ ، وَالْأَثْلُ : الطَّرْفَاءُ ، الْعَرِمُ : الشَّدِيدُ ) سَقَطَ الْكَلَامُ الْأَخِيرُ لِلنَّسَفِيِّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا كُلِّهِ مُفَرَّقًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ سَبَإٍ · ص 395 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ · ص 398 1 - بَاب حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ 4800 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا ، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ ، فَيُقَالُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ قَوْلُهُ : بَابُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ) فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَاءَ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ ، فَإِذَا سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِذَلِكَ صُعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا ، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ ، فَيَنْتَهِي بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُهُ مَاذَا قَالَ رَبُّنَا ؟ قَالَ : الْحَقَّ ، فَيَنْتَهِي بِهِ حَيْثُ أُمِرَ . قَوْلُهُ : ( ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا ) بِفَتْحَتَيْنِ مِنَ الْخُضُوعِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى خَاضِعِينَ . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُ ) أَيِ الْقَوْلُ الْمَسْمُوعُ ( سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ) هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ : صَلْصَلَةٌ كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ صَوْتُ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ يَسْمَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ فَيَفْزَعُونَ ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ . وَقَرَأَ : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ الْآيَةَ وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ ، وَعَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ مَوْقُوفًا ، وَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الصَّلْصَلَةُ صَوْتُ الْحَدِيدِ إِذَا تَحَرَّكَ وَتَدَاخَلَ ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ لَهُ بِالصَّادِ ، وَأَرَادَ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَالَّذِي فِي بَدْءِ الْوَحْيِ هَذَا وَالَّذِي هُنَا جَرُّ السِّلْسِلَةِ مِنَ الْحَدِيدِ إِلَى الصَّفْوَانِ الَّذِي هُوَ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ يَكُونُ الصَّوْتُ النَّاشِئُ عَنْهُمَا سَوَاءً . قَوْلُهُ : ( عَلَى صَفْوَانٍ ) زَادَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ غَيْرُهُ : - يَعْنِي غَيْرَ سُفْيَانَ - يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ فَلَا يَنْزِلُ عَلَى أَهْلِ سَمَاءٍ إِلَّا صُعِقُوا وَعِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَقُولُ مَاتَ عَظِيمٌ أَوْ يُولَدُ عَظِيمٌ ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ سَمَاءَ الدُّنْيَا ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ الْحَدِيثَ . وَلَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ . قَوْلُهُ : ( وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ ) فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَمُسْتَرِقٌ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ فَصِيحٌ . قَوْلُهُ : ( هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَصَفَهُ سُفْيَانُ ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ( بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْني أَصَابِعِهِ ) أَيْ فَرَّقَ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنَ الْجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّمَاءِ يَسْمَعُونَ مِنْهُ الْوَحْيَ يَعْنِي يُلْقِيهَا ، زَادَ عَلِيٌّ ، عَنْ سُفْيَانَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْأَرْضِ فَيُلْقَى . قَوْلُهُ : ( عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ ) فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ عَلَى لِسَانِ الْآخَرِ بَدَلَ السَّاحِرِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ السَّاحِرِ وَالْكَاهِنِ وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ . قَوْلُهُ : ( فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ إِلَخْ ) يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يَسْلَمُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَرْمِي هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى يُلْقَى عَلَى فَمِ سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ . قَوْلُهُ : ( فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ ، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ ) زَادَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سُفْيَانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا . الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فَيَقُولُ يَكُونُ الْعَامُ كَذَا وَكَذَا فَيَسْمَعُهُ الْجِنُّ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَةَ فَتُخْبِرُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ فَيَجِدُونَهُ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْقَدْرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحِجْرِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ : إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - فَقَالَ سُفْيَانُ : هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ رُوِيَتْ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالزَّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَمَعْنَاهُ بِالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ أَدْهَشَ الْفَزَعُ عَنْهُمْ ، وَمَعْنَى الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ذَهَبَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مَا حَلَّ فِيهَا فَقَالَ سُفْيَانُ : هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا . قَالَ سُفْيَانُ : وَهِيَ قِرَاءَتُنَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْمُوعَةً ؟ فَالْجَوَابُ لَعَلَّ مَذْهَبَهُ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِدُونِ السَّمَاعِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا . قُلْتُ : هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنْ إِذَا وُجِدَ احْتِمَالٌ غَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى ، وَذَلِكَ مَحْمَلُ قَوْلِ سُفْيَانَ : لَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَةَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ سَمِعَهُ مُطْلَقًا ، فَالظَّنُّ بِهِ أَنْ لَا يَكْتَفِيَ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ بِالْأَخْذِ مِنَ الصُّحُفِ بِغَيْرِ سَمَاعٍ . وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ : وَهِيَ قِرَاءَتُنَا فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا وَافَقَتْ مَا كَانَ يَخْتَارُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِهِ ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ كَمَا نُسِبَ لِغَيْرِهِ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة سبأ · ص 127 ( سورة سبأ ) . أي : هذا في تفسير بعض سورة سبأ ، قال مقاتل : مكية ، غير آية واحدة : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْـزِلَ وهي أربعة آلاف وخمسمائة واثني عشر حرفا ، وثمانمائة وثلاث وثلاثون كلمة ، وخمس وخمسون آية . وروى الترمذي من حديث فروة بن مسيك المرادي ، قال : أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فذكر حديثا فيه " فقال رجل : وما سبأ ، أرض أم امرأة ؟ قال : ليس بأرض ولا امرأة ، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب ، فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة ، فأما الذين تشاءموا : فلخم وجذام وغسان وعاملة ، وأما الذين تيامنوا : فالأزد والأشعرون وحمير وكنده ومذحج وأنمار ، فقال الرجل : وما أنمار ؟ قال : الذين منهم خثعم وبجيلة " ، وقال : حديث حسن غريب . وقال ابن إسحاق : سبأ اسمه عبد شمس بن يشخب بن يعرب بن قحطان ، من يقظان بن عامر ، وهو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام ، وهو أول من سبى من العرب فلقب بذلك ، وفي أدب الخواص : هذا اشتقاق غير صحيح ، لأن سبأ مهموز والسبي غير مهموز ، والصواب أن يكون من سبأت النار الجلد أي أحرقته ، ومن سبأت الحمر إذا اشتريتها ، وقال أبو العلاء : لو كان الأمر كما يقولون لوجب أن لا يهمز ، ولا يمتنع أن يكون أصل السبي الهمزة إلا أنهم فرقوا بين سبيت المرأة وسبأت الحمر ، والأصل واحد . وفي التيجان : وهو أول متوج وبنى السد المذكور في القرآن ، وهو سد فيه سبعون نهرا ، ونقل إليه الشجر مسيرة ثلاثة أشهر في ثلاثة أشهر ، وبلغ من العمر خمسمائة سنة . بسم الله الرحمن الرحيم لم تثبت البسملة ولفظ السورة إلا لأبي ذر ، وسميت هذه السورة سبأ لقوله تعالى : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ الآية . معاجزين : مسابقين ، بمعجزين : بفائتين ، معاجزين : مغالبين ، معاجزي : مسابقي ، سبقوا : فاتوا ، لا يعجزون : لا يفوتون ، يسبقونا : يعجزونا ، وقوله : بمعجزين بفائتين ، ومعنى معاجزين : مغالبين يريد كل واحد منهما أن يظهر عجز صاحبه . وفي بعض النسخ يقال " معاجزين " ، وأشار بقوله " معاجزين " إلى قوله تعالى : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ وفسره بقوله " مسابقين " . وفي التفسير : معاجزين مسابقين ، يحسبون أنهم يفوتوننا . وعن ابن زيد : جاهدين . وفي هذه اللفظة قراءتان إحداهما ( معاجزين ) وهي قراءة الأكثرين في موضعين من هذه السورة وفي الحج ، والأخرى قراءة ابن كثير وأبي عمرو ( معجزين ) بالتشديد ومعناهما واحد . وقيل : معنى معاجزين : معاندين ومغالبين ، ومعنى معجزين : ناسبين غيرهم إلى العجز . قوله : " بِمُعْجِزِينَ " إشارة إلى قوله تعالى في سورة العنكبوت : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وفسره بقوله : " بفائتين " . وقد أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن الزبير نحوه . قوله : " معاجزين : مسابقين " لم يثبت في رواية الأصيلي وكريمة . قوله : " " معاجزين : مغالبين " كذا وقع مكررا في رواية أبي ذر وحده ، ولم يوجد في رواية الباقين . قوله : " سَبَقُوا " فأتوا لا يعجزون لا يفوتون ، إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأنفال : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا وفسره بقوله " فأتوا إنهم لا يعجزون " أي : لا يفوتون . قوله : " يَسْبِقُونَا " إشارة إلى قوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا وفسره بقوله : " يعجزونا " أي : أن يعجزونا . قوله : " وقوله بمعجزين مكرر " ، وفسره بقوله " بفائتين " . قوله : " ومعنى معاجزين " إلى آخره ، أشار به إلى أن معاجزين من باب المفاعلة ، وهو يستدعي المشاركة بين اثنين . معشار : عشر . أشار به إلى قوله : وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ وفسر بقوله عشر ، أي : ما بلغوا عشر ما أعطيناهم ، وقال الفراء : المعنى : وما بلغ أهل مكة معشار الذين أهلكناهم من قبلهم من القوة والجسم والولد والعدد . الأكل : الثمر . أشار به إلى قوله تعالى : ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وفسر الأكل بالثمر ، أراد أن الأكل الجني بفتح الجيم بمعنى الثمرة ، وفي التفسير : الأكل الثمر ، والخمط الأراك ، قاله أكثر المفسرين . وقيل : هو كل شجر ذات شوك . وقيل : شجرة العضاه ، والأثل : الطرفاء ، قاله ابن عباس . باعد وبعد واحد . أشار به إلى قوله تعالى : فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وقال : إن معنى باعد وبعد واحد ، وباعد قراءة الأكثرين و( بعد ) بالتشديد قراءة أبي عمرو وابن كثير . وقال مجاهد : لا يعزب ، لا يغيب . أشار به إلى قوله تعالى : لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ الآية ، وفسر لا يعزب بقوله : لا يغيب ، وروى هذا التعليق أبو محمد الحنظلي عن أبي سعيد الأشج ، حدثنا عبيد الله ابن موسى عن إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : لا يعزب لا يغيب عن ربك . ( العرم : السد ، ماء أحمر أرسله الله في السد فشقه وهدمه وحفر الوادي ، فارتفعتا عن الجنتين وغاب عنهما الماء فيبستا ولم يكن الماء الأحمر من السد ، ولكن كان عذابا أرسله الله عليهم من حيث شاء ، وقال عمرو بن شرحبيل : العرم المسناة ، بلحن أهل اليمن ، وقال غيره : العرم الوادي ) . أشار به إلى قوله تعالى : فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ الآية ، وفسر العرم بقوله : السد ، إلى آخره صاحب ( التلويح ) هل وجدناه منقولا عن مجاهد ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا حجاج بن حمزة أخبرنا شبابة ، أخبرنا ورقاء عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، فذكره ، فلا أدري أهو من قول البخاري ؟ أو هو معطوف على ما علقه عن مجاهد قبل ؟ والله أعلم . وبين السهيلي أنه من كلام البخاري لا من كلام غيره ، قلت : رواية ابن أبي حاتم توضح أنه من قول مجاهد ؛ لأن البخاري مسبوق به ، فافهم ، والله أعلم . والسد بضم السين وتشديد الدال كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن الحموي الشديد بالشين المعجمة على وزن عظيم . قوله : " فشقه " من الشق بالشين المعجمة والقاف هكذا في رواية الأكثرين ، وذكر عياض أن في رواية أبي ذر " فبثقه " بفتح الباء الموحدة والتاء المثلثة قال : وهو الوجه ، تقول : بثقت النهر إذا كسرته لتصرفه عن مجراه ، قوله : " فارتفعتا عن الجنتين " كان القياس أن يقال : ارتفعت الجنتان عن الماء ، ولكن المراد من الارتفاع الانتفاء والزوال ، يعني ارتفع اسم الجنة عنهما ، فتقديره : ارتفعت الجنتان عن كونهما جنة ، وقال الزمخشري : وتسمية البدل جنتين على سبيل المشاكلة ، هذا كله في رواية أبي ذر عن الحموي ، وفي رواية الأكثرين : فارتفعت على الجنتين ، بفتح الجيم والنون والباء الموحدة والتاء المثناة من فوق والياء آخر الحروف ثم النون ، قوله : " ولم يكن الماء الأحمر من السد " بضم السين المهملة وتشديد الدال ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي : من السيل ، وعند الإسماعيلي : من السيول ، قوله : " وقال عمرو بن شرحبيل " بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وباللام ، الهمداني ، الكوفي ، يكنى أبا ميسرة ، قوله : " المسناة " بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد النون ، كذا هو مضبوط في أكثر الروايات ، وكذا هو في أكثر كتب أهل اللغة ، وضبط في رواية الأصيلي بفتح الميم وسكون السين وتخفيف النون . وقال ابن التين : معنى المسناة : ما يبنى في عرض الوادي ليرتفع السيل ويفيض على الأرض ، قال : إنها عند أهل العراق كالزريبة تبنى على سيف البحر ليمنع الماء . قوله : " بلحن أهل اليمن " أي بلغة أهل اليمن ، وهذا أسنده عبد بن حميد ، عن يحيى بن عبد الحميد ، عن شريك ، عن أبي إسحاق عنه ، وقال : بلسان اليمن ، بدل بلحن . قوله : " وقال غيره " أي غير عمرو بن شرحبيل ، العرم الوادي ، وهو قول عطاء ، وقيل : هو اسم الجرد الذي أرسل إليهم وحرب السد ، وقيل : هو الماء ، وقيل : المطر الكثير ، وقيل : إنه صفة السيل من العرامة وهو ذهابه كل مذهب ، وقال أبو حاتم : هو جمع لا واحد له من لفظه ، وفي كتاب ( مفايض الجواهر ) قال ابن شربة في زمن إياس بن رحيعم بن سليمان بن داود - عليهما السلام - بعث الله رجلا من الأزد يقال له : عمرو بن الحجر ، وآخر يقال له : حنظلة بن صفوان ، وفي زمنه كان خراب السد ، وذلك أن الرسل دعت أهله إلى الله ، فقالوا : ما نعرف لله علينا من نعمة فإن كنتم صادقين فادعوا الله علينا وعلى سدنا ، فدعوا عليهم ، فأرسل الله عليهم مطرا جردا أحمر كأن فيه النار أمامه فارس ، فلما خالط الفارس السد انهدم ، ودفن بيوتهم الرمل ، وفرقوا ومزقوا حتى صاروا مثلا عند العرب فقالت : تفرقوا أيدي سبأ ، وأيادي سبأ . ( السابغات الدروع ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وفسرها بالدروع ، وكذا فسره أبو عبيدة وزاد : واسعة طويلة . وفي التفسير : دروعا كوامل واسعات ، وأن داود - عليه الصلاة والسلام - أول من عملها . ( وقال مجاهد : يجازي يعاقب ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ وفسر يجازي بقوله : يعاقب ، وكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عنه . ( أعظكم بواحدة ، بطاعة الله مثنى وفرادى واحدا واثنين ) . أشار به إلى قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى الآية ، وفي التفسير : أعظكم أي آمركم وأوصيكم ، بواحدة أي بخصلة واحدة وهي أن تقوموا لله ، وأن في محل الخفض على البيان من واحدة والترجمة عنها ، مثنى : اثنين اثنين متناظرين ، وفرادى واحدا واحدا متفكرين ، والتفكر طلب المعنى بالقلب ، وقيل : معنى وفرادى أي جماعة ووحدانا ، وقيل : مناظرا مع غيره ومتفكرا في نفسه . قوله : واحدا أو اثنين ، قال الكرماني : فإن قلت معنى مثنى وفرادى مكرر فلم ذكره مرة واحدة ، قلت : المراد التكرار ، ولشهرته اكتفى بواحد منه . ( التناوش : الرد من الآخرة إلى الدنيا ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وفسره بقوله : الرد من الآخرة إلى الدنيا ، وعن ابن عباس : يتمنون الرد وليس بحين رد . ( وبين ما يشتهون من مال أو ولد أو زهرة ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ وهكذا روي عن مجاهد ، وقال الحسن : وحيل بينهم وبين الإيمان لما رأوا العذاب ، وفي التفسير : وبين ما يشتهون الإيمان والتوبة في وقت اليأس ، قوله : " أو زهرة " أي زينة الحياة الدنيا ونضارتها وحسنها . ( بأشياعهم بأمثالهم ) . أشار به إلى قوله تعالى : كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ وفسره بأمثالهم وأشياعهم أهل دينهم وموافقيهم من الأمم الماضية حين لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت اليأس . ( وقال ابن عباس : كالجواب ، كالجوبة من الأرض ) . أي قال ابن عباس في قوله : وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وفسرها بقوله : كالجوبة من الأرض ، وأسند هذا التعليق ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن معاوية ، عن علي ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس . وقال مجاهد : الجواب حياض الإبل ، وأصله في اللغة من الجابية وهي الحوض الذي يجيء فيه الشيء ، أي يجمع ، ويقال : إنه كان يجتمع على كل جفنة واحدة ألف رجل ، والجفان جمع جفنة ، وهي القصعة ، والجواب جمع جابية ، كما مر . ( الخمط الأراك ، والأثل الطرفاء ) . أشار به إلى قوله تعالى : ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ وفسر الخمط بالأراك ، وهو الشجر الذي يستعمل منه المساويك ، وهو قول مجاهد والضحاك ، وقال أبو عبيدة : الخمط كل شجرة فيها مرارة ذات شوك ، وقال ابن فارس : كل شجر لا شوك له . ( العرم الشديد ) . أشار به إلى قوله تعالى : سيل العرم ، وفسره بالشديد ، وقد مر فيما مضى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق · ص 130 ( باب حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي هذا باب في قوله - عز وجل - : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ الآية ، وأولها وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أي لا تنفع شفاعة ملك ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة ، وفيه رد على الكفار في قولهم أن الآلهة شفعاء ، قوله " حَتَّى إِذَا فُزِّعَ " أي كشف الفزع ، وأخرج من قلوبهم ، واختلف فيمن هم ، فقيل : الملائكة تفزع قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم كلام الله تعالى ، فيقول بعضهم لبعض : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق ، وهو العلي الكبير ، وقيل : المشركون ، فالمعنى إذا كشف الفزع عن قلوبهم عند الموت ، قالت لهم الملائكة : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق ، فأقروا به حين لا ينفعهم الإقرار ، وبه قال الحسن . 295 - ( حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو ، قال : سمعت عكرمة يقول : سمعت أبا هريرة يقول : إن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم ، قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال : الحق ، وهو العلي الكبير ، فيسمعها مسترق السمع ، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ، ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه ، فيسمع الكلمة ، فيلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته ، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن ، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه ، فيكذب معها مائة كذبة ، فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا وكذا وكذا ، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحميدي عبد الله بن الزبير بن عيسى ، ونسبته إلى أحد أجداده ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار . والحديث مضى عن قريب في تفسير سورة الحجر ، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، عن عمرو إلى آخره ، ومر الكلام فيه هناك . قوله : " إذا قضى الله الأمر " ، وفي حديث النواس بن سمعان عند الطبراني مرفوعا : إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله ، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجدا ، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل - عليه الصلاة والسلام - فيكلمه الله بوحيه بما أراد ، فينتهي به على الملائكة ، كلما مر بسماء سأله أهلها : ماذا قال ربنا ؟ قال : الحق ، فينتهي به حيث أمر . قوله : " خضعانا " بفتحتين ، ويروى بضم أوله وسكون ثانيه ، وهو مصدر بمعنى خاضعين ، قوله : " كأنه " أي القول المسموع ، قوله : " فيسمعها مسترق السمع " ويروى مسترقو السمع ، قوله : " ووصف " سفيان هو ابن عيينة ، قوله : " وبدد " أي فرق من التبديد ، قوله " على لسان الساحر " ، وفي رواية الجرجاني على لسان الآخر ، قيل : هو تصحيف ، قوله : " أو الكاهن " ويروى : والكاهن بالواو ، قوله : " سمع من السماء " ، ويروى : سمعت ، وهو الظاهر .