46 - بَاب الْمَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ . وَصَلَّى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي مَسْجِدِهِ فِي دَارِهِ جَمَاعَةً 425 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنا اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي ، فَإِذَا كَانَتْ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ . وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى . قَالَ : فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ عِتْبَانُ : فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ ؟ قَالَ : فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ ، فَقُمْنَا فَصَففنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ، قَالَ : وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خريزة صَنَعْنَاهَا لَهُ ، قَالَ : فثاب فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ - أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ - ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذاك مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُلْ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ؟ قَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ - وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ - عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمَسَاجِدِ ) أَيِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ ( فِي الْبُيُوتِ ) . قَوْلُهُ : ( وَصَلَّى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارِهِ جَمَاعَةً ) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي جَمَاعَةٍ وَهَذَا الْأَثَرُ أَوْرَدَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَعْنَاهُ فِي قِصَّةٍ . قَوْلُهُ : ( أن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ) أَيِ الْخَزْرَجِيَّ السَّالِمِيَّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ أَتَى ) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عِتْبَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطْلُبُ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُسِبَ إِتْيَانُ رَسُولِهِ إِلَى نَفْسِهِ مَجَازًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَتَاهُ مَرَّةً وَبَعَثَ إِلَيْهِ أُخْرَى إِمَّا مُتَقَاضِيًا وَإِمَّا مُذَكِّرًا . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ جُمُعَةٍ : لَوْ أَتَيْتنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِيهِ أَنَّهُ أَتَاهُ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُخَاطَبَةَ عِتْبَانَ بِذَلِكَ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً لَا مَجَازًا . قَوْلُهُ : ( قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي ) كَذَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَمَعْمَرٍ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُوَيْسٍ : لَمَّا سَاءَ بَصَرِي وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ : جَعَلَ بَصَرِي يَكِلُّ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ : أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ وَكُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ الْعَمَى إِذْ ذَاكَ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي الْمَطَرِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ فِيهِ : إِنَّ عِتْبَانَ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى ، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ الْحَدِيثَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ هَذِهِ مُعَارِضَةٌ لِغَيْرِهِ ، وَلَيْسَتْ عِنْدِي كَذَلِكَ ، بَلْ قَوْلُ مَحْمُودٍ : إِنَّ عِتْبَانَ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى أَيْ حِينَ لَقِيَهُ مَحْمُودٌ وَسَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ ، لَا حِينَ سُؤَالِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَيُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ : فَجِئْتُ إِلَى عِتْبَانَ وَهُوَ شَيْخٌ أَعْمَى يَؤُمُّ قَوْمَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ أَيْ أَصَابَنِي فِيهِ ضُرٌّ كَقَوْلِهِ أَنْكَرْتُ بَصَرِي . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ أَيْضًا لَمَّا أَنْكَرْتُ مِنْ بَصَرِي وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ عَمَاهُ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ بِلَفْظِ أَنَّهُ عَمِيَ فَأَرْسَلَ وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ خُزَيْمَةَ بَيْنَ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : قَوْلُهُ : أَنْكَرْتُ بَصَرِي هَذَا اللَّفْظُ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ فِي بَصَرِهِ سُوءٌ وَإِنْ كَانَ يُبْصِرُ بَصَرًا مَا ، وَعَلَى مَنْ صَارَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُ شَيْئًا . انْتَهَى . وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : أَطْلَقَ عَلَيْهِ عَمًى لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي فَوَاتِ بَعْضِ مَا كَانَ يَعْهَدُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ، وَبِهَذَا تَأْتَلِفُ الرِّوَايَاتُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أُصَلِّي لِقَوْمِي ) أَيْ لِأَجْلِهِمْ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّهُمْ ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ . قَوْلُهُ : ( سَالَ الْوَادِي ) أَيْ سَالَ الْمَاءُ فِي الْوَادِي ، فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ ، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ وَأَنَّ الْأَمْطَارَ حِينَ تَكُونُ يَمْنَعُنِي سَيْلُ الْوَادِي . قَوْلُهُ : ( بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ) وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ يَسِيلُ الْوَادِي الَّذِي بَيْنَ مَسْكَنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي فَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ . قَوْلُهُ : ( فَأُصَلِّيَ بِهِمْ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى آتِيَ . قَوْلُهُ : ( وَدِدْتُ ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْأُولَى أَيْ تَمَنَّيْتُ . وَحَكَى الْقَزَّازُ جَوَازَ فَتْحِ الدَّالِ فِي الْمَاضِي وَالْوَاوِ فِي الْمَصْدَرِ ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَصْدَرِ الضَّمُّ وَحُكِيَ فِيهِ أَيْضًا الْفَتْحَ فَهُوَ مُثَلَّثٌ . قَوْلُهُ : ( فَتُصَلِّي ) بِسُكُونِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ لِوُقُوعِ الْفَاءِ بَعْدَ التَّمَنِّي ، وَكَذَا قَوْلُهُ : ( فَأَتَّخِذُهُ ) بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ . قَوْلُهُ : ( سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) هُوَ هُنَا لِلتَّعْلِيقِ لَا لِمَحْضِ التَّبَرُّكِ ، كَذَا قِيلَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّبَرُّكِ لِاحْتِمَالِ اطِّلَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَحْيِ عَلَى الْجَزْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ سَيَقَعُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عِتْبَانُ ) ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى هُنَا مِنْ رِوَايَةِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَمِنْ هُنَا إِلَى آخِرِهِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عِتْبَانَ صَاحِبِ الْقِصَّةِ . وَقَدْ يُقَالُ : الْقَدْرُ الْأَوَّلُ مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ مَحْمُودًا يَصْغُرُ عَنْ حُضُورِ ذَلِكَ ، لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي أَوَّلِهِ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ عِتْبَانَ ، وَمَحْمُودٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَكَذَا وَقَعَ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الْمَاضِي ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : قَالَ عِتْبَانُ عَلَى أَنَّ مَحْمُودًا أَعَادَ اسْمَ شَيْخِهِ اهْتِمَامًا بِذَلِكَ لِطُولِ الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( فَغَدَا عَلَيَّ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : بِالْغَدِ ، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُوَيْسٍ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَيْهِ وَقَعَ يَوْمَ السَّبْتِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو بَكْرٍ ) لَمْ يَذْكُرْ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ غَيْرَهُ ، حَتَّى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فَاسْتَأْذَنَا فَأَذِنْتُ لَهُمَا لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ : وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ ، عَنْ عِتْبَانَ فَأَتَانِي وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ : فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَحِبَهُ وَحْدَهُ فِي ابْتِدَاءِ التَّوَجُّهِ ثُمَّ عِنْدَ الدُّخُولِ أَوْ قَبْلَهُ اجْتَمَعَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَدَخَلُوا مَعَهُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَجْلِسْ حِينَ دَخَلَ ) ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى دَخَلَ قَالَ عِيَاضٌ : زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا غَلَطٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلِ الْمَعْنَى فَلَمْ يَجْلِسْ فِي الدَّارِ وَلَا غَيْرِهَا حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ مُبَادِرًا إِلَى مَا جَاءَ بِسَبَبِهِ . وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا عِنْدَ الطَّيَالِسِيِّ : فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ : أَيْنَ تُحِبُّ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهِيَ أَبْيَنُ فِي الْمُرَادِ ؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ صَلَاتِهِ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي بَيْتِ مُلَيْكَةَ حَيْثُ جَلَسَ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ دُعِيَ إِلَى الطَّعَامِ فَبَدَأَ بِهِ ، وَهُنَا دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَبَدَأَ بِهَا . قَوْلُهُ : ( أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَالْجُمْهُورِ مِنْ رُوَاةِ الزُّهْرِيِّ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ فِي بَيْتِكَ . قَوْلُهُ : ( وَحَبَسْنَاهُ ) أَيْ مَنَعْنَاهُ مِنَ الرُّجُوعِ . قَوْلُهُ : ( خَزِيرَةٌ ) بِخَاءِ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا زَايٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ رَاءٌ ثُمَّ هَاءٌ نَوْعٌ مِنَ الْأَطْعِمَةِ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : تُصْنَعُ مِنْ لَحْمٍ يُقَطَّعُ صِغَارًا ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ فَإِذَا نَضِجَ ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيقُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَحْمٌ فَهُوَ عَصِيدَةٌ . وَكَذَا ذَكَرَ يَعْقُوبُ نَحْوَهُ وَزَادَ : مِنْ لَحْمٍ بَاتَ لَيْلَةً قَالَ : وَقِيلَ هِيَ حَسَاءٌ مِنْ دَقِيقٍ فِيهِ دَسَمٌ ، وَحَكَى فِي الْجَمْهَرَةِ نَحْوَهُ ، وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ أَنَّ الْخَزِيرَةَ مِنَ النُّخَالَةِ ، وَكَذَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، قَالَ عِيَاضٌ : الْمُرَادُ بِالنُّخَالَةِ دَقِيقٌ لَمْ يُغَرْبَلْ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّفْسِيرَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَلَى جَشِيشَةٍ بِجِيمٍ وَمُعْجَمَتَيْنِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هِيَ أَنْ تُطْحَنَ الْحِنْطَةُ قَلِيلًا ثُمَّ يُلْقَى فِيهَا شَحْمٌ أَوْ غَيْرُهُ ، وَفِي الْمَطَالِعِ : أَنَّهَا رُوِيَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِحَاءٍ وَرَاءَيْنِ مُهْمَلَاتٍ . وَحَكَى الْمُصَنِّفُ فِي الْأَطْعِمَةِ عَنِ النَّضْرِ أَيْضًا أَنَّهَا - أَيِ الَّتِي بِمُهْمَلَاتٍ - تُصْنَعُ مِنَ اللَّبَنِ . قَوْلُهُ : ( فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ ) بِمُثَلَّثَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ ، أَيِ اجْتَمَعُوا بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقُوا . قَالَ الْخَلِيلُ : الْمَثَابَةُ مُجْتَمَعُ النَّاسِ بَعْدَ افْتِرَاقِهِمْ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَيْتِ مَثَابَةٌ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : يُقَالُ : ثَابَ إِذَا رَجَعَ وَثَابَ إِذَا أَقْبَلَ . قَوْلُهُ : ( مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ) أَيِ الْمَحَلَّةِ ، كَقَوْلِهِ : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ أَيْ مَحَلَّتُهُمْ ، وَالْمُرَادُ أَهْلُهَا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ) لَمْ يُسَمَّ هَذَا الْمُبْتَدِئُ . قَوْلُهُ : ( مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ نُونٌ قَوْلُهُ : ( أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَالشِّينِ وَسُكُونِ الْخَاءِ بَيْنَهُمَا وَحُكِيَ كَسْرُ أَوَّلِهِ ، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ الرَّاوِي هَلْ هُوَ مُصَغَّرٌ أَوْ مُكَبَّرٌ . وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَا فِي الثَّانِيَةِ بِالْمِيمِ بَدَلَ النُّونِ ، وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُحَارَبِينَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الدُّخْشُنِ بِالنُّونِ مُكَبَّرًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِالشَّكِّ ، وَنَقَلَ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ الصَّوَابَ الدُّخْشُمُ بِالْمِيمِ وَهِيَ رِوَايَةُ الطَّيَالِسِيِّ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عِتْبَانَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ بَعْضُهُمْ ) قِيلَ : هُوَ عِتْبَانُ رَاوِي الْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : الرَّجُلُ الَّذِي سَارَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ هُوَ عِتْبَانُ ، وَالْمُنَافِقُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ . ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عِتْبَانَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ الَّذِي سَارَّهُ هُوَ عِتْبَانُ . وَأَغْرَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَنَقَلَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الَّذِي قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَلِكَ مُنَافِقٌ هُوَ عِتْبَانُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ هَذَا ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَخْتَلِفْ فِي شُهُودِ مَالِكٍ بَدْرًا وَهُوَ الَّذِي أَسَرَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو ، ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ : أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا . قُلْتُ : وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مَالِكًا هَذَا وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ فَحَرَّقَا مَسْجِدَ الضِّرَارِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا اتُّهِمَ بِهِ مِنَ النِّفَاقِ ، أَوْ كَانَ قَدْ أَقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ ، أَوِ النِّفَاقُ الَّذِي اتُّهِمَ بِهِ لَيْسَ نِفَاقَ الْكُفْرِ إِنَّمَا أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ تَوَدُّدَهُ لِلْمُنَافِقِينَ ، وَلَعَلَّ لَهُ عُذْرًا فِي ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِحَاطِبٍ . قَوْلُهُ : ( أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ولِلطَّيَالِسِيِّ : أَمَا يَقُولُ وَلِمُسْلِمٍ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ أَنْ لَا جَزْمَ بِذَلِكَ . وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فِي جَوَابِهِ إِنَّهُ لَيَقُولُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ ، عَنْ عِتْبَانَ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ ) أَيْ تَوَجُّهَهُ . قَوْلُهُ : ( وَنَصِيحَتُهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يُقَالُ : نَصَحْتُ لَهُ لَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : قَدْ ضُمِّنَ مَعْنَى الِانْتِهَاءَ ، كَذَا قَالَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ : إِلَى الْمُنَافِقِينَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : وَجْهُهُ فَهُوَ الَّذِي يَتَعَدَّى بِإِلَى ، وَأَمَّا مُتَعَلَّقُ نَصِيحَتِهِ فَمَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَاضِي ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّقٌ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ سَأَلْتُ ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْحُصَيْنُ بِمُهْمَلَتَيْنِ لِجَمِيعِهِمْ إِلَّا لِلْقَابِسِيِّ فَضَبَطَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَغَلَّطُوهُ . قَوْلُهُ : ( مِنْ سَرَاتِهِمْ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ خِيَارِهِمْ ، وَهُوَ جَمْعُ سَرِيٍّ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ الْمُرْتَفِعُ الْقَدْرَ مِنْ سَرُوَ الرَّجُلُ يَسْرُو إِذَا كَانَ رَفِيعَ الْقَدْرِ ، وَأَصْلُهُ مِنَ السَّرَاةِ وَهُوَ أَرْفَعُ الْمَوَاضِعِ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ ، وَقِيلَ هُوَ رَأْسُهَا . قَوْلُهُ : ( فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحُصَيْنُ سَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ عِتْبَانَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَهُ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ ، وَلَيْسَ لِلْحُصَيْنِ وَلَا لِعِتْبَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ مَوَاضِعَ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْ عِتْبَانَ أَيْضًا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَسَمِعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ مَعَ أَبِيهِ مِنْ عِتْبَانَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ سَمِعَ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ عِتْبَانَ فَأَنْكَرَهُ لِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ مِنْ أَنَّ النَّارَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُوَحِّدِينَ ، وَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يُعَذَّبُ ، لَكِنْ لِلْعُلَمَاءِ أَجْوِبَةٌ عَنْ ذَلِكَ : مِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ نَرَى أَنَّ الْأَمْرَ قَدِ انْتَهَى إِلَيْهَا ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ فَلَا يَغْتَرَّ وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ نَزَلَ فَرْضُهَا قَبْلَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ قَطْعًا ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَارِكَهَا لَا يُعَذَّبُ إِذَا كَانَ مُوَحِّدًا . وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ قَالَهَا مُخْلِصًا لَا يَتْرُكُ الْفَرَائِضَ ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ يَحْمِلُ عَلَى أَدَاءِ اللَّازِمِ . وَتُعُقِّبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ تَحْرِيمُ التَّخْلِيدِ أَوْ تَحْرِيمُ دُخُولِ النَّارِ الْمُعَدَّةِ لِلْكَافِرِينَ لَا الطَّبَقَةِ الْمُعَدَّةِ لِلْعُصَاةِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ تَحْرِيمُ دُخُولِ النَّارِ بِشَرْطِ حُصُولِ قَبُولِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالتَّجَاوُزِ عَنِ السَّيِّئِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : إِمَامَةُ الْأَعْمَى ، وَإِخْبَارُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ عَاهَةٍ وَلَا يَكُونُ مِنَ الشَّكْوَى ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ مَسَاجِدُ لِلْجَمَاعَةِ سِوَى مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَطَرِ وَالظُّلْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَاتِّخَاذُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ لِلصَّلَاةِ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ إِيطَانِ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَفِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اسْتَلْزَمَ رِيَاءً وَنَحْوَهُ . وَفِيهِ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَأَنَّ عُمُومَ النَّهْيِ عَنْ إِمَامَةِ الزَّائِرِ مَنْ زَارَهُ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا كَانَ الزَّائِرُ هُوَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ فَلَا يُكْرَهُ ، وَكَذَا مَنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ . وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ وَطِئَهَا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ دُعِيَ مِنَ الصَّالِحِينَ لِيُتَبَرَّكَ بِهِ أَنَّهُ يُجِيبُ إِذَا أَمِنَ الْفِتْنَةَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِتْبَانُ إِنَّمَا طَلَبَ بِذَلِكَ الْوُقُوفَ عَلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِالْقَطْعِ ، وَفِيهِ إِجَابَةُ الْفَاضِلِ دَعْوَةَ الْمَفْضُولِ ، وَالتَّبَرُّكُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ ، وَاسْتِصْحَابُ الزَّائِرِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُسْتَدْعِيَ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَالِاسْتِئْذَانُ عَلَى الدَّاعِي فِي بَيْتِهِ وَإِنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ طَلَبُ الْحُضُورِ ، وَأَنَّ اتِّخَاذَ مَكَانٍ فِي الْبَيْتِ لِلصَّلَاةِ لَا يَسْتَلْزِمُ وَقْفِيَّتَهُ وَلَوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْجِدِ ، وَفِيهِ اجْتِمَاعُ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَلَى الْإِمَامِ أَوِ الْعَالِمِ إِذَا وَرَدَ مَنْزِلَ بَعْضِهِمْ لِيَسْتَفِيدُوا مِنْهُ وَيَتَبَرَّكُوا بِهِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَنْ يَظُنُّ بِهِ الْفَسَادُ فِي الدِّينِ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَةً ، وَأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ وَيَحْمِلَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَمِيلِ ، وَفِيهِ افْتِقَادُ مَنْ غَابَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِلَا عُذْرٍ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ النُّطْقُ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ . وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ غَيْرَ تَرْجَمَةِ الْبَابِ وَالَّذِي قَبْلَهُ الرُّخْصَةَ فِي الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ عِنْدَ الْمَطَرِ وَصَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً وَسَلَامِ الْمَأْمُومِ حِينَ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ وَأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ لَا يَجِبُ ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا زَارَ قَوْمًا أَمَّهُمْ ، وَشُهُودَ عِتْبَانَ بَدْرًا وَأَكْلَ الْخَزِيرَةِ ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى يُنَجِّي صَاحِبَهُ إِذَا قَبِلَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ إِلَى النِّفَاقِ وَنَحْوِهِ بِقَرِينَةٍ تَقُومُ عِنْدَهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسُقُ بَلْ يُعْذَرُ بِالتَّأْوِيلِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ · ص 618 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد في البيوت · ص 377 46 - باب المساجد في البيوت وصلى البراء بن عازب في مسجد في داره في جماعة مساجد البيوت ، هي أماكن الصلاة منها ، وقد كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة فيها . وقد قدمنا في آخر كتاب : الحيض أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مسجد بيته في بيت ميمونة ، وهي مضطجعة إلى جانبه ، وهي حائض . وروى جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصلاة ، فوجده يتسحر في مسجد بيته . خرجه الإمام أحمد . وروى محمد بن سعد : أبنا قبيصة : أبنا سفيان : عن أبيه ، قال : أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر . وبإسناده : عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، قال : أول من بنى مسجدا يصلي فيه عمار بن ياسر . وهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المسبلة ، فلا يجب صيانتها عن نجاسة ولا جنابة ولا حيض . هذا مذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء . ومنع إسحاق من جلوس الجنب فيها والحائض - : نقله عنه حرب . وأجاز الاعتكاف فيها للمرأة خاصة طائفة من فقهاء الكوفيين ، منهم : النخعي والثوري وأبو حنيفة . وعنه وعن الثوري : أن المرأة لا يصح اعتكافها في غير مسجد بيتها . وقول الأكثرين أصح . وقد روي عن ابن عباس ، أنه سئل عن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ؟ فقال : بدعة ، وأبغض الأعمال إلى الله البدع ، لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة . خرجه حرب الكرماني . وروى عمرو بن دينار ، عن جابر ، أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد بيتها ؟ قَالَ : لا يصلح ، لتعتكف فِي مسجد ؛ كما قال الله : وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ خرجه الأثرم . وجابر هذا يحتمل أنه جابر بن عبد الله الصحابي ، ويحتمل أنه جابر بن زيد أبو الشعثاء التابعي . واعتكف أبو الأحوص صاحب ابن مسعود في مسجد بيته . ورخص فيه الشعبي . وهؤلاء جعلوا مساجد البيوت حكمها حكم المساجد في الاعتكاف ، ولو كان هذا صحيحا لاعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مساجد بيوتهن ، وإنما كن يعتكفن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . وأما إقامة الجماعة للصلوات في مساجد البيوت فلا يحصل بها فضيلة الصلاة في المساجد ، وإنما حكم ذلك حكم من صلى في بيته جماعة وترك المسجد . قال حرب : قلت لأحمد : فالقوم نحو العشرة يكونون في الدار ، فيجتمعون وعلى باب الدار مسجد ؟ قال : يخرجون إلى المسجد ، ولا يصلون في الدار ، وكأنه قال : إلا أن يكون في الدار مسجد يؤذن فيه ويقام . انتهى . ومتى كان المسجد يؤذن فيه ويقام ويجتمع فيه الناس عموما ، فقد صار مسجدا مسبلا ، وخرج عن ملك صاحبه بذلك عند الإمام أحمد ، وعامة العلماء ، ولو لم ينو جعله مسجدا مؤبدا . ونقل أبو طالب عن أحمد فيمن بنى مسجدا من داره ، أذن فيه وصلى مع الناس ، ونيته حين بناه وأخرجه أن يصلي فيه ، فإذا مات رد إلى الميراث ؟ فقال أحمد : إذا أذن فيه ودعا الناس إلى الصلاة فلا يرجع بشيء ، ونيته ليس بشيء . ووجه هذا : أن الإذن للناس في الصلاة إذا ترتب عليه صلاة الناس ، فإنه يقوم مقام الوقف بالقول مع حيازة الموقوف عليه ، ورفع يد الواقف ، فيثبت الوقف بذلك ، ونية رجوعه إلى ورثته كنية توقيت الوقف ، والوقف لا يتوقت بل يتأبد ، وتلغو نيته توقيته . وقال حرب - أيضا - سمعت إسحاق يقول : الاعتكاف في كل مسجد خارج من البيت جائز ، وإن كانت الدار عظيمة مما يجتمع أهل المحلة في مسجد تلك الدار ، ويدخلها غير أهل الدار لما جعل المسجد لله جاز الاعتكاف فيه - أيضا - فأما رجل جعل مسجدا لنفسه ، ولم يجعله للجماعة ترفقا بنفسه ، فإنه لا يكون فيه اعتكاف ، ولا فضل الجماعة - أيضا - إلا أن يكون به عذر ، ولا يمكنه أن يستقل إلى المسجد ، فحينئذ يكون له فضل الجماعة في ذلك المسجد ، فإن اعتكف فيه كان له أجر ، ولا يسمى معتكفا ؛ لأن الاعتكاف إنما يكون في موضع بارز . وبكل حال ؛ فينبغي أن تحترم هذه البقاع المعدة للصلاة من البيوت ، وتنظف وتطهر . قال الثوري في المساجد التي تبنى في البيوت : ترفع ولا تشرف ، وتفرغ للصلاة ، ولا تجعل فيها شيئا . وقد روي من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور ، وأن تنظف وتطيب . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان فِي صحيحيهما . وخرجه الترمذي من وجه آخر مرسلا ، من غير ذكر : عائشة . وقال : هو أصح . وكذلك أنكر الإمام أحمد وصله . وقال الدارقطني : الصحيح المرسل . وخرجه الإمام أحمد - أيضا - من رواية ابن إسحاق : حدثني عمر بن عبد الله بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عمن حدثه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا ، وأن نصلح صنعتها ونطهرها . وخرجه أبو داود بنحو هذا اللفظ من حديث سمرة بن جندب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد اختلف في تفسير الدور في هذه الأحاديث : فقيل : المراد بها البيوت ، وبذلك فسره الخطابي وغيره . وخرج ابن عدي حديث عائشة ، ولفظه : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتنظيف المساجد التي في البيوت . وقال أكثر المتقدمين : المراد بالدور هنا : القبائل ، كقوله صلى الله عليه وسلم : خير دور الأنصار دار بني عبد الأشهل ، ثم دار بني الحارث بن الخزرج ، ثم دار بني ساعدة ، وفي كل دور الأنصار خير . وبهذا فسر الحديث سفيان الثوري ووكيع بن الجراح وغيرهما . وعلى هذا : فالمساجد المذكورة في الحديث هي المساجد المسبلة في القبائل والقرى ؛ دون مساجد الأمصار الجامعة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد في البيوت · ص 381 قال البخاري - رحمه الله - : 425 – ثنا سعيد بن عفير : ثنا الليث : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري ، أن عتبان بن مالك - وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار - أنه أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي ، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم ، لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي ، فأتخذه مصلى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأفعل ، إن شاء الله . قال عتبان : فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له ، فلم يجلس حين دخل البيت ، ثم قال : أين تحب أن أصلي من بيتك قال : فأشرت له إلى ناحية من البيت ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر ، فقمنا خلفه ، فصففنا فصلى ركعتين ، ثم سلم . قال : وحبسناه على خزيرة صنعناها له . قال : فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد ، فاجتمعوا فقال قائل منهم : أين مالك بن الدخيشن - أو ابن الدخشن ؟ فقال بعضهم : ذلك منافق ، لا يحب الله ورسوله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقل ذلك ، ألا تراه قد قال : لا إله إلا الله ، يريد بذلك وجه الله ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن الله قد حرم على النار من قال : لا إله إلا الله ، يبتغي بها وجه الله . قال ابن شهاب : ثم سألت بعد ذلك الحصين بن محمد الأنصاري - وهو أحد بني سالم ، وهو من سراتهم - عن حديث محمود بن الربيع ، فصدقه بذلك عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف ، شهد بدرا وأحدا - كما في هذا الحديث - ولم يذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا ، وكان ذهب بصره في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يؤم قومه وهو ضرير البصر وهو شيخ كبير إلى أن توفي في زمن معاوية . والظاهر : أنه لما اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد ذهب بصره بالكلية ، بل كان قد ساء بصره ، كذا وقع في صحيح مسلم من رواية الأوزاعي ، عن الزهري وهو معنى قوله في هذه الرواية : أنكرت بصري . ولكن رواه مالك ، عن الزهري ، وقال فيه : إن عتبان قال : وأنا رجل ضرير البصر . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وروى سليمان بن المغيرة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك : ثنا محمود بن الربيع ، عن عتبان بن مالك ، قال : أصابني في بصري بعض الشيء ، فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى ، ففعل . وهذا من روايات الأكابر عن الأصاغر - أعني : رواية أنس بن مالك ، عن محمود بن الربيع . ورواه حماد بن سلمة : ثنا ثابت ، عن أنس : حدثني عتبان بن مالك ، أنه عمي ، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، تعال فخط لي مسجدا . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث . ولعل هذه الرواية أشبه ، وحماد بن سلمة مقدم في ثابت خاصة على غيره . وقد خرجه مسلم في أول صحيحه من هذين الوجهين . وروى هذا الحديث قتادة ، واختلف عليه فيه : فرواه شيبان ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر في إسناده : عتبان . وخالفه حجاج بن حجاج ، فرواه عن قتادة ، عن أبي بكر بن أنس ، عن محمود بن عمير بن سعد ، أن عتبان أصيب ببصره - فذكر الحديث . خرجه النسائي في كتاب اليوم والليلة من الطريقين . وقوله : محمود بن عمير بن سعد ، الظاهر أنه وهم ؛ فقد رواه علي بن زيد بن جدعان ، قال : حدثني أبو بكر بن أنس ، قال : قدم أبي الشام وافدا وأنا معه ، فلقينا محمود بن الربيع ، فحدث أبي حديثا عن عتبان بن مالك ، فلما قفلنا انصرفنا إلى المدينة ، فسألنا عنه ، فإذا هو حي ، فإذا بشيخ كبير أعمى ، فسألناه عن الحديث ، فقال : ذهب بصري على عهد النبي صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث بطوله . خرجه الإمام أحمد . فتبين بهذه الرواية أن أبا بكر بن أنس سمعه من محمود بن الربيع عن عتبان ، ثم سمعه من عتبان . وقد اعتذر عتبان - أيضا - بأن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه الذي يصلي بهم فيه ، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في بيته فيصلي فيه ، حتى يتخذه مصلى . وفي هذا : استحباب اتخاذ آثار النبي صلى الله عليه وسلم ومواضع صلواته مصلى يصلى فيه . وقد ذكر ابن سعد ، عن الواقدي ، أن بيت عتبان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه الناس بالمدينة إلى يومه ذاك . ويشهد لهذا المعنى - أيضا - : قول عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى ؟ فَنَزَلت : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وقد نقل أحمد بن القاسم وسندي الخواتيمي ، عن الإمام أحمد ، أنه سئل عن إتيان هذه المساجد ؟ فقال : أما على حديث ابن أم مكتوم : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى ، وعلى ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره ، فلا بأس أن يأتي الرجل المشاهد ، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا ، وأكثروا فيه . وفي رواية ابن القاسم : أن أحمد ذكر قبر الحسين ، وما يفعل الناس عنده - يعني : من الأمور المكروهة المحدثة . وهذا فيه إشارة إلى أن الإفراط في تتبع مثل هذه الآثار يخشى منه الفتنة ، كما كره اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى وقفوا عنده ، واعتقدوا أنه كاف لهم ، واطرحوا ما لا ينجيهم غيره ، وهو طاعة الله ورسوله . وقد رأى الحسن قوما يزدحمون على حمل نعش بعض الموتى الصالحين ، فقال : في عمله فتنافسوا . يشير إلى أن المقصود الأعظم متابعته في عمله ، لا مجرد الازدحام على حمل نعشه . وكذلك من يبالغ في تزيين المصحف وتحسينه ، وهو مصر على مخالفة أوامره وارتكاب مناهيه . وقد روي عن عمر رضي الله عنه ما يدل على كراهة ذلك - أيضا - : فروي عن المعرور بن سويد ، قال : خرجنا مع عمر في حجة حجها ، فلما انصرف رأى الناس مسجدا فبادروه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم ، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا ، من عرضت له فيه صلاة فليصل ، ومن لم تعرض له صلاة فليمض . وقال نافع : كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان ، فيصلون عندها ، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها ، وأمر بها فقطعت . وقال ابن عبد البر : كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان ؛ وذلك - والله أعلم - مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى فِي مثل ذَلِكَ . ذكره فِي الاستذكار فِي الكلام عَلَى حَدِيْث : اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وقال : ذكر مالك [...] بإثر هذا الحديث حديث عتبان بن مالك ؛ ليبين لك أن معنى هذا الحديث مخالف للذي قبله . قال : والتبرك والتأسي بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمان به وتصديق ، وحب في الله وفي رسوله . وفي الحديث : دليل على أن المطر والسيول عذر يبيح له التخلف عن الصلاة في المسجد . وقد روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص له : قال الإمام أحمد : ثنا سفيان ، عن الزهري ، فسئل سفيان : عمن هو ؟ قال : هو محمود - إن شاء الله - أن عتبان بن مالك كان رجلا محجوب البصر ، وأنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم التخلف عن الصلاة ، فقال : هل تسمع النداء ؟ قال : نعم . فلم يرخص له . وكذا رواه محمد بن سعد ، عن سفيان . وهو يدل على أن سفيان شك في إسناده ، ولم يحفظه . وقال الشافعي : أبنا سفيان بن عيينة : سمعت الزهري يحدث ، عن محمود بن الربيع ، عن عتبان بن مالك ، قال : قلت : يا رسول الله ، إني محجوب البصر ، وإن السيول تحول بيني وبين المسجد ، فهل لي من عذر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تسمع النداء ؟ قال : نعم . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا أجد لك من عذر إذا سمعت النداء . قال سفيان : وفيه قضية لم أحفظها . قال الشافعي : هكذا حدثنا سفيان ، وكان يتوقاه ، ويعرف أنه لم يضبطه . قال : وقد أوهم فيه - فيما نرى - والدلالة على ذلك : ما أبنا مالك ، عن ابن شهاب - ثم ذكر حديث عتبان المتقدم ، على ما رواه الجماعة عن الزهري . قال البيهقي : اللفظ الذي رواه ابن عيينة في هذا الإسناد إنما هو في قصة ابن أم مكتوم الأعمى . قلت : وقد اشتبهت القصتان على غير واحد ، وقد سبق عن الإمام أحمد أنه ذكر أن ابن أم مكتوم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى ، وإنما هو عتبان بن مالك . وقد اشتبه على بعض الرواة محمود بن الربيع الراوي له عن عتبان ، فسماه محمود بن لبيد ، وهو - أيضا - وهم ، وقد وقع فيه بعض الرواة للحديث عن مالك . وقال يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن محمود بن الربيع - أو الربيع بين محمود - شك يزيد . وقد روي عن ابن عيينة بإسناد آخر : خرجه ابن عبد البر في التمهيد ، من طريق عبيد الله بن محمد : ثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة - إن شاء الله - عن عتبان بن مالك ، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التخلف عن الصلاة ، فقال : أتسمع النداء ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَلَمْ يرخص لَهُ . وهذا الإسناد غير محفوظ ، ولهذا شك فيه الراوي - إما سفيان أو غيره - وقال : إن شاء الله ، وإنما أراد حديث محمود بن الربيع . وأما حديث ابن أم مكتوم ، فقد خرجه مسلم من رواية يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى ، فقال : يا رسول الله ، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد . فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته ، فرخص له ، فلما ولى دعاه ، فقال : هل تسمع النداء بالصلاة قال : نعم . قال : فأجب . وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث عيسى بن جارية ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أتى ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، منزلي شاسع ، وأنا مكفوف البصر ، وأنا أسمع ؟ قال : فإن سمعت الأذان فأجب ، ولو حبوا ، ولو زحفا . وعيسى بن جارية ، تكلم فيه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم من حديث عاصم ابن بهدلة ، عن أبي رزين ، عن ابن أم مكتوم ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إني رجل ضرير البصر ، شاسع الدار ، ولي قائد لا يلائمني ، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي ؟ قال : هل تسمع النداء ؟ قال : نعم . قال : لا أجد لك رخصة . وفي إسناده اختلاف على عاصم : وروي عنه ، عن أبي رزين مرسلا . ورواه أبو سنان سعيد بن سنان ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي رزين ، عن أبي هريرة . وأبو سنان ، قال أحمد : ليس بالقوي . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة ، من حديث عبد الرحمن بن عابس ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابن أم مكتوم ، أنه قال : يا رسول الله ، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تسمع حي على الصلاة ، حي على الفلاح ؟ قال : نعم . قال : فحيهلا . وخرج الإمام أحمد من حديث عبد العزيز بن مسلم ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن شداد ، عن ابن أم مكتوم ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المسجد فرأى في القوم رقة ، فقال : إني لأهم أن أجعل للناس إماما ، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه . فقال ابن أم مكتوم ، يا رسول الله ، إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرا ، ولا أقدر على قائد كل ساعة ، أيسعني أن أصلي في بيتي ؟ قال : أتسمع الإقامة ؟ قال : نعم . قال : فأتها . وخرجه ابن خزيمة والحاكم من رواية أبي جعفر الرازي ، عن حصين ، به - بنحوه . وقد روي هذا الحديث من رواية البراء بن عازب وأبي أمامة وكعب بن عجرة . وفي أسانيدها ضعف . والله أعلم . وقد أشكل وجه الجمع بين حديث ابن أم مكتوم وحديث عتبان بن مالك ، حيث جعل لعتبان رخصة ، ولم يجعل لابن أم مكتوم رخصة : فمن الناس : من جمع بينهما بأن عتبان ذكر أن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه ، وهذا عذر واضح ؛ لأنه يتعذر معه الوصول إلى المسجد ، وابن أم مكتوم لم يذكر مثل ذلك . وإنما ذكر مشقة المشي عليه . وفي هذا ضعف ؛ فإن السيول لا تدوم ، وقد رخص له في الصلاة في بيته بكل حال ، ولم يخصه بحالة وجود السيل ، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوام والسباع ، وذلك يقوم مقام السيل المخوف . وقيل : إن ابن أم مكتوم كان قريبا من المسجد ، بخلاف عتبان ، ولهذا ورد في بعض طرق حديث ابن أم مكتوم : أنه كان يسمع الإقامة . ولكن في بعض الروايات أنه أخبر أن منزله شاسع كما تقدم . ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان ، فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد . وقد أشار الجوزجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره . يعني : أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم . وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصة في حصول فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته . واستدل بعض من نصر ذلك - وهو : البيهقي - بما خرجه في سننه من طريق أبي شهاب الحناط ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه ، عن ابن أم مكتوم ، قال : قلت : يا رسول الله ، إن لي قائدا لا يلائمني في هاتين الصلاتين ؟ قَالَ : أي الصلاتين ؟ قلت : العشاء والصبح . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو يعلم القاعد عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبوا . وحديث ابن أم مكتوم يدل على أن العمى ليس بعذر في ترك الجماعة ، إذا كان قادرا على إتيانها ، وهو مذهب أصحابنا . ولو لم يمكنه المجيء إلا بقائد ووجد قائدا متبرعا له ، فهل يجب عليه حضور المسجد ؟ على وجهين ، ذكرهما ابن حامد من أصحابنا . وهذا بناء على قول أحمد : إن حضور المسجد للجماعة فرض عين . وسيأتي ذكر ذلك مستوفى في موضعه - إن شاء الله تعالى . وقد يستدل بحديث عتبان على أن الجماعة في البيت تكفي من حضور المسجد خصوصا للأعذار . ويحتمل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مسجدا يؤذن فيه ، ويقيم ، ويصلي بجماعة أهل داره ومن قرب منه ، فتكون صلاته حينئذ في مسجد : إما مسجد جماعة ، أو مسجد بيت يجمع فيه ، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفردا ، فلم يأذن له ، وهذا أقرب ما جمع به بين الحديثين . والله أعلم . لكن في سنن البيهقي من حديث كعب بن عجرة ، أن رجلا أعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني أسمع النداء ، ولعلي لا أجد قائدا ، أفأتخذ مسجدا في داري ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسمع النداء ؟ قال : نعم . قال : فإذا سمعت النداء فاخرج . وفي إسناده اختلاف ، وقد قال أبو حاتم فيه : إنه منكر . ومع هذا ؛ فلا دلالة فيه على أنه أراد أن يصلي في بيته جماعة ، إنما فيه أنه أراد أن يجعل في داره مسجدا لصلاته في نفسه . وفي حديث عتبان : دليل على جواز إمامة الأعمى ، وجواز الجماعة في صلاة التطوع - أحيانا - وجواز إمامة الزائر بإذن المزور في بيته . وقوله : وحبسناه على خزيرة صنعناها له يدل على أن الزائر وإن كان صاحب المنزل قد استدعاه إلى بيته لحاجة له ، فإنه يستحب له أن يضيفه ، وإن حبسه لذلك في بيته بعد انقضاء حاجته لم يضر ذلك ، بشرط ألا يكون على الزائر فيه مشقة . و الخزيرة : مرقة تصنع من النخالة . وقيل : من الدقيق - أيضا - وقيل : إنه لا بد أن يكون معها شيء من دسم من شحم أو لحم . وخص بعضهم دسمها باللحم خاصة . وقوله : فثاب في البيت رجال - يعني : جاءوا متواترين ، بعضهم في إثر بعض . وقوله : من أهل الدار - يعني : دار بني سالم بن عوف ، وهم قوم عتبان . وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقل ذلك نهى أن يرمى أحد بالنفاق لقرائن تظهر عليه ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجري على المنافقين أحكام المسلمين في الظاهر ، مع علمه بنفاق بعضهم ، فكيف بمسلم يرمى بذلك بمجرد قرينة ؟ وفيه : أن من رمى أحدا بنفاق ، وذكر سوء عمله ، فإنه ينبغي أن ترد غيبته ، ويذكر صالح عمله ؛ ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، ولا يلتفت إلى قول من قال : إنما يقولها تقية ونفاقا . وإنما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر مالك بن الدخشن ؛ لأنه لم يعرف عنده بما يخشى عليه من النفاق ، ولم يثبت ذلك ببينة ، وإنما رمي بذلك ، بخلاف الثلاثة الذين خلفوا ؛ فإنهم اعترفوا بما يخشى عليهم منه النفاق ؛ ولهذا عذر المعتذرين ووكلهم إلى الله ، وكان كثير منهم كاذبا . وقد سبق القول في معنى تحريم من قال : لا إله إلا الله على النار ، في أواخر كتاب : العلم . وقد شهد مالك بن الدخشن مع النبي صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والمشاهد كلها ، واختلفوا : هل شهد مع الأنصار بيعة العقبة ، أم لا ؟ وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع عاصم بن عدي لتحريق مسجد الضرار وهدمه . وقد روى أسد بن موسى : ثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم ابن بهدلة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رجلا من الأنصار أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم ، واجتمع قومه ، وتغيب رجل منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين فلان ؟ فغمزه رجل منهم ، فقال : إنه ، وإنه ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أليس قد شهد بدرا ؟ قالوا : بلى . قال : فلعل الله قد اطلع إلى أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . وخرجه الطبراني من طريق حماد - أيضا - ولفظ حديثه : إن رجلا من الأنصار عمي ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : اخطط لي في داري مسجدا لأصلي فيه . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اجتمع إليه قومه وتغيب رجل . وخرج ابن ماجه أول الحديث فقط ، وخرج أبو داود آخره فقط من طريق حماد . ولأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث آخر في معنى حديث عتبان . خرجه البخاري في مواضع أخر ، وقد ذكرناه في باب : الصلاة على الحصير فيما تقدم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المساجد في البيوت · ص 166 باب المساجد في البيوت أي : هذا باب في بيان جواز اتخاذ المساجد في البيوت . هذا الباب والذي قبله في الحقيقة باب واحد ؛ لأن للبخاري حديثا واحدا عن عتبان ، وإنما أخرجه في عدة مواضع كما ذكرنا مفرقا مطولا ومختصرا لأجل التراجم . ( وصلى البراء بن عازب في مسجده في داره في جماعة ) هذا تعليق روى معناه ابن أبي شيبة في قصة قوله في جماعة ، هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره جماعة بدون كلمة في منصوبة . 86 - حدثنا سعيد بن عفير قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك - وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ممن شهد بدرا من الأنصار - أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، قد أنكرت بصري ، وأنا أصلي لقومي ، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى . قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأفعل إن شاء الله . قال عتبان : فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر حين ارتفع النهار ، فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذنت له ، فلم يجلس حين دخل البيت ، ثم قال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ قال : فأشرت له إلى ناحية من البيت ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر ، فقمنا فصفنا ، فصلى ركعتين ثم سلم . قال : وحبسناه على خزيرة صنعناها له . قال : فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد فاجتمعوا ، فقال قائل منهم : أين مالك بن الدخيشن - أو ابن الدخشن ؟ فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقل ذلك ، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله ! قال : الله ورسوله أعلم . قال : فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله . قال ابن شهاب : ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري - وهو أحد بني سالم ، وهو من سراتهم - عن حديث محمود بن الربيع فصدقه بذلك . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله : وهم ستة ؛ سعيد بن عفير - بضم العين المهملة وفتح الفاء - وهو سعيد بن كثير بن عفير المصري ، والليث بن سعد المصري ، وعقيل - بضم العين - بن خالد الأيلي ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه أن رواته ما بين مصري وأيلي ومدني ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي . فإن قلت : من قوله أن عتبان بن مالك إلى قوله قال عتبان من رواية محمود بن الربيع بغير واسطة ، فيكون هذا القدر مرسلا ، فلا يكون رواية الصحابي عن الصحابي ، ومن هذا قال الكرماني : الظاهر أنه مرسل لأنه لا جزم أن محمودا سمع من عتبان ولا أنه رأى بعينه ذلك لأنه كان صغيرا عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - قلت : قد وقع تصريحه بالسماع عند البخاري من طريق معمر ومن طريق إبراهيم بن سعد كما مر في الباب الماضي ، ووقع التصريح بالتحديث أيضا بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب عند أبي عوانة فتكون رواية الصحابي عن الصحابي ، فيحمل قوله قال عتبان على أن محمودا أعاد اسم شيخه اهتماما بذلك لطول الحديث ، وقد ذكرنا تعدد موضعه ومن أخرجه غيره . ذكر معناه : قوله ( أن عتبان بن مالك ) ظاهره الإرسال ، وقد حققناه الآن ، واختلفوا فيما إذا قال حدثنا فلان أن فلانا قال كذا أو فعل كذا ؛ فقال الإمام أحمد وجماعة : يكون منقطعا حتى يتبين السماع . وقال الجمهور : هو كعن محمول على السماع بشرط أن يكون الراوي غير مدلس وبشرط ثبوت اللقاء على الأصح . قوله ( ممن شهد بدرا من الأنصار ) ، وفائدة ذكر قوله من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقوية الرواية وتعظيمه والافتخار والتلذذ به وإلا كان هو مشهورا بذلك ، أو غرضه تعريف الجاهل به . قوله ( أن عتبان بن مالك ) في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله أخبرني . قوله ( أنه أتى ) بدل من أن عتبان ، وفي رواية : ثابت عن أنس عن عتبان . فإن قلت : جاء في رواية مسلم أنه بعث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب منه ذلك ، فما وجه الروايتين ؟ قلت : يحتمل أن يكون جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه مرة وبعث إليه رسوله مرة أخرى لأجل التذكير ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون نسب إتيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نفسه مجازا . قلت : الأصل الحقيقة ، والدليل عليه ما رواه الطبراني من طريق أبي أويس عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم جمعة : لو أتيتني يا رسول الله . وفيه أنه أتاه يوم السبت . قوله ( قد أنكرت بصري ) يحتمل معنيين : العمى أو ضعف الإبصار ، وفي رواية مسلم : لما ساء بصري . وفي رواية الإسماعيلي : جعل بصري يكل . وفي رواية أخرى لمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت : أصابني في بصري بعض الشيء . وكل ذلك يدل على أنه لم يكن بلغ العمى ، وفي رواية للبخاري في باب الرخصة في المطر من طريق مالك عن ابن شهاب فقال فيه : إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى ، وإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها تكون الظلمة والسيل ، وأنا رجل ضرير البصر ! فإن قلت : بين هذه الرواية والروايات التي تقدمت تعارض ظاهرا - قلت : لا معارضة فيها ؛ لأنه أطلق عليه العمى في هذه الرواية لقربه منه وكان قد قرب من العمى بالكلية ، والشيء إذا قرب من الشيء يأخذ حكمه . قوله ( وأنا أصلي لقومي ) ؛ أي لأجلهم ، والمعنى أنه كان يؤمهم ، وصرح بذلك أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد . قوله ( فإذا كانت الأمطار ) ؛ أي فإذا وجدت ، و كانت تامة فلذلك ليس لها خبر . قوله ( سال الوادي ) من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال ؛ أي سال ماء الوادي . قوله ( بيني وبينهم ) ، وفي رواية الإسماعيلي : يسيل الوادي الذي بيني وبين مسجد قومي فيحول بيني وبين الصلاة معهم . قوله ( فأصلي بهم ) بالنصب عطف على قوله أن آتي ، ويروى لهم بدل بهم . قوله ( ووددت ) بكسر الدال ، قاله ثعلب ، ومعناه تمنيت ، وفي الجامع للقزاز : وحكى الفراء عن الكسائي وددت بالفتح ، ولم يحكها غيره ، والمصدر ود فيهما ، ويقال في المصدر : الود ، والود ، والوداد ، والوداد - والكسر أكثر - والودادة ، والودادة . قوله ( وجاء مودة ) حكاه مكي في شرحه ، وقال اليزيدي في نوادره : ليس في شيء من العربية وددت مفتوحة . قوله ( فتصلي ) بسكون الياء ، ويجوز النصب لوقوع الفاء بعد التمني . قوله ( فاتخذه ) بالرفع وبالنصب أيضا ؛ لأن الفاء وقعت بعد التمني المستفاد من الودادة . قوله ( إن شاء الله ) تعليق بمشيئة الله عملا بقوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ قال الكرماني : وليس لمجرد التبرك ، إذ محل استعماله إنما هو فيما كان مجزوما به . قلت : يجوز أن يكون للتبرك ، لأن إطْلاعه بالوحي على الجزم بأنه سيقع غير مستبعد في حقه . قوله ( فغدا على ) ، زاد الإسماعيلي : بالغد ، وللطبراني من طريق أبي أويس أن السؤال وقع يوم الجمعة والتوجه إليه وقع يوم السبت على ما ذكرنا . قوله ( وأبو بكر ) ، لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره ، حتى أن في رواية الأوزاعي : فاستأذنا ، فأذنت لهما . لكن في رواية أبي أويس : ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وفي رواية مسلم من طريق أنس عن عتبان : فأتاني ومن شاء الله تعالى من أصحابه ، وفي رواية الطبراني من وجه آخر عن أنس : في نفر من أصحابه . فإن قلت : ما التوفيق بين هذه الروايات ؟ قلت : هو أن أبا بكر كان معه في ابتداء توجهه ثم عند الدخول أو قبله بقليل اجتمع عمر وغيره من أصحابه فدخلوا معه . قوله ( فلم يجلس حين دخل ) ، وفي رواية الكشميهني : حتى دخل . قال النووي في شرح مسلم : زعم بعضهم أن حتى غلط وليس بغلط ؛ إذ معناه : لم يجلس في الدار ولا في غيرها حتى دخل البيت مبادرا إلى قضاء حاجته التي طلبها منه وجاء بسببها وهي الصلاة في بيته . وفي رواية يعقوب عند البخاري وعند الطيالسي أيضا : فلما دخل لم يجلس حتى قال : أين تحب ؟ وكذا الإسماعيلي من وجه آخر . قلت : إنما يتعين كون رواية الكشميهني غلطا إذا لم يكن لعتبان دار فيها بيوت ، وأما إذا كانت له دار فلا يتعين . قوله ( فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر ) ، هذا يدل على أنه حين دخل البيت جلس ثم قام فكبر للصلاة ، وبينه وبين ما قبله تعارض ودفعه يمكن بأن يقال : لما دخل قبل أن يجلس قال : أين تحب ؟ ويحتمل أنه جلس بعده جلوسا ما ثم قام فكبر . فإن قلت : حديث مليكة في باب الصلاة على الحصير بدأ بالأكل ثم صلى ، وهاهنا صلى ثم أكل ، فما الفرق بينهما ؟ قلت : كان دعاء عتبان النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة ودعاء مليكة كان للطعام ، ففي كل واحد من الموضعين بدأ بالأهم وهو ما دعي إليه . قوله ( أن أصلي من بيتك ) ، كذا في رواية الأكثرين وعند جمهور الرواة من الزهري ، وفي رواية الكشميهني وحده : أن أصلي في بيتك . فإن قلت : ما معنى من بيتك وأصل من للابتداء ؟ قلت : الحروف ينوب بعضها عن بعض ، فمن هاهنا بمعنى في كما في قوله تعالى : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة . قوله ( وحبسناه ) ؛ أي منعناه عن الرجوع . قوله ( على خزيرة ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء في آخره هاء ، قال ابن سيده : هي اللحم الغاث - بالثاء المثلثة ، أي المهزول - يؤخذ فيقطع صغارا ثم يطبخ بالماء ، فإذا أميت طبخا ذر عليه الدقيق فعصد به ثم أدم بأي إدام بشيء ، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم . وقيل : هي ثلاثة النخالة تصفى ثم تطبخ . وقيل : الخزيرة والخزير الحساء من الدسم والدقيق ، عن أبي الهيثم : إذا كان من دقيق فهي خزيرة ، وإذا كان من نخالة فهي حريرة بالمهملات . وفي الجمهرة لابن دريد : الخزير دقيق يلبك بشحم ، كانت العرب تعير بأكله . وفي موضع : يعير به بنو مجاشع . قال : والخزيرة السخينة . وقال الفارسي : أكثر هذا الباب على فعيلة ؛ لأنه في معنى مفعول . وفي رواية الأوزاعي عند مسلم على جشيشة بجيم ومعجمتين . قال أهل اللغة : هي أن تطحن الحنطة قليلا ثم يلقى فيها شحم أو غيره ، وفي المطالع أنها رويت في الصحيحين بخاء ورائين مهملات ، وحكى البخاري في الأطعمة عن النضر أنها تصنع من اللبن . قوله ( فثاب في البيت رجال ) بالثاء المثلثة وبعد الألف باء موحدة ؛ أي اجتمعوا وجاءوا ، يقال ثاب الرجل إذا رجع بعد ذهابه ، وقال ابن سيده : ثاب الشيء ثوبا وثؤبا رجع ، وثاب جسمه ثوبانا أقبل . وقال الخليل : المثابة مجتمع الناس بعد افتراقهم ، ومنه قيل للبيت مثابة . قوله ( من أهل الدار ) ؛ أي من أهل المحلة ، كقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : خير دور الأنصار دار بني النجار - أي محلتهم والمراد أهلها ، ويقال الدار القبيلة أيضا . وإنما جاءوا لسماعهم بقدوم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله ( فقال قائل منهم ) ، لم يسم هذا القائل . قوله ( مالك بن الدخيشن ) بضم الدال المهملة وفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وكسر الشين المعجمة وفي آخره نون . قوله ( أو ابن الدخشن ) بضم الدال وسكون الخاء وضم الشين ، وحكي كسر أوله ، والشك فيه من الراوي هل هو مصغر أو مكبر ؟ وعند البخاري في المحاربين من رواية معمر الدخشن بالنون مكبرا من غير شك ، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس ، وعنده من طريق معمر بالشك ، ونقل الطبراني عن أحمد بن صالح أن الصواب الدخشم بالميم وهي رواية الطيالسي ، وكذا في رواية لمسلم عن أنس عن عتبان ، وكذا للطبراني من طريق النضر بن أنس عن أبيه . قوله ( فقال بعضهم ) ، قيل : هو عتبان راوي الحديث ، وبعضهم نسب هذا القول بأنه عتبان إلى ابن عبد البر وهو غير ظاهر لأنه قال : لا يصح عن مالك النفاق ، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه . وقال أيضا : لم يختلف في شهود مالك بدرا ، وهو الذي أسر سهيل بن عمرو . ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال لمن تكلم فيه : أليس قد شهد بدرا ؟ وذكر ابن إسحاق في المغازي أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعث مالكا هذا ومعن بن عدي فحرقا مسجد الضرار ، فدل ذلك كله أنه بريء مما اتهم به من النفاق . فإن قلت : إذا كان كذلك فكيف قال هذا القائل إنا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين ؟ قلت : لعل كان له عذر في ذلك كما كان لحاطب بن أبي بلتعة وهو أيضا ممن شهد بدرا ، ولعل الذي قال ذلك بالنظر إلى الظاهر ، ألا ترى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كيف قال عند قوله هذا فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ؟ وهذا إنكار لقوله هذا ، ويجوز أن يكون اتهامه إياه بالنفاق غير نفاق الكفر ، كذا قيل . قوله ( لا تقل ذاك ) ؛ أي القول بأنه منافق . قوله ( ألا تراه قد قال لا إله إلا الله ) ، وفي رواية الطيالسي : أما يقول لا إله إلا الله ؟ وفي رواية مسلم : أليس يشهد أن لا إله إلا الله ؟ قوله ( يريد بذلك وجه الله ) ؛ أي ذات الله ، وهذه شهادة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإيمانه باطنا وبراءته من النفاق . قوله ( فإنا نرى وجهه ) ؛ أي توجهه . قوله ( ونصيحته للمنافقين ) ، ويروى : إلى المنافقين ، وعلى هذه الرواية قال الكرماني : فإن قلت : يقال نصحت له لا إليه ، ثم أجاب عنه بقوله : قد ضمن معنى الانتهاء ، وقال بعضهم : الظاهر أن قوله إلى المنافقين متعلق بقوله وجهه ، فهو الذي يتعدى بإلى ، وأما متعلق ونصيحته فمحذوف للعلم به . قلت : كل منهما لم يمش على قانون العربية ؛ لأن قوله ونصيحته عطف على قوله وجهه داخل في حكمه لأنه تابع ، وكلمة إلى تتعلق بقوله وجهه ولا يحتاج إلى دعوى حذف متعلق المعطوف لأنه يُكتفَى فيه بمتعلق المعطوف عليه . قوله ( يبتغي ) ؛ أي يطلب بذلك وجه الله ، فيه رد على المرجئة الغلاة القائلين بأنه يكفي في الإيمان النطق فقط من غير اعتقاد ، فإن قلت : لا بد من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - قلت : قال الكرماني : هذا إشعار لكلمة الشهادة بتمامها . قلت : هذا في حق المشرك ، وأما في حق غيره فلا بد من ذلك . قوله ( فإن الله تعالى قد حرم على النار ) ، المراد من التحريم هنا تحريم التخليد جمعا بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعصية فيها وتوفيقا بين الأدلة ، وعن الزهري أنه نزلت بعد هذا الحديث فرائض وأمور نرى أن الأمر انتهى إليها ، وعند الطبراني أنه من كلام عتبان ، واعترض ابن الجوزي وقال : إن الصلوات الخمس فرضت بمكة قبل هذه القضية بمدة ، وظاهر الحديث يقتضي أن مجرد القول يدفع العذاب ولو ترك الصلاة ، وإنما الجواب أن من قالها مخلصا فإنه لا يترك العمل بالفرائض إذ إخلاص القول حامل على أداء اللازم أو أنه يحرم عليه خلوده فيها . وقال ابن التين : معناه إذا غفر له وتقبل منه ، أو يكون أراد نار الكافرين فإنها محرمة على المؤمنين ، فإنها كما قال الداودي سبعة أدراك والمنافقون في الدرك الأسفل من النار مع إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه . قوله ( قال ابن شهاب ) ، وهو محمد بن مسلم الزهري أحد رواة الحديث ، وقال بعضهم : أي قال ابن شهاب بالإسناد ووهم من قال إنه معلق . قلت : ظاهره التعليق ؛ فإنه قال : قال ابن شهاب - بدون العطف على ما قبله . قوله ( ثم سألت الحصين بن محمد ) ، وفي رواية الكشميهني : ثم سألت بعد ذلك الحصين ؛ بضم الحاء المهملة وبالصاد المهملة المفتوحة ، وهكذا ضبطه عند جميع الرواة إلا القابسي فإنه ضبطه بالضاد المعجمة وغلطوه في ذلك ، وهو الحصين بن محمد الأنصاري المدني من ثقات التابعين . وقال الكرماني : فإن قلت : محمود كان عدلا ، فلم سأل الزهري غيره ؟ قلت : إما للتقوية ولاطمئنان القلب ، وإما لأنه عرف أنه نقله مرسلا ، وإما لأنه تحمله حال الصبا واختلف في قبول المتحمل زمن الصبا . قوله ( وهو من سراتهم ) ؛ أي الحصين بن محمد من سراة بني سالم ، والسَّرَاةُ - بفتح السين - جمع سَرِيٍّ . وقال أبو عبيدة : وهو المرتفع القدر . وفي المحكم : السرو المروءة والشرف ، سرو سراوة وسروا ، الأخيرة عن سيبويه واللحياني ، وسرى سروا وسرى يسري سراء ، ولم يحك اللحياني مصدر سرى إلا ممدودا ، ورجل سري من قوم أسرياء وشرفاء كلاهما عن اللحياني ، والسراة اسم للجمع وليس بجمع عند سيبويه ، ودليل ذلك قولهم سروات ، وفي الصحاح : وجمع السري سراة ، وهو جمع عزيز ؛ أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره . وفي الجامع : وقولهم فلان سري إنما معناه في كلام العرب الرفيع ، وهو سرا الرجل يسرو صار رفيعا ، وأصله من السراة وهو من أرفع المواضع من ظهر الدابة ، وقيل : بل السراة الرأس وهو أرفع الجسم . قوله ( عن حديث محمود بن الربيع ) يتعلق بقوله سألت . قوله ( فصدقه بذلك ) ؛ أي بالحديث المذكور ، وهذا يحتمل أن يكون الحصين سمعه أيضا من عتبان ويحتمل أن يكون سمعه من صحابي آخر ، وليس للحصين ولا لعتبان في الصحيحين سوى هذا الحديث . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام والفوائد : منها جواز إمامة الأعمى ، ومنها جواز التخلف عن الجماعة للعذر نحو المطر والظلمة أو الخوف على نفسه ، ومنها أن فيه إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة وليس يكون من الشكوى ، ومنها جواز اتخاذ موضع معين للصلاة . فإن قلت : روى أبو داود في سننه النهي عن إيطان موضع معين من المسجد - قلت : هو محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه . ومنها أن فيه تسوية الصفوف ، وقال ابن بطال : فيه رد على من قال إذا زار قوما فلا يؤمهم مستدلا بما روى وكيع عن أبان بن يزيد عن بديل بن ميسرة عن أبي عطية عن رجل منهم : كان مالك بن الحويرث يأتينا في مصلانا ، فحضرت الصلاة فقلنا له : تقدم . فقال : لا ، ليتقدم بعضكم ، فإن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : من زار قوما فلا يؤمهم ، وليؤمهم رجل منهم . قال ابن بطال : هذا إسناده ليس بقائم ، وأبو عطية مجهول يروي عن مجهول ، وصلاة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في بيت عتبان مخالفة له ، وكذا ذكره السفاقسي وفيه نظر في مواضع ؛ الأول : رواه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم ، وابن ماجه عن سويد عن عبد الله ، وأبو الحسين المعلم عن محمد بن سليمان الباغندي ، حدثنا محمد بن أبان الواسطي قال : حدثنا أبان . الثاني : قوله إسناده ليس بقائم ، يرده قول الترمذي : هذا حديث حسن . الثالث : الذي في أبي داود والترمذي والنسائي والمصنف أن أبا عطية قال : كان مالك بن الحويرث يأتينا ، فذكروه من غير واسطة . وقال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ، قالوا : صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر . وقال بعض أهل العلم : إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به . وقال إسحاق : لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل ، وكذلك صاحب المنزل لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم ، يقول : ليصلي بهم رجل منهم . وقال مالك : يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه للصلاة . وقد روي عن أبي موسى أنه أمر ابن مسعود وجذبه في داره ، وقال أبو البركات ابن تيمية : أكثر أهل العلم على أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المنزل . وفيه أن المسجد المتخذ في البيوت لا يخرج عن ملك صاحبه بخلاف المسجد المتخذ في المحلة ، وفيه التبرك بمصلى الصالحين ومساجد الفاضلين ، وفيه أن من دعا من الصلحاء إلى شيء يتبرك به منه فله أن يجيب إليه إذا أمن العجب ، وفيه الوفاء بالعهد ، وفيه صلاة النافلة في جماعة بالنهار ، وفيه إكرام العلماء إذا دعوا إلى شيء بالطعام وشبهه ، وفيه التنبيه على أهل الفسق والنفاق عند السلطان ، وفيه أن السلطان يجب عليه أن يستثبت في أمر من يذكر عنده بفسق ويوجه له أجمل الوجوه ، وفيه أن الجماعة إذا اجتمعوا للصلاة وغاب أحد منهم أن يسألوا عنه فإن كان له عذر وإلا ظن به الشر وهو مفسر في قوله : لقد هممت أن آمر بحطب ، وفيه جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة الفرض ، وفيه إمامة الزائر المزور برضاه ، وفيه أن السنة في نوافل النهار ركعتان وفيه خلاف على ما سنذكره إن شاء الله تعالى ، وفيه جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه ، وفيه الاستئذان على الرجل في منزله وإن كان قد تقدم منه استدعاء ، وفيه أنه يستحب لأهل المحلة إذا ورد رجل صالح إلى منزل بعضهم أن يجتمعوا إليه ويحضروا مجلسه لزيارته وإكرامه والاستفادة منه ، وفيه الذب عمن ذكر بسوء وهو بريء منه ، وفيه أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد . قلت : ظاهر الحديث يدل على أن من قال لا إله إلا الله مخلصا تحرم عليه النار . وفيه جواز إسناد المسجد إلى القوم .