باب المساجد في البيوت
حدثنا سعيد بن عفير قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك - وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ممن شهد بدرا من الأنصار - أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، قد أنكرت بصري ، وأنا أصلي لقومي ، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى . قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأفعل إن شاء الله . قال عتبان : فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر حين ارتفع النهار ، فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذنت له ، فلم يجلس حين دخل البيت ، ثم قال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ قال : فأشرت له إلى ناحية من البيت ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر ، فقمنا فصفنا ، فصلى ركعتين ثم سلم .
قال : وحبسناه على خزيرة صنعناها له . قال : فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد فاجتمعوا ، فقال قائل منهم : أين مالك بن الدخيشن - أو ابن الدخشن ؟ فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقل ذلك ، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله ! قال : الله ورسوله أعلم . قال : فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله .
قال ابن شهاب : ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري - وهو أحد بني سالم ، وهو من سراتهم - عن حديث محمود بن الربيع فصدقه بذلك . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله : وهم ستة ؛ سعيد بن عفير - بضم العين المهملة وفتح الفاء - وهو سعيد بن كثير بن عفير المصري ، والليث بن سعد المصري ، وعقيل - بضم العين - بن خالد الأيلي ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه أن رواته ما بين مصري وأيلي ومدني ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي . فإن قلت : من قوله أن عتبان بن مالك إلى قوله قال عتبان من رواية محمود بن الربيع بغير واسطة ، فيكون هذا القدر مرسلا ، فلا يكون رواية الصحابي عن الصحابي ، ومن هذا قال الكرماني : الظاهر أنه مرسل لأنه لا جزم أن محمودا سمع من عتبان ولا أنه رأى بعينه ذلك لأنه كان صغيرا عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - قلت : قد وقع تصريحه بالسماع عند البخاري من طريق معمر ومن طريق إبراهيم بن سعد كما مر في الباب الماضي ، ووقع التصريح بالتحديث أيضا بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب عند أبي عوانة فتكون رواية الصحابي عن الصحابي ، فيحمل قوله قال عتبان على أن محمودا أعاد اسم شيخه اهتماما بذلك لطول الحديث ، وقد ذكرنا تعدد موضعه ومن أخرجه غيره . ذكر معناه : قوله ( أن عتبان بن مالك ) ظاهره الإرسال ، وقد حققناه الآن ، واختلفوا فيما إذا قال حدثنا فلان أن فلانا قال كذا أو فعل كذا ؛ فقال الإمام أحمد وجماعة : يكون منقطعا حتى يتبين السماع .
وقال الجمهور : هو كعن محمول على السماع بشرط أن يكون الراوي غير مدلس وبشرط ثبوت اللقاء على الأصح . قوله ( ممن شهد بدرا من الأنصار ) ، وفائدة ذكر قوله من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقوية الرواية وتعظيمه والافتخار والتلذذ به وإلا كان هو مشهورا بذلك ، أو غرضه تعريف الجاهل به . قوله ( أن عتبان بن مالك ) في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله أخبرني .
قوله ( أنه أتى ) بدل من أن عتبان ، وفي رواية : ثابت عن أنس عن عتبان . فإن قلت : جاء في رواية مسلم أنه بعث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب منه ذلك ، فما وجه الروايتين ؟ قلت : يحتمل أن يكون جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه مرة وبعث إليه رسوله مرة أخرى لأجل التذكير ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون نسب إتيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نفسه مجازا . قلت : الأصل الحقيقة ، والدليل عليه ما رواه الطبراني من طريق أبي أويس عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم جمعة : لو أتيتني يا رسول الله .
وفيه أنه أتاه يوم السبت . قوله ( قد أنكرت بصري ) يحتمل معنيين : العمى أو ضعف الإبصار ، وفي رواية مسلم : لما ساء بصري . وفي رواية الإسماعيلي : جعل بصري يكل .
وفي رواية أخرى لمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت : أصابني في بصري بعض الشيء . وكل ذلك يدل على أنه لم يكن بلغ العمى ، وفي رواية للبخاري في باب الرخصة في المطر من طريق مالك عن ابن شهاب فقال فيه : إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى ، وإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها تكون الظلمة والسيل ، وأنا رجل ضرير البصر ! فإن قلت : بين هذه الرواية والروايات التي تقدمت تعارض ظاهرا - قلت : لا معارضة فيها ؛ لأنه أطلق عليه العمى في هذه الرواية لقربه منه وكان قد قرب من العمى بالكلية ، والشيء إذا قرب من الشيء يأخذ حكمه . قوله ( وأنا أصلي لقومي ) ؛ أي لأجلهم ، والمعنى أنه كان يؤمهم ، وصرح بذلك أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد .
قوله ( فإذا كانت الأمطار ) ؛ أي فإذا وجدت ، و كانت تامة فلذلك ليس لها خبر . قوله ( سال الوادي ) من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال ؛ أي سال ماء الوادي . قوله ( بيني وبينهم ) ، وفي رواية الإسماعيلي : يسيل الوادي الذي بيني وبين مسجد قومي فيحول بيني وبين الصلاة معهم .
قوله ( فأصلي بهم ) بالنصب عطف على قوله أن آتي ، ويروى لهم بدل بهم . قوله ( ووددت ) بكسر الدال ، قاله ثعلب ، ومعناه تمنيت ، وفي الجامع للقزاز : وحكى الفراء عن الكسائي وددت بالفتح ، ولم يحكها غيره ، والمصدر ود فيهما ، ويقال في المصدر : الود ، والود ، والوداد ، والوداد - والكسر أكثر - والودادة ، والودادة . قوله ( وجاء مودة ) حكاه مكي في شرحه ، وقال اليزيدي في نوادره : ليس في شيء من العربية وددت مفتوحة .
قوله ( فتصلي ) بسكون الياء ، ويجوز النصب لوقوع الفاء بعد التمني . قوله ( فاتخذه ) بالرفع وبالنصب أيضا ؛ لأن الفاء وقعت بعد التمني المستفاد من الودادة . قوله ( إن شاء الله ) تعليق بمشيئة الله عملا بقوله تعالى : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ قال الكرماني : وليس لمجرد التبرك ، إذ محل استعماله إنما هو فيما كان مجزوما به .
قلت : يجوز أن يكون للتبرك ، لأن إطْلاعه بالوحي على الجزم بأنه سيقع غير مستبعد في حقه . قوله ( فغدا على ) ، زاد الإسماعيلي : بالغد ، وللطبراني من طريق أبي أويس أن السؤال وقع يوم الجمعة والتوجه إليه وقع يوم السبت على ما ذكرنا . قوله ( وأبو بكر ) ، لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره ، حتى أن في رواية الأوزاعي : فاستأذنا ، فأذنت لهما .
لكن في رواية أبي أويس : ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وفي رواية مسلم من طريق أنس عن عتبان : فأتاني ومن شاء الله تعالى من أصحابه ، وفي رواية الطبراني من وجه آخر عن أنس : في نفر من أصحابه . فإن قلت : ما التوفيق بين هذه الروايات ؟ قلت : هو أن أبا بكر كان معه في ابتداء توجهه ثم عند الدخول أو قبله بقليل اجتمع عمر وغيره من أصحابه فدخلوا معه . قوله ( فلم يجلس حين دخل ) ، وفي رواية الكشميهني : حتى دخل .
قال النووي في شرح مسلم : زعم بعضهم أن حتى غلط وليس بغلط ؛ إذ معناه : لم يجلس في الدار ولا في غيرها حتى دخل البيت مبادرا إلى قضاء حاجته التي طلبها منه وجاء بسببها وهي الصلاة في بيته . وفي رواية يعقوب عند البخاري وعند الطيالسي أيضا : فلما دخل لم يجلس حتى قال : أين تحب ؟ وكذا الإسماعيلي من وجه آخر . قلت : إنما يتعين كون رواية الكشميهني غلطا إذا لم يكن لعتبان دار فيها بيوت ، وأما إذا كانت له دار فلا يتعين .
قوله ( فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر ) ، هذا يدل على أنه حين دخل البيت جلس ثم قام فكبر للصلاة ، وبينه وبين ما قبله تعارض ودفعه يمكن بأن يقال : لما دخل قبل أن يجلس قال : أين تحب ؟ ويحتمل أنه جلس بعده جلوسا ما ثم قام فكبر . فإن قلت : حديث مليكة في باب الصلاة على الحصير بدأ بالأكل ثم صلى ، وهاهنا صلى ثم أكل ، فما الفرق بينهما ؟ قلت : كان دعاء عتبان النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة ودعاء مليكة كان للطعام ، ففي كل واحد من الموضعين بدأ بالأهم وهو ما دعي إليه . قوله ( أن أصلي من بيتك ) ، كذا في رواية الأكثرين وعند جمهور الرواة من الزهري ، وفي رواية الكشميهني وحده : أن أصلي في بيتك .
فإن قلت : ما معنى من بيتك وأصل من للابتداء ؟ قلت : الحروف ينوب بعضها عن بعض ، فمن هاهنا بمعنى في كما في قوله تعالى : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة . قوله ( وحبسناه ) ؛ أي منعناه عن الرجوع . قوله ( على خزيرة ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء في آخره هاء ، قال ابن سيده : هي اللحم الغاث - بالثاء المثلثة ، أي المهزول - يؤخذ فيقطع صغارا ثم يطبخ بالماء ، فإذا أميت طبخا ذر عليه الدقيق فعصد به ثم أدم بأي إدام بشيء ، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم .
وقيل : هي ثلاثة النخالة تصفى ثم تطبخ . وقيل : الخزيرة والخزير الحساء من الدسم والدقيق ، عن أبي الهيثم : إذا كان من دقيق فهي خزيرة ، وإذا كان من نخالة فهي حريرة بالمهملات . وفي الجمهرة لابن دريد : الخزير دقيق يلبك بشحم ، كانت العرب تعير بأكله .
وفي موضع : يعير به بنو مجاشع . قال : والخزيرة السخينة . وقال الفارسي : أكثر هذا الباب على فعيلة ؛ لأنه في معنى مفعول .
وفي رواية الأوزاعي عند مسلم على جشيشة بجيم ومعجمتين . قال أهل اللغة : هي أن تطحن الحنطة قليلا ثم يلقى فيها شحم أو غيره ، وفي المطالع أنها رويت في الصحيحين بخاء ورائين مهملات ، وحكى البخاري في الأطعمة عن النضر أنها تصنع من اللبن . قوله ( فثاب في البيت رجال ) بالثاء المثلثة وبعد الألف باء موحدة ؛ أي اجتمعوا وجاءوا ، يقال ثاب الرجل إذا رجع بعد ذهابه ، وقال ابن سيده : ثاب الشيء ثوبا وثؤبا رجع ، وثاب جسمه ثوبانا أقبل .
وقال الخليل : المثابة مجتمع الناس بعد افتراقهم ، ومنه قيل للبيت مثابة . قوله ( من أهل الدار ) ؛ أي من أهل المحلة ، كقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : خير دور الأنصار دار بني النجار - أي محلتهم والمراد أهلها ، ويقال الدار القبيلة أيضا . وإنما جاءوا لسماعهم بقدوم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .
قوله ( فقال قائل منهم ) ، لم يسم هذا القائل . قوله ( مالك بن الدخيشن ) بضم الدال المهملة وفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وكسر الشين المعجمة وفي آخره نون . قوله ( أو ابن الدخشن ) بضم الدال وسكون الخاء وضم الشين ، وحكي كسر أوله ، والشك فيه من الراوي هل هو مصغر أو مكبر ؟ وعند البخاري في المحاربين من رواية معمر الدخشن بالنون مكبرا من غير شك ، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس ، وعنده من طريق معمر بالشك ، ونقل الطبراني عن أحمد بن صالح أن الصواب الدخشم بالميم وهي رواية الطيالسي ، وكذا في رواية لمسلم عن أنس عن عتبان ، وكذا للطبراني من طريق النضر بن أنس عن أبيه .
قوله ( فقال بعضهم ) ، قيل : هو عتبان راوي الحديث ، وبعضهم نسب هذا القول بأنه عتبان إلى ابن عبد البر وهو غير ظاهر لأنه قال : لا يصح عن مالك النفاق ، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه . وقال أيضا : لم يختلف في شهود مالك بدرا ، وهو الذي أسر سهيل بن عمرو . ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال لمن تكلم فيه : أليس قد شهد بدرا ؟ وذكر ابن إسحاق في المغازي أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعث مالكا هذا ومعن بن عدي فحرقا مسجد الضرار ، فدل ذلك كله أنه بريء مما اتهم به من النفاق .
فإن قلت : إذا كان كذلك فكيف قال هذا القائل إنا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين ؟ قلت : لعل كان له عذر في ذلك كما كان لحاطب بن أبي بلتعة وهو أيضا ممن شهد بدرا ، ولعل الذي قال ذلك بالنظر إلى الظاهر ، ألا ترى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كيف قال عند قوله هذا فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ؟ وهذا إنكار لقوله هذا ، ويجوز أن يكون اتهامه إياه بالنفاق غير نفاق الكفر ، كذا قيل . قوله ( لا تقل ذاك ) ؛ أي القول بأنه منافق . قوله ( ألا تراه قد قال لا إله إلا الله ) ، وفي رواية الطيالسي : أما يقول لا إله إلا الله ؟ وفي رواية مسلم : أليس يشهد أن لا إله إلا الله ؟ قوله ( يريد بذلك وجه الله ) ؛ أي ذات الله ، وهذه شهادة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإيمانه باطنا وبراءته من النفاق .
قوله ( فإنا نرى وجهه ) ؛ أي توجهه . قوله ( ونصيحته للمنافقين ) ، ويروى : إلى المنافقين ، وعلى هذه الرواية قال الكرماني : فإن قلت : يقال نصحت له لا إليه ، ثم أجاب عنه بقوله : قد ضمن معنى الانتهاء ، وقال بعضهم : الظاهر أن قوله إلى المنافقين متعلق بقوله وجهه ، فهو الذي يتعدى بإلى ، وأما متعلق ونصيحته فمحذوف للعلم به . قلت : كل منهما لم يمش على قانون العربية ؛ لأن قوله ونصيحته عطف على قوله وجهه داخل في حكمه لأنه تابع ، وكلمة إلى تتعلق بقوله وجهه ولا يحتاج إلى دعوى حذف متعلق المعطوف لأنه يُكتفَى فيه بمتعلق المعطوف عليه .
قوله ( يبتغي ) ؛ أي يطلب بذلك وجه الله ، فيه رد على المرجئة الغلاة القائلين بأنه يكفي في الإيمان النطق فقط من غير اعتقاد ، فإن قلت : لا بد من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - قلت : قال الكرماني : هذا إشعار لكلمة الشهادة بتمامها . قلت : هذا في حق المشرك ، وأما في حق غيره فلا بد من ذلك . قوله ( فإن الله تعالى قد حرم على النار ) ، المراد من التحريم هنا تحريم التخليد جمعا بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعصية فيها وتوفيقا بين الأدلة ، وعن الزهري أنه نزلت بعد هذا الحديث فرائض وأمور نرى أن الأمر انتهى إليها ، وعند الطبراني أنه من كلام عتبان ، واعترض ابن الجوزي وقال : إن الصلوات الخمس فرضت بمكة قبل هذه القضية بمدة ، وظاهر الحديث يقتضي أن مجرد القول يدفع العذاب ولو ترك الصلاة ، وإنما الجواب أن من قالها مخلصا فإنه لا يترك العمل بالفرائض إذ إخلاص القول حامل على أداء اللازم أو أنه يحرم عليه خلوده فيها .
وقال ابن التين : معناه إذا غفر له وتقبل منه ، أو يكون أراد نار الكافرين فإنها محرمة على المؤمنين ، فإنها كما قال الداودي سبعة أدراك والمنافقون في الدرك الأسفل من النار مع إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه . قوله ( قال ابن شهاب ) ، وهو محمد بن مسلم الزهري أحد رواة الحديث ، وقال بعضهم : أي قال ابن شهاب بالإسناد ووهم من قال إنه معلق . قلت : ظاهره التعليق ؛ فإنه قال : قال ابن شهاب - بدون العطف على ما قبله .
قوله ( ثم سألت الحصين بن محمد ) ، وفي رواية الكشميهني : ثم سألت بعد ذلك الحصين ؛ بضم الحاء المهملة وبالصاد المهملة المفتوحة ، وهكذا ضبطه عند جميع الرواة إلا القابسي فإنه ضبطه بالضاد المعجمة وغلطوه في ذلك ، وهو الحصين بن محمد الأنصاري المدني من ثقات التابعين . وقال الكرماني : فإن قلت : محمود كان عدلا ، فلم سأل الزهري غيره ؟ قلت : إما للتقوية ولاطمئنان القلب ، وإما لأنه عرف أنه نقله مرسلا ، وإما لأنه تحمله حال الصبا واختلف في قبول المتحمل زمن الصبا . قوله ( وهو من سراتهم ) ؛ أي الحصين بن محمد من سراة بني سالم ، والسَّرَاةُ - بفتح السين - جمع سَرِيٍّ .
وقال أبو عبيدة : وهو المرتفع القدر . وفي المحكم : السرو المروءة والشرف ، سرو سراوة وسروا ، الأخيرة عن سيبويه واللحياني ، وسرى سروا وسرى يسري سراء ، ولم يحك اللحياني مصدر سرى إلا ممدودا ، ورجل سري من قوم أسرياء وشرفاء كلاهما عن اللحياني ، والسراة اسم للجمع وليس بجمع عند سيبويه ، ودليل ذلك قولهم سروات ، وفي الصحاح : وجمع السري سراة ، وهو جمع عزيز ؛ أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره . وفي الجامع : وقولهم فلان سري إنما معناه في كلام العرب الرفيع ، وهو سرا الرجل يسرو صار رفيعا ، وأصله من السراة وهو من أرفع المواضع من ظهر الدابة ، وقيل : بل السراة الرأس وهو أرفع الجسم .
قوله ( عن حديث محمود بن الربيع ) يتعلق بقوله سألت . قوله ( فصدقه بذلك ) ؛ أي بالحديث المذكور ، وهذا يحتمل أن يكون الحصين سمعه أيضا من عتبان ويحتمل أن يكون سمعه من صحابي آخر ، وليس للحصين ولا لعتبان في الصحيحين سوى هذا الحديث . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام والفوائد : منها جواز إمامة الأعمى ، ومنها جواز التخلف عن الجماعة للعذر نحو المطر والظلمة أو الخوف على نفسه ، ومنها أن فيه إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة وليس يكون من الشكوى ، ومنها جواز اتخاذ موضع معين للصلاة .
فإن قلت : روى أبو داود في سننه النهي عن إيطان موضع معين من المسجد - قلت : هو محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه . ومنها أن فيه تسوية الصفوف ، وقال ابن بطال : فيه رد على من قال إذا زار قوما فلا يؤمهم مستدلا بما روى وكيع عن أبان بن يزيد عن بديل بن ميسرة عن أبي عطية عن رجل منهم : كان مالك بن الحويرث يأتينا في مصلانا ، فحضرت الصلاة فقلنا له : تقدم . فقال : لا ، ليتقدم بعضكم ، فإن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : من زار قوما فلا يؤمهم ، وليؤمهم رجل منهم .
قال ابن بطال : هذا إسناده ليس بقائم ، وأبو عطية مجهول يروي عن مجهول ، وصلاة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في بيت عتبان مخالفة له ، وكذا ذكره السفاقسي وفيه نظر في مواضع ؛ الأول : رواه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم ، وابن ماجه عن سويد عن عبد الله ، وأبو الحسين المعلم عن محمد بن سليمان الباغندي ، حدثنا محمد بن أبان الواسطي قال : حدثنا أبان . الثاني : قوله إسناده ليس بقائم ، يرده قول الترمذي : هذا حديث حسن . الثالث : الذي في أبي داود والترمذي والنسائي والمصنف أن أبا عطية قال : كان مالك بن الحويرث يأتينا ، فذكروه من غير واسطة .
وقال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ، قالوا : صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر . وقال بعض أهل العلم : إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به . وقال إسحاق : لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل ، وكذلك صاحب المنزل لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم ، يقول : ليصلي بهم رجل منهم .
وقال مالك : يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه للصلاة . وقد روي عن أبي موسى أنه أمر ابن مسعود وجذبه في داره ، وقال أبو البركات ابن تيمية : أكثر أهل العلم على أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المنزل . وفيه أن المسجد المتخذ في البيوت لا يخرج عن ملك صاحبه بخلاف المسجد المتخذ في المحلة ، وفيه التبرك بمصلى الصالحين ومساجد الفاضلين ، وفيه أن من دعا من الصلحاء إلى شيء يتبرك به منه فله أن يجيب إليه إذا أمن العجب ، وفيه الوفاء بالعهد ، وفيه صلاة النافلة في جماعة بالنهار ، وفيه إكرام العلماء إذا دعوا إلى شيء بالطعام وشبهه ، وفيه التنبيه على أهل الفسق والنفاق عند السلطان ، وفيه أن السلطان يجب عليه أن يستثبت في أمر من يذكر عنده بفسق ويوجه له أجمل الوجوه ، وفيه أن الجماعة إذا اجتمعوا للصلاة وغاب أحد منهم أن يسألوا عنه فإن كان له عذر وإلا ظن به الشر وهو مفسر في قوله : لقد هممت أن آمر بحطب ، وفيه جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة الفرض ، وفيه إمامة الزائر المزور برضاه ، وفيه أن السنة في نوافل النهار ركعتان وفيه خلاف على ما سنذكره إن شاء الله تعالى ، وفيه جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه ، وفيه الاستئذان على الرجل في منزله وإن كان قد تقدم منه استدعاء ، وفيه أنه يستحب لأهل المحلة إذا ورد رجل صالح إلى منزل بعضهم أن يجتمعوا إليه ويحضروا مجلسه لزيارته وإكرامه والاستفادة منه ، وفيه الذب عمن ذكر بسوء وهو بريء منه ، وفيه أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد .
قلت : ظاهر الحديث يدل على أن من قال لا إله إلا الله مخلصا تحرم عليه النار . وفيه جواز إسناد المسجد إلى القوم .