42 - سُورَةُ حم عسق وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : عَقِيمًا لَا تَلِدُ . رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا : الْقُرْآنُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ : نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ . لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا : لَا خُصُومَةَ بيننا وبينكم . طَرْفٍ خَفِيٍّ : ذَلِيلٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ يَتَحَرَّكْنَ وَلَا يَجْرِينَ فِي الْبَحْرِ . شَرَعُوا : ابْتَدَعُوا . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ حم عسق . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَقِيمًا الَّتِي لَا تَلِدُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ : وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا قَالَ : لَا يُلَقَّحُ . وَذَكَرَهُ بِاللَّفْظِ الْمُعَلَّقِ بِلَفْظِ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِذَلِكَ . قَوْلُهُ : رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا الْقُرْآنُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ فِي قَوْلِهِ : رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا قَالَ : وَحْيًا . وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا قَالَ : رَحْمَةً . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ قَالَ : نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : يَذْرَؤُكُمْ قَالَ : يَخْلُقُكُمْ . قَوْلُهُ : لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ لَا خُصُومَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ : كِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ . قَوْلُهُ : مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ذَلِيلٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قَالَ : يُسَارِقُونَ النَّظَرَ ، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ هُوَ بِلَازِمِ هَذَا . قَوْلُهُ : شَرَعُوا ابْتَدَعُوا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ : يَتَحَرَّكْنَ وَلَا يَجْرِينَ فِي الْبَحْرِ ) وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سُفُنُ هَذَا الْبَحْرِ تَجْرِي بِالرِّيحِ فَإِذَا أُمْسِكَتْ عَنْهَا الرِّيحُ رَكَدَتْ ، وَقَوْلُهُ يَتَحَرَّكْنَ أَيْ يَضْرِبْنَ بِالْأَمْوَاجِ ، وَلَا يَجْرِينَ فِي الْبَحْرِ بِسُكُونِ الرِّيحِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَا سَقَطَتْ فِي قَوْلِهِ يَتَحَرَّكْنَ قَالَ : لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا رَوَاكِدَ بِسَوَاكِنَ ، وَتَفْسِيرُ رَوَاكِدَ بِسَوَاكِنَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَلَكِنَّ السُّكُونَ وَالْحَرَكَةَ فِي هَذَا أَمْرٌ نِسْبِيٌّ 1 - باب : إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى 4818 - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ طَاوُسًا ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ ، فَقَالَ : إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ قَوْلُهُ ( بَابُ قَوْلِهِ إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِهَا ، فَقَالَ : سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ : عَجِلْتُ أَيْ أَسْرَعْتُ فِي التَّفْسِيرِ . وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَدْ جَاءَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَرَابَتُكَ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُمْ ؟ الْحَدِيثَ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَهُوَ سَاقِطٌ لِمُخَالَفَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ . وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي فَتَحْفَظُونِي ، وَالْخِطَابُ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً ، وَالْقُرْبَى قَرَابَةُ الْعُصُوبَةِ وَالرَّحِمِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : احْفَظُونِي لِلْقَرَابَةِ إِنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لِلنُّبُوَّةِ . ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَاسْتَنَدُوا إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ فِيهِ ضَعِيفٌ وَرَافِضِيٌّ . وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنَا أَحَادِيثَ ظَاهِرٌ وَضْعُهَا ، وَرَدَّهُ الزَّجَّاجُ بِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَبِمَا نَقَلَهُ الشَّعْبِيُّ عَنْهُ ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَجَزَمَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ . وَفِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ كَانَتْ تَنُوبُهُ نَوَائِبُ وَلَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ ، فَجَمَعَ لَهُ الْأَنْصَارُ مَالًا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ ابْنُ أُخْتِنَا ، وَقَدْ هَدَانَا اللَّهُ بِكَ ، وَتَنُوبُكَ النَّوَائِبُ وَحُقُوقٌ وَلَيْسَ لَكَ سَعَةٌ ، فَجَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْنَا ، فَنَزَلَتْ . وَهَذِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الضُّعَفَاءِ . وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ : بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ فَخَطَبَ فَقَالَ : أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي ؟ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ فَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ وَقَالُوا أَنْفُسُنَا وَأَمْوَالُنَا لَكَ . فَنَزَلَتْ . وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَيُبْطِلُهُ أَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْأَقْوَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ : لَعَلَّ مُحَمَّدًا يَطْلُبُ أَجْرًا عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ فَنَزَلَتْ . وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ، وَرَدَّهُ الثَّعْلَبِيُّ بِأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةً عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّوَدُّدِ إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ أَوْ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ أَوْ صِلَةِ رَحِمِهِ بِتَرْكِ أَذِيَّتِهِ أَوْ صِلَةِ أَقَارِبِهِ مِنْ أَجْلِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَمِرُّ الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى أَمْرِ الْمُخَاطَبِينَ بِأَنْ يُوَادِدُوا أَقَارِبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنُ عَبَّاسٍ حَمَلَهَا عَلَى أَنْ يُوَادِدُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَجْلِ الْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْخِطَابُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ ، وَعَلَى الثَّانِي الْخِطَابُ خَاصٌّ بِقُرَيْشٍ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَامًّا خُصَّ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْبَابِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصِلُ أَرْحَامَهَا ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعُوهُ فَقَالَ : صِلُونِي كَمَا تَصِلُونَ غَيْرِي مِنْ أَقَارِبِكُمْ . وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أَكْثَرُوا عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَكَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْهَا فَكَتَبَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ وَاسِطَ النَّسَبِ فِي قُرَيْشٍ ، لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِلَّا وَلَدُهُ ، فَقَالَ اللَّهُ : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى تَوَدُّونِي بِقَرَابَتِي مِنْكُمْ ، وَتَحْفَظُونِي فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى إِلَّا أَنْ تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . وَثَبَتَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُهُ ، وَالْأَجْرُ عَلَى هَذَا مَجَازٌ . وَقَوْلُهُ الْقُرْبَى هُوَ مَصْدَرٌ كَالزُّلْفَى وَالْبُشْرَى بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ ، وَالْمُرَادُ فِي أَهْلِ الْقُرْبَى ، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ فِي دُونَ اللَّامِ كَأَنَّهُ جَعَلَهُمْ مَكَانًا لِلْمَوَدَّةِ وَمَقَرًّا لَهَا ، كَمَا يُقَالُ : لِي فِي آلِ فُلَانٍ هَوًى ، أَيْ هُمْ مَكَانُ هَوَايَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي سَبَبِيَّةٌ ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ ، فَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَالْمَعْنَى لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا قَطُّ ، وَلَكِنْ أَسْأَلُكُمْ أَنْ تَوَدُّونِي بِسَبَبِ قَرَابَتِي فِيكُمْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى · ص 426 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة حم عسق · ص 156 ( سورة حم عسق ) . أي هذا في تفسير بعض سورة حم عسق ، وفي بعض النسخ : سورة حم عسق ، وفي بعضها : ومن سورة حم عسق ، قيل : قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص وألم والمص لكونها بين سور أوائلها حم ، فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها ، فكان حم مبتدأ وعسق خبره ، ولأنهما عدا آيتين وعدت أخواتها التي كتبت موصولة آية واحدة ، وقيل : لأنها خرجت من حيز الحروف وجعلت فعلا معناه حم أي قضى ما هو كائن إلى يوم القيامة بخلاف أخواتها ؛ لأنها حروف التهجي لا غير ، وذكروا في حم عسق معاني كثيرة ليس لها محل هاهنا وهي مكية ، قال مقاتل : وفيها من المدني قوله : " ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ " الآية ، وقوله : وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ إلى قوله : فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانون حرفا ، وثمانمائة وست وستون كلمة ، وثلاث وخمسون آية ، فافهم . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر - رضي الله تعالى عنه - . ( ويذكر عن ابن عباس : عقيما : التي لا تلد ) . أي يذكر عن ابن عباس في قوله : وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا المرأة التي لا تلد ، وهذا ذكره جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ، وكأن فيه ضعفا وانقطاعا فلذلك لم يجزم به فقال : ويذكر . ( روحا من أمرنا : القرآن ) . أشار به إلى قوله تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا وفسر الروح بالقرآن ، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعن السدي : وحيا ، وعن الحسن : رحمة . ( وقال مجاهد : يذرؤكم فيه نسل بعد نسل ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ الآية ، أن معنى يذرؤكم نسلا بعد نسل من الناس ، والأنعام أي يخلقكم ، وكذا فسره السدي ، يقال : ذرأ الله الخلق يذرأهم ذرأ ، إذا خلقهم ، وكأنه مختص بخلق الذرية بخلاف برأ لأنه أعم ، قوله : " يذرؤكم فيه " قال القتبي : أي في الروح ، وخطأ من قال : في الرحم ، لأنها مؤنثة ولم تذكر . ( لا حجة بيننا : لا خصومة ) . أشار به إلى قوله تعالى لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وفسر الحجة بالخصومة ، وفي بعض النسخ لا خصومة بيننا وبينكم . ( من طرف خفي ذليل ) . أشار به إلى قوله تعالى : خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وفسر قوله خفي بقوله ذليل ، وهكذا فسره مجاهد ، وعن السدي : يسارقون النظر ، وتفسير مجاهد من لازم هذا . ( وقال غيره : فيظللن رواكد على ظهره : يتحركن ولا يجرين في البحر ) . أي قال غير مجاهد لأن ما قبله تفسير مجاهد في قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ وفسره بقوله : يتحركن ولا يجرين في البحر أي يضطربن بالأمواج ولا يجرين في البحر لسكون الريح ، وقال صاحب ( التلويح ) : هذا أيضا عن مجاهد ورد عليه بقوله ، وقال غيره ، أي غير مجاهد كما ذكرنا ، قوله : " ومن آياته " أي ومن علاماته الدالة على عظمته ووحدانيته الجواري يعني السفن ، وهي جمع جارية وهي السائرة في البحر ، قوله : كالأعلام أي كالجبال جمع علم بفتحتين ، وعن الخليل : كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم ، قوله : " رواكد " أي ثوابت وقوفا على ظهره أي ظهر الماء لا تجري ، فإن قلت : بين قوله راوكد وبين قوله يتحركن منافاة ؛ لأن الراكد لا يتحرك قلت هذا أمر نسبي ، وأيضا لا يلزم من وقوفه في الماء عدم الحركة أصلا ؛ لأنه يجوز أن يكون راكدا وهو يتحرك وليس هذا الركود على ظهر الماء كالركود على ظهر الأرض وبهذا يسقط قول من زعم أن كلمة " لا " سقطت من قوله : يتحركن ، قال : لأنهم فسروا رواكد بسواكن . ( شرعوا ابتدعوا ) . أشار به إلى قوله أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ، وفسر شرعوا بقوله : ابتدعوا ، ولكن ليس هذا الموضع محل ذكره ؛ لأنه في سورة حم عسق .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله إلا المودة في القربى · ص 157 ( باب قوله : إلا المودة في القربى ) . أي هذا باب في قوله تعالى لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وفي التفسير : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة ، فقال الأنصار : يا رسول الله قد هدانا الله تعالى على يديك وتنوبك نوائب وحقوق وليس في يده سعة ، فنجمع لك من أموالنا فاستعن به على ذلك ، فنزلت هذه الآية : قل يا محمد لا أسئلكم على ما أتيتكم به من البينات والهدى أجرا إلا المودة في القربى إلا أن تودوا الله - عز وجل - وتقربوا إليه بطاعته ، قاله الحسن البصري - رضي الله عنه - فقال : هو القربى إلى الله تعالى ، وعن عكرمة ، ومجاهد ، والسدي ، والضحاك ، وقتادة معناه : إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم ، واختلف في قرابته - صلى الله عليه وسلم - فقيل : علي وفاطمة وابناهما - رضي الله تعالى عنهم - وقيل : ولد عبد المطلب ، وقيل : هم الذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم عليهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا في الجاهلية والإسلام . 314 - ( حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة قال : سمعت طاوسا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن قوله : إلا المودة في القربى ، فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فقال ابن عباس : عجلت ، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه الترمذي في التفسير عن ابن بشار به ، وأخرجه النسائي فيه إسحاق بن إبراهيم ، عن غندر به ، وحاصل كلام ابن عباس أن جميع قريش أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس المراد من الآية بنو هاشم ونحوهم ، كما يتبادر الذهن إلى قول سعيد بن جبير ، والله أعلم .