50 - بَاب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْإِبِلِ 430 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ وَقَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْإِبِلِ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِهِ ، لَكِنْ لَهَا طُرُقٌ قَوِيَّةٌ : مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَحَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَند ابْنِ مَاجَهْ ، وَفِي مُعْظَمِهَا التَّعْبِيرُ بِمَعَاطِنِ الْإِبِلِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَالْبَرَاءِ مَبَارِكُ الْإِبِلِ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ سُلَيْكٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَفِي حَدِيثِ سَبْرَةَ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَعْطَانُ الْإِبِلِ وَفِي حَدِيثِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مُنَاخُ الْإِبِلِ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عند ، أَحْمَدَ مَرَابِدُ الْإِبِلِ ، فَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّهَا أَشْمَلُ ، وَالْمَعَاطِنُ أَخَصُّ مِنَ الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّ الْمَعَاطِنَ مَوَاضِعُ إِقَامَتِهَا عِنْدَ الْمَاءِ خَاصَّةً . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِالْمَعَاطِنِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْإِبِلُ ، وَقِيلَ : هُوَ مَأْوَاهَا مُطْلَقًا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَدْ نَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْمُصَنِّفَ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى الْبَعِيرِ وَجَعْلِهِ سُتْرَةً عَدَمُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي مَبْرَكِهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنْ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَهِيَ كَوْنُهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ ، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ لَامْتَنَعَ مِثْلُهُ فِي جَعْلِهَا أَمَامَ الْمُصَلِّي ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ رَاكِبِهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْوَاحِدِ مِنْهَا وَبَيْنَ كَوْنِهَا مُجْتَمِعَةً لِمَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنَ النِّفَارِ الْمُفْضِي إِلَى تَشْوِيشِ قَلْبِ الْمُصَلِّي ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْكُوبِ مِنْهَا أَوْ إِلَى جِهَةِ وَاحِدٍ مَعْقُولٍ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَبْوَابِ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقِيلَ : عِلَّةُ النَّهْيِ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ بِأَنَّ عَادَةَ أَصْحَابِ الْإِبِلِ التَّغَوُّطُ بِقُرْبِهَا فَتُنَجَّسُ أَعْطَانُهَا وَعَادَةَ أَصْحَابِ الْغَنَمِ تَرْكُهُ ، حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ ، عَنْ شَرِيكٍ وَاسْتَبْعَدَهُ ، وَغَلِطَ أَيْضًا مَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا يَكُونُ فِي مَعَاطِنِهَا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا ؛ لِأَنَّ مَرَابِضَ الْغَنَمِ تَشْرَكُهَا فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : إِنَّ النَّظَرَ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِهِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّفْرِقَةِ فَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ، وَإِذَا ثَبَتَ الْخَبَرُ بَطَلَتْ مُعَارَضَتُهُ بِالْقِيَاسِ اتِّفَاقًا ، لَكِنْ جَمَعَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ عُمُومِ قَوْلِهِ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَبَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِحَمْلِهَا عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَهَذَا أَوْلَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَكْمِلَةٌ ) : وَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، فَلَوْ ثَبَتَ لَأَفَادَ أَنَّ حُكْمَ الْبَقَرِ حُكْمُ الْإِبِلِ ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الْبَقَرَ فِي ذَلِكَ كَالْغَنَمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْإِبِلِ · ص 627 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في مواضع الإبل · ص 417 50 - باب الصلاة في مواضع الإبل 430 - حدثنا صدقة بن الفضل : ثنا سليمان بن حيان : ثنا عبيد الله ، عن نافع ، قال : رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره ، فقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله سليمان بن حيان ، هو : أبو خالد الأحمر . وقد خرج الشيخان هذا الحديث في صحيحيهما من طريقه ، ومن طريق المعتمر بن سليمان - أيضا - عن عبيد الله بن عمر . ورواه - أيضا - شريك ، عن عبيد الله كذلك . وخالفهم ابن نمير ومحمد بن عبيد ، فروياه عن عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يفعل ذلك - ولم يرفعاه . وزعم الدارقطني : أنه الصحيح . وتصرُّف الشيخين يشهد بخلاف ذلك ، وأن الصحيح رفعه ؛ لأن من رفعه فقد زاد ، وهم جماعة ثقات . والحديث نص في جواز الصلاة إلى البعير . قال ابن المنذر : فعل ذلك ابن عمر وأنس ، وبه قال مالك والأوزاعي . وقال أبو طالب : سألت أحمد : يصلي الرجل إلى بعيره ؟ قال : نعم ؛ النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، وابن عمر . وكلام أحمد هذا يدل على صحة رفع الحديث عنده ، كما هي طريقة البخاري ومسلم . وممن روى عنه الاستتار ببعيره في الصلاة : سويد بن غفلة ، والأسود بن يزيد ، وعطاء ، والقاسم ، وسالم . وقال الحسن : لا بأس به . قال ابن عبد البر : لا أعلم فيه خلافا . ونقل البويطي ، عن الشافعي : أنه لا يصلي إلى دابة . قال بعض أصحابه المتأخرين : لعل الشافعي لم يبلغه الحديث ، وقد وصانا باتباع الحديث إذا صح ، وقد صح هذا الحديث ، ولا معارض له . وتبويب البخاري : يدل على أن هذا الحديث يؤخذ منه أنه يجوز الصلاة في مواضع الإبل وأعطانها ، وقد سبقه إلى ذلك بعض من تقدم . وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن مسائل ، منها : الصلاة في أعطان الإبل ، فكتب له في جوابه : وأما ما ذكرت من معاطن الإبل ، فقد بلغنا أن ذلك يكره ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته ، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة ، فيصلي إليها ، وهي تبعر وتبول . وروى وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر - هو : الجعفي - عن عامر الشعبي ، عن جندب بن عامر السلمي ، أنه كان يصلي في أعطان الإبل ومرابض الغنم . ورخص سفيان الثوري في الصلاة في أعطان الإبل ، ذكره بعض المصنفين على مذهبه ، وقال : رواه عنه القناد . وأكثر أهل العلم على كراهة الصلاة في أعطان الإبل . قال ابن المنذر : وممن روينا عنه أنه رأى الصلاة في مرابض الغنم ، ولا يصلي في أعطان الإبل : جابر بن سمرة ، وعبد الله بن عمر ، والحسن ، ومالك ، وإسحاق ، وأبو ثور . انتهى . وهو - أيضا - قول الشافعي وأحمد . وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة ، وقد سبق حديث جابر بن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل ، والأمر بالصلاة في مرابض الغنم . خرجه مسلم . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل . وصححه الترمذي ، وإسناده كلهم ثقات ، إلا أنه اختلف على ابن سيرين في رفعه ووقفه . قال الدارقطني : كانت عادة ابن سيرين أنه ربما توقف عن رفع الحديث توقيا . وخرجه الترمذي من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، وذكر أنه اختلف في رفعه ووقفه - أيضا - وذكر في كتاب العلل عن البخاري : أن المعروف وقفه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل ؟ فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل ؛ فإنها من الشياطين . وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم ؟ فقال : صلوا فيها ؛ فإنها بركة . قال ابن عبد البر : هو أحسن أحاديث الباب ، وأكثرها تواترا . وروى الحسن ، عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه ، ولفظهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل ، فإنها خلقت من الشياطين . وفي رواية للإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تصلوا في أعطان الإبل ؛ فإنها من الجن خلقت ، ألا ترون عيونها وهبتها ، إذا نفرت ، وصلوا في مرابد الغنم ؛ فإنها هي أقرب من الرحمة . وخرجه الشافعي بإسناد فيه ضعف ، ولفظه : إذا أدركتم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها ؛ فإنها سكينة وبركة ، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم فِي أعطان الإبل فاخرجوا مِنْهَا فصلوا ؛ فإنها جن من جن خلقت ، ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها . وله طرق متعددة عن الحسن . قال ابن عبد البر : رواه عن الحسن خمسة عشر رجلا . والحسن ، سمع من عبد الله بن مغفل - : قاله الإمام أحمد . وخرج مسلم حديثه عنه في صحيحه . وخرج الإمام أحمد - بإسناد جيد - عن عقبة بن عامر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل . وخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعا - من رواية يونس بن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عنه - مرفوعا . ويونس وثقه غير واحد . لكن رواه مالك عن هشام ، عن أبيه ، عن رجل من المهاجرين ، أنه سأل عبد الله بن عمرو - فذكره ، ولم يرفعه . ورواه عبدة ووكيع ، عن هشام : حدثني رجل من المهاجرين - فذكره ، ولم يذكر في الإسناد : عروة . قال مسلم في كتاب التمييز : وهو الصواب . واختلف القائلون بالكراهة : هل تصح الصلاة في أعطان الإبل ، أم لا ؟ فقال الأكثرون : تصح ، وهو رواية عن أحمد ، وأنه يعيد الصلاة استحبابا . والمشهور عن أحمد : أنها لا تصح ، وعليه الإعادة . وعنه رواية ثالثة : إن علم بالنهي لم تصح ، وإلا صحت . وعلله أصحاب الشافعي بأنها تنفر ، فربما قطعت على المصلي صلاته . وهذا ضعيف ؛ لوجهين : أحدهما : أنه يبطل بالصلاة إلى البعير ، لكن في كلام الشافعي ما يدل على كراهته . والثاني : أنه ينتقض بما إذا لم تكن الإبل في أعطانها ، فإن الكراهة لا تنتفي بذلك . والمنصوص عن الشافعي : التعليل بما ورد به النص ، أنها خلقت من الشياطين . قال الشافعي : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تصلوا في أعطان الإبل ؛ فإنها جن من جن خلقت دليل على أنه إنما نهى عنها ، كما قال حين نام عن الصلاة : اخرجوا بنا من هذا الوادي ، فإنه واد به شيطان . فكره أن يصلي قرب شيطان ، وكذا كره أن يصلي قرب الإبل ؛ لأنها خلقت من جن ، لا لنجاسة موضعها . وذكر أبو بكر الأثرم معنى هذا - أيضا - وأنه إنما كره الصلاة في معاطن الإبل ؛ لأنها خلقت من الشياطين . وقد فسر ابن قتيبة خلق الإبل من الشياطين بأنها خلقت من جنس خلقت منه الشياطين . قال : وورد في حديث آخر أنها خلقت من أعيان الشياطين ، يريد من نواحيها وجوانبها . قال : ولم تزل العرب تنسب جنسا من الإبل إلى الحوش ، فتقول : ناقة حوشية ، وإبل حوشية ، وهي أنفر الإبل وأصعبها ، ويزعمون أن للجن إبلا ببلاد الحوش ، وأنها ضربت في نعم الناس فنتجت منها هذه الحوشية ، فعلى هذا يجوز أن يراد أنها خلقت من نتاج نعم الجن ، لا من الجن نفسها . انتهى . ويجوز أن يكون خلقت في أصلها من نار ، كما خلقت الجن من نار ، ثم توالدت كما توالدت الجن . والله تعالى أعلم . وزعم الخطابي أنها نسبت إلى الشياطين لما فيها من النفار والشرود . قال : والعرب تسمي كل مارد شيطانا . وقال أبو عبيد : المراد : أنها في أخلاقها وطبائعها تشبه الشياطين . وقد ورد في حديث آخر : إن على ذروة كل بعير شيطانا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر على بعيره النوافل ، وهذا مما يستدل به من يقول : إن النهي عن الصلاة في الأعطان لا يمنع صحة الصلاة . واختلفوا في تفسير أعطان الإبل . فقال الشافعي : العطن : قرب البئر التي يستقى منها ، وتكون البئر في موضع ، والحوض قريبا منها ، فيصب فيه فيملأ ، فتسقى الإبل ثم تنحى عن البئر شيئا حتى تجد الواردة موضعا ، فذلك العطن . قال : وليس العطن مراحها الذي تبيت فيه . وكره أصحابه الصلاة في مأواها بالليل دون كراهة العطن . وقال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - : العطن : الذي تقيم في المكان تأوي إليه . وقال - في رواية ابنه صالح - : يعيد الصلاة إذا صلى في الموضع الذي تأوي إليه . وقال أبو بكر الخلال : العطن : الذي تأوي إليه بالليل والنهار . وقال أصحاب مالك : لا يصلي في أعطان الإبل التي في المناهل . وهذا يشبه قول الشافعي ، وهو وجه لأصحابنا - أيضا - وأن العطن : هو موضع اجتماعها إذا صدرت عن المنهل ، وبذلك فسره كثير من أهل اللغة . وبكل حال ؛ فليس الموضع الذي تنزله في سيرها عطنا لها ، ولا تكره الصلاة فيه ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يعرض بعيره ويصلي إليه في أسفاره ، ولم يكن يدخل إلى أعطان الإبل فيعرض البعير ويصلي إليه فيها ، فلا تعارض حينئذ بين صلاته إلى بعيره ، وبين نهيه عن الصلاة في أعطان الإبل ، كما توهمه البخاري ومن وافقه . والله أعلم . وأما مواضع البقر فغير منهي عن الصلاة فيه عند أكثر العلماء ، ومنهم : عطاء ومالك وابن المنذر ، واستدل لَهُ بقول النبي صلى الله عليه وسلم : أينما أدركتك الصلاة فصل ، فهو مسجد . وقد ورد فيه حديثان : أحدهما : خرجه ابن وهب في مسنده عن سعيد بن أبي أيوب ، عمن حدثه ، عن عبد الله بن مغفل صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في معاطن الإبل ، وأمر أن يصلى في مراح الغنم والبقر . وفي إسناده جهالة . والثاني : من حديث ابن لهيعة ، عن حيي بن عبد الله ، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه ، عن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابد الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر . خرجه الإمام أحمد . وهذا إسناد ضعيف . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة في مواضع الإبل · ص 180 باب الصلاة في مواضع الإبل أي : هذا باب في بيان الصلاة في موضع الإبل ، وفي بعض النسخ في مواضع الإبل بالجمع . ثم إن البخاري إن أراد من مواضع الإبل معاطنها فالصلاة فيها مكروهة عند قوم خلافا لآخرين ، وإن أراد بها أعم من ذلك فالصلاة فيها غير مكروهة بلا خلاف ، وعلى كل تقدير لم يذكر في الباب حديثا يدل على أحد الفصلين ، وإنما ذكر فيه الصلاة إلى البعير وهو لا يطابق الترجمة ، وعن هذا قال الإسماعيلي : ليس في هذا الحديث بيان أنه صلى في موضع الإبل ، وإنما صلى إلى البعير لا في موضعه ، وليس إذا أنيخ البعير في موضع صار ذلك عطنا أو مأوى للإبل ، انتهى . قلت : لأن العطن اسم لمبرك الإبل عند الماء ليشرب عللا بعد نهل ، فإذا استوفت ردت إلى المراعي ، وأجاب بعضهم عن كلام الإسماعيلي بقوله : إن مراده الإشارة إلى ما ذكر من علة النهي عن ذلك وهي كونها من الشياطين ، كأنه يقول : لو كان ذلك مانعا من صحة الصلاة لامتنع مثله في جعلها أمام المصلي ، وكذلك صلاة راكبها ، وقد ثبت أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يصلي النافلة وهو على بعيره . قلت : سبحان الله ! ما أبعد هذا الجواب عن موقع الخطاب ، فإنه متى ذكر علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل حتى يشير إليه ولم يذكر شيئا في كتابه من أحاديث النهي في ذلك ، وإنما ذكره غيره ؛ فمسلم ذكر حديث جابر بن سمرة من رواية جعفر بن أبي ثور عنه أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أأتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ . قال : أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : فتوضأ من لحوم الإبل . قال : أصلي في مرابض الغنم ؟ قال : نعم . قال : أصلي في مبارك الإبل ؟ قال : لا . وأبو داود ذكر حديث البراء من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وفيه : سئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل ؛ فإنها من الشياطين . والترمذي ذكر حديث أبي هريرة من حديث ابن سيرين عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل . وابن ماجه ذكر حديث سبرة بن معبد من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني ، أخبرني أبي ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تصلي في أعطان الإبل ، وتصلي في مراح الغنم . وذكر ابن ماجه أيضا حديث عبد الله بن مغفل من رواية الحسن عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل ؛ فإنها خلقت من الشياطين . وذكر أيضا حديث ابن عمر من حديث محارب بن دثار يقول : سمعت عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : توضؤوا من لحوم الإبل . . . الحديث ، وفيه : ولا تصلوا في معاطن الإبل . وذكر الطبراني في الأوسط حديث أسيد بن حضير قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : توضؤوا من لحوم الإبل ولا تصلوا في مناخها . وأخرج أيضا في الكبير حديث سليك الغطفاني عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : توضؤوا من لحوم الإبل ولا توضؤوا من لحوم الغنم ، وصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل . وذكر أبو يعلى في مسنده حديث طلحة بن عبيد الله قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا يصلي في أعطانها . وذكر أحمد في مسنده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في مرابض الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر . وأخرجه الطبراني في الكبير أيضا ، ولفظه : لا تصلوا في أعطان الإبل ، وصلوا في مراح الغنم . وذكر الطبراني أيضا من حديث عقبة بن عامر في الكبير والأوسط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل - أو في مبارك الإبل . وذكر أحمد والطبراني أيضا حديث يعيش الجهني المعروف بذي الغرة من رواية عبد الرحمن ابن أبي ليلى عنه قال : عرض أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم . . . الحديث ، وفيه : تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل فنصلي فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا . وأخرجه أحمد أيضا . فهذا كما رأيت وقع في موضع مبارك الإبل ، وفي موضع أعطان الإبل ، وفي موضع مناخ الإبل ، وفي موضع مرابد الإبل ، ووقع عند الطحاوي في حديث جابر بن سمرة أن رجلا قال : يا رسول الله ، أصلي في مباءة الغنم ؟ قال : نعم . قال : أصلي في مباءة الإبل ؟ قال : لا . والمباءة المنزل الذي تأوي إليه الإبل ، والأعطان جمع عطن وقد فسرناه ، والمبارك جمع مبرك وهو موضع بروك الجمل في أي موضع كان ، والمناخ - بضم الميم وفي آخره خاء معجمة - المكان الذي تناخ فيه الإبل ، والمرابد - هي بالدال المهملة - الأماكن التي تحبس فيها الإبل وغيرها من البقر والغنم ، وقال ابن حزم : كل عطن فهو مبرك ، وليس كل مبرك عطنا ؛ لأن العطن هو الموضع الذي تناخ فيه عند ورودها الماء فقط ، والمبرك أعم لأنه الموضع المتخذ له في كل حال ، فإذا كان كذلك تكره الصلاة في مبارك الإبل ومواضعها سواء كانت عطنا أو مناخا أو مباءة أو مرابد أو غير ذلك . فدل هذا كله أن علة النهي فيه كونها خلقت من الشياطين ولا سيما ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - علل ذلك بقوله : فإنها خلقت من الشياطين . وقد مر في رواية أبي داود : فإنها من الشياطين . وفي رواية ابن ماجه : فإنها خلقت من الشياطين . فهذا يدل على أن الإبل خلقت من الجن ؛ لأن الشياطين من الجن على الصحيح من الأقوال ، وعن هذا قال يحيى بن آدم : جاء النهي من قبل أن الإبل يخاف وثوبها فتعطب من تلاقي حينئذ ، ألا ترى أنه يقول إنها جن ومن جن خلقت ؟ واستصوب هذا أيضا القاضي عياض . وذكروا أيضا أن علة النهي فيه من ثلاثة أوجه أخرى ؛ أحدها : من شريك بن عبد الله أنه كان يقول : نُهِيَ عن الصلاة في أعطان الإبل لأن أصحابها من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول فينجسون بذلك أعطان الإبل ، فنهى عن الصلاة فيها لذلك لا لعلة الإبل ، وإنما هو لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع ما كانت بخلاف مرابض الغنم فإن أصحابها من عادتهم تنظيف مواضعهم وترك البول فيها والتغوط ، فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك ، وهذا بعيد جدا مخالف لظاهر الحديث . والوجه الثاني أن علة النهي هي كون أبوالها وأرواثها في معاطنها ، وهذا أيضا بعيد أيضا لأن مرابض الغنم تشركها في ذلك . والوجه الثالث ذكره يحيى بن آدم ؛ أن العلة في اجتناب الصلاة في معاطن الإبل الخوف من قبلها كما ذكرناه الآن ، بخلاف الغنم لأنه لا يخاف منها ما يخاف من الإبل ، وقال الطحاوي : إن كانت العلة هي ما قال شريك فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول سواء كان عطنا أو غيره ، وإن كان ما قاله يحيى فإن الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس سواء كان عطنا أو غيره . وغمز بعضهم في الطحاوي بقوله : قال إن النظر يقتضي عدم التفرقة بين الإبل والغنم في الصلاة وغيرها كما هو مذهب أصحابه ، وتعقب بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة المصرحة بالتفرقة فهو قياس فاسد الاعتبار . قلت : هذا الكلام فاسد الاعتبار ؛ لأن الطحاوي ما قال قط إن النظر يقتضي عدم التفرقة ، وإنما قال : حكم هذا الباب من طريق النظر أنا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم أن الصلاة فيها جائزة ، وإنما اختلفوا في أعطان الإبل ، فقد رأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها ، فكان يجيء في النظر أيضا أن يكون حكم الصلاة في مواضع الإبل كهو في مواضع الغنم قياسا ونظرا على ما ذكرنا ، فمن تأمل ما قاله علم أن القياس الذي ذكره ليس من جهة عدم التفرقة وليس هو بمخالف للأحاديث الصحيحة المصرحة بالتفرقة ، وإنما ذهب إلى عدم التفرقة من حيث معارضة حديث صحيح تلك الأحاديث المذكورة وهو قوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا . فعمومه يدل على جواز الصلاة في أعطان الإبل وغيرها بعد أن كانت طاهرة ، وهو مذهب جمهور العلماء وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وآخرون ، وكرهها الحسن البصري وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وعن أحمد في رواية مشهورة عنه أنه إذا صلى في أعطان الإبل فصلاته فاسدة وهو مذهب أهل الظاهر ، وقال ابن القاسم : لا بأس بالصلاة فيها . وقال أصبغ : يعيد في الوقت . وفي شرح الترمذي : وحمل الشافعي وجمهور العلماء النهي ، عن الصلاة في معاطن الإبل على الكراهة إذا كان بينه وبين النجاسة التي في أعطانها حائل ، فإن لم يكن بينهما حائل لا تصح صلاته . قلت : إذا لم يكن بين المصلي وبين النجاسة حائل لا تجوز صلاته في أي مكان كان ، وجواب آخر عن الأحاديث المذكورة أن النهي فيها للتنزيه كما أن الأمر في مرابض الغنم للإباحة وليس للوجوب اتفاقا ولا للندب ، فإن قلت : في حديث البراء عند أبي داود وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال : صلوا ؛ فإنها بركة ، وعند الطبري في حديث عبد الله بن مغفل فإنها بركة من الرحمن ، وفي رواية أحمد فإنها أقرب من الرحمة ، وعند البزار من حديث أبي هريرة فإنها من دواب الجنة ؛ فكل هذا يدل على استحباب الصلاة في مرابض الغنم لما فيها من البركة وقرب الرحمة - قلت : ذكر هذا للترغيب في الغنم لإبعادها عن حكم الإبل ، إذ وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة ووصف أصحاب الغنم بالسكينة ، ولا تعلق لاستحباب الصلاة بمرابض الغنم . فإن قلت : مرابد البقر هل تلحق بمرابض الغنم أم بمرابد الإبل ؟ قلت : ذكر أبو بكر بن المنذر أنها ملحقة بمرابد الغنم ، فلا تكره الصلاة فيها . فإن قلت : في حديث عبد الله بن عمرو من مسند أحمد إلحاقها بالإبل كما تقدم - قلت : في إسناده عبد الله بن لهيعة ، والكلام فيه مشهور . 91 - حدثنا صدقة بن الفضل قال : أخبرنا سليمان بن حيان قال : حدثنا عبيد الله ، عن نافع قال : رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره ، وقال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله . قد ذكرنا أن هذا الحديث يخبر أنه يصلى إلى البعير لا في موضعه ، فلا تطابق له للترجمة ، وقد ذكر بعضهم فقال : كأنه يشير إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه لكن لها طرق قوية منها حديث جابر بن سمرة عند مسلم وحديث البراء بن عازب عند أبي داود وحديث أبي هريرة عند الترمذي وحديث عبد الله بن مغفل عند النسائي وحديث سبرة بن معبد عند ابن ماجه ، وفيها كلها التعبير بمعاطن الإبل ، انتهى . قلت : ليت شعري ما وجه هذه الإشارة وبما دل على ما ذكر ! وقوله وفيها كلها التعبير بمعاطن الإبل ليس كذلك ، فإن المذكور في حديث جابر بن سمرة مبارك الإبل ، والمبارك غير المعاطن لأن المبرك أعم وقد ذكرناه ، وكذلك المذكور في رواية أبي داود لفظ المبارك . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : صدقة بن الفضل أبو الفضل المروزي ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين ، وقد تقدم في باب العلم والعظة بالليل . الثاني : سليمان بن حيان - بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، وبالنون منصرفا وغير منصرف - أبو خالد الأحمر الأزدي الجعفري الكوفي الإمام ، مات سنة تسع وثمانين ومائة . الثالث : عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، كان من سادات أهل المدينة فضلا وعبادة ، وتوفي سنة سبع وأربعين ومائة . الرابع : نافع مولى ابن عمر ، تقدم . الخامس : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول والرؤية في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين مروزي وكوفي ومدني . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا ، يأتي ذكره عن قريب ، وترجم عليه باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل عن محمد بن أبي بكر المقدمي البصري قال : حدثنا معتمر بن سليمان . . . إلى آخره ، وأخرجه مسلم منقطعا وروى الشطر الأول عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير عن أبي خالد الأحمر ، قال ابن أبي شيبة : كان يصلي إلى راحلته . وقال ابن نمير : صلى إلى بعير . وروى الشطر الثاني عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر ، ورواه أيضا عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن عبيد الله بن عمر بلفظ : كان يصلي سبحته حيث ما توجهت به ناقته . وأخرجه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة ووهب بن بقية وابن أبي خلف وعبد الله بن سعيد عن أبي خالد الأحمر . وأخرجه الترمذي عن سفيان بن وكيع ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى بعيره أو راحلته ، وكان يصلي على راحلته حيث ما توجهت به . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح . وفي الباب عن أبي الدرداء ، ورواه البزار في مسنده بلفظ : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بعير من المغنم . وذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن ابن عمر كان يستتر براحلته في السفر إذا صلى ، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه . ذكر معناه : قوله ( يصلي إلى بعيره ) ، وفي المحكم : البعير الجمل الباذل ، وقيل : الجذع ، وقد يكون للأنثى ، حُكِيَ عن بعض العرب : شربت من لبن بعيري ، وصرعتني بعير لي . والجمع أبعرة وأباعر وأباعير وبعران وبعران ، وفي المخصص : قال الفارسي : أباعر جمع أبعرة ، كأسقية وأساق . وفي الجامع : البعير بمنزلة الإنسان ، يجمع المذكر والمؤنث من الناس ، إذا رأيت جملا على البعد قلت : هذا بعير ، فإذا استثبته قلت : هذا جمل أو ناقة . قال الأصمعي : إذا وضعت الناقة ولدها ساعة تضعه سليل قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى ، فإذا علم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمه مسقب ، وقد أذكرت فهي مذكر ، وإن كان أنثى فهي حائل وأمها أم حائل ، فإذا مشى فهو راشح والأم مرشح ، فإذا ارتفع عن الراشح فهو جادل ، فإذا جمل في سنامه شحما فهو مجذومكعر ، وهو في هذا كله حوار ، فإذا اشتد قيل ربع والجمع أرباع ورباع والأنثى ربعة ، فلا يزال ربعا حتى يأكل الشجر ويعين على نفسه ، ثم هو فصيل وهبع والأنثى فصيلة والجمع فصلان وفصلان لأنه فصل عن أمه ، فإذا استكمل الحول ودخل في الثاني فهو ابن مخاض والأنثى بنت مخاض ، فإذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة فهو ابن لبون والأنثى بنت لبون ، فإذا استكمل الثالثة ودخل في الرابعة فهو حينئذ حق والأنثى حقة سمي به لأنه استحق أن يحمل عليه ويركب ، فإذا مضت الرابعة ودخل في الخامسة فهو جذع والأنثى جذعة ، فإذا مضت الخامسة ودخل في السنة السادسة وألقى ثنيته فهو ثني والأنثى ثنية ، فإذا مضت السادسة ودخل في السابعة فهو حينئذ رباع والأنثى رباعية ، فإذا مضت السابعة ودخل في الثامنة وألقى السن فهو سديس وسدس لغتان وكذا يقال للأنثى ، فإذا مضت الثامنة ودخل في التاسعة فطرنا به وطلع فهو حينئذ فاطر وباذل وكذلك يقال للأنثى ، فلا يزال باذلا حتى تمضي التاسعة ، فإذا مضت ودخل في العاشرة فهو حينئذ مخلف ، ثم ليس له اسم بعد الإخلاف ولكن يقال له باذل عام وباذل عامين ومخلف عام ومخلف عامين إلى ما زاد على ذلك ، فإذا كبر فهو عود والأنثى عودة ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو قحر والجمع أقحر وقحور . قوله ( يفعله ) ؛ أي يصلي والبعير في طرف قبلته . ذكر ما يستنبط منه : فيه جواز الصلاة إلى الحيوان ، ونقل ابن التين عن مالك أنه لا يصلى إلى الخيل والحمير لنجاسة أبوالها . وفيه جواز الصلاة بقرب البعير وأنه لا بأس أن يستتر المصلي بالراحلة والبعير في الصلاة ، وقد حكى الترمذي عن بعض أهل العلم أنهم لا يرون به بأسا ، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أنس أنه صلى وبينه وبين القبلة بعير عليه محمله ، وروى أيضا الاستتار بالبعير عن سويد بن غفلة والأسود بن يزيد وعطاء بن أبي رباح والقاسم وسالم ، وعن الحسن : لا بأس أن يستتر بالبعير . وقال ابن عبد البر في الاستذكار : لا أعلم فيه - أي في الاستتار بالراحلة - خلافا . وقال ابن حزم : من منع من الصلاة إلى البعير فهو مبطل .