بَاب وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ - هَكَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ التَّرْجَمَةُ بِغَيْرِ حَدِيثٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كُتُبِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، اخْرُجْ إِلَيْنَا ، فَنَزَلَتْ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ .. الْحَدِيثَ وَسِيَاقُهُ لِابْنِ جَرِيرٍ ، قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ الْأَقْرَعَ مُرْسَلٌ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَقَدْ سَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ فِي ذَلِكَ مُطَوَّلَةً بِانْقِطَاعٍ ، وَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَنْدَهْ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَوْصُولَةٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ · ص 457 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ · ص 458 50 - سُورَةُ ق رَجْعٌ بَعِيدٌ رَدٌّ . فُرُوجٍ فُتُوقٍ . وَاحِدُهَا فَرْجٌ . مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ . وَالْحَبْلُ : حَبْلُ الْعَاتِقِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْ عِظَامِهِمْ . تَبْصِرَةً بَصِيرَةً . وَحَبَّ الْحَصِيدِ الْحِنْطَةُ . بَاسِقَاتٍ الطِّوَالُ . أَفَعَيِينَا أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا . وَقَالَ قَرِينُهُ الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ . فَنَقَّبُوا ضَرَبُوا . أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ . حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ . رَقِيبٌ عَتِيدٌ رَصَدٌ . سَائِقٌ وَشَهِيدٌ الْمَلَكَانِ . كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ : وَشَهِيدٌ شَاهِدٌ بِالْغَيْبِ . لُغُوبٍ النَّصَبُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : نَضِيدٌ الْكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ . وَمَعْنَاهُ : مَنْضُودٌ ، بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ . في أدْبَارِ النُّجُومِ ، وَأَدْبَارِ السُّجُودِ : كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ الَّتِي فِي ق ، وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَوْمَ الْخُرُوجِ : يَوْمَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْبَعْثِ مِنْ الْقُبُورِ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ ق . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : ق اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ . وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ ، وَقِيلَ : هِيَ الْقَافُ مِنْ قَوْلِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ ، دَلَّتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْكَلِمَةِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافُ قَوْلُهُ : رَجْعٌ بَعِيدٌ رَدٌّ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَنْكَرُوا الْبَعْثَ فَقَالُوا : مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرْجِعَنَا وَيُحْيِينَا . قَوْلُهُ : فُرُوجٍ فُتُوقٌ وَاحِدُهَا فَرْجٌ ) أَيْ بِسُكُونِ الرَّاءِ ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْفَرْجُ الشَّقُّ . قَوْلُهُ : مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ ، وَالْحَبْلُ حَبْلُ الْعَاتِقِ ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ . وَزَادَ : فَأَضَافَهُ إِلَى الْوَرِيدِ كَمَا يُضَافُ الْحَبْلُ إِلَى الْعَاتِقِ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ قَالَ : مِنْ عِرْقِ الْعُنُقِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : مُجَاهِدٌ : مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ مِنْ عِظَامِهِمْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ : مِنْ لُحُومِهِمْ وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَعْنِي الْمَوْتَى تَأْكُلُهُمُ الْأَرْضُ إِذَا مَاتُوا . وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَيْ مِنْ أَبْدَانِهِمْ . ( تَنْبِيهٌ ) : زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ مِنْ أَعْظَامِهِمْ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وَقَالَ : الصَّوَابُ مِنْ عِظَامِهِمْ . وَفَعْلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ إِلَّا نَادِرًا . قَوْلُهُ : تَبْصِرَةً بَصِيرَةً ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ هَكَذَا ، وَقَالَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَبْصِرَةً ، قَالَ : نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَوْلُهُ : وَحَبَّ الْحَصِيدِ الْحِنْطَةَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْهُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : هُوَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ . قَوْلُهُ : بَاسِقَاتٍ الطِّوَالُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا كَذَلِكَ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : بُسُوقُهَا : طُولُهَا فِي قَامَةٍ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَعْنِي طُولَهَا . قَوْلُهُ : أَفَعَيِينَا أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : رَقِيبٌ عَتِيدٌ رَصَدٌ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا كَذَلِكَ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ أَيْ : مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ . وَكَانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ : إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ . قَوْلُهُ : سَائِقٌ وَشَهِيدٌ الْمَلَكَانِ كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : سَائِقٌ يَسُوقُهَا وَشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا . وَرَوَى نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ عَنْ عُثْمَانَ . قَوْلُهُ : وَقَالَ قَرِينُهُ الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ؛ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : فَنَقَّبُوا ضَرَبُوا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ قَالَ : أَثَّرُوا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ فَنَقَّبُوا : طَافُوا وَتَبَاعَدُوا ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : وَقَدْ نَقَّبْتُ فِي الْآفَاقِ حَتَّى رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالْإِيَابِ قَوْلُهُ : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَلْقَى السَّمْعَ أَيِ اسْتَمَعَ لِلْقُرْآنِ ، وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّهُ يَجِدُ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكْتُوبًا ، قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ مُنَافِقٌ اسْتَمَعَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ . قَوْلُهُ : ( حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَهُوَ بَقِيَّةُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ أَفَعَيِينَا ، وَحَقُّهُ أَنْ يُكْتَبَ عِنْدَهَا . قَوْلُهُ : وَشَهِيدٌ شَاهِدٌ بِالْغَيْبِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْقَلْبِ ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ الْأَكْثَرِ . قَوْلُهُ : وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ مِنْ نَصَبٍ - وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَيْضًا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : قَالَتِ الْيَهُودُ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، وَفَرَغَ مِنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتَرَاحَ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ : وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُمْ : نَضِيدٌ الْكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ ، وَمَعْنَاهُ مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ . قَوْلُهُ : وَإِدْبَارَ النُّجُومِ وَأَدْبَارِ السُّجُودِ ( كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ الَّتِي فِي ق وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ ) هُوَ كَمَا قَالَ ، وَوَافَقَ عَاصِمًا ، أَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ ، وَالْكِسَائِيُّ عَلَى الْفَتْحِ هُنَا ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ هُنَا ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْفَتْحِ فِي الطُّورِ وَقَرَأَهَا بِالْكَسْرِ عَاصِمٌ عَلَى مَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ ؛ وَنَقَلَهَا غَيْرُهُ فِي الشَّوَاذِّ ، فَالْفَتْحُ جَمْعُ دُبُرٍ وَالْكَسْرُ مَصْدَرُ أَدْبَرَ يُدْبِرُ إِدْبَارًا ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْفَتْحَ فِيهِمَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَوْمُ الْخُرُوجِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِهِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ نَحْوُهُ . 1 - بَاب وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ 4848 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ ، فَتَقُولُ : قَطْ قَطْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ قَوْلِ جَهَنَّمَ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، فَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهَا لِطَلَبِ الْمَزِيدِ ، وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، كَأَنَّهَا تَقُولُ : مَا بَقِيَ فِي مَوْضِعٍ لِلزِّيَادَةِ ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ أَيْ : هَلْ مِنْ مَدْخَلٍ قَدِ امْتَلَأَتْ ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ مُوَجَّهٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا قَدْ تُزَادُ ، وَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهَا لَا مَوْضِعَ فِيهَا لِلْمَزِيدِ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ( يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا ) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ . قَوْلُهُ : ( فَتَقُولُ قَطْ قَطْ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ فَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ فَتَقُولُ قَدْ قَدْ بِالدَّالِ بَدَلَ الطَّاءِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَضَعُ الرَّبُّ عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ فَهُنَاكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَجَهَنَّمُ تَسْأَلُ الْمَزِيدَ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَيُلْقَى فِي النَّارِ أَهْلُهَا فَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَأْتِيَهَا عَزَّ وَجَلَّ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَنْزَوِي فَتَقُولُ قَدْنِي قَدْنِي . وَقَوْلُهُ قَطْ قَطْ أَيْ حَسْبِي حَسْبِي ، وَثَبَتَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَطْ بِالتَّخْفِيفِ سَاكِنًا ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَطِي قَطِي بِالْإِشْبَاعِ وَ قَطْنِي بِزِيَادَةِ نُونٍ مُشْبَعَةٍ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِالدَّالِ بَدَلَ الطَّاءِ وَهِيَ لُغَةٌ أَيْضًا ، وكُلُّهَا بِمَعْنَى يَكْفِي . وَقِيلَ : قَطْ صَوْتُ جَهَنَّمَ . وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . ثُمَّ رَأَيْتُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ مَا يُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلَفْظُهُ : فَيَضَعُهَا عَلَيْهَا فَتُقَطْقِطُ كَمَا يُقَطْقِطُ السِّقَاءُ إِذَا امْتَلَأَ انْتَهَى . فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَدَمِ ، فَطَرِيقُ السَّلَفِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ مَشْهُورَةٌ ، وَهُوَ أَنْ تَمُرَّ كَمَا جَاءَتْ وَلَا يُتَعَرَّضُ لِتَأْوِيلِهِ بَلْ نَعْتَقِدُ اسْتِحَالَةَ مَا يُوهِمُ النَّقْصَ عَلَى اللَّهِ ، وَخَاضَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ : الْمُرَادُ إِذْلَالُ جَهَنَّمَ ، فَإِنَّهَا إِذَا بَالَغَتْ فِي الطُّغْيَانِ وَطَلَبِ الْمَزِيدِ أَذَلَّهَا اللَّهُ فَوَضَعَهَا تَحْتَ الْقَدَمِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْقَدَمِ ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ أَلْفَاظَ الْأَعْضَاءِ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَلَا تُرِيدُ أَعْيَانَهَا ، كَقَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفُهُ وَسُقِطَ فِي يَدِهِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْفَرَطُ السَّابِقُ أَيْ يَضَعُ اللَّهُ فِيهَا مَا قَدَّمَهُ لَهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : الْقَدَمُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِمَا قُدِّمَ كَمَا يُسَمَّى مَا خُبِطَ مِنْ وَرَقٍ خَبَطًا ، فَالْمَعْنَى مَا قَدَّمُوا مِنْ عَمَلٍ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ ، فَالضَّمِيرُ لِلْمَخْلُوقِ مَعْلُومٌ ، أَوْ يَكُونُ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ اسْمُهُ قَدَمٌ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْأَخِيرُ ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ آخِرُ الْأَعْضَاءِ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِي النَّارِ آخِرَ أَهْلِهَا فِيهَا ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْمَزِيدِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ : هَذَا مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي أُطْلِقَتْ بِتَمْثِيلِ الْمُجَاوَرَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الْأُمَمِ وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي عُصِيَ اللَّهُ فِيهَا فَلَا تَزَالُ تَسْتَزِيدُ حَتَّى يَضَعَ الرَّبُّ فِيهَا مَوْضِعًا مِنَ الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَمْتَلِئُ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الْقَدَمَ عَلَى الْمَوْضِعِ ، قَالَ تَعَالَى : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ يُرِيدُ مَوْضِعَ صِدْقٍ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ صِدْقٍ وَهُوَ مُحَمَّدٌ ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى شَفَاعَتِهِ ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا مُنَابِذٌ لِنَصِّ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ : يَضَعُ قَدَمَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَتْ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، وَالَّذِي قَالَهُ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْهَا ، وَصَرِيحُ الْخَبَرِ أَنَّهَا تَنْزَوِي بِمَا يُجْعَلُ فِيهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا يُبَدَّلُ عِوَضَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ كَمَا حَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ يُعْطَى كُلُّ مُسْلِمٍ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَيُقَالُ : هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ ، فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ إِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ ، وَأَنَّهُ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاحِدًا مِنَ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَعْظُمَ حَتَّى يَسُدَّ مَكَانَهُ وَمَكَانَ الَّذِي خَرَجَ ، وَحِينَئِذٍ فَالْقَدَمُ سَبَبٌ لِلْعِظَمِ الْمَذْكُورِ ، فَإِذَا وَقَعَ الْعِظَمُ حَصَلَ الْمِلْءُ الَّذِي تَطْلُبُهُ . وَمِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ إِبْلِيسَ ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ وَإِبْلِيسُ أَوَّلُ مَنْ تَكَبَّرَ فَاسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى مُتَجَبِّرًا وَجَبَّارًا ، وَظُهُورُ بُعْدِ هَذَا يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ . وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ الرِّجْلِ تَحْرِيفٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِظَنِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدَمِ الْجَارِحَةَ فَرَوَاهَا بِالْمَعْنَى فَأَخْطَأَ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالرِّجْلِ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً الْجَمَاعَةُ ، كَمَا تَقُولُ : رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ ، فَالتَّقْدِيرُ يَضَعُ فِيهَا جَمَاعَةً ، وَأَضَافَهُمْ إِلَيْهِ إِضَافَةَ اخْتِصَاصٍ . وَبَالَغَ ابْنُ فُورَكٍ ، فَجَزَمَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ الرِّجْلِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ لِثُبُوتِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَقَدْ أَوَّلَهَا غَيْرُهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَدَمِ ، فَقِيلَ : رِجْلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا اسْمُ مَخْلُوقٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَقِيلَ : إِنَّ الرِّجْلَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّجْرِ كَمَا تَقُولُ : وَضَعْتُهُ تَحْتَ رِجْلِي ، وَقِيلَ : إِنَّ الرِّجْلَ تُسْتَعْمَلُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْجِدِّ ، كَمَا تَقُولُ : قَامَ فِي هَذَا الْأَمْرِ عَلَى رِجْلٍ . وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عُقَيْلٍ : تَعَالَى اللَّهُ عَنْ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ أَمْرُهُ فِي النَّارِ حَتَّى يَسْتَعِينَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَاتِهِ أَوْ صِفَاتِهِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ لِلنَّارِ : كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا فَمَنْ يَأْمُرُ نَارًا أَجَّجَهَا غَيْرُهُ أَنْ تَنْقَلِبَ عَنْ طَبْعِهَا وَهُوَ الْإِحْرَاقُ ، فَتَنْقَلِبُ ، كَيْفَ يَحْتَاجُ فِي نَارٍ يُؤَجِّجُهَا هُوَ إِلَى اسْتِعَانَةٍ . انْتَهَى . وَيُفْهَمُ جَوَابُهُ مِنَ التَّفْصِيلِ الْوَاقِعِ ثَالِثَ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ : وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ، فَأَمَّا النَّارُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ : وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْجَنَّةَ يَقَعُ امْتِلَاؤُهَا بِمَنْ يُنْشِؤُهُمُ اللَّهُ لِأَجْلِ مَلْئِهَا ، وَأَمَّا النَّارُ فَلَا يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا بَلْ يَفْعَلُ فِيهَا شَيْئًا عَبَّرَ عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ يَقْتَضِي لَهَا أَنْ يَنْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَصِيرُ مَلْأَى وَلَا تَحْتَمِلُ مَزِيدًا ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى الْعَمَلِ ، بَلْ يُنْعِمُ اللَّهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ كَمَا فِي الْأَطْفَالِ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكن خيرا لهم · ص 184 ( باب قوله : ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكن خيرا لهم ) أي هذا باب في قوله - عز وجل - : ولو أنهم صبروا ، الآية ، وليس في كثير من النسخ لفظ باب ، وهكذا في جميع الروايات الترجمة بلا حديث ، والظاهر أنه أخلى موضع الحديث ، فإما أنه لم يظفر بشيء على شرطه أو أدركه الموت ، والله أعلم ، قوله : " ولو أنهم " أي إن الذين ينادونك من وراء الحجرات لو صبروا ، وقوله : " أنهم " في محل الرفع على الفاعلية ؛ لأن المعنى : ولو ثبت صبرهم ، والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها ، قوله : " حتى تخرج " خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة ق · ص 184 ( سورة ق ) أي هذا في تفسير بعض سورة ( ق ) وهي مكية كلها ، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا ، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة ، وخمس وأربعون آية ، وعن ابن عباس : أنه اسم من أسماء الله تعالى ، أقسم الله به ، وعن قتادة : اسم من أسماء القرآن ، وعن القرظي : افتتاح اسم الله تعالى قدير ، وقادر ، وقاهر ، وقريب ، وقاضي ، وقابض . وعن الشعبي : فاتحة السورة ، وعن عكرمة والضحاك : هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء ، متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض كهيئة القبة ، وعليه كتف السماء ، وخضرة السماء منه ، والعالم داخله ، ولا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى ، وما أصاب الناس من زمرد ما سقط من ذلك الجبل ، وهي رواية عن ابن عباس ، وعن مقاتل : هو أول جبل خلق ، وبعده أبو قيس . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . ( رجع بعيد : رد ) . أشار به إلى قوله تعالى : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ وفسر قوله : " رَجْعٌ بَعِيدٌ " بقوله : رد ، أي الرد إلى الحياة بعيد ، فإنهم ما كانوا يعترفون بالبعث ، يقال : رجعته رجعا ، فرجع هو رجوعا ، قال الله تعالى : فإن رجعك الله . ( فروج : فتوق ، واحدها : فرج ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ أي وزينا السماء وما لها من فتوق وشقوق ، والفروج جمع فرج ، وعن ابن زيد : الفروج : الشيء المتفرق بعضه من بعض ، وعن الكسائي معناه : ليس فيها تفاوت ولا اختلاف . ( من حبل الوريد : وريداه في حلقه ، الحبل : حبل العاتق ) . لم يثبت هذا إلا لأبي ذر ، وأشار به إلى قوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ أي نحن أقدر عليه من حبل الوريد ، وهو عرق العنق ، وأضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظين ، والتفسير الذي ذكره رواه الفريابي ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، ورواه الطبري من طريق علي ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس . ( وقال مجاهد : ما تنقص الأرض منهم : من عظامهم ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ أي من عظامهم ، ذكره ابن المنذر عن علي بن المبارك ، عن زيد ، عن ابن ثور ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، وادعى ابن التين أنه وقع " من أعظامهم " ، وأن صوابه " من عظامهم " لأن فعلا بفتح الفاء وسكون العين لا يجمع على أفعال إلا خمسة أحرف نوادر ، وقيل : من أجسامهم . ( تبصرة : بصيرة ) . أشار به إلى قوله تعالى : تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وفسر تبصرة بقوله : بصيرة ، أي جعلنا ذلك تبصرة ، قوله : " منيب " أي مخلص . ( حب الحصيد الحنطة ) . أشار به إلى قوله تعالى : فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وفسره بقوله : الحنطة والشعير وسائر الحبوب التي تحصد ، وهذه الإضافة من باب مسجد الجامع ، وحق اليقين ، وربيع الأول . ( باسقات الطوال ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ، وفسرها بقوله : الطوال ، يقال : بسق الشيء يبسق بسوقا إذا طال ، وقيل : إن بسوقها استقامتها في الطول ، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ : باصقات ، بالصاد . ( أفعيينا : أفأعيا علينا ) . أشار به إلى قوله تعالى : أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وسقط هذا لأبي ذر ، وفسر أفعيينا بقوله : أفأعيا علينا ، أي أفعجزنا عنه ، وتعذر علينا ، يقال : عيي عن كذا أي عجز عنه ، قوله : " بل هم في لبس " أي في لبس الشيطان عليهم الأمر ، قوله : " مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ " يعني البعث . ( وقال قرينه : الشيطان الذي قيض له ) . أشار به إلى قول تعالى : وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ وفسر القرين بالشيطان الذي قيض له ، أي قدر ، وعن قتادة : الملك الذي وكل به ، كذا في ( تفسير الثعلبي ) . ( فنقبوا : ضربوا ) . أشار به إلى قوله تعالى : فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ وفسر قوله : نقبوا ، بقوله : ضربوا ، وكذا قال مجاهد ، وعن الضحاك : طافوا ، وعن النضر بن شميل : دوخوا ، وعن الفراء : خرقوا ، وعن المؤرج : تباعدوا ، وقرئ بكسر القاف مشددا على التهديد والوعيد أي طوفوا البلاد وسيروا في الأرض وانظروا هل من محيص من الموت وأمر الله تعالى . ( أو ألقى السمع : لا يحدث نفسه بغيره ) . أشار به إلى قوله تعالى : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ، وفسره بقوله : لا يحدث نفسه بغيره ، وفي التفسير : أو ألقى السمع : أي استمع القرآن وأصغى إليه ، وهو شهيد : حاضر ، تقول العرب : ألق إلي سمعك ، أي استمع . ( حين أنشأكم ، وأنشأ خلقكم ) . سقط هذا لأبي ذر ، وهذا بقية تفسير قوله تعالى : أَفَعَيِينَا وكان حقه أن يكتب عنده ، والظاهر أنه من تخبيط الناسخ . ( رقيب عتيد : رصد ) . أشار به إلى قوله - عز وجل - : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وفسره بقوله : رصد ، وهو الذي يرصد أي يرقب وينظر ، وفي التفسير : رقيب : حافظ ، عتيد : حاضر . ( سائق وشهيد : الملكان كاتب وشهيد ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ وذكر أنهما الملكان ، أحدهما الكاتب ، والآخر شهيد ، وعن الحسن : سائق يسوقها ، وشهيد : يشهد عليها بعملها . ( شهيد : شاهد بالقلب ) . أشار به إلى قوله تعالى : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ أي شاهد بالقلب ، وكذا في رواية الكشميهني بالقلب بالقاف واللام ، وفي رواية غيره بالغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وكذا روي عن مجاهد . ( لغوب : النصب ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ وفسره بالنصب ، وهو التعب والمشقة ، ويروى من نصب والنصب ، وقال عبد الزراق عن معمر عن قتادة : قالت اليهود : إن الله خلق الخلق في ستة أيام ، وفرغ من الخلق يوم الجمعة ، واستراح يوم السبت ، فأكذبهم الله تعالى بقوله : وما مسنا من لغوب . ( وقال غيره : نضيد : الكفرى ما دام في أكمامه ، ومعناه : منضود بعضه على بعض ، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد ) . أي قال غير مجاهد في قوله تعالى : لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ وفسر النضيد بالكفرى ، بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء وبالقصر ، هو الطلع ما دام في أكمامه ، وهو جمع كم بالكسر ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، وقال مسروق : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها وثمرها ، منضد أمثال القلال والدلاء ، كلما قطفت منه ثمرة تنبت مكانها أخرى ، وأنهارها تجري في غير أخدود . ( في أدبار النجوم ، وأدبار السجود ، كان عاصم يفتح التي في ق ويكسر التي في الطور ، ويكسران جميعا وينصبان ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ووافق عاصما أبو عمرو والكسائي ، وخالفه نافع وابن كثير وحمزة فكسروها ، وقال الداودي : من قرأ وأدبار النجوم بالكسر يريد : عند ميل النجوم ، ومن قرأ بالفتح يقول بعد ذلك قوله - عز وجل - وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ قوله : " وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ " قيل : حقيقة مطلقا ، وقيل : دبر المكتوبات ، وذكره البخاري بعد عن ابن عباس ، وقيل : صل ، فقيل : النوافل أدبار المكتوبات ، وقيل : الفرائض ، قوله : " قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ " يعني الصبح ، وقبل الغروب يعني العصر ، قوله : " وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ " يعني صلاة العشاء ، وقيل : صلاة الليل ، قوله : " وَأَدْبَارَ السُّجُودِ " الركعتان بعد المغرب ، وأدبار النجوم الركعتان قبل الفجر ، والأدبار بالفتح جمع دبر ، وبالكسر مصدر من أدبر يدبر إدبارا ، قوله : " ويكسران جميعا " يعني التي في ق والتي في الطور ، قوله : " وينصبان " أراد به يفتحان جميعا ، ورجح الطبري الفتح فيهما . ( وقال ابن عباس : يوم الخروج : يوم يخرجون من القبور ) . أي قال ابن عباس في قوله تعالى : يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ أي يوم يخرج الناس من قبورهم ، وهذا وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء ، عن ابن عباس بلفظه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وتقول هل من مزيد · ص 186 ( باب قوله : وتقول هل من مزيد ) . أي هذا باب في قوله تعالى : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قال الثعلبي : يحتمل قوله : هل من مزيد جحدا ، مجازه ما من مزيد ، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الاستزاداة ، أي هل من زيادة فأزاده ، وإنما صلح للوجهين لأن في الاستفهام ضربا من الجحد وطرفا من النفي . 342 - ( حدثنا عبد الله ابن أبي الأسود ، حدثنا حرمي بن عمارة ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يلقى في النار ، وتقول : هل من مزيد حتى يضع قدمه ، فتقول : قط قط ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد الله ابن أبي الأسود اسمه حميد بن الأسود ، أبو بكر ، ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي ، الحافظ ، البصري ، وحرمي هو ابن عمارة ابن أبي حفصة ، أبو روح ، وقال الكرماني : حرمي منسوب إلى الحرم ، بالمهملة والراء المفتوحتين ، قلت : وهم فيه ؛ لأنه علم وليس بمنسوب إلى الحرم ، وما غره إلا الياء التي فيه ، ظنا منه أنها ياء النسبة ، وليس كذلك بل هو علم موضوع كذلك ، مثل كرسي ، ونحوه . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد . قوله : " يلقى في النار " أي يلقى فيها أهلها ، وتقول - أي النار - : هل من مزيد ، قوله : " حتى يضع " أي الرب ، قدمه ، ورواية مسلم تفسيره مثل ما ذكرنا ، فروى عن سعيد ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تزال جهنم يلقى فيها ، وتقول : هل من مزيد ، حتى يضع رب العزة فيها قدمه ، فيزوى بعضها إلى بعض ، وتقول : قط قط ، بعزتك وكرمك ، الحديث ، وروى أيضا من حديث شيبان عن قتادة قال : حدثنا أنس بن مالك أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تزال جهنم تقول : هل من مزيد ، حتى يضع فيها رب العزة قدمه ، فتقول : قط قط وعزتك ، ويزوى بعضها إلى بعض ، قوله : " فتقول " أي النار قط قط ، أي حسبي حسبي ، وفيه ثلاث لغات : إسكان الطاء ، وكسرها منونة ، وغير منونة ، وقيل : إن " قط " صوت جهنم ، وإنما تقول : هل من مزيد ، تغيظا على العصاة ، ونتكلم عن قريب في معنى القدم في حديث أبي هريرة .