( 68 ) سُورَةُ ( ن وَالْقَلَمِ ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ قَتَادَةُ : حَرْدٍ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَخَافَتُونَ ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيَّ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنا لَضَالُّونَ ؛ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : كَالصَّرِيمِ ؛ كالصُّبْحُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ ، وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ . وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ ن وَالْقَلَمِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْمَشْهُورُ فِي " ن " أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاءُ ، وَقِيلَ : بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْحُوتُ ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا قَالَ : " أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ وَالْحُوتَ ، قَالَ : اكْتُبْ . قَالَ : مَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ قَرَأَ : " ن " وَالْقَلَمِ " . فَالنُّونُ : الْحُوتُ ، وَالْقَلَمُ : الْقَلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ قَتَادَةُ : حَرْدٍ ؛ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ ) هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الِاجْتِهَادُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : كَانَتِ الْجَنَّةُ لِشَيْخٍ ، وَكَانَ يُمْسِكُ قُوتَهُ سَنَةً وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ ، وَكَانَ بَنُوهُ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالُوا : لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ يَقُولُ : عَلَى جِدٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ ؛ قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ الْحَسَنُ : عَلَى فَاقَةٍ . وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : هُمْ نَاسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ كَانَتْ لِأَبِيهِمْ جَنَّةٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى أَنْ قَالَ : وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ قَالَ : أَمْرٌ مُجْتَمِعٌ . وَقَدْ قِيلَ فِي حَرْدٍ إِنَّهَا اسْمُ الْجَنَّةِ ، وَقِيلَ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ فِيهِ أَقْوَالًا أُخْرَى : الْقَصْدُ وَالْمَنْعُ وَالْغَضَبُ وَالْحِقْدُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَخَافَتُونَ ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيِّ ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ هُنَا ، وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا لَضَالُّونَ ؛ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ : أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَخْطَأْنَا الطَّرِيقَ ، مَا هَذِهِ جَنَّتُنَا . ( تَنْبِيهٌ ) : زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ : ضَلَلْنَا ؛ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، تَقُولُ : ضَلَلْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَعَلْتَهُ فِي مَكَانٍ ثُمَّ لَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ ، وَأَضْلَلْتُ الشَّيْءَ إِذَا ضَيَّعْتَهُ ، انْتَهَى . وَالَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ صَحِيحُ الْمَعْنَى ، عَمِلْنَا عَمَلَ مَنْ ضَيَّعَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ أَوَّلِ أَضْلَلْنَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : كَالصَّرِيمِ ؛ كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ النَّهَارُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الصَّرِيمُ اللَّيْلُ الْمُسْوَدُّ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الرَّمْلَةُ تَنْصَرِمُ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ فَيُقَالُ : صَرِيمَةٌ ، وَصَرِيمَةُ أَمْرِكَ قَطْعُهُ . قَوْلُهُ : ( وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ ) هُوَ مَحْصُلُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ؛ كَأَنَّهَا قَدْ صُرِمَتْ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّرِيمَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَعَانٍ يَرْجِعُ جَمِيعُهَا إِلَى انْفِصَالِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ : صَرِيمٌ ؛ بِمَعْنَى مَصْرُومٌ . ( تَكْمِيلٌ ) : قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : أَخْبَرَنِي تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : هِيَ - يَعْنِي الْجَنَّةَ الْمَذْكُورَةَ - أَرْضٌ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا : صِرْفَانُ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَنْعَاءَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ . قَوْلُهُ : تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ أَيْضًا فِي " الْمُسْتَخْرَجِ " لِأَبِي نُعَيْمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَعْنَى تَلِينُ فَيَلِينُونَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ . قَوْلُهُ : ( مَكْظُومٌ وَكَظِيمٌ : مَغْمُومٌ ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ ، وَرَأَيْتُهُ أَيْضًا فِي " مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ " ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَهُوَ مَكْظُومٌ مِنَ الْغَمِّ مِثْلُ كَظِيمٍ . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ مَكْظُومٌ قَالَ : مَغْمُومٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ ن وَالْقَلَمِ · ص 529 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ · ص 530 1 - باب : ( عتل بعد ذلك زنيم ) 4917 - حدثنا محمود ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ قال : رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة . قَوْلُهُ : ( بَابُ : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ اخْتُلِفَ فِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ، فَقِيلَ : هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَقِيلَ : الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ ذَكَرَهُ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَقِيلَ : الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وَذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ ، عَنِ الْقُتَيْبِيِّ ، وَحَكَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ : يُقَالُ : هُوَ الْأَخْنَسُ ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ الْأَسْوَدُ وَلَيْسَ بِهِ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ؛ فَإِنَّهُ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَسْلَمَ وَذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ : مُحَمَّدٌ ، وَكَأَنَّهُ الذُّهْلِيَّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ) هُوَ مِنْ شُيُوخِ الْمُصَنِّفِ ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَالَّذِي هُنَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ) لِإِسْرَائِيلَ فِيهِ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى أَيْضًا وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيقٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ : الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ . قَوْلُهُ : ( رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ فِي آخِرِهِ : يُعْرَفُ بِهَا ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمَذْكُورَةِ : يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَمَا تُعْرَفُ الشَّاةُ بِزَنَمَتِهَا . وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نُعِتَ فَلَمْ يُعْرَفْ ، حَتَّى قِيلَ : زَنِيمٌ ؛ فَعُرِفَ ، وَكَانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ فِي عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِهَا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الزَّنِيمُ ؛ الْمُعَلَّقُ فِي الْقَوْمِ لَيْسَ مِنْهُمْ ، قَالَ الشَّاعِرُ : زَنِيمٌ لَيْسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبُوهُ وَقَالَ حَسَّانُ : وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ قَالَ : وَيُقَالُ لِلتَّيْسِ زَنِيمٌ لَهُ زَنَمَتَانِ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة ن والقلم · ص 255 سورة ن والقلم أي هذا في تفسير بعض سورة نون والقلم ، ولم يقع لفظ سورة إلا في رواية أبي ذر ، وقال مقاتل : مكية كلها ، وذكر ابن النقيب عن ابن عباس من أولها إلى قوله : سَنَسِمُهُ مكي ، ومن بعد ذلك إلى قوله : لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ مدني ، وقال السخاوي : نزلت بعد سورة المزمل وقبل المدثر ، وهي ألف ومائتان وستة وخمسون حرف ، وثلاثمائة كلمة ، واثنتان وخمسون آية . واختلف المفسرون في معناه ؛ فعن مجاهد ومقاتل والسدي وآخرين هو الحوت الذي يحمل الأرض ، وهي رواية عن ابن عباس ، واختلف في اسمه ؛ فعن الكلبي ومقاتل بهموت ، وعن الواقدي : ليوثا ، وعن علي : بلهوت . وقيل : هي حروف الرحمن ، وهي رواية عن ابن عباس قال : الر و حم و نون حروف الرحمن مقطعة ، وعن الحسن وقتادة والضحاك النون الدواء ، وهي رواية عن ابن عباس أيضا ، وعن معاوية بن قرة : لوح من نور رفعه الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن كيسان هو قسم أقسم الله به ، وعن عطاء : افتتاح اسمه نور وناصر ونصير ، وعن جعفر : نون نهر في الجنة . بسم الله الرحمن الرحيم لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . وقال قتادة : حَرْدٍ جد في أنفسهم أشار به قتادة إلى قوله تعالى : وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ وفسر قوله : حَرْدٍ بقوله : جد بكسر الجيم وتشديد الدال ، وهو الاجتهاد والمبالغة في الأمر ، وقال ابن التين : وضبط في بعض الأصول بفتح الجيم ، رواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة ، وقال الثعلبي : على قدرة قادرين على أنفسهم ، وعن النخعي ومجاهد وعكرمة : على أمر مجمع قد أسسوه بينهم ، وعن سفيان : على حنق وغضب ، وعن أبي عبيدة : على منع . وقال ابن عباس : لَضَالُّونَ أضللنا مكان جنتنا أي قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ؛ أي أضللنا مكان جنتنا ، رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه ، والضمير في قوله : فَلَمَّا رَأَوْهَا يرجع إلى الجنة في قوله : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ يعني امتحنا واختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع كما بلونا ، أي كما ابتلينا أصحاب الجنة ، قال ابن عباس : بستان باليمن ، يقال له : الضروان ، دون صنعاء بفرسخين ، وكانوا حلفوا أن لا يصرمن نخلها إلا في الظلمة قبل خروج الناس من المساكن إليها ، فأرسل الله عليها نارا من السماء فأحرقتها وهم نائمون ، فلما قاموا وأتوا إليها ورأوها قالوا : إنا لضالون ، وليست هذه جنتنا . قوله : أضللنا قال بعضهم : زعم بعض الشراح أن الصواب في هذا أن يقال : ضللنا بغير ألف ؛ تقول : ضللت الشيء إذا جعلته في مكان ، ثم لم تدر أين هو ، وأضللت الشيء إذا ضيعته ، ثم قال : والذي وقع في الرواية صحيح المعنى ، أي عملنا عمل من ضيع ، ويحتمل أن يكون بضم أول أضللنا . انتهى . قلت : أراد ببعض الشراح الحافظ الدمياطي ؛ فإنه قال هكذا ، والذي قاله هو الصواب ؛ لأن اللغة تساعده ، ولكن الذي اختاره هذا القائل من الوجهين اللذين ذكرهما بعيد جدا ؛ أما الأول فليس بمطابق لقول أهل الجنة ؛ فإن عملهم لم يكن إلا رواحهم إلى جنتهم فقط ، وليس فيه عمل عمل من ضيع ، وأما الثاني فبالاحتمال الذي لا يقطع ، ولكن يقال في تصويب الذي وقع به الرواية : أضللنا أنفسنا عن مكان جنتنا يعني هذه ليست بجنتنا ، بل تهنا في طريقها . وقال غيره : كالصريم كالصبح انصرم من الليل ، والليل انصرم من النهار ، وهو أيضا كل رملة انصرمت من معظم الرمل ، والصريم أيضا المصروم ، مثل : قتيل ومقتول أي قال غير ابن عباس في قوله تعالى : فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ أي فأصبحت الجنة المذكورة كالصريم ، وفسره بقوله : كالصبح انصرم ، أي انقطع من الليل إلى آخره ظاهر . مكظوم وكظيم : مغموم ، تدهن فيدهنون : ترخص فيرخصون هذا كله للنسفي ، ولم يقع للباقين ، وأشار بقوله : تدهن إلى قوله تعالى : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وفسره بقوله : ترخص فيرخصون ، وكذا روي عن ابن عباس ، وعن عطية والضحاك : لو تكفر فيكفرون ، وعن الكلبي : لو تلين لهم فيلينون لك ، وعن الحسن : لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم ، وعن الحسن : لو تقاربهم فيقاربونك ، وأشار بقوله : مكظوم إلى قوله تعالى : وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ وفسره بقوله : مغموم ، وأشار أيضا بأن مكظوم وكظيم سواء في المعنى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب عتل بعد ذلك زنيم · ص 256 باب : عتل بعد ذلك زنيم . أي هذا باب في قوله تعالى : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ أي مع ذلك ، والعتل الفاتك الشديد المنافق - قاله ابن عباس ، وعن عبيد بن عمير : العتل الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة يدفع الملك من أولئك في جهنم سبعين ألفا دفعة واحدة ، والزنيم هو الدعي الملحق النسب الملصق بالقوم ، وليس منهم ، وعن علي رضي الله تعالى عنه : الزنيم الذي لا أصل له . وقيل : هو الذي له زنمة كزنمة الشاة . وقيل : هو المرمي بالأبنة . 410 - حدثنا محمود ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ قال : رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمود هو ابن غيلان ، ووقع في رواية المستملي : محمد ؛ فإن صح فهو الذهلي ، وعبيد الله هو ابن موسى من شيوخ البخاري ، وروى عنه هنا بواسطة ، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وأبو حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين ، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي . والحديث أخرجه النسائي في التفسير ، عن أحمد بن سليمان . قوله : قال : رجل من قريش ، أي قال ابن عباس : الزنيم هو رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة ، وقال الزمخشري : الزنمة هي الهنة من جلد الماعز تقطع فتخلى معلقة في حلقها . وقيل : الزنمة للمعز في حلقها كالقرط ، فإن كانت في الأذن فهو زنمة ، واختلف في الموصوف بهذه الصفة القبيحة ؛ فعن ابن عباس هو الوليد بن المغيرة المخزومي ، وقال عطاء والسدي : هو الأخنس بن شريق ، وقال مجاهد : الأسود بن عبد يغوث ، وعن مجاهد : كانت للوليد ست أصابع في كل يد أصبع زائدة .