( 80 ) سُورَةُ ( عَبَسَ ) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى كَلَحَ وَأَعْرَضَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مُطَهَّرَةٌ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا جَعْلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لِأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ ، فَجَعَلَ التَّطْهِيرَ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا . سَفَرَةٍ : الْمَلَائِكَةُ ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ ، سَفَرْتُ : أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : تَصَدَّى ؛ تَغَافَلُ عَنْهُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( لَمَّا يَقْضِ ) ؛ لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ؛ تَغْشَاهَا شِدَّةٌ . مُسْفِرَةٌ : مُشْرِقَةٌ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَتَبَةٍ . أَسْفَارًا : كُتُبًا . تَلَهَّى : تَشَاغَلُ . يُقَالُ : وَاحِدُ الْأَسْفَارِ سِفْرٌ . 4937 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ : سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القرآن وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ عَبَسَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : عَبَسَ وَتَوَلَّى كَلَحَ وَأَعْرَضَ ) أَمَّا تَفْسِيرُ عَبَسَ فَهُوَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ تَوَلَّى فَهُوَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي أَنَّ فَاعِلَ عَبَسَ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : هُوَ الْكَافِرُ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : " نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرْشِدْنِي - وَعِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ - فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ فَيَقُولُ لَهُ : أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا . فَنَزَلَتْ : " عَبَسَ وَتَوَلَّى " . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ أَنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُخَاطِبُ عُتْبَةَ ، وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ . وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : عُتْبَةُ ، وَأَبُو جَهْلٍ ، وَعَيَّاشٌ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ : كَانَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ نَاسٌ مِنْ وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ ، وَعُتْبَةُ ، فَهَذَا يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ . قَوْلُهُ : مُطَهَّرَةٍ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مُطَهَّرَةٌ . . . إِلَخْ ، وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ ، وَكَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ . فَذَكَرَ الْأَثَرَ الْآتِيَ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ غَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا . قَوْلُهُ : ( جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لِأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ ، فَجَعَلَ التَّطْهِيرَ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْغُلْبُ الْمُلْتَفَّةُ ، وَالْأَبُّ : مَا يَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ : سَفَرَةٍ : الْمَلَائِكَةُ ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ ، سَفَرْتُ : أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ ، وَزَادَ : قَالَ الشَّاعِرُ : وَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وَمَا أَمْشِي بِغِشٍّ إِنْ مَشِيتُ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلُ اللَّهِ ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ ، الصَّحِيحُ أَنَّ فِيهِمُ الرُّسُلَ وَغَيْرَ الرُّسُلِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مِنْهُمُ السَّاجِدَ فَلَا يَقُومُ وَالرَّاكِعَ فَلَا يَعْتَدِلُ ، الْحَدِيثَ . وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَأُجِيبَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ قَوْلُهُ : تَصَدَّى تَغَافَلُ عَنْهُ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ : " وَقَالَ غَيْرُهُ . . . إِلَخْ " وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ . وَالَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أَيْ : تَتَعَرَّضُ لَهُ ، تَلَهَّى : تَغَافَلُ عَنْهُ ، فَالسَّاقِطُ لَفْظُ تَتَعَرَّضُ لَهُ وَلَفْظُ تَلَهَّى ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ تَلَهَّى عَلَى الصَّوَابِ ، وَهُوَ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي اللَّفْظَتَيْنِ ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّى وَتَتَلَهَّى ، وَقَدْ تَعَقَّبَ أَبُو ذَرٍّ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : إِنَّمَا يُقَالُ تَصَدَّى لِلْأَمْرِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ ، فَأَمَّا تَغَافَلُ فَهُوَ تَفْسِيرُ تَلَهَّى . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : قِيلَ : تَصَدَّى ؛ تَعَرَّضُ . وَهُوَ اللَّائِقُ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَافَلْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّمَا تَغَافَلَ عَنِ الْأَعْمَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَمَّا يَقْضِ ؛ لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : " لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ " . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ؛ تَغْشَاهَا شِدَّةٌ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً قَالَ : يَصِيرَانِ غَبَرَةً عَلَى وُجُوهِ الْكُفَّارِ لَا عَلَى وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ قَوْلُهُ : مُسْفِرَةٌ : مُشْرِقَةٌ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَتَبَةٍ ، أَسْفَارًا : كُتُبًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قَالَ : كَتَبَةٍ ، وَاحِدُهَا سَافِرٌ ، وَهِيَ كَقَوْلِهِ : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا قَالَ : كُتُبًا ، وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قَالَ : كَتَبَةٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ أَيْ كَتَبَةٍ ، وَاحِدُهَا سَافِرٌ . قَوْلُهُ : ( تَلَهَّى تَشَاغَلُ ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( يُقَالُ : وَاحِدُ الْأَسْفَارِ سِفْرٌ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا الْأَسْفَارُ وَاحِدُهَا سِفْرٌ ، وَهِيَ الْكُتُبُ الْعِظَامُ . قَوْلُهُ : فَأَقْبَرَهُ ، يُقَالُ : أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ ؛ جَعَلْتُ لَهُ قَبْرًا ، وَقَبَرْتُهُ : دَفَنْتُهُ ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ جَعَلَهُ مَقْبُورًا ، وَلَمْ يَقُلْ : قَبَرَهُ ؛ لِأَنَّ الْقَابِرَ هُوَ الدَّافِنُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ فَأَقْبَرَهُ : أَمَرَ بِأَنْ يُقْبَرَ ، جَعَلَ لَهُ قَبْرًا ، وَالَّذِي يَدْفِنُ بِيَدِهِ هُوَ الْقَابِرُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ) ؛ أَيِ ابْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ ، لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَآخَرَ مُعَلَّقٍ فِي الْمَنَاقِبِ . قَوْلُهُ : ( مَثَلُ ) بِفَتْحَتَيْنِ ؛ أَيْ صِفَتُهُ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَثَلُ الْجَنَّةِ قَوْلُهُ : ( وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَةِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوَابِ . قُلْتُ : أَرَادَ بِذَلِكَ تَصْحِيحَ التَّرْكِيبِ ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا رَبْطَ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ مَثَلُ وَالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ مَعَ السَّفَرَةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْمَثَلُ بِمَعْنَى الشَّبِيهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ : شَبِيهُ الَّذِي يَحْفَظُ كَائِنٌ مَعَ السَّفَرَةِ ، فَكَيْفَ بِهِ ! وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَأَنَّهُ قَالَ : صِفَتُهُ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ كَأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَةِ ، وَصِفَتُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَجْرَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : اخْتُلِفَ هَلْ لَهُ ضِعْفُ أَجْرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ حَافِظًا أَوْ يُضَاعَفُ لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْأَوَّلِ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : وَهَذَا أَظْهَرُ ، وَلِمَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُولَ : الْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريعَبَسَ وَتَوَلَّى كَلَحَ وَأَعْرَضَ · ص 560 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة عبس · ص 278 سورة عبس أي هذا في تفسير بعض سورة عبس ، وتسمى سورة السفرة ، وهي مكية ، وهي خمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفا ، ومائة وثلاث وثلاثون كلمة ، واثنتان وأربعون آية ، وذكر السخاوي أنها نزلت قبل سورة القدر ، وبعد سورة النجم ، وذكر الحاكم مصححا عن عائشة أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : يا رسول الله أرشدني ، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من عظماء المشركين ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ، ويقبل على الآخرين ، الحديث . بسم الله الرحمن الرحيم . لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . عبس كلح وأعرض . تفسير عبس بقوله : كلح هو لأبي عبيدة ، وتفسيره بأعرض لغيره ، ولم يختلف السلف في أن فاعل عبس هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وأغرب الداودي ، فقال : هو الكافر الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى ، قيل : كان هذا أبي بن خلف ، رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، وقيل : أمية بن خلف ، رواه سعيد بن منصور ، وروى ابن مردويه من حديث عائشة أنه كان يخاطب عتبة وشيبة ابني ربيعة ، وروي من وجه آخر عن عائشة أنه كان في مجلس فيه ناس من وجوه المشركين فيهم أبو جهل وعتبة ، فهذا يجمع الأقوال . مطهرة لا يمسها إلا المطهرون ، وهم الملائكة ، وهذا مثل قوله : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا جعل الملائكة ، والصحف مطهرة ؛ لأن الصحف يقع عليها التطهير ، فجعل التطهير لمن حملها أيضا . أشار به إلى قوله تعالى : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ وفسر المطهرة بقوله : لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة ، يعني : لما كانت الصحف تتصف بالتطهير وصف أيضا حاملها ، أي الملائكة ، فقيل : لا يمسها إلا المطهرون ، وهذا كما في المدبرات أمرا ، فإن التدبير لمحمول خيول الغزاة فوصف الحامل ، يعني : الخيول به ، فقيل : فالمدبرات أمرا ، وقال الكرماني : وفي بعض النسخ لا يقع بزيادة لا ، وفي توجيهه تكلف، قلت : وجهه أن الصحف لا يطلق عليها التطهير الذي هو خلاف التنجيس حقيقة ، وإنما المراد أنها مطهرة عن أن ينالها أيدي الكفار ، وقيل : مطهرة عما ليس بكلام الله ، فهو الوحي الخالص ، والحق المحض . وقوله : مطهرة في رواية غير أبي ذر ، والنسفي ، وقال غيره : مطهرة ، وهذا يقتضي تقدم أحد قبله حتى يصح ، وقال غيره : والظاهر أن في أول تفسير عبس ، وقال مجاهد : عبس كلح ، ثم قال : وقال غيره ، أي غير مجاهد . وقال مجاهد : الغلب الملتفة ، والأب ما يأكل الأنعام . أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا وقال : الغلب الملتفة من الالتفاف ، والأب بالتشديد ما يأكل الأنعام ، وهو الكلأ ، والمرعى ، وعن الحسن هو الحشيش وما تأكله الدواب ، ولا يأكله الناس ، وقال الثعلبي : الغلب غلاظ الأشجار واحده أغلب ، ومنه ، قيل للغليظ الرقبة الأغلب ، وعن قتادة الغلب النخل الكرام ، وعن ابن زيد عظام الجذوع ، وهذا لم يثبت إلا للنسفي . سفرة الملائكة واحدهم سافر سفرت أصلحت بينهم وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم . أشار به إلى قوله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ أي بأيدي الملائكة . قوله : واحدهم ، أي واحد السفرة سافر ، وعن قتادة واحدهم سفير ، وإنما ذكره بواو الجماعة باعتبار الملائكة . قوله : سفرت إشارة إلى أن معنى سافر من سفرت بمعنى أصلحت بينهم ، ومنه السفير ، وهو الرسول ، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم بالصلح ، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم ، وعن ابن عباس ومقاتل سفرة كتبة وهم الملائكة الكرام الكاتبون ، ومنه قيل للكتاب سفر وجمعه أسفار ، ويقال للوراق سفر بلغة العبرانية . قوله : وتأديته من الأداء ، أي وتبليغه ، ويروى وتأديبه من الأدب لا من الأداء ، قاله الكرماني ، وفيه ما فيه . تصدى تغافل عنه . أشار به إلى قوله تعالى : فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وفسره بقوله : تغافل ، وأصله تتغافل ، وكذلك أصل تصدى تتصدى ، فحذفت إحدى التاءين ، وقال الزمخشري : أي تتعرض له بالإقبال عليه ، وهذا هو المناسب المشهور ، وقال صاحب ( التلويح ) في أكثر النسخ تصدى تغافل عنه ، والذي في غيرها تصدى أقبل عليه ، وكأنه الصواب ، وعليه أكثر المفسرين ، ووقع في رواية النسفي ، وقال غيره : تصدى تغافل ، وهذا يقتضي تقدم ذكر أحد قبله حتى يستقيم أن يقال : وقال غيره . وقال مجاهد : لما يقض لا يقضي أحد ما أمر به . أي قال مجاهد في قوله تعالى : لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ وتفسيره ظاهر ، وأمر على صيغة المجهول ، ورواه عبد ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ولفظه : لا يقض أحد ما افترض عليه . وقال ابن عباس : ترهقها تغشاها شدة . أي قال ابن عباس في قوله تعالى : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ تغشاها شدة ، ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه به ، وقيل : يصيبها ظلمة ، وذلة وكآبة وكسوف وسواد ، وعن ابن زيد الفرق بين الغبرة ، والقترة أن الغبرة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء ، والقترة ما كان أسفل في الأرض . مسفرة مشرقة . كذا فسره ابن عباس ، رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عنه . بأيدي سفرة ، وقال ابن عباس : كتبة أسفارا كتبا . قد مر الكلام فيه عن قريب ، وهو من وجه مكرر . تلهى تشاغل . أشار به إلى قوله تعالى : فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أصله تتلهى ، أي تتشاغل حذفت التاء منهما ، وقال الثعلبي : أي تعرض وتتغافل عنه وتتشاغل بغيره . يقال : واحد الأسفار سفر . سقط هذا لأبي ذر ، والأسفار جاء في قوله تعالى : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ذكره استطرادا ، وهو جمع سفر بكسر السين ، وهو الكتاب ، وقد مر عن قريب . فأقبره ، يقال : أقبرت الرجل جعلت له قبرا قبرته دفنته . أشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ قوله : يقال إلى آخره ظاهر ، وقال الفراء : أي جعلته مقبورا ، ولم يقل قبره ؛ لأن القابر هو الدافن ، وقال أبو عبيدة : فأقبره ، أي جعل له قبرا ، والذي يدفن بيده هو القابر . 431 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا قتادة ، قال : سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن سعد بن هشام ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل الذي يقرأ القرآن ، وهو حافظ له مع السفرة الكرام ، ومثل الذي يقرؤه ، وهو يتعاهده ، وهو عليه شديد فله أجران . مطابقته لقوله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ وسعيد بن هشام بن عامر الأنصاري ، ولأبيه صحبة ، وليس له في البخاري إلا هذا الموضع ، وآخر معلق في المناقب . والحديث أخرجه مسلم في التفسير عن محمد بن عبيد ، وغيره ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم ، وأخرجه الترمذي في فضائل القرآن عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، وغيره ، وفي التفسير عن أبي الأشعث ، وأخرجه ابن ماجه في ثواب القرآن عن هشام بن عمار . قوله : مثل الذي بفتحتين ، أي صفته كما في قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قوله : وهو حافظ له ، أي للقرآن ، والواو فيه للحال . قوله : مع السفرة ، ويروى مثل السفرة ، وقال ابن التين : كأنه مع السفرة فيما يستحقه من الثواب ، وقال الكرماني : لفظ مثل زائد ، وإلا فلا رابطة بينه وبين السفرة ، لأنهما مبتدأ وخبر ، فيكون التقدير الذي يقرأ القرآن مع السفرة الكرام ، أي كائن معهم ، ويجوز أن يكون لفظ مثل بمعنى مثيل بمعنى شبيه ، فيكون التقدير شبيه الذي يقرأ القرآن مع السفرة الكرام . قوله : وهو يتعاهده ، أي يضبطه ، ويتفقده . قوله : وهو عليه شديد ، أي والحال أن التعاهد عليه شديد . قوله : فله أجران من حيث التلاوة ، ومن حيث المشقة ، قاله القرطبي ، فإن قلت : ما معنى كون الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة، قلت : له معنيان أحدهما : أن يكون له منازل ، فيكون فيها رفيقا للملائكة لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله تعالى ، والآخر : أن يكون المراد أنه عامل بعمل السفرة وسالك مسلكهم .