( 83 ) سُورَةُ ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : رَانَ ؛ ثَبْتُ الْخَطَايَا . ثُوِّبَ : جُوزِيَ . الرَّحِيقُ : الْخَمْرُ . خِتَامُهُ مِسْكٌ طِينُهُ . التَّسْنِيمُ : يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُطَفِّفُ لَا يُوَفِّي غَيْرَهُ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بَلْ رَانَ ؛ ثَبْتُ الْخَطَايَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَرُوِّينَا فِي " فَوَائِدِ الدِّيبَاجِيِّ " مِنْ طَرِيقِ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ قَالَ : ثَبَتَتْ عَلَى قُلُوبِهِمُ الْخَطَايَا حَتَّى غَمَرَتْهَا ، انْتَهَى . وَالرَّانُ وَالرَّيْنُ : الْغِشَاوَةُ ، وَهُوَ كَالصَّدَى عَلَى الشَّيْءِ الصَّقِيلِ . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَتْ ، فَإِنْ هُوَ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ ، فَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَرُوِّينَا فِي " الْمَحَامِلِيَّاتِ " مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ الرَّيْنَ هُوَ الطَّبْعُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُ مُجَاهِدٍ هَذَا " ثَبَتَ " بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُ ثَانِيهِ . قَوْلُهُ : ثُوِّبَ جُوزِيَ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( الرَّحِيقُ : الْخَمْرُ ، خِتَامُهُ مِسْكٌ طِينُهُ . التَّسْنِيمُ : يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُطَفِّفُ لَا يُوَفِّي غَيْرَهُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مَعْنٌ ) هُوَ ابْنُ عِيسَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مَالِكٌ ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَرَائِبِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي " الْمُوَطَّأِ " ، وَقَدْ تَابَعَ مَعْنَ بْنَ عِيسَى عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَإِسْحَاقُ الْقَرَوِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى ، أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " الْغَرَائِبِ " ؛ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ · ص 565 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ · ص 565 بَاب : ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) 4938 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ؛ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ . قَوْلُهُ : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَوْلُهُ : ( فِي رَشَحِهِ ) بِفَتْحَتَيْنِ ؛ أَيْ عَرَقِهِ ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْبَدَنِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَمَا يَرْشَحُ الْإِنَاءُ الْمُتَحَلِّلُ الْأَجْزَاءَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ : حَتَّى إِنَّ الْعَرَقَ يُلْجِمُ أَحَدَهُمْ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ . قَوْلُهُ : ( إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ ) هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْجَمِيعِ إِلَى الْجَمِيعِ حَقِيقَةً وَمَعْنًى ، لِأَنَّ لِكُلٍ وَاحِدٍ أُذُنَيْنِ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة ويل للمطففين · ص 282 سورة ويل للمطففين أي هذا في تفسير بعض سورة ويل للمطففين ، وفي بعض النسخ سورة المطففين ، وقال أبو العباس في رواية همام ، وسعيد ، عن قتادة ، ومحمد بن ثور ، عن معمر : إنها مكية ، وكذا قال سفيان ، وقال السدي : إنها مدنية ، وعن الكلبي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه من مكة إلى المدينة ، وقال مقاتل : مدنية غير آية نزلت بمكة ، قال : أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وعند ابن النقيب عنه هي أول سورة نزلت بالمدينة ، وذكر السخاوي أنها نزلت بعد سورة العنكبوت ، وفي ( سنن النسائي ) ، وابن ماجه بإسناد صحيح من طريق يزيد النحوي عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا ، فأنزل الله عز وجل : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسنوا الكيل بعد ذلك ، وقال الثعلبي : مدنية ، وهي سبعمائة وثمانون حرفا ، ومائة وتسع وستون كلمة ، وست وثلاثون آية . بسم الله الرحمن الرحيم . لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . قوله : ويل ، قال مقاتل : ويل واد في جهنم قعره سبعون سنة ، فيه سبعون ألف شعب ، في كل شعب سبعون ألف شق ، في كل شق سبعون ألف مغار ، في كل مغار سبعون ألف قصر كالتوابيت من حديد ، في كل تابوت سبعون ألف شجرة ، في كل شجرة سبعون ألف غصن من نار ، في كل غصن سبعون ألف ثمرة طولها سبعون ألف ذراع ، تحت كل شجرة سبعون ألف ثعبان ، وسبعون ألف عقرب ، طول كل ثعبان مسيرة شهر ، وغلظه كالجبل ، له أنياب كالنخل ، له ثلاثمائة وسبعون قفازا ، في كل قفاز قلة من سم ، وذكره القتبي في كتابه ( عيون الأخبار ) عن ابن عباس ، وذكر ابن وهب نحوه في ( كتاب الأهوال ) ، وقال صاحب ( التلويح ) : وفي ( صحيح ابن حبان ) أصل لهذا من حديث أبي هريرة : يسلط على الكافر تسعة وتسعون تنينا ، أتدرون ما التنين ، سبعون حية لكل حية سبع رؤوس يلسعونه ، ويخدشونه إلى يوم القيامة ، والمطففون الذين ينقصون الناس ، ويبخسون حقوقهم في الكيل والوزن ، وأصله من الشيء الطفيف ، وهو النزر القليل ، والتطفيف البخس في الكيل والوزن ؛ لأن ما يبخس شيء طفيف حقير . وقال مجاهد : بل ران ثبت الخطايا . أي قال مجاهد في قوله تعالى : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وفسر ران بقوله : ثبت الخطايا ، وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : أثبتت على قلوبهم الخطايا حتى غمرتها وران من الرين ، وأصله الغلبة ، يقال : رانت الخمر على قلبه إذا غلبت عليه فسكر ، ومعنى الآية غلبت الخطايا على قلوبهم وأحاطت بها حتى غمرتها وغشيتها ، ويقال : الران ، والرين الغشاوة ، وهو كالصدى على الشيء الصقيل . ثوب جوزي . أشار به إلى قوله تعالى : هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وفسر ثوب بقوله : جوزي على صيغة المفعول من الجزاء ، وهو قول أبي عبيدة ، وروي عن مجاهد أيضا . وقال غيره : المطفف لا يوفي غيره . أي قال غير مجاهد في قوله تعالى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ المطفف لا يوفي غيره ، أي لا يقوم بوفاء حق غيره ، بل في دفعه بخس ونقص . الرحيق الخمر ختامه مسك طينته التسنيم يعلو شراب أهل الجنة . أشار به إلى قوله عز وجل : يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ وفسر الرحيق بالخمر ، وأشار بقوله : خِتَامُهُ مِسْكٌ إلى قوله عز وجل : مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ يعني ختمت بمسك ، ومنعت من أن يمسها ماس ، أو تتناولها يد إلى أن يفك ختمها الأبرار يوم القيامة ، وأشار بقوله : طينته التسنيم إلى قوله تعالى : وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ قال الضحاك : وهو شراب اسمه تسنيم ، وهو من أشرف الشراب ، وهو معنى قوله : يعلو شراب أهل الجنة ، وقال مقاتل : يسمى تسنيما ؛ لأنه يتسنم ، فينصب عليهم انصبابا من فوقهم في غرفهم ، ومنازلهم يجري من جنة عدن إلى أهل الجنان ، وهذا ثبت للنسفي وحده ، وتقدم شيء من ذلك في بدء الخلق . 432 - حدثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثنا معن ، قال : حدثني مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه . وجه ذكره هذا قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وإبراهيم بن المنذر بكسر الذال المعجمة اسم فاعل من الإنذار ، ومعن بفتح الميم ، وسكون العين المهملة ، وفي آخره نون ابن عيسى الأشجعي القزاز بتشديد الزاي الأولى . والحديث أخرجه مسلم في صفة جهنم عن عبد الله بن جعفر البرمكي ، وهذا الحديث من غرائب حديث مالك ، وليس هو في الموطأ ، قوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ قيامهم فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب ، وتفاقم الإثم في التطفيف . قوله : في رشحه ، أي في عرقه . قوله : إلى أنصاف أذنيه هو من إضافة الجمع إلى الجمع حقيقة ومعنى ؛ لأن لكل واحد أذنين .