( 91 ) سُورَةُ ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ضُحَاهَا ؛ ضَوْءُهَا . إِذَا تَلَاهَا : تَبِعَهَا . وَطَحَاهَا : دَحَاهَا . وَدَسَّاهَا : أَغْوَاهَا . فَأَلْهَمَهَا : عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بِطَغْوَاهَا ؛ بِمَعَاصِيهَا . وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا عُقْبَى أَحَدٍ . 4942 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ؛ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ . وَذَكَرَ النِّسَاءَ فَقَالَ : يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ . ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنْ الضَّرْطَةِ ، وَقَالَ : لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ ؟ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ضُحَاهَا ؛ ضَوْءُهَا . إِذَا تَلاهَا تَبِعَهَا . وَطَحَاهَا : دَحَاهَا . وَدَسَّاهَا : أَغْوَاهَا ) ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مُفَرَّقًا إِلَّا قَوْلَهُ : دَسَّاهَا ، فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمِيعَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَأَلْهَمَهَا : عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا عُقْبَى أَحَدٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ؛ اللَّهُ لَا يَخَافُ عُقْبَى أَحَدٍ ، وَهُوَ مَضْبُوطٌ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالْمُهْمَلَةِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ . قَالَ الْفَرَّاءُ : قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ بِالْوَاوِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْفَاءِ : " فَلَا يَخَافُ " ، فَالْوَاوُ صِفَةُ الْعَاقِرِ ؛ أَيْ عَقَرَ وَلَمْ يَخَفْ عَاقِبَةَ عَقْرِهَا ، أَوِ الْمُرَادُ لَا يَخَافُ اللَّهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ إِهْلَاكِهَا ، فَالْفَاءُ عَلَى هَذَا أَجْوَدُ ، وَالضَّمِيرُ فِي عُقْبَاهَا لِلدَّمْدَمَةِ أَوْ لِثَمُودَ أَوْ لِلنَّفْسِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا ، وَالدَّمْدَمَةُ : الْهَلَاكُ الْعَامُّ . قَوْلُهُ : بِطَغْوَاهَا : مَعَاصِيهَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : " مَعْصِيَتِهَا " وَهُوَ الْوَجْهُ . وَالطَّغْوَى - بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْقَصْرِ : الطُّغْيَانُ ، وَيَحْتَمِلُ فِي الْبَاءِ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعَانَةِ وَلِلسَّبَبِ ، أَوِ الْمَعْنَى كَذَّبَتْ بِالْعَذَابِ النَّاشِئِ عَنْ طُغْيَانِهَا . قَوْلُهُ : ( هِشَامٌ ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَوْلُهُ : ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ ) ؛ أَيِ ابْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ، وَأُمُّهُ قَرِيبَةُ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَ تَحْتَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ ثَمُودَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ . قَوْلُهُ : ( وَذَكَرَ النَّاقَةَ ) ؛ أَيْ نَاقَةَ صَالِحٍ ، وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : فَخَطَبَ فَذَكَرَ كَذَا ، وَذَكَرَ النَّاقَةَ . قَوْلُهُ : ( وَالَّذِي عَقَرَ ) كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ : " عَقَرَهَا " ؛ أَيِ النَّاقَةَ . قَوْلُهُ : ( إِذِ انْبَعَثَ ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ : انْتَدَبَ ، تَقُولُ : نَدَبْتُهُ إِلَى كَذَا فَانْتَدَبَ لَهُ ؛ أَيْ : أَمَرْتُهُ فَامْتَثَلَ . قَوْلُهُ : ( عَزِيزٌ ) ؛ أَيْ قَلِيلُ الْمِثْلِ . قَوْلُهُ : ( عَارِمٌ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ ؛ أَيْ صَعْبٌ عَلَى مَنْ يَرُومُهُ ، كَثِيرُ الشَّهَامَةِ وَالشَّرِّ . قَوْلُهُ : ( مَنِيعٌ ) ؛ أَيْ : قَوِيٌّ ذُو مَنَعَةٍ ، أَيْ رَهْطٍ يَمْنَعُونَهُ مِنَ الضَّيْمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ : " ذُو مَنَعَةٍ " ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ وَسَبَبُ عَقْرِهِ النَّاقَةَ . قَوْلُهُ : ( مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ ) يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَذَكَرَ النِّسَاءَ ) ؛ أَيْ وَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ النِّسَاءَ اسْتِطْرَادًا إِلَى مَا يَقَعُ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ . قَوْلُهُ : ( يَعْمِدُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " فِي ضَحِكٍ " بِالتَّنْوِينِ ، وَقَالَ : لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ ؟ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ . . . إِلَخْ ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : " مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ " كَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ سَوَاءً . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ فِي آخِرِهِ : " عَمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ " . قَوْلُهُ : ( عَمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ) هُوَ عَمُّ الزُّبَيْرِ مَجَازًا ؛ لِأَنَّهُ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ ، وَالْعَوَّامُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ . فَنَزَلَ ابْنُ الْعَمِّ مَنْزِلَةَ الْأَخِ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ عَمًّا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، كَذَا جَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ بِاسْمِ أَبِي زَمْعَةَ هُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " الْمُفْهِمِ " : يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَبِي زَمْعَةَ الصَّحَابِيُّ الَّذِي بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ؛ يَعْنِي وَهُوَ عُبَيْدٌ الْبَلَوِيُّ ، قَالَ : وَوَجْهُ تَشْبِيهِهِ بِهِ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي عِزَّةٍ وَمَنْعَةٍ فِي قَوْمِهِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ الْكَافِرُ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُكَنَّى أَبَا زَمْعَةَ مِنَ الْكُفَّارِ . قُلْتُ : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْأَسْوَدُ ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ رَاوِي هَذَا الْخَبَرِ ، لِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ : " عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ " ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْبَلَوِيِّ وَبَيْنَ الزُّبَيْرِ نَسَبٌ . وَقَدْ أَخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَزَادَ : " قَالَ : فَتَحَدَّثَ بِهَا عُرْوَةُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ جَالِسٌ ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْهَا ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : يَا ابْنَ أَخِي ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَنِيهَا أَبُوكَ إِلَّا وَهُوَ يَفْخَرُ بِهَا ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ أَحَدُ الْمُسْتَهْزِئِينَ ، وَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ بِمَكَّةَ ، وَقُتِلَ ابْنُهُ زَمْعَةُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا أَيْضا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا · ص 575 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة والشمس وضحاها · ص 292 سورة والشمس وضحاها أي هذا في تفسير بعض سورة والشمس وضحاها ، وهي مكية ، وهي مائتان وسبعة وأربعون حرفا ، وأربع وخمسون كلمة ، وخمس عشرة آية . بسم الله الرحمن الرحيم . لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . وقال مجاهد : ضحاها ضوؤها ، إذا تلاها تبعها ، وطحاها دحاها ، دساها أغواها . أي قال مجاهد في قوله عز وجل : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا أي ضوؤها ، يعني : إذا أشرقت وقام سلطانها ، ولذلك قيل : وقت الضحى ، وكأن وجهه شمس الضحى ، وقيل : الضحوة ارتفاع النهار ، والضحى فوق ذلك ، وعن قتادة هو النهار كله ، وقال مقاتل : حرها . قوله : إذا تلاها تبعها ، يعني : قال مجاهد في قوله تعالى : وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا أي تبعها ، فأخذ من ضوئها ، وذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر طالعا . قوله : وطحاها دحاها ، أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا أي والذي طحاها ، أي دحاها ، أي بسطها ، يقال : دحوت الشيء دحوا بسطته ذكره الجوهري ، ثم قال تعالى : وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا وقال في باب الطاء : طحوته مثل دحوته ، أي بسطته . قوله : دساها أغواها ، أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا أي أغواها ، أي خسرت نفس دساها الله ، فأخملها وخذلها ، ووضع منها ، وأخفى محلها حتى عملت بالفجور وركبت المعاصي ، وهذا كله ثبت للنسفي وحده . فألهمها عرفها الشقاء ، والسعادة . أشار به إلى قوله تعالى : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا أي فألهم النفس فجورها ، أي شقاوتها وتقواها ، أي سعادتها ، وعن ابن عباس بين لها الخير ، والشر ، وعنه أيضا ، وعلمها الطاعة ، والمعصية ، وهذا أيضا ثبت للنسفي . ولا يخاف عقباها ، عقبى أحد . قبلها قوله تعالى : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا قال : فدمدم عليهم ، أي أهلكهم ربهم بتكذيبهم رسوله وعقرهم ناقته . قوله : فسواها ، أي فسوى الدمدمة عليهم جميعا وعمهم بها ، فلم يفلت منهم أحدا ، وقال المورج : الدمدمة إهلاك باستئصال . قوله : وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ، قال : عقبى أحد إنما قال : عقبى أحد مع أن الضمير في عقباها مؤنث باعتبار النفس ، وهو مؤنث ، وعبر عن النفس بالأحد ، وفي بعض النسخ أخذ بالخاء ، والذال المعجمتين ، وهو معنى الدمدمة ، أي الهلاك العام ، وقال النسفي : عقباها عاقبتها ، وعن الحسن لا يخاف الله من أحد تبعه في إهلاكهم ، وقيل : الضمير يرجع إلى ثمود ، وعن الضحاك ، والسدي ، والكلبي الضمير في لا يخاف يرجع إلى العاقر ، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره : إذا انبعث أشقاها ، ولا يخاف عقباها ، وقرأ أهل المدينة ، والشام : فلا يخاف بالفاء ، وكذلك هو في مصاحفهم ، والباقون بالواو وهكذا في مصاحفهم . وقال مجاهد : بطغواها بمعاصيها . أي قال مجاهد في قوله عز وجل : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا وقال : بمعاصيها ، ورواه الفريابي من طريق مجاهد بمعصيتها ، قال بعضهم : وهو الوجه، قلت : لم يبين ما الوجه ، بل الوجه بلفظ الجمع ، ولا يخفى ذلك ، والطغوى ، والطغيان واحد كلاهما مصدران من طغى . 438 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا ، وهيب ، حدثنا هشام ، عن أبيه أنه أخبره عبد الله بن زمعة ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، وذكر الناقة ، والذي عقر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذ انبعث أشقاها ، انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة ، وذكر النساء ، فقال : يعمد أحدكم يجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من آخر يومه ، ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة ، وقال : لم يضحك أحدكم مما يفعل . مطابقته للسورة المذكورة ظاهرة ، ووهيب مصغر وهب بن خالد ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام يروي عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة بفتح الزاي ، والميم وبسكونها ، وبالعين المهملة ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي صحابي مشهور ، وأمه قريبة أخت أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم ، وقال أبو عمر روى عنه عروة ثلاثة أحاديث ، وهي مجموعة في حديث الباب ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث ، وذكر في أحاديث الأنبياء عليهم السلام في باب قول الله تعالى : وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا عن الحميدي بالقصة الأولى ، وذكر في الأدب عن علي بن عبد الله بالقصة الثانية ، وفي النكاح عن محمد بن يوسف بالقصة الثالثة . وأخرجه مسلم في صفة النار عن ابن أبي شيبة ، وأبي كريب ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن هارون بن إسحاق ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن رافع بالقصة الأولى ، وفي عشرة النساء عن محمد بن منصور بالقصة الثالثة ، وأخرجه ابن ماجه في النكاح عن أبي بكر بن أبي شيبة بهذه القصة . قوله : وذكر الناقة ، أي ناقة صالح عليه الصلاة والسلام ، وهو معطوف على محذوف تقديره : فخطب ، وذكر كذا ، وكذا ، وذكر الناقة هذا هو الحديث الأول . قوله : والذي عقر ذكره بحذف مفعوله ، وفي الرواية المتقدمة ، والذي عقرها ، وهو قدار بن سالف ، وأمه قديرة ، وهو أحيمر ثمود الذي يضرب به المثل في الشؤم ، وقال ابن قتيبة : وكان أحمر أشقر أزرق قصيرا ، وذكر أنه ولد زنا ولد على فراش سالف . قوله : إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ، يعني : قرأ هذه الآية ، ثم قال : انبعث لها رجل ، أي قام لها ، أي للناقة رجل عزيز ، أي قليل المثل . قوله : عارم بالعين المهملة ، والراء ، أي جبار صعب شديد مفسد خبيث ، وقيل : جاهل شرس . قوله : منيع ، أي قوي ذو منعة في رهطه ، أي في قومه . قوله : مثل أبي زمعة ، وهو الأسود المذكور جد عبد الله بن زمعة ، وكان الأسود أحد المستهزئين ومات على كفره بمكة وقتل ابنه زمعة يوم بدر كافرا أيضا ، وقال القرطبي : أبو زمعة هذا يحتمل أن يكون البلوي المبايع تحت الشجرة وتوفي بإفريقية في غزوة ابن خديج ودفن بالبلوية بالقيروان ، قال : فإن كان هو هذا ، فإنه إنما شبهه بعاقر الناقة في أنه عزيز في قومه ، ومنيع على من يريده من الكفار ، قال : ويحتمل أن يريد غيره ممن يسمى بأبي زمعة من الكفار . قوله : وذكر النساء هو الحديث المذكور الثاني ، أي وذكر ما يتعلق بأمور النساء . قوله : يعمد أحدكم بكسر الميم ، أي يقصد . قوله : يجلد ، ويروى فيجلد ، أي فيضرب ، يقال : جلدته بالسيف ، والسوط ونحوهما إذا ضربته . قوله : جلد العبد ، أي كجلد العبد ، وفيه الوصية بالنساء ، والإحجام عن ضربهن . قوله : فلعله ، أي فلعل الذي يجلدها في أول اليوم يضاجعها ، أي يطؤها من آخر يومه ، وكلمة من هنا بمعنى في كما في قوله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أي في يوم الجمعة . قوله : ثم وعظهم إلى آخر الحديث الثالث ، أي ثم وعظ الرجال في ضحكهم من الضرطة ، وفي رواية الكشميهني في ضحك بالتنوين دون الإضافة إلى الضمير ، وفيه الأمر بالإغماض ، والتجاهل ، والإعراض عن سماع صوت الضراط ، وكانوا في الجاهلية إذا وقع من أحدهم ضرطة في المجلس يضحكون ونهى الشارع عن ذلك إذا وقع ، وأمر بالتغافل عن ذلك ، والاشتغال بما كان فيه ، وكان هذا من جملة أفعال قوم لوط عليه الصلاة والسلام ، فإنهم كانوا يتضارطون في المجلس ، ويتضاحكون .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة والشمس وضحاها · ص 294 وقال أبو معاوية : حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل أبي زمعة عم الزبير بن العوام . أبو معاوية هو محمد بن خازم بالمعجمتين الضرير ، وهذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه في مسنده ، قال : أخبرنا أبو معاوية إلى آخر ذكر الحديث بتمامه ، وقال في آخره : مثل أبي زمعة عم الزبير بن العوام ، وأخرجه أحمد أيضا عن أبي معاوية لكن لم يقل في آخره عم الزبير بن العوام . قوله : عم الزبير بطريق تنزيل ابن العم منزلة العم ؛ لأن الأسود هو ابن المطلب بن أسد ، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ، وقال الكرماني : اعلم أن بعضهم استدركوا عليه ، وقالوا : أبو زمعة ليس عم الزبير ، ثم أجابوا بمثل ما ذكرنا .