93 - سُورَةُ ( وَالضُّحَى ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِذَا سَجَى اسْتَوَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : سَجَى أَظْلَمَ وَسَكَنَ ، عَائِلا ذُو عِيَالٍ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ وَالضُّحَى - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِذَا سَجَى اسْتَوَى ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : سَجَى أَظْلَمَ وَسَكَنَ ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى قَالَ : الضُّحَى النَّهَارُ كُلُّهُ . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى : إِذَا أَظْلَمَ وَرَكَدَ فِي طُولِهِ ، تَقُولُ : بَحْرٌ سَاجٍ وَلَيْلٌ سَاجٍ إِذَا سَكَنَ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : إِذَا سَجَى قَالَ : إِذَا سَكَنَ بِالْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( عَائِلًا ذُو عِيَالٍ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ فَقِيرًا ، وَقَدْ وَجَدْتُهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ عَدِيمًا ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَغْنَاهُ بِمَا أَرْضَاهُ ، لَا بِكَثْرَةِ الْمَالِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ وَالضُّحَى · ص 580 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى · ص 580 1 - بَاب مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى 4950 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَذَكَرَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا حَدِيثَ جُنْدَبٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ شَكْوَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ أَنَّ الشَّكْوَى الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَرِدْ بِعَيْنِهَا ، وَأَنَّ مَنْ فَسَّرَهَا بِأُصْبُعِهِ الَّتِي دَمِيَتْ لَمْ يُصِبْ . وَوَجَدْتُ الْآنَ فِي الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا وُجُودُ جَرْوِ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَأَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ لِذَلِكَ ، وَقِصَّةُ إِبْطَاءِ جِبْرِيلَ بِسَبَبِ كَوْنِ الْكَلْبِ تَحْتَ سَرِيرِهِ مَشْهُورَةٌ ، لَكِنْ كَوْنُهَا سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ غَرِيبٌ ، بَلْ شَاذٌّ ، مَرْدُودٌ بِمَا فِي الصَّحِيحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَرَدَ لِذَلِكَ سَبَبٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ فَقَالُوا : وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى . وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ قَالَ : فَتَرَ الْوَحْيُ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَحْزَنَهُ فَقَالَ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبِي قَلَانِي ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ وَالضُّحَى . وَذَكَرَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي السِّيرَةِ الَّتِي جَمَعَهَا وَرَوَاهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : وَفَتَرَ الْوَحْيُ ، فَقَالُوا : لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَتَتَابَعَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَاهُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَالضُّحَى ، وَأَلَمْ نَشْرَحْ بِكَمَالِهِمَا وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَا تَثْبُتُ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَتْرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ وَالضُّحَى غَيْرُ الْفَتْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ ، فَإِنَّ تِلْكَ دَامَتْ أَيَّامًا وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَاخْتَلَطَتَا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَتَحْرِيرُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ مَا بَيَّنْتُهُ . وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي التَّعْبِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدِ . وَوَقَعَ فِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي سَبَبِ نُزُولِ وَالضُّحَى شَيْءٌ آخَرُ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَالرُّوحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَوَعَدَهُمْ بِالْجَوَابِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ فَضَاقَ صَدْرُهُ ، وَتَكَلَّمَ الْمُشْرِكُونَ : فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ وَالضُّحَى ، وَبِجَوَابِ مَا سَأَلُوا ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ انْتَهَى . وَذِكْرُ سُورَةِ الضُّحَى هُنَا بَعِيدٌ ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ فِي الْقِصَّتَيْنِ مُتَقَارِبًا ، فَضَمَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ إِحْدَى الْقِصَّتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي ابْتِدَاءِ الْبَعْثِ ، وَإِنَّمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ ) هُوَ الْبَجْلِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُوُ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ تَرَكَكَ ) هِيَ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِلَفْظِ : فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِلَفْظِ : حَتَّى قَالَ الْمُشْرِكُونَ وَلَا مُخَالَفَةَ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيَكُونُ الْقَائِلُ أَوِ الْفَاعِلُ وَاحِدًا ، بِمَعْنَى أَنَّ الْبَاقِينَ رَاضُونَ بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ . قَوْلُهُ : ( قَرِبَكَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ، يُقَالُ : يَقْرَبُهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ مُتَعَدِّيًا ، وَمِنْهُ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَمَّا قَرُبَ بِالضَّمِّ فَهُوَ لَازِمٌ . تَقُولُ : قَرُبَ الشَّيْءُ أَيْ دَنَا . وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَاكِمِ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : وَلَا أَرَى رَبَّكَ وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ لِمَا تَرَى مِنْ جَزَعِهِ وَهَذَانَ طَرِيقَانِ مُرْسَلَانِ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ أُمِّ جَمِيلٍ وَخَدِيجَةَ قَالَتْ ذَلِكَ ، لَكِنَّ أُمَّ جَمِيلٍ عَبَّرَتْ - لِكَوْنِهَا كَافِرَةً - بِلَفْظِ : شَيْطَانَكَ ، وَخَدِيجَةُ عَبَّرَتْ - لِكَوْنِهَا مُؤْمِنَةً - بِلَفْظِ : رَبَّكَ أَوْ صَاحِبَكَ ، وَقَالَتْ أُمُّ جَمِيلٍ شَمَاتَةً وَخَدِيجَةُ تَوَجُّعًا . 2 - بَابُ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ : مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى كَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ ، وَهُوَ تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاقِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا فِي الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ ) أَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ، وَقَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ عُرْوَةُ وَابْنُهُ هِشَامٌ ، وَابْنُ أَبِي عُلَيَّةَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَا وَدَّعَكَ يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّوْدِيعِ وَ مَا وَدَعَكَ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ مِنْ وَدَعْتُ انْتَهَى . وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ كَوْنِهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ التَّوْدِيعَ مُبَالَغَةٌ فِي الْوَدْعِ لِأَنَّ مَنْ وَدَّعَكَ مُفَارِقًا فَقَدْ بَالَغَ فِي تَرْكِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة والضحى · ص 298 سورة والضحى أي هذا في تفسير بعض سورة والضحى ، وهي مكية ، وهي مائتان واثنان وسبعون حرفا ، وأربعون كلمة ، وإحدى عشرة آية ، والضحى ، يعني : النهار كله ، قاله الثعلبي ، وعن قتادة ومقاتل ، يعني : وقت الضحى ، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس ، واعتدال النهار من الحر ، والبرد في الشتاء ، والصيف ، وهو قسم تقديره : ورب الضحى . بسم الله الرحمن الرحيم . لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . وقال مجاهد : إذا سجى استوى أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى معناه استوى ، رواه أبو محمد عن حجاج ، عن حمزة ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد . وقال غيره : سجى أظلم ، وسكن . أي قال غير مجاهد في تفسير سجى أظلم ، وهو منقول عن ابن عباس . قوله : وسكن منقول عن عكرمة ، وعن ابن عباس أيضا سجى ذهب ، وعن الحسن جاء ، وعنه استقر ، وسكن ، وقال الطبري : أولى الأقوال من قال : سكن ، يقال : بحر ساج إذا كان ساكنا . عائلا ذو عيال . أشار به إلى قوله عز وجل : وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى وفسر العائل بقوله : ذو عيال ، قال الثعلبي : فأغناك بمال خديجة رضي الله تعالى عنها ، ثم بالغنائم ، وقال مقاتل : رضاك بما أعطاك من الرزق ، وعن ابن عطاء وجدك فقير النفس ، فأغنى قلبك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ودعك ربك وما قلى · ص 299 باب ما ودعك ربك وما قلى أي هذا باب في قوله تعالى : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ولم تثبت هذه الترجمة إلا لأبي ذر وحده . 447 - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا الأسود بن قيس ، قال : سمعت جندب بن سفيان رضي الله عنه قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يقم ليلتين ، أو ثلاثا ، فجاءت امرأة ، فقالت : يا محمد ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين ، أو ثلاثا ، فأنزل الله عز وجل : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى مطابقته للترجمة ظاهرة ، وفيه بيان سبب نزول هذه السورة ، وزهير مصغر زهر هو ابن معاوية الجعفي ، والأسود بن قيس العبدي ، وقيل : البجلي ، وجندب بضم الجيم ، وسكون النون ، وفتح الدال المهملة وضمها ، وهو جند بن عبد الله بن سفيان البجلي تارة ينسب إلى أبيه وتارة إلى جده . والحديث قد مر في قيام الليل في ترك القيام للمريض ، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن الأسود إلخ . قوله : اشتكى ، أي مرض . قوله : فجاءت امرأة ، وهي أم جميل بفتح الجيم امرأة أبي لهب ، وهي بنت حرب أخت أبي سفيان ، واسمها العوراء . قوله : قربك بكسر الراء ، ولفظ قرب يجيء لازما ومتعديا ، يقال : قرب الشيء بالضم ، أي دنا ، وقربته بالكسر ، أي دنوت منه ، وهنا متعد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله ما ودعك ربك وما قلى · ص 299 باب قوله : ما ودعك ربك وما قلى أي هذا باب في قوله تعالى : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى كذا ثبتت هذه للمستملي ، وهي مكررة بالنسبة إليه لا إلى غيره ؛ لأن غيره لم يذكرها في الأولى . تقرأ بالتشديد ، والتخفيف بمعنى واحد ما تركك ربك . أي يقرأ قوله : ما ودعك بتشديد الدال ، وتخفيفها ، فالتشديد قراءة الجمهور ، والتخفيف قراءة ابن أبي عبلة . قوله : بمعنى واحد ، يعني : كلتا القراءتين بمعنى واحد ، وهو قوله : ما تركك ، يعني : ودع سواء كان بالتشديد ، أو بالتخفيف بمعنى ترك فيه تأمل ، فإن أبا عبيدة قال : التشديد من التوديع ، والتخفيف من ودع يدع ، وقال الجوهري : أماتوا ماضيه فلا يقال : ودعه ، وإنما يقال : تركه، قلت : قراءة ابن أبي عبلة ترد عليه ما قاله . وقال ابن عباس : ما تركك وما أبغضك . أي قال ابن عباس في تفسير قوله : مَا وَدَّعَكَ ما تركك ، وفي تفسير قوله : وَمَا قَلَى ، أي وما أبغضك ، وأصله وما قلاك فحذف الكاف منه ، ومن قوله : فَأَغْنَى . وقوله : فَهَدَى للمشاكلة في أواخر الآي ، ويقال لهذا فواصل كما يقال في غير القرآن أسجاع ، وقلى يقلي من باب ضرب يضرب ومصدره قلى وقلى ، قال الجوهري : إذا فتحت مددت ، ومعناه البغض وقلاه أبغضه وتقليه تبغضه ولغة طي تقلاه . 448 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر غندر ، حدثنا شعبة ، عن الأسود بن قيس ، قال : سمعت جندبا البجلي ، قالت امرأة : يا رسول الله ، ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك ، فنزلت : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى هذا طريق آخر في حديث جندب أخرجه عن محمد بن بشار ، هو بندار ، عن محمد بن جعفر ، هو غندر بضم الغين المعجمة ، وسكون النون ، وضم الدال ، وفتحها ، وكلاهما لقب . قوله : قالت امرأة ، قيل : إنها خديجة رضي الله تعالى عنها ، وقال الكرماني : فإن قلت : المرأة كانت كافرة ، فكيف قالت يا رسول الله ، قلت : قالت إما استهزاء ، وإما أن يكون هو من تصرفات الراوي إصلاحا للعبارة ، وقال بعضهم بعد أن نقل كلام الكرماني : هو موجه ؛ لأن مخرج الطريقين واحد، قلت : أما قول الكرماني : المرأة كانت كافرة ، فيه نظر ، فمن أين علم أنها كانت كافرة في هذا الطريق ، نعم كانت كافرة في الطريق الأول ؛ لأنه صرح فيه بقوله : إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ، وهذا القول لا يصدر عن مسلم ولا مسلمة ، وهنا قال صاحبك ، وقال : يا رسول الله ، ومثل هذا لا يصدر عن كافر ، وقول بعضهم : هذا موجه ؛ لأن مخرج الطريقين واحد فيه نظر أيضا ؛ لأن اتحاد المخرج يستلزم أن يكون هذه المرأة هنا بعينها تلك المرأة المذكورة هناك ، على أن الواحدي ذكر عن عروة : أبطأ جبريل عليه الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم فخرج جزعا شديدا ، فقالت خديجة : قد قلاك ربك لما يروى من جزعك فنزلت ، وهي في تفسير محمد بن جرير ، عن جندب بن عبد الله ، فقالت امرأة من أهله أو من قومه : ودع محمدا ، فإن قلت : ذكر ابن بشكوال أن القائل بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم عائشة أم المؤمنين ، قال : ذكره ابن سنيد في تفسيره، قلت : هذا لا يصح ؛ لأن هذه السورة مكية بلا خلاف ، وأين عائشة حينئذ . قوله : إلا أبطأ عنك وكأنه وقع في نسخة الكرماني أبطأك ، ثم تكلف في نقل كلام ، والجواب عنه ، فقال : قيل : الصواب أبطأ عنك وأبطأ بك ، أو عليك ، أقول : وهذا أيضا صواب ، إذ معناه : ما أرى صاحبك - يعني جبريل - إلا جعلك بطيئا في القراءة ؛ لأن بطأه في الإقراء إبطاء في قراءته ، أو هو من باب حذف حرف الجر وإيصال الفعل به وهنا فصلان . الأول : في مدة احتباس جبريل عليه الصلاة والسلام ، فعن ابن جريج : اثنا عشر يوما ، وعن ابن عباس : خمسة عشر يوما ، وعنه : خمسة وعشرين يوما ، وعن مقاتل أربعون يوما ، وقيل : ثلاثة أيام . الثاني : سبب الاحتباس ، ففيه أقوال ، فعن خولة خادمة النبي صلى الله عليه وسلم أن جروا دخل البيت فمات تحت السرير ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ماذا حدث في بيتي ، قالت : فقلت : لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير ، فإذا شيء ثقيل فنظرت ، فإذا جرو ميت ، فألقيته ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يرعد لحياه ، فقال : يا خولة دثريني ، فنزلت : والضحى ، وعن مقاتل : لما أبطأ الوحي ، قال المسلمون : يا رسول الله ، تلبث عليك الوحي ، فقال : كيف ينزل علي الوحي وأنتم لا تنفقون براجمكم ، ولا تقلمون أظفاركم ، وعن ابن إسحاق أن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الخضر ، وذي القرنين ، والروح فوعدهم بالجواب إلى غد ، ولم يستثن ، فأبطأ جبرائيل عليه الصلاة والسلام اثنتي عشرة ليلة ، وقيل أكثر من ذلك ، فقال المشركون : ودعه ربه ، فنزل جبرائيل عليه الصلاة والسلام بسورة والضحى ، وبقوله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا انتهى ، فإن قلت : هذا يعارض رواية جندب ، قلت : لا ، إذ يكون جوابا بالذينك الشيئين ، أو جوابا لمن قال كائنا من كان .