62 - بَاب بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ ، وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ : أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ ، وَقَالَ أَنَسٌ : يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى 446 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا ، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً ، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ ) أَيِ النَّبَوِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ) هُوَ الْخُدْرِيُّ ، وَالْقَدْرُ الْمَذْكُورُ هُنَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي ذِكْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَرَ عُمَرُ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةٍ فِي ذِكْرِ تَجْدِيدِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أُكِنُّ النَّاسَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا أُكِنُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَضْمُومَةِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مِنْ أَكَنَّ الرُّبَاعِيِّ ، يُقَالُ : أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ إِكْنَانًا أَيْ صُنْتُهُ وَسَتَرْتُهُ ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ كَنَنْتُهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ بِمَعْنَى أَكْنَنْتُهُ ، وَفَرَّقَ الْكِسَائِيُّ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ : كَنَنْتُهُ أَيْ سَتَرْتُهُ ، وَأَكْنَنْتُهُ فِي نَفْسِي أَيْ أَسْرَرْتُهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَكِنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ ، فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْإِكْنَانِ أَيْضًا ، وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ : وَأَمَرَ عُمَرُ ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ : وَإِيَّاكَ ، وَتُوَجَّهُ الْأُولَى بِأَنَّهُ خَاطَبَ الْقَوْمَ بِمَا أَرَادَ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الصَّانِعِ ، فَقَالَ لَهُ : وَإِيَّاكَ ، أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ : وَإِيَّاكَ عَلَى التَّجْرِيدِ كَأَنَّهُ خَاطَبَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْأَصِيلِيِّ ، وَالْقَابِسِيِّ - أَيْ وَأَبِي ذَرٍّ - كِنَّ النَّاسَ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا . وَجَوَّزَ ابْنُ مَالِكٍ ضَمَّ الْكَافِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كُنَّ فَهُوَ مَكْنُونٌ . انْتَهَى . وَهُوَ مُتَّجَهٌ ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُسَاعِدُهُ . قَوْلُهُ : ( فَتَفْتِنَ النَّاسَ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَتَنَ ، وَضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ بِالضَّمِّ مِنْ أَفْتَنَ ، وَذَكَرَ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ أَنْكَرَهُ ، وَأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ أَجَازَهُ ، فَقَالَ : فَتَنَ وَأَفْتَنَ بِمَعْنًى ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كَانَ عُمَرُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ رَدِّ الشَّارِعِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ مِنْ أَجْلِ الْأَعْلَامِ الَّتِي فِيهَا ، وَقَالَ : إِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي . قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا شَيْخَهُ جُبَارَةَ بْنَ الْمُغَلِّسِ فَفِيهِ مَقَالٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَنَسٌ : يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ) بِفَتْحِ الْهَاءِ ، أَيْ : يَتَفَاخَرُونَ ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ أَنَسًا قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَتَبَاهَوْنَ بِالْمَسَاجِدِ ، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَالطَّرِيقُ الْأُولَى أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْبُخَارِيِّ . وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الْمَسَاجِدِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : يَتَبَاهَوْنَ بِكَثْرَةِ الْمَسَاجِدِ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا الْمُرَادُ بِهِ عِمَارَتُهَا بِالصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بُنْيَانَهَا ، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَتُزَخْرِفُنَّهَا ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ ، وَالزَّخْرَفَةُ الزِّينَةُ ، وَأَصْلُ الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ . وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا مَوْقُوفًا ، وَقَبْلَهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَفْظُهُ : مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ ، وَظَنَّ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي لَتُزَخْرِفُنَّهَا مَكْسُورَةٌ وَهِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ لِلْمَنْفِيِّ قَبْلَهُ ، وَالْمَعْنَى : مَا أُمِرْتُ بِالتَّشْيِيدِ لِيُجْعَلَ ذَرِيعَةً إِلَى الزَّخْرَفَةِ ، قَالَ : وَالنُّونُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ ، وَفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ وَتَأْنِيبٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا جَوَابُ الْقَسَمِ . قُلْتُ : وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَالْأَوَّلُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ أَصْلًا فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَفْصُولٌ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ لِلِاخْتِلَافِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ : التَّشْيِيدُ رَفْعُ الْبِنَاءِ وَتَطْوِيلُهُ ، وَإِنَّمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَعَابِدَهَا حِينَ حَرَّفُوا كُتُبَهُمْ وَبَدَّلُوهَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ ، ابْنُ سَعْدٍ . وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَدَنِيَّانِ ثِقَتَانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( بِاللَّبِنِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ . قَوْلُهُ : ( وَعَمَدَهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَمَا ، وَكَذَا قَوْلُهُ خَشَبٌ . قَوْلُهُ : ( وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ ) أَيْ : بِجِنْسِ الْآلَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ هَيْئَتِهِ إِلَّا تَوْسِيعَهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ ) ، أَيْ مِنَ الْوَجْهَيْنِ : التَّوْسِيعُ ، وَتَغْيِيرُ الْآلَاتِ . قَوْلُهُ : ( بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ ) أَيْ بَدَلَ اللَّبِنِ ، وَلِلْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَالْقَصَّةُ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْجَصُّ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تُشْبِهُ الْجَصَّ وَلَيْسَتْ بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَسَقَفَهُ ) بِلَفْظِ الْمَاضِي عَطْفًا عَلَى جَعَلَ ، وَبِإِسْكَانِ الْقَافِ عَلَى عُمُدِهِ ، وَالسَّاجُ نَوْعٌ مِنَ الْخَشَبِ مَعْرُوفٌ يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْهِنْدِ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ الْقَصْدُ وَتَرْكُ الْغُلُوِّ فِي تَحْسِينِهِ ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الْفُتُوحِ فِي أَيَّامِهِ وَسَعَةِ الْمَالِ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَسْجِدَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِهِ ؛ لِأَنَّ جَرِيدَ النَّخْلِ كَانَ قَدْ نَخِرَ فِي أَيَّامِهِ ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ وَالْمَالُ فِي زَمَانِهِ أَكْثَرَ ، فَحَسَّنَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الزَّخْرَفَةَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ . وَأَوَّلُ مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ ، وَسَكَتَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - إِذَا وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلْمَسَاجِدِ ، وَلَمْ يَقَعِ الصَّرْفُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَمَّا شَيَّدَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ وَزَخْرَفُوهَا نَاسَبَ أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ بِالْمَسَاجِدِ صَوْنًا لَهَا عَنِ الِاسْتِهَانَةِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْعَ إِنْ كَانَ لِلْحَثِّ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ فِي تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ كَانَ لِخَشْيَةِ شَغْلِ بَالِ الْمُصَلِّي بِالزَّخْرَفَةِ فَلَا لِبَقَاءِ الْعِلَّةِ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا سَيَقَعُ ، فَوَقَعَ كَمَا قَالَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ · ص 642 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب بنيان المسجد · ص 471 62 - باب بنيان المسجد وقال أبو سعيد : كان سقف المسجد من جريد النخل . وأمر عمر ببناء المسجد ، وقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وقال أنس : يتباهون بها ، ثم لا يعمرونها إلا قليلا . وقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى . أما حديث أبي سعيد فقد خرجه بتمامه في مواضع من كتابه في الصلاة و الاعتكاف وغيرهما . وفي الحديث : إن السماء مطرت فوكف المسجد ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين . وهذا يدل على أن سقف المسجد لم يكن يكنُّ الناس من المطر ، ولا يمنع من نزول ماء المطر إليه . وقد ذكرنا فيما سبق من مراسيل الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل طول جداره بسطه وعمده الجذوع وسقفه جريدا . فقيل له : إلا نسقفه ؟ فَقَالَ : عريشا كعريش موسى ، خشبات وثمام ، الأمر أعجل من ذَلِكَ . وقال المروذي في كتاب الورع : قرئ على أبي عبد الله - يعني : أحمد - : سفيان ، عن عمرو ، عن أبي جعفر ، قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد : هِدْهُ ، طِدْهُ . قال : لا ، عريش كعريش موسى ؟ قال أبو عبد الله : قد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكحل المسجد ، فقال : لا ، عريش كعريش موسى . قال أبو عبد الله : إنما هو شيء مثل الكحل يطلى ، أي : فلم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو عبيد : كان سفيان بن عيينة يقول : معنى قوله : هده : أصلحه . قال : وتأويله كما قال ، وأصله : أنه يراد به الإصلاح بعد الهدم ، وكل شيء حركته فقد هدته ، فكان المعنى أنه يهدم ثم يستأنف ويصلح . قال المروذي : وقلت لأبي عبد الله : إن محمد بن أسلم الطوسي لا يجصص مسجده ، ولا بطوس مسجد مجصص إلا قلع جصه ؟ فقال أبو عبد الله : هو من زينة الدنيا . وروى ابن أبي الدنيا من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، قال : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره ، فقال : ابنوه عريشا كعريش موسى . فقيل للحسن : وما عريش موسى ؟ قال : إذا رفع يده بلغ العريش - يعني السقف . ومن رواية ليث ، عن طاوس ، قال : لما قدم معاذ اليمن ، قالوا له : لو أمرت بصخر وشجر فينقل فبنيت مسجدا ؟ قال : إني أكره أن أنقله على ظهري يوم القيامة - كأنه يخاف إذا أتقن بناءه بالصخر والخشب . وروى سفيان ، عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أمرت بتشييد المساجد . قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . كذا رواه ابن عيينة ، عن الثوري . ورواه وكيع عن الثوري فجعل أوله مرسلا عن يزيد بن الأصم ، لم يذكر فيه : ابن عباس . وكذا رواه ابن مهدي عن سفيان . وخرج ابن ماجه كلام ابن عباس من وجه آخر - مرفوعا - بإسناد ضعيف . وخرج - أيضا - بإسناد ضعيف عن عمر - مرفوعا - : ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم . وروى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه . وروى المروذي في كتاب الورع بإسناده عن أبي الدرداء ، قال : إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم ؛ فعليكم الدمار . وقال المروذي : ذكرت لأبي عبد الله مسجدا قد بني وأنفق عليه مال كثير ، فاسترجع وأنكر ما قلت . قال حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه - : فتجصيص المساجد ؟ قال : أشد وأشد . المساجد لا ينبغي أن تزين ، إلا بالصلاة والبر . وقال سفيان الثوري : يكره النقش والتزويق في المسجد ، وكل ما تزين به المساجد . ويقال : إنما عمارته ذكر الله عز وجل . وممن كره زخرفة المساجد وتزويقها : عمر بن عبد العزيز ، وكان قد أراد إزالة الزخرفة التي كان الوليد وضعها في مسجد دمشق الجامع فكبر ذلك على من يستحسنه ممن تعجبه زينة الحياة الدنيا ، واحتالوا عليه بأنواع الحيل ، وأوهموه أنه يغيظ الكفار ، حتى كف عن ذلك . وقد روي عن ابن جريج ، قال : أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك . ذكره الأزرقي . ولأصحابنا وأصحاب الشافعي في تحريم تحلية المساجد بالذهب والفضة وجهان ، وكرهه المالكية وبعض الحنفية ، ومنهم من رخص فيه ، وقالوا : إن فعل ذلك من مال الوقف فقد ضمنه من ماله . وأما ما حكاه البخاري عن عمر وأنس [.............] . وقد روي عن أنس - مرفوعا - رواه سعيد بن عامر : ثنا صالح بن رستم ، قال : قال أبو قلابة : سمع أنس بن مالك يقول - وقد مروا بمسجد أحدث - فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يأتي على أمتي زمان يتباهون فيه بالمساجد ولا يعمرونها إلا قليلا - أو قال : لا يعمرونها إلا قليلا . خرجه ابن خزيمة في صحيحه .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب بنيان المسجد · ص 474 ثم خرج البخاري هاهنا حديثا ، فقال : 446 – ثنا علي بن عبد الله : ثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا أبي ، عن صالح بن كيسان : ثنا نافع ، أن عبد الله أخبره ، أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه عمر ، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشبا ، ثم غيره عثمان ، فزاد فيه زيادة كثيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ، وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج القصة : الجص . والساج : نوع من أرفع أنواع الخشب ، يجلب من بلاد الهند والزنج . ويستدل بما فعله عثمان من يرخص في تجصيص المساجد وتزويقها ونقشها . وقد روي عن ابن عمر في هذا الباب روايات أخر : فخرج أبو داود من طريق فراس ، عن عطية ، عن ابن عمر ، أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كانت سواريه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من جذوع النخل ، أعلاه مظلل بجريد النخل ، ثم إنها تخربت في خلافة أبي بكر ، فبناها بجذوع النخل وبجريد النخل ، ثم إنها تخربت في خلافة عمر ، فبناها بجذوع النخل وجريد النخل ، وتخربت في خلافة عثمان فبناها بالآجر ، فلم تزل ثابتة حتى الآن . وفي هذه الرواية زيادة تجديد أبي بكر له وإعادته على ما كان ، لكنه لم يزد في بقعة المسجد شيئا ، وإنما زاد فيه عمر . وروى الإمام أحمد : ثنا حماد الخياط : ثنا عبد الله ، عن نافع ، أن عمر زاد في المسجد من الأسطوانة إلى المقصورة ، وزاد عثمان ، فقال عمر : لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ينبغي أن نزيد في مسجدنا ما زدت . وليس في هذه الرواية ذكر ابن عمر ، وهو منقطع . وفيما فعله عمر وعثمان من تخريب المسجد والزيادة فيه : دليل على جواز الزيادة في المساجد وتخريبها لتوسعتها وإعادة بنائها على وجه أصلح من البناء الأول ؛ فإن هذا فعله عمر وعثمان بمشهد من المهاجرين والأنصار وأقروا عليه . فأما توسعة المساجد إذا احتيج إلى ذلك لضيقها وكثرة أهلها فقد صرح بجوازه أكثر العلماء من المالكية والحنفية وغيرهم . وأما هدم المسجد العامر ، وإعادة بنائه على وجه أصلح من الأول فقد نص على جوازه الإمام أحمد . قال أبو داود في مسائله : سئل أحمد عن رجل بنى مسجدا فعتق ، فجاء رجل فأراد أن يهدمه فيبنيه بناء أجود من ذلك ، فأبى عليه الباني الأول وأحب الجيران لو تركه يهدمه ؟ فقال : لو صار إلى رضا جيرانه لم يكن به بأس . قال : وسمعت أحمد سئل عن مسجد يريدون أن يرفعوه من الأرض ، فمنعهم من ذلك مشايخ يقولون : لا نقدر نصعد ؟ قال : أحمد : ما تصنع بأسفله ؟ قال : أجعله سقاية . قال : لا أعلم به بأسا . قال أحمد : ينظر إلى قول أكثرهم - يعني : أهل المسجد . وبوب عليه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي : باب : المسجد يبنى بناء أجود من بنائه . وهو - أيضا - قول أصحاب أبي حنيفة ، ومذهب سفيان الثوري ، حكى أصحابه عنه في تصانيفهم على مذهبه أنه قال في المسجد يكون فيه ضيق ، فأراد أهله أن يوسعوه من ملك رجل منهم ، فلهم ذلك ، وإن أرادوا أن يوسعوه من الطريق والطريق واسع لا يضر بالمارة فيه فليس لهم ذلك ، إلا أن يأذن الإمام . قال : وللإمام أن يحول الجامع من موضع إلى غيره إذا كان فيه صلاح للرعية ونوى الرشد فيه ؛ ذكروا أن ابن مسعود حول مسجد الكوفة من موضع التمارين . قال : وسئل سفيان عن بيع حصير المسجد الخلق فيجعل في ثمن الجديد ؟ فلم ير به بأسا . ومذهب الإمام أحمد أن ما خرب من الأوقاف كلها ولم يمكن عمارتها ، فإنها تباع ويستبدل بها ما يقوم مقامها . وعنه في المساجد روايتان : إحداهما كذلك . والثانية : لا تباع وتنقل آلاتها إلى موضع آخر يبنى بها مثلها . ونقل عنه حرب في مسجد خرب ، فنقلت آلاته وبني بها مسجد في مكان آخر : أن العتيق يرم ولا يعطل ، ولا يبنى في مكانه بيت ولا خان للسبيل ، ولكن يرم ويتعاهد . ونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه أنه أجاز للسلطان خاصة أن يبني مكان المسجد الخراب خانا للسبيل أو غيره ، مما يكون خيرا للمسلمين ، فيفعل ما هو خير لهم . وروى حرب بإسناده عن عبيد الله بن الحسن العنبري في مسجد خافض أراد أهله أن يستبدلوا به ؟ قال : إذا كان الخليفة هو الذي يفعل ذلك أراه جائزا . وروى وكيع بإسناده ، عن جابر ، عن الشعبي ، قال : لا بأس أن يجعل المسجد حشا والحش مسجدا . ومما يدل على جواز ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم على هدم بناء الكعبة ، وإعادتها على قواعد إبراهيم ، فيدخل فيها غالب الحجر ، ويجعل لها بابين لاصقين بالأرض . وقد فعل ذلك ابن الزبير ، وزاد مع ذلك في طولها ، ثم أعادها الحجاج بأمر عبد الملك إلى حالها الأول ، وأقر الزيادة في طولها . فيالله العجب !! كيف تقر زيادة لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ، وتزال زيادة ذكرها وعزم عليها ؛ ولهذا ندم عبد الملك على ما فعل لما بلغه الحديث عن عائشة . ومما يدل على جواز ذلك : أن العبادات يجوز إبطالها لإعادتها على وجه أكمل مما كانت ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ؛ ليعيدوا الحج على وجه أكمل مما كان ، وهو وجه التمتع ؛ فإنه أفضل من الإفراد والقران بغير سوق هدي ، كما دل عليه هذه النصوص بالأمر بالفسخ . وكما أن من دخل في صلاة مكتوبة منفردا ، ثم حضر جماعة ، فإن له إبطال صلاته أو قلبها نفلا ؛ ليعيد فرضه في جماعة ، فإنه أكمل من صلاته منفردا . وهذا قول جمهور العلماء ، منهم : أحمد ، والشافعي في أحد قوليه ، وكذلك قال مالك وأبو حنيفة إذا لم يكن قد صلى أكثر صلاته . وكذلك الهدي المعين والأضحية المعينة يجوز إبدالهما بخير منهما عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما . وإذا هدم المسجد ، ثم أعيد بناؤه أو وسع ، فالبناء المعاد يقوم مقام الأول ، ولا يحتاج إلى تجديد وقفه . وهذا على قول من يرى أن الوقف ينعقد بالقول وبالفعل الدال عليه ، وأن المسجد يصير مسجدا بالأذان وصلاة الناس فيه ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة والثوري وأحمد - ظاهر ، وتصير الزيادة في المسجد مسجدا بمجرد وصلها في المسجد وصلاة الناس فيها . وقد قال مجاهد والأوزاعي في الفرس الحبيس إذا عطب ، فاشتري بثمنه فرس آخر ، وزيد في ثمنه زيادة : إن الفرس كله يكون حبيسا كالأول . وحكم الزيادة حكم المزيد فيه في الفضل - أيضا - فما زيد في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم كله مسجد ، والصلاة فيه كله سواء في المضاعفة والفضل . وقد قيل : إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف ، إنما خالف فيه بعض المتأخرين من أصحابنا ، منهم : ابن عقيل وابن الجوزي ، وبعض الشافعية . ولكن قد روي عن الإمام أحمد التوقف في ذلك : قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : الصف الأول في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم : أي صف هو ، فإني رأيتهم يتوخون دون المنبر ، ويدعون الصف الأول ؟ قال : ما أدري . قلت لأبي عبد الله : فما زيد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو عندك منه ؟ فقال : وما عندي ، إنما هم أعلم بهذا - يعني : أهل المدينة . وقد روى عمر بن شبة في كتاب أخبار المدينة بإسناد فيه نظر ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لو بني هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي . فكان أبو هريرة يقول : لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن أصلي فيه . وبإسناد فيه ضعف ، عن أبي عمرة ، قال : زاد عمر في المسجد في شاميه ، ثم قال : لو زدنا فيه حتى نبلغ الجبانة كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . وبإسناده ، عن ابن أبي ذئب ، قال : قال عمر : لو مد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة كان منه . وكذلك الزيادة في المسجد الحرام : روى مثنى بن الصباح ، عن عطاء ، أنه قيل له في المضاعفة في المسجد وحده ، أو في الحرم ؟ قال : في الحرم كله ؛ فإن الحرم كله مسجد . وروى الأزرقي بإسناده ، عن أبي هريرة ، قال : إنا لنجد في كتاب الله أن حد المسجد الحرام من الحزورة إلى المسعى . وبإسناده ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام من الحزورة إلى المسعى . وبإسناده ، عن عطاء ، قال : المسجد الحرام الحرم كله . وروى عبد الرزاق في كتابه من رواية ليث ، عن مجاهد ، قال : الحرم كله مسجد ، يعتكف في أيه شاء ، وإن شاء في منزله ، إلا أنه لا يصلي إلا في جماعة . وقد ذكر الشافعية : أنه لو حلف لا يدخل هذا المسجد ، فزيد فيه ، فدخل موضع الزيادة لم يحنث ، فلو حلف لا يدخل مسجد بني فلان ، فزيد فيه ، فدخل موضع الزيادة حنث . وهذا مما يشهد لأن حكم الزيادة حكم المزيد في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه عرف المسجد الحرام بالألف واللام ، ومسجده بإضافته إليه ، ولكنه جمع بين الإشارة إليه وتعريفه بالإضافة ، فقال : مسجدي هذا . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بنيان المسجد · ص 204 ( باب بنيان المسجد ) أي هذا باب في بيان صفة بنيان المسجد النبوي، والبنيان البناء ، يقال : بنى يبني بنيا وبنية وبناء ، قال الجوهري : البنيان الحائط ، يقال بنى فلان بيتا من البنيان، وبنى على أهله بناء أي زفها، والعامة تقول بنى بأهله وهو خطأ . ( وقال أبو سعيد : كان سقف المسجد من جريد النخل ) . مطابقة هذا التعليق للترجمة ظاهرة، وقد رواه مسندا في باب هل يصلي الإمام بمن حضر ، حدثنا مسلم قال : حدثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة قال : "سألت أبا سعيد الخدري فقال : جاءت سحابة فمطرت حتى سال السقف، وكان من جريد النخل ، فأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته" ؛ قوله ( كان سقف المسجد ) أي سقف مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالألف واللام فيه للعهد، وقول الكرماني: وأما لجنس المساجد فبعيد ؛ قوله ( من جريد النخل ) الجريد هو الذي يجرد عنه الخوص، وإن لم يجرد يسمى سعفا . ( وأمر عمر ببناء المسجد، وقال : أكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس ) . مطابقته للترجمة ظاهرة جدا، والمراد من المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتي في هذا الباب أنه روي من حديث نافع أن عبد الله أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ورواه أبو داود أيضا ؛ قوله ( باللبن ) بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، ويقال : اللبنة بكسر اللام وسكون الباء الموحدة، وهي الطوب النيء ؛ قوله ( وعمده ) بضم العين والميم وبفتحهما ، جمع الكثرة لعمود البيت، وجمع القلة أعمدة . قوله ( أكن ) فيه أوجه : الأول : أكن بفتح الهمزة وكسر الكاف وفتح النون على صورة الأمر من الإكنان، وهي رواية الأصيلي، وهي الأظهر، ويدل عليه قوله قبله ( أمر عمر ) ، وقوله بعده ( وإياك ) ، وذلك لأنه أولا أمر بالبناء، وخاطب أحدا بذلك ثم حذره من التحمير والتصفير بقوله ( وإياك أن تحمر أو تصفر ) ، والإكنان من أكننت الشيء أي صنته وسترته، وحكى أبو زيد والكسائي كننته من الثلاثي بمعنى أكننته، وقال ثعلب في ( الفصيح ) : أكننت الشيء أي أخفيته، وكننته إذا سترته بشيء، ويقال : أكننت الشيء سترته وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي أسررته، وفي ( كتاب فعل وأفعل ) لأبي عبيدة معمر بن المثنى ، قالت تميم : كننت الجارية أكنها كنا بكسر الكاف، وأكننت العلم والسر، وقالت قيس : كننت العلم والسر بغير ألف، وأكننت الجارية بالألف، وقال ابن الأعرابي في ( نوادره ) : أكننت السر، وكننت وجهي من الحر، وكننت سيفي قال: وقد يكون هذا بالألف أيضا . الوجه الثاني : أكن الناس بضم الهمزة وكسر الكاف، وتشديد النون المضمومة بلفظ المتكلم من الفعل المضارع، وقال ابن التين : هكذا رويناه، وفي هذا الوجه التفات، وهو أن عمر أخبر عن نفسه ثم التفت إلى الصانع ، فقال: وإياك، ويجوز أن يكون تجريدا ، فكأن عمر بعد أن أخبر عن نفسه جرد عنها شخصا ثم خاطبه بذلك . الوجه الثالث قاله عياض : كن الناس بحذف الهمزة، وكسر الكاف، وتشديد النون من كن يكن، وهو صيغة أمر، وأصله أكن بالهمزة حذفت تخفيفا على غير قياس . الوجه الرابع : كن بضم الكاف من كن فهو مكنون، وهذا له وجه ولكن الرواية لا تساعده . قوله ( وإياك ) كلمة تحذير ، أي احذر من أن تحمر، وكلمة أن مصدرية، ومفعول تحمر محذوف تقديره إياك تحمير المسجد أو تصفيره، ومراده الزخرفة، وقد روى ابن ماجه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعا : "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم " ؛ قوله ( فتفتن الناس ) بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الفاء من فتن يفتن من باب ضرب يضرب فتنا وفتونا إذا امتحنته ، وضبطه ابن التين بضم تاء الخطاب من أفتن، والأصمعي أنكر هذا، وأبو عبيد أجازه، وقال : فتن وأفتن بمعنى، وهو قليل، والفتنة اسم، وهو في الأصل الامتحان والاختبار ، ثم كثر استعمالها بمعنى الإثم والكفر، والقتال، والإحراق، والإزالة، والصرف عن الشيء، وقال الكرماني: ويفتن من الفتنة، وفي بعضها من التفتين ، قلت : إذا كان من التفتين يكون من باب التفعيل، وماضيه فتن بتشديد التاء، وعلى ضبط ابن التين يكون من باب الإفعال، وهو الإفتان بكسر الهمزة، وعلى كل حال هو بفتح النون لأنه معطوف على المنصوب بكلمة أن . ( وقال أنس : يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا ) هذا التعليق مرفوع في ( صحيح ابن خزيمة ) عن محمد بن عمرو بن العباس ، حدثنا سعيد بن عامر عن أبي عامر الخراز قال : قال أبو قلابة : انطلقنا مع أنس نريد الزاوية نعني قصر أنس ، فمررنا بمسجد فحضرت صلاة الصبح فقال أنس : لو صلينا في هذا المسجد فقال بعض القوم : نأتي المسجد الآخر ، فقال أنس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا ، أو قال : يعمرونها قليلا" ، ورواه أبو يعلى الموصلي أيضا في ( مسنده )، وروى أبو داود في ( سننه ) حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي ، حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة وقتادة عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" ، وأخرجه النسائي، وابن ماجه أيضا. وروى أبو نعيم في ( كتاب المساجد ) من حديث محمد بن مصعب القرقساني عن حماد : " يتباهى الناس ببناء المساجد " ، ومن حديث علي بن حرب عن سعيد بن عامر عن الخراز : " يتباهون بكثرة المساجد " ؛ قوله ( يتباهون ) بفتح الهاء من المباهاة، وهي المفاخرة، والمعنى أنهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعدون فيها ويتمارون ويتباهون، ولا يشتغلون بالذكر وقراءة القرآن والصلاة ؛ قوله ( بها ) أي بالمساجد، والسياق يدل عليه ؛ قوله ( إلا قليلا ) بالنصب ، ويجوز الرفع من جهة النحو ، فإنه بدل من ضمير الفاعل . ( وقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى ) هذا التعليق رواه أبو داود موصولا عن ابن عباس هكذا موقوفا، وروي عنه مرفوعا قال : حدثنا محمد بن الصباح عن سفيان ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أمرت بتشييد المساجد " ، قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، وأبو فزارة اسمه راشد بن كيسان. وإنما اقتصر البخاري على الموقوف منه ولم يذكر المرفوع منه للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله، ويزيد هذا روى له مسلم والأربعة . قوله ( لتزخرفنها ) أي لتزخرفن المساجد بضم الفاء ونون التأكيد، والضيمر فيه للمذكرين، وأما اللام فيه فقد ذكر الطيبي فيه وجهين ، الأول : أن تكون مكسورة، وهي لام التعليل للنفي قبله، والمعنى ما أمرت بتشييد المساجد لأجل زخرفتها، والتشييد من شيد يشيد رفع البناء والإحكام، ومنه قوله تعالى : وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ الوجه الثاني : فتح اللام على أنها جواب القسم، وقال بعضهم : هذا هو المعتمد، والأول لم تثبت به الرواية أصلا ، قلت : الذي قاله الطيبي هو الذي يقتضيه الكلام، ولا وجه لمنعه ، ودعوى عدم ثبوت الرواية يحتاج إلى برهان، ومعنى الزخرفة التزيين ، يقال : زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل، والزخرف الذهب، والمعنى ههنا تمويه المساجد بالذهب ونحوه كما زخرفت اليهود كنائسهم والنصارى بيعهم . قال الخطابي: وإنما زخرفت اليهود والنصارى كنائسها وبيعها حين حرفت الكتب، وبدلتها فضيعوا الدين، وعرجوا على الزخارف والتزيين، وقال محيي السنة : إنهم زخرفوا المساجد عند ما بدلوا دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم، وسيصير أمركم إلى المراآة بالمساجد والمباهاة بتزيينها، وبهذا استدل أصحابنا على أن نقش المسجد وتزيينه مكروه، وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد ، معناه تركه أولى، ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذي يخرجه سواء كان ناظرا أو غيره ، فإن قلت : ما وجه الكراهة إذا كان من ماله دون مال الوقف ؟ قلت : إما اشتغال المصلي به، وإما إخراج المال في غير وجهه . 106 - ( حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال : حدثني أبي عن صالح بن كيسان قال : حدثنا نافع أن عبد الله أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمرو بناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج ) . مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح أبو الحسن ، يقال له : ابن المديني البصري . الثاني : يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ، أصله مدني ، كان بالعراق . الثالث : أبوه إبراهيم بن سعد . الرابع : صالح بن كيسان أبو محمد مؤدب، ولد عمر بن عبد العزيز . الخامس : نافع مولى ابن عمر . السادس : عبد الله بن عمر بن الخطاب . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد، وفيه أن رواته ما بين بصري ومدني، وفيه رواية الأقران، وهي رواية صالح عن نافع لأنهما من طبقة واحدة، وفيه رواية التابعي عن التابعي لأن صالحا ونافعا كلاهما تابعيان، وفيه زاد الأصيلي لفظة ابن سعد بعد قوله حدثنا يعقوب بن إبراهيم . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود في الصلاة عن محمد بن يحيى بن فارس، ومجاهد بن موسى، وهو أتم ، قالا : حدثنا يعقوب بن إبراهيم إلى آخره . ( ذكر معناه ) ؛ قوله ( كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في زمانه وأيامه ؛ قوله ( باللبن ) بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، وقد مر تفسيره عن قريب، وكذلك معنى الجريد مر عن قريب، والعمد بضمتين وفتحتين أيضا، وقد ذكرناه ؛ قوله ( فلم يزد فيه أبو بكر رضي الله تعالى عنه ) يعني لم يغير فيه شيئا بالزيادة والنقصان ؛ قوله ( وزاد فيه عمر رضي الله تعالى عنه ) يعني في الطول والعرض، ولم يغير في بنائه بل بناه على بنيان النبي عليه الصلاة والسلام يعني بآلاته التي بناها النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قوله ( في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إما صفة للبنيان أو حال، وإنما غير عمده لأنها تلفت . قال السهيلي نخرت عمده في خلافة عمر فجددها، وهو معنى قوله ( وأعاد عمده خشبا ) ؛ قوله ( ثم غير عثمان ) يعني من جهة التوسيع وتغيير الآلات ؛ قوله ( بحجارة منقوشة ) هكذا في رواية الحموي والمستملي، وفي رواية غيرهما ( بالحجارة المنقوشة ) يعني بدل اللبن ؛ قوله ( والقصة ) أي وبالقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، وهي الجص بلغة أهل الحجاز ، قلت : الجص لغة فارسية معربة، وأصلها كج، وفيه لغتان فتح الجيم وكسرها، وهو الذي يسميه أهل مصر جيرا، وأهل البلاد الشامية يسمونه كلسا ؛ قوله ( وجعل عمده ) عطف على قوله ( وبنى جداره ) ؛ قوله ( وسقفه بلفظ الماضي من التسقيف من باب التفعيل عطفا على جعل، ويروى بلفظ الاسم عطفا على عمده ؛ قوله ( بالساج ) بالسين المهملة، وبالجيم، وهو ضرب من الخشب معروف يؤتى به من الهند وله قيمة . ( ذكر ما يستنبط منه ) قال ابن بطال : ما ذكره البخاري في هذا الباب يدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنيانها، وكان عمر رضي الله تعالى عنه مع الفتوح التي كانت في أيامه، وتمكنه من المال لم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء الأمر إلى عثمان، والمال في زمانه أكثر، ولم يزد على أن يجعل مكان اللبن حجارة، وقصة وسقفه بالساج مكان الجريد فلم يقصر هو وعمر رضي الله عنهما عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علمهما بكراهة النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وليقتدى بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والزهد والكفاية في معالي أمورها وإيثار البلغة منها . قلت : أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة، وقال ابن المنير : لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها فانتدب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة، وقال بعضهم : ورخص في ذلك بعضهم، وهو قول أبي حنيفة إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال . قلت : مذهب أصحابنا أن ذلك مكروه، وقول بعض أصحابنا، ولا بأس بنقش المسجد معناه تركه أولى، وقد مر الكلام فيه عن قريب .