63 - بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ 447 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ : انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى على ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ : وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ ، قَالَ : يَقُولُ عَمَّارٌ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ . وَزَادَ غَيْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ : مَا كَانَ وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي آخِرِهِ إِلَى قَوْلِهِ الْمُهْتَدِينَ ، وَذِكْرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْآيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : مَسَاجِدَ اللَّهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَوَاضِعُ السُّجُودِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَمَاكِنُ الْمُتَّخَذَةُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِعِمَارَتِهَا بُنْيَانُهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْإِقَامَةُ لِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَقَامَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَمِيرًا مُدَّةً وَمَعَهُ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ . قَوْلُهُ : ( انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ ) أَيِ : الْخُدْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا هُوَ ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ : فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا . قَوْلُهُ : ( يُصْلِحُهُ ) قَالَ فِي الْجِهَادِ : يَسْقِيَانِهِ ، وَالْحَائِطُ : الْبُسْتَانُ ، وَهَذَا الْأَخُ زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ لِأُمِّهِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وُلِدَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَمَاتَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ أَخٌ شَقِيقٌ وَلَا أَخٌ مِنْ أَبِيهِ وَلَا مِنْ أُمِّهِ إِلَّا قَتَادَةَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى اسْمِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَحْوِي جَمِيعَهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ أَمَرَ ابْنَهُ بِالْأَخْذِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِ لِطَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَكْثَرُ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ مَا كَانَ السَّلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَعَدَمِ التَّكَبُّرِ وَتَعَاهُدِ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالِاعْتِرَافِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ بِفَضْلِهِمْ وَإِكْرَامِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَتَقْدِيمِ حَوَائِجِهِمْ عَلَى حَوَائِجِ أَنْفُسِهِمْ . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ) فِيهِ التَّأَهُّبُ لِإِلْقَاءِ الْعِلْمِ وَتَرْكِ التَّحْدِيثِ فِي حَالَةِ الْمِهْنَةِ إِعْظَامًا لِلْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَتَى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ) أَيِ : النَّبَوِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : حَتَّى إِذَا أَتَى . قَوْلُهُ : ( وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ ) زَادَ مَعْمَرٌ فِي جَامِعِهِ : لَبِنَةً عَنْهُ وَلَبِنَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ الْمَشَقَّةِ فِي عَمَلِ الْبِرِّ ، وَتَوْقِيرِ الرَّئِيسِ وَالْقِيَامِ عَنْهُ بِمَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْمَصَالِحِ ، وَفَضْلُ بُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ . قَوْلُهُ : ( فَرَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْفُضُ ) فِيهِ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً لِاسْتِحْضَارِ ذَلِكَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَجَعَلَ يَنْفُضُ . قَوْلُهُ : ( التُّرَابَ عَنْهُ ) زَادَ فِي الْجِهَادِ عَنْ رَأْسِهِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ ، وَفِيهِ إِكْرَامُ الْعَامِلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ . قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُ ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، ( وَيْحَ عَمَّارٍ ) هِيَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ إِذَا أُضِيفَتْ ، فَإِنْ لَمْ تُضَفْ جَازَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ مَعَ التَّنْوِينِ فِيهِمَا . قَوْلُهُ : ( يَدْعُوهُمْ ) أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَالْمُرَادُ قَتَلَتُهُ كَمَا ثَبَتَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَخْ ، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ . فَإِنْ قِيلَ : : كَانَ قَتْلُهُ بِصِفِّينَ وَهُوَ مَعَ عَلِيٍّ وَالَّذِينَ قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الدُّعَاءُ إِلَى النَّارِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ كَانُوا ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي اتِّبَاعِ ظُنُونِهِمْ ، فَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ الدُّعَاءُ إِلَى سَبَبِهَا وَهُوَ طَاعَةُ الْإِمَامِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ عَلِيٍّ ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْوَاجِبُ الطَّاعَةُ إِذْ ذَاكَ ، وَكَانُوا هُمْ يَدْعُونَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ مَعْذُورُونَ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُمْ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِلْمُهَلَّبِ : إِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَمَّارًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَمَاعَةِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ . وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْخَوَارِجَ إِنَّمَا خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بَعْدَ قَتْلِ عَمَّارٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بذَلِكَ ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ أَمْرِ الْخَوَارِجِ كَانَ عَقِبَ التَّحْكِيمِ ، وَكَانَ التَّحْكِيمُ عَقِبَ انْتِهَاءِ الْقِتَالِ بِصِفِّينَ ، وَكَانَ قَتْلُ عَمَّارٍ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا ، فَكَيْفَ يَبْعَثُهُ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ . ثَانِيهَا : أَنَّ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ ، عَمَّارًا إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعَثَهُ يَسْتَنْفِرُهُمْ عَلَى قِتَالِ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ كَمَنْ كَانَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَأَفْضَلُ ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، فَمَا فَرَّ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ وَقَعَ فِي مِثْلِهِ مَعَ زِيَادَةِ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَةَ الْخَوَارِجِ وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ . ثَالِثُهَا : أَنَّهُ شَرَحَ عَلَى ظَاهِرِ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ النَّاقِصَةِ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَكَرِيمَةَ وَغَيْرِهِمَا ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَةِ الْفَرَبْرِيِّ الَّتِي بِخَطِّهِ زِيَادَةٌ تُوَضِّحُ الْمُرَادَ وَتُفْصِحُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى قَتَلَتِهِ وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ ، وَلَفْظُهُ : وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ الْحَدِيثَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ ، وَقَالَ : إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا أَصْلًا ، وَكَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَلَعَلَّهَا لَمْ تَقَعْ لِلْبُخَارِيِّ ، أَوْ وَقَعَتْ فَحَذَفَهَا عَمْدًا . قَالَ : وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالْبَرْقَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قُلْتُ : وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهَا عَمْدًا وَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ خَفِيَّةٍ ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدْرَجَةٌ ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي بَيَّنَتْ ذَلِكَ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَحَمْلِهُمْ لَبِنَةً لَبِنَةً ، وَفِيهِ : فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَحَدَّثَنِي أَصْحَابِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ا هـ . وَابْنُ سُمَيَّةَ هُوَ عَمَّارٌ ، وَسُمَيَّةُ اسْمُ أُمِّهِ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ عَيَّنَ أَبُو سَعِيدٍ مَنْ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ ، فَفِي مُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو قَتَادَةَ ، فَذَكَرَهُ فَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو سَعِيدٍ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ غَيْرِهِ ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى دِقَّةِ فَهْمِهِ وَتَبَحُّرِهِ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى عِلَلِ الْأَحَادِيثِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ أَيْضًا لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَهِيَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَهِيَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَمَّارُ أَلَا تَحْمِلُ كَمَا يَحْمِلُ أَصْحَابُكَ ؟ قَالَ : إِنِّي أُرِيدُ مِنَ اللَّهِ الْأَجْرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ زِيَادَةُ مَعْمَرٍ فِيهِ أَيْضًا . ( فَائِدَةٌ ) : رَوَى حَدِيثَ تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةٍ مِنْهُمْ : قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَأَبُو رَافِعٍ ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَأَبُو الْيُسْرِ ، وَعَمَّارٌ نَفْسُهُ ، وَكُلُّهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَغَالِبُ طُرُقِهَا صَحِيحَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ ، وَفِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ يَطُولُ عَدُّهُمْ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَفَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَلِيٍّ ، وَلِعَمَّارٍ وَرَدٌّ عَلَى النَّوَاصِبِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا فِي حُرُوبِهِ . قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : ( يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الْفِتَنِ ، وَلَوْ عَلِمَ الْمَرْءُ أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ فِيهَا بِالْحَقِّ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُفْضِي إِلَى وُقُوعِ مَا لَا يَرَى وُقُوعَهُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَفِيهِ رَدٌّ لِلْحَدِيثِ الشَّائِعِ : لَا تَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ فَإِنَّ فِيهَا حَصَادُ الْمُنَافِقِينَ . قُلْتُ : وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ وَهْبٍ قَدِيمًا عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّهُ بَاطِلٌ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا وَمَا يَنْبَغِي مِنَ الْعَمَلِ عِنْدَ وُقُوعِهَا . أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ · ص 644 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب التعاون في بناء المسجد · ص 481 63 - باب التعاون في بناء المسجد مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ - إلى قوله - : مِنَ الْمُهْتَدِينَ عمارة المساجد تكون بمعنيين : أحدهما : عمارتها الحسية ببنائها وإصلاحها وترميمها ، وما أشبه ذلك . والثاني : عمارتها المعنوية بالصلاة فيها ، وذكر الله وتلاوة كتابه ، ونشر العلم الذي أنزله على رسوله ، ونحو ذلك . وقد فسرت الآية بكل واحد من المعنيين ، وفسرت بهما جميعا ، والمعنى الثاني أخص بها . وقد خرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ، ثم تلا : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . ولكن قال الإمام أحمد : هو منكر . وقوله : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ - وقرئ مسجد الله . فقيل : إن المراد به جميع المساجد على كلا القراءتين ؛ فإن المفرد المضاف يعم ، كقوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ وقيل : المراد بالمسجد المسجد الحرام خاصة ، كما قال : وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وقيل : إنه المراد بالمساجد على القراءة الأخرى ، وأنه جمعه لتعدد بقاع المناسك هناك ، وكل واحد منها في معنى مسجد . روي ذلك عن عكرمة . والله أعلم . فمن قال : إن المراد به المسجد الحرام خاصة ، قال : لا يمكن الكفار من دخول الحرم كله ، بدليل قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وجمهور أهل العلم على أن الكفار يمنعون من سكنى الحرم ، ودخوله بالكلية ، وعمارته بالطواف وغيره ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي : لا يحج بعد العام مشرك . ورخص أبو حنيفة لهم في دخوله دون الإقامة به . ومن قال : المراد جميع المساجد ، فاختلفوا : فمنهم : من قال : لا يمكن الكفار من قربان مسجد من المساجد ، ودخوله بالكلية . ومنهم : من رخص لهم في دخول مساجد الحل في الجملة . ومنهم : من فرق بين أهل الكتاب والمشركين ، فرخص فيه لأهل الكتاب دون المشركين . وقد أفرد البخاري بابا لدخول المشرك المسجد ، ويأتي الكلام على هذه المسألة هناك مستوفى - إن شاء الله تعالى . واتفقوا على منع الكفار من إظهار دينهم في مساجد المسلمين ، لا نعلم في ذلك خلافا . وهذا مما يدل على اتفاق الناس على أن العمارة المعنوية مرادة من الآية . واختلفوا في تمكينهم من عمارة المساجد بالبنيان والترميم ونحوه على قولين : أحدهما : المنع من ذلك ؛ لدخوله في العمارة المذكورة في الآية ، ذكر ذلك كثير من المفسرين كالواحدي وأبي الفرج ابن الجوزي ، وكلام القاضي أبي يعلى في كتاب أحكام القرآن يوافق ذلك وكذلك كيا الهراسي من الشافعية ، وذكره البغوي منهم احتمالا . والثاني : يجوز ذلك ، ولا يمنعون منه ، وصرح به طائفة من فقهاء أصحابنا والبغوي من الشافعية وغيرهم . وهؤلاء ؛ منهم من حمل العمارة على العمارة المعنوية خاصة ، ومنهم من قال : الآية إنما أريد بها المسجد الحرام ، والكفار ممنوعون من دخول الحرم على كل وجه ، بخلاف بقية المساجد ، وهذا جواب ابن عقيل من أصحابنا . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه استعمل طائفة من النصارى في عمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، لما عمره في خلافة الوليد بن عبد الملك . ويتوجه قول ثالث ، وهو : أن الكافر إن بنى مسجدا للمسلمين من ماله لم يمكن من ذلك ، ولو لم يباشره بنفسه ، وإن باشر بناءه بنفسه باستئجار المسلمين له جاز ، فإن في قبول المسلمين منة الكفار ذلا للمسلمين ، بخلاف استئجار الكفار للعمل للمسلمين ؛ فإن فيه ذلا للكفار . وقد اختلف الناس في هذا - أيضا - على قولين : أحدهما : أنه لو وصى الكافر بمال للمسجد أو بمال يعمر به مسجد أو يوقد به ، فإنه تقبل وصيته ، وصرح به القاضي أبو يعلى في تعليقه في مسألة الوقيد ، وكلامه يدل على أنه محل وفاق ، وليس كذلك . والثاني : المنع من ذلك ، وأنه لا تقبل الوصية بذلك ، وصرح به الواحدي في تفسيره وذكره ابن مزين في كتاب سير الفقهاء ، عن يحيى بن يحيى ، قال : سمعت مالكا ، وسئل عَن نصراني أوصى بمال تكسى به الكعبة ؟ فأنكر ذلك ، وقال : الكعبة منزهة عن ذلك . وكذلك المساجد لا تجري عليها وصايا أهل الكفر . وكذلك قال محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة : لا يصح وقف النصراني على المسلمين عموما ، بخلاف المسلم المعين ، والمساجد من الوقف على عموم المسلمين - : ذكره حرب ، عنه بإسناده . وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عن المرأة الفقيرة تجيء إلى اليهودي أو النصراني فتصدق منه ؟ قَالَ : أخشى أن ذَلِكَ ذلة . وَقَالَ مهنا : قُلتُ لأحمد : يأخذ الْمُسْلِم من النصراني من صدقته شيئا ؟ قال : نعم ، إذا كان محتاجا . فقد يكون عن أحمد روايتان في كراهة أخذ المسلم المعين من صدقة الذمي ، وقد يكون كره السؤال ، ورخص في الأخذ منه بغير سؤال . والله أعلم . وأما وقفهم على عموم المسلمين كالمساجد ، فيتوجه كراهته بكل حال ، كما قاله الأنصاري . وقد ذكر أهل السير كالواقدي ومحمد بن سعد أن رجلا من أحبار اليهود ، يقال له : مخيريق ، خرج يوم أحد يقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : إن أصبت في وجهي هذا فمالي لمحمد يضعه حيث شاء ، فقتل يومئذ ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله ، فقيل : إنه فرقها وتصدق بها ، وقيل : إنه حبسها ووقفها . وروى ابن سعد ذلك بأسانيد متعددة ، وفيها ضعف . والله أعلم . قال البخاري - رحمه الله - : 447 – حدثنا مسدد : ثنا عبد العزيز بن مختار : ثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة : قال لي ابن عباس ولابنه علي : انطلقا إلى أبي سعيد ، فاسمعا من حديثه ، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه ، فأخذ رداءه فاحتبى ، ثم أنشأ يحدثنا ، حتى أتى على ذكر بناء المسجد . قال : كنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل ينفض التراب عنه ، ويقول : ويح عمار ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار . قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن في هذا الحديث : حرص العالم المتسع علمه على أولاده ومواليه في تعليمهم العلم ، حتى يرسلهم إلى غيره من العلماء ، وإن كان هو أعلم وأفقه ، لما يرجى من تعليمهم من غيره ما ليس عنده . وفيه : أن الصحابة كانوا يعملون في حوائطهم وهي بساتينهم وحدائقهم بأيديهم ، وأن أحدهم كان إذا عمل في عمل دنياه ألقى رداءه واكتفى بإزاره ، فإذا جاءه من يطلب العلم أخذ رداءه ، وجلس معهم في ثوبين : إزار ورداء . وقول أبي سعيد : كنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين ، يدل على أن أبا سعيد شهد بناء المسجد وعمل فيه ، وهذا يدل على أن المراد بناء المسجد ثاني مرة لا أول مرة ، فإن جماعة من أهل السير ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فتح الله عليه خيبر بنى مسجده مرة ثانية ، وزاد فيه مثله . وإنما استشهدنا لذلك بمشاركة أبي سعيد في بناء المسجد ، ونقل اللبن ؛ لأن أبا سعيد كان له عند بناء المسجد في المرة الأولى نحو عشر سنين أو دونها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رده يوم أحد ولم يجزه ، وله نحو ثلاث عشرة سنة ، وكانت غزوة أحد في أواخر السنة الثالثة من الهجرة ، ومن له عشر سنين أو دونها فبعيد أن يعمل مع الرجال في البنيان . ويدل على تجديد النبي صلى الله عليه وسلم لعمارة مسجده أدلة أخر : منها : أن عثمان وسع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في حياته بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ، فاشترى له مكانا من ماله ، وزاده في المسجد . روى ثمامة بن حزن ، قال : شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان ، فقال : أنشدكم بالله والإسلام : هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة ، فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين ؟ قالوا : اللهم نعم - وذكر الحديث . خرجه النسائي والترمذي ، وقال : حديث حسن . وروى عمرو بن جاوان ، عن الأحنف بن قيس ، قال : انطلقنا حجاجا ، فمررنا بالمدينة ، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد ، فإذا علي والزبير وطلحة وسعد ، فلم يكن بأسرع من أن جاء عثمان ، فقال لهم : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له ، فابتعته ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إني قد ابتعته ، فقال : اجعله في مسجدنا ، وأجره لك ؟ قالوا : نعم - وذكر الحديث . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وفي بعض الروايات : أحسبه قال : ابتعته بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفا . وروى ابن لهيعة : حدثني يزيد بن عمرو المعافري ، قال : سمعت أبا ثور الفهمي ، قال : دخلت على عثمان ، فقال : قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتري هذه الربعة ويزيدها في المسجد ، وله بيت في الجنة ؟ فاشتريتها وزدتها في المسجد . خرجه البزار في مسنده . وخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية أبي إسحاق السبيعي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : أشرف عثمان - فذكر الحديث ، وفيه : أنه قال : أنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد ببيت له في الجنة ؟ فابتعته من مالي ، فوسعت به المسجد ، فانتشد له رجال - وذكر بقية الحديث . وفي سماع أبي سلمة من عثمان نظر . وقد اختلف في إسناده على أبي إسحاق : فرواه عنه : ابنه يونس وحفيده إسرائيل بن يونس ، كلاهما عن أبي إسحاق ، عن أبي سلمة . ورواه زيد بن أبي أنيسة وشعبة وغيرهما ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان . وقد خرج البخاري في صحيحه قطعة من هذا الحديث من رواية شعبة ، ولم يذكر فيه المسجد ، إنما ذكر خصالا أخر . وكذلك خرجه النسائي والترمذي من حديث زيد بن أبي أنيسة ، وعند الترمذي : وأشياء عدها . وقال : صحيح غريب . وقال الدارقطني : قول شعبة ومن تابعه أشبه بالصواب . ومن الأدلة على أن النبي صلى الله عليه وسلم جدد عمارة مسجده مرة ثانية : أن وفد بني حنيفة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني مسجده ، ومعلوم أن وفود العرب لم يفد منهم أحد على النبي صلى الله عليه وسلم مسلما في السنة الأولى من الهجرة ، هذا أمر معلوم بالضرورة لكل من عرف السير وخبرها ، إنما قدمت الوفود مسلمين بعد انتشار الإسلام وظهوره وقوته ، وخصوصا وفد بني حنيفة ؛ فإنه قد ورد في ذمهم أحاديث متعددة في مسند الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من الكتب ، فكيف يظن بهم أنهم سبقوا الناس إلى الإسلام في أول سنة من سني الهجرة ؟ ويدل على قدوم وفد بني حنيفة والنبي صلى الله عليه وسلم يبني مسجده : ما رواه ملازم بن عمرو : حدثني جدي عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، قال : بنيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة ، فكان يقول : قدموا اليمامي من الطين ؛ فإنه من أحسنكم لَهُ مسا . خرجه [...] ابن حبان في صحيحه . وخرجه الإمام أحمد ، وزاد في آخره : وأشدكم منكبا . وعنده عن ملازم ، عن سراج بن عقبة وعبد الله بن بدر ، عن قيس . وخرج النسائي بهذا الإسناد ، عن طلق ، قال : خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه - وذكر حديثا . فتبين بهذا : أنه إنما قدم في وفد بني حنيفة . وخرجه الدارقطني من رواية محمد بن جابر - وفيه ضعف - عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يؤسسون مسجد المدينة . قال : وهم ينقلون الحجارة . قال : فقلت : يا رسول الله ، ألا ننقل كما ينقلون ؟ قال : لا ، ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة ، فأنت أعلم به . قال : فجعلت أخلطه ، وهم ينقلونه . وخرجه الإمام أحمد من رواية أيوب ، عن قيس ، عن أبيه ، قال : جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد . قال : فكأنه لم يعجبه عملهم . قال : فأخذت المسحاة ، فخلطت بها الطين . قال : فكأنه أعجبه أخذي للمسحاة وعملي ، فقال : دعوا الحنفي والطين ؛ فإنه أضبطكم للطين . وأيوب ، هو : ابن عتبة ، فيه لين . وأما نفض النبي صلى الله عليه وسلم عن عمار التراب الذي أصابه من نقل اللبن ، فقد بوب عليه البخاري في السير : مسح الغبار عن الناس في السبيل ، وخرج فيه هذا الحديث مختصرا ، وفيه : فمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، فمسح عن رأسه الغبار ، وقال : ويح عمار ، يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النار . وقوله : ويح عمار ، ويح : كلمة رحمة - : قاله الحسن وغيره . وروي مرفوعا من حديث عائشة بإسناد فيه ضعف . وقيل : ويح : رحمة لنازل به بلية . وانتصابه بفعل مضمر ، كأنه يقول : أترحم عمارا ترحما . وقوله : يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار فيه : إخبار بأن ذلك سيقع له ، ولهذا تعوذ عمار عند ذلك من الفتن . وفيه إشارة إلى أن عمارا على الحق دون من خالفه . وقد وقع في بعض نسخ صحيح البخاري زيادة في هذا الحديث ، وهي : تقتله الفئة الباغية . وقد خرجه بهذه الزيادة الإمام أحمد عن محبوب بن الحسن ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، سمع أبا سعيد يحدث عن بناء المسجد - فذكره ، وقال فيه : ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار . وخرجه النسائي . وقد رواه يزيد بن زريع وغيره ، عن خالد الحذاء . ولكن لفظة : تقتله الفئة الباغية لم يسمعها أبو سعيد من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إنما سمعها من بعض أصحابه عنه . وقد خرج الإمام أحمد من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نظرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - فذكر قصة بناء المسجد ، وقال : حدثني أصحابي - ولم أسمعه - أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ينفض التراب عن عمار ، ويقول : ويح ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية . وخرج مسلم في صحيحه من حديث شعبة ، عن أبي مسلمة : سمعت أبا نضرة يحدث ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أخبرني من هو خير منى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق ، جعل يمسح رأسه ويقول : بؤس ابن سمية ، تقتلك فئة باغية . وفي رواية له بهذا الإسناد تسمية الذي حدث أبا سعيد ، وهو أبو قتادة . وفي رواية له - أيضا - قال : أراه - يعني : أبا قتادة . كذا قال أبو نضرة في روايته عن أبي سعيد ، أن ذلك كان في حفر الخندق ، والصحيح : أن ذلك كان في بناء المسجد . وقد روى الدراوردي ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كنا نحمل اللبن لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فكنا نحمل لبنة لبنة ، وكان عمار يحمل لبنتين لبنتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبشر عمار ، تقتلك الفئة الباغية . خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده ، عن أبي مصعب ، عن الدراوردي . وخرجه الترمذي عن أبي مصعب ، لكنه اختصره ، ولم يذكر فيه قصة بناء المسجد ، وقال : حسن صحيح غريب من حديث العلاء . وإسناده في الظاهر على شرط مسلم ، ولكن قد أعله يحيى بن معين ، بأنه لم يكن في كتاب الدراوردي ، قال : وأخبرني من سمع كتاب العلاء - يعني : من الدراوردي - ليس فيه هذا الحديث . قال يحيى : والدراوردي حفظه ليس بشيء ، كتابه أصح . وهذا الحديث - أيضا - مما يدل على أن بناء المسجد الذي قيل لعمار فيه ذلك كان بعد فتح خيبر ، لأن أبا هريرة أخبر أنه شهده . وروي شهود أبي هريرة لبناء المسجد من وجه آخر ليس فيه ذكر عمار . خرجه الإمام أحمد من رواية عمرو بن أبي عمرو ، عن ابن عبد الله بن حنطب ، عن أبي هريرة ، أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم . قال : فاستقبلت رسول صلى الله عليه وسلم وهو عارض لبنة على بطنه ، فظننت أنها شقت عليه ، فقلت ناولنيها يا رسول الله ، قال : خذ غيرها يا أبا هريرة ؛ فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة . ولكن ابن حنطب ، هو : المطلب ، ولا يصح سماعه من أبي هريرة . وروى الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه يوم صفين : يا أبه ، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وهم يبنون المسجد ، والناس ينقلون لبنة لبنة ، وعمار ينقل لبنتين لبنتين ، وهو يوعك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لحريص على الأجر ، وإنك لمن أهل الجنة ، وإنك لتقتلك الفئة الباغية . خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده بتمامه . وخرجه الإمام أحمد والنسائي في الخصائص - مختصرا . والحاكم . وفي إسناده اختلاف على الأعمش . وهو - أيضا - مما يدل على تأخر بناء المسجد حتى شهده عمرو بن العاص وابنه عبد الله . وروى ابن عون ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة ، قالت : لما كان يوم الخندق ، وجعل الناس يحملون لبنة لبنة ، وجعل عمار يحمل لبنتين لبنتين ، حتى اغبر شعر صدره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ويحك يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية . خرجه [...] . وخرجه مسلم مختصرا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار : تقتله الفئة الباغية . وذكر حفر الخندق في هذا الحديث فيه نظر ، والصواب : بناء المسجد ، يدل على ذلك وجهان : أحدهما : أن حفر الخندق لم يكن فيه نقل لبن ، إنما كان ينقل التراب ، وإنما ينقل اللبن لبناء المسجد . والثاني : أن حديث أم سلمة قد روي بلفظ آخر ، أنها قالت : ما نسيت الغبار على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول : اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة إذ جاء عمار فقال : ويحك - أو ويلك - يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية . وأم سلمة أين كانت من حفر الخندق ؟ إنما كانت تشاهد بناء المسجد في المرة الثانية ، لأن حجرتها كانت عند المسجد . وقد اختلف في حديث : تقتل عمارا الفئة الباغية . فذكر الخلال في كتاب العلل : ثنا إسماعيل الصفار : سمعت أبا أمية الطرسوسي يقول : سمعت في حلقة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبي خيثمة والمعيطي ذكروا : تقتل عمارا الفئة الباغية ، فقالوا : ما فيه حديث صحيح . قال الخلال : وسمعت عبد الله بن إبراهيم يقول : سمعت أبي يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول : روي في عمار : تقتله الفئة الباغية ثمانية وعشرون حديثا ، ليس فيها حديث صحيح . وهذا الإسناد غير معروف ، وقد روي عن أحمد خلاف هذا : قال يعقوب بن شيبة السدوسي في مسند عمار من مسنده : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في عمار : تقتلك الفئة الباغية فقال أحمد : كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قتلته الفئة الباغية . وقال : في هذا غير حديث صحيح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا . وقال الحاكم في تاريخ نيسابور : سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى العارض - وأثنى عليه - يقول : سمعت صالح بن محمد الحافظ - يعني : جزرة - يقول : سمعت يحيى بن معين وعلي ابن المديني يصححان حديث الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة : تقتل عمارا الفئة الباغية . وقد فسر الحسن البصري الفئة الباغية بأهل الشام : معاوية وأصحابه . وقال أحمد : لا أتكلم في هذا ، السكوت عنه أسلم . وقول النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المسجد : ويح عمار ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار هو من جنس الارتجاز كما كان يقول في بناء المسجد في أول أمره : اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة ومثل ارتجازه عند حفر الخندق بقول ابن رواحة : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا وروى محمد بن سعد : أبنا عبد الله بن نمير ، عن الأجلح ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، قال : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده ، جعل القوم يحملون ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحمل هو وعمار ، فجعل عمر يرتجز ، ويقول : نحن المسلمون نبني المساجدا وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المساجدا . وقد كان عمار اشتكى قبل ذلك ، فقال بعض القوم : ليموتن عمار اليوم ، فسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم فنفض لبنته ، وقال : ويحك - ولم يقل : ويلك - يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية . وهذا مرسل . وخرجه البزار من رواية شريك ، عن الأجلح ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن عمار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال له : تقتلك الفئة الباغية . ثم قال : رواه أبو التياح ، عن عبد الله بن أبي الهذيل - مرسلا ، لم يقل : عن عمار . قلت : وقد خرجه الطبراني بإسناد فيه نظر ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي التياح ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبني المسجد ، وكان عمار يحمل صخرتين ، فقال : ويح ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية . والمرسل أشبه . والله أعلم . وروى حماد بن سلمة في جامعه ، عن أبي جعفر الخطمي ، أن عبد الله بن رواحة كان يقول وهم يبنون مسجد قباء : أفلح من يعالج المساجدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : المساجدا . يقرأ القرآن قائما وقاعدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قاعدا . ولا يبيت الليل عنه راقدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : راقدا . وفي هذا الارتجاز عند بناء المسجد فائدتان : إحداهما : ما في هذا الكلام من الموعظة الحسنة ، والحث على العمل ، فيوجب ذلك للسامعين النشاط في العمل ، وزوال ما يعرض للنفس من الفتور والكسل عند سماع ثواب العمل وفضله ، أو الدعاء لعامله بالمغفرة . والثانية : أن المتعاونين على معالجة الأعمال الشاقة كالحمل والبناء ونحوها قد جرت عادتهم بالاسترواح إلى استماع بعضهم إلى ما ينشده بعضهم ، ويجيبه الآخر عنه ، فإن كل واحد منهم يتعلق فكره بما يقول صاحبه ، ويطرب بذلك ، ويجيل فكره في الجواب عنه بمثله ، فيخف بذلك على النفوس معالجة تلك الأثقال ، وربما نسي ثقل المحمول بالاشتغال بسماع الارتجاز ، والمجاوبة عنه . ويؤخذ من هذا أنواع من الاعتبار : منها : حاجة النفس إلى التلطف بها في حمل أثقال التكليف ، حتى تنشط للقيام بها ، ويهون بذلك عليها الأعمال الشاقة على النفس ، من الطاعات . ومنها : احتياج الإنسان في حمل ثقل التكليف إلى من يعاونه على طاعة الله ، وينشط لها بالمواعظ وغيرها كما قال تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وقال : وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ سئلت أم الدرداء : ما كان أفضل عمل أبي الدرداء ؟ قالت : التفكر . قالت : ونظر إلى ثورين يخدان في الأرض ، ثم استقلا بعملهما ، فتعب أحدهما ، فقام الآخر. فقال أبو الدرداء : في هذا تفكر استقلا بعملهما ما اجتمعا ، وكذلك المتعاونون على ذكر الله عز وجل . خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التعاون في بناء المسجد · ص 207 ( باب التعاون في بناء المسجد ) أي هذا باب في بيان تعاون الناس بعضهم بعضا في بناء المسجد، وأشار بهذا إلى أن في ذلك أجرا، ومن زاد في عمله في ذلك زاد في أجره، وفي بعض النسخ في بناء المساجد بلفظ الجمع . ( وقول الله : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ إلى قوله : الْمُهْتَدِينَ ، ولم يقع في روايته لفظ وقول الله عز وجل، وسبب نزول هذه الآية أنه لما أسر العباس رضي الله تعالى عنه يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه ، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا دون محاسننا ؟ فقال له علي : ألكم محاسن ؟ قال : نعم ، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال بعضهم في توجيه ذكر البخاري هذه الآية ههنا، وذكره هذه الآية مصير منه إلى ترجيح أحد الاحتمالين من أحد الاحتمالين، وذلك أن قوله تعالى : " مَسَاجِدَ اللَّهِ " يحتمل أن يراد بها مواضع السجود، ويحتمل أن يراد بها الأماكن المتخذة لإقامة الصلاة، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها بنيانها، ويحتمل أن يراد الإقامة فيها لذكر الله تعالى . قلت : هذا الذي قاله هذا القائل لا يناسب معنى هذه الآية أصلا، وإنما يناسب معنى قوله تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ؛ الآية على أن أحدا من المفسرين لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل، وإنما هذا تصرف منه بالرأي في القرآن فلا يجوز ذلك، ويجب الإعراض عن هذا . قال المفسرون : معنى هذه الآية ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ مسجد الله أراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض التي بني من أول يوم على عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام ، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، وقال الزمخشري : أما القراءة بالجمع ففيها وجهان ، أحدهما : أن يراد به المسجد الحرام، وإنما قيل مساجد الله لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد، والثاني : أن يراد به جنس المساجد ، فإذا لم يصلحوا أن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته، وهو آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت : فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفى لقراءة القرآن من تصريحك بذلك ، ثم إن البخاري ذكر هذه الآية من جملة الترجمة، وحديث الباب لا يطابقها، ولو ذكر قوله تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الآية ، لكان أجدر وأقرب للمطابقة، ولكن يمكن أن يوجه ذلك، وإن كان فيه بعض تعسف، وهو أن يقال : إنه أشار به إلى أن التعاون في بناء المساجد المعتبر الذي فيه الأجر إنما كان للمؤمنين، ولم يكن ذلك للكافرين، وإن كانوا بنوا مساجد ليتعبدوا فيها بعبادتهم الباطلة ألا ترى أن العباس رضي الله تعالى عنه لما أسر يوم بدر وعير بكفره وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه ادعى أنهم كانوا يعمرون المسجد الحرام ، فبين الله لهم ذلك أنه غير مقبول منهم لكفرهم حيث أنزل على نبيه الكريم : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ كما ذكرناه الآن ثم أنزل في حق المسلمين الذين يتعاونون في بناء المساجد قوله : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الآية، والمعنى إنما العمارة المعتد بها عمارة من آمن بالله فجعل عمارة غيرهم كَلَا عمارة حيث ذكرها بكلمة الحصر، وروى عبد بن حميد في مسنده : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا صالح المزي عن ثابت البناني وميمون بن سياه وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عمار المسجد هم أهل الله " ، ورواه الحافظ أبو بكر البزار أيضا، ولا شك أن أهل الله هم المؤمنون . 107 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد العزيز بن مختار قال : حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي : انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه ، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى ذكر بناء المسجد فقال : كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فنفض التراب عنه، وقال : ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار ، قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن ) . مطابقته للترجمة الأولى ظاهرة، وقد مر الكلام فيه مستوفى . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : مسدد بن مسرهد، وقد تكرر ذكره . الثاني : عبد العزيز بن مختار أبو إسحاق الدباغ البصري الأنصاري . الثالث : خالد بن مهران الحذاء بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة، وقد تقدم . الرابع : عكرمة مولى ابن عباس . الخامس : علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو الحسن، ويقال أبو محمد كان مولده ليلة قتل علي بن أبي طالب فسمى باسمه، وكنى بكنيته، وكان غاية في العبادة والزهد والعلم والعمل، وحسن الشكل، والفقهه، وكان يصلي كل يوم ألف ركعة هو جد السفاح والمنصور الخليفتين، وكان يدعى السجاد لذلك، وكان له خمسمائة أصل زيتون يصلي كل يوم عند أصل كل شجرة ركعتين مات بعد العشرين ومائة إما سنة أربع عشرة أو سبع عشرة أو عشر عن ثمان أو تسع وسبعين سنة . السادس : أبو سعيد الخدري رضي الله عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول، وفيه أن إسناده كله بصري لأن ابن عباس أقام أميرا على البصرة مدة، وعكرمة مولاه معه . ( ذكر تعدد موضعه ) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن إبراهيم بن موسى . ( ذكر معناه وإعرابه ) ؛ قوله ( ولابنه ) الضمير فيه يرجع إلى ابن عباس ؛ قوله ( فإذا هو ) كلمة إذا ههنا للمفاجأة ، أي : فإذا أبو سعيد الخدري في حائط ، أي بستان، وسمي به لأنه لا سقف له ؛ قوله ( يصلحه ) جملة في محل الرفع لأنها خبر لقوله هو، ولفظ البخاري في باب الجهاد " فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه ) قيل : أخوه هذا لأمه، وهو قتادة بن النعمان، ورد بأن هذا لا يصح لأن علي بن عبد الله بن عباس، ولد في آخر خلافة علي بن أبي طالب، ومات قتادة بن النعمان قبل ذلك في أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وليس لأبي سعيد أخ شقيق، ولا أخ من أبيه، ولا من أمه ، إلا قتادة ، فيحتمل أن يكون المذكور أخاه من الرضاعة، والله تعالى أعلم ؛ قوله ( فاحتبى ) بالحاء المهملة، وبالباء الموحدة بعد التاء المثناة من فوق ، يقال : احتبى الرجل إذا جمع ظهره، وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه ؛ قوله ( أنشأ ) بمعنى طفق، وهما من أفعال المقاربة، وضعا للدلالة على الشروع في الخبر، ويعملان عمل كان إلا أن خبرهما يجب أن يكون جملة، ويشاركهما في هذا الذي ذكرناه جعل، وعلق، وأخذ . قوله ( يحدثنا ) في محل النصب لأنه خبر أنشأ ؛ قوله ( حتى أتى ) ، وفي رواية كريمة ( حتى إذا أتى ) ؛ قوله ( بناء المسجد ) أي المسجد النبوي ، فالألف واللام فيه للعهد ؛ قوله ( قال ) أي أبو سعيد الخدري ؛ قوله ( لبنة ) بفتح اللام وكسر الباء الموحدة بعدها النون، وهي الطوب النيء، وانتصابها على أنها مفعول نحمل، وانتصاب الثانية بأنه تأكيد لها ؛ قوله ( وعمار ) أي يحمل عمار بن ياسر لبنتين لبنتين ، زاد معمر في روايته : "لبنة عنه، ولبنة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " ، وفيه زيادة أيضا لم يذكرها البخاري، ووقعت عند الإسماعيلي، وأبي نعيم في ( المستخرج ) من طريق خالد الواسطي عن خالد الحذاء، وهي : "فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك ؟ قال : إني أريد من الله الأجر " . قوله ( فرآه النبي صلى الله عليه وسلم ) الضمير المنصوب فيه يرجع إلى عمار ؛ قوله ( فنفض التراب عنه ) ، ويروى : " فينفض التراب عنه " ، وفيه التعبير بصيغة المضارع في موضع الماضي لاستحضار ذلك في نفس السامع كأنه شاهده، وفي رواية الكشميهني : "فجعل ينفض التراب عنه "، وفي لفظ للبخاري في باب الجهاد : " عن رأسه "، وكذا في رواية مسلم ؛ قوله ( ويح عمار ) كلمة ويح كلمة رحمة كما أن كلمة ويل كلمة عذاب ، تقول : ويح لزيد، وويل له برفعهما على الابتداء، ولك أن تقول: ويحا لزيد وويلا له فتنصبهما بإضمار فعل، وأن تقول: ويحك وويح زيد، وويلك وويل زيد بالإضافة فتنصب أيضا بإضمار الفعل، وههنا بنصب الحاء لا غير . قوله ( الفئة ) هي الجماعة، والباغية هم الذين خالفوا الإمام وخرجوا عن طاعته بتأويل باطل ظنا بمتبوع مطاع ؛ قوله ( يدعوهم ) أي يدعو عمار الفئة الباغية، وهم الذين قتلوه في وقعة صفين، وأعيد الضمير إليهم، وهم غير مذكورين صريحا ؛ قوله ( إلى الجنة ) أي إلى سببها، وهي الطاعة كما أن سبب النار هو المعصية ؛ قوله ( ويدعونه إلى النار ) أي يدعو هؤلاء الفئة الباغية عمارا إلى النار ، ( فإن قيل ) كان قتل عمار بصفين، وكان مع علي رضي الله تعالى عنه، وكان الذين قتلوه مع معاوية، وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز أن يدعوه إلى النار ، فأجاب ابن بطال عن ذلك فقال : إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم علي عمارا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة لأنه لا يجوز أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل . قلت : تبع ابن بطال في ذلك المهلب، وتابعه على ذلك جماعة في هذا الجواب، ولكن لا يصح هذا لأن الخوارج إنما خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه بعد قتل عمار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك لأن ابتداء أمرهم كان عقيب التحكيم بين علي ومعاوية، ولم يكن التحكيم إلا بعد انتهاء القتال بصفين، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعا، وأجاب بعضهم بأن المراد بالذين يدعونه إلى النار كفار قريش، وهذا أيضا لا يصح لأنه وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما زيادة توضيح بأن الضمير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشام، وقال الحميدي : لعل هذه الزيادة لم تقع للبخاري أو وقعت فحذفها عمدا ولم يذكرها في الجمع ؛ قال : وقد أخرجها الإسماعيلي والبرقاني في هذا الحديث، والجواب الصحيح في هذا أنهم كانوا مجتهدين ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة، وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتباع ظنونهم ، فإن قلت : المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر ، فكيف الأمر ههنا؟ قلت : الذي قلنا جواب إقناعي فلا يليق أن يذكر في حق الصحابة خلاف ذلك ؛ لأن الله تعالى أثنى عليهم وشهد لهم بالفضل بقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال المفسرون هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . ( ذكر ما يستنبط منه من الفوائد ) فيه أن التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال لأنه مما يجري للإنسان أجره بعد موته، ومثل ذلك حفر الآبار وكري الأنهار، وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها، وفيه الحث على أخذ العلم من كل أحد وإن كان الآخذ أفضل من المأخوذ منه ، ألا ترى أن ابن عباس مع سعة علمه أمر ابنه عليا بالأخذ عن أبي سعيد الخدري ؟ قيل : يحتمل أن يكون إرسال ابن عباس إليه لطلب علو الإسناد لأن أبا سعيد أقدم صحبة وأكثر سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : مع هذا لا ينافي ذلك ما ذكرناه . وفيه أن العالم له أن يتهيأ للحديث، ويجلس له جلسة، وفيه ترك التحديث في حالة المهنة إعظاما للحديث، وتوقيرا لصحابه، وهكذا كان السلف، وفيه أن للإنسان أن يأخذ من أفعال البر ما يشق عليه إن شاء كما أخذ عمار لبنتين، وفيه إكرام العامل في سبيل الله، والإحسان إليه بالفعل والقول، وفيه علامة النبوة لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بما يكون فكان كما قال، وفيه إصلاح الشخص بما يتعلق بأمر دنياه كإصلاح بستانه وكرمه بنفسه، وكان السلف على ذلك لأن فيه إظهار التواضع، ودفع الكبر، وهما من أفضل الأعمال الصالحة، وفيه فضيلة ظاهرة لعلي وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه، وفيه استحباب الاستعاذة من الفتن لأنه لا يدري أحد في الفتنة أمأجور هو أم مأزور إلا بغلبة الظن، ولو كان مأجورا لما استعاذ عمار من الأجر وقال ابن بطال : وفيه رد للحديث الشائع : " لا تستعيذوا بالله من الفتن فإن فيها حصاد المنافقين " ، قلت: ويروى : " لا تكرهوا الفتن " ، ولكن لم يصح هذا فإن عبد الله بن وهب قد سئل عن ذلك فقال : إنه باطل .