باب التعاون في بناء المسجد
باب التعاون في بناء المسجد مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ - إلى قوله - : مِنَ الْمُهْتَدِينَ عمارة المساجد تكون بمعنيين : أحدهما : عمارتها الحسية ببنائها وإصلاحها وترميمها ، وما أشبه ذلك . والثاني : عمارتها المعنوية بالصلاة فيها ، وذكر الله وتلاوة كتابه ، ونشر العلم الذي أنزله على رسوله ، ونحو ذلك . وقد فسرت الآية بكل واحد من المعنيين ، وفسرت بهما جميعا ، والمعنى الثاني أخص بها .
وقد خرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ، ثم تلا : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . ولكن قال الإمام أحمد : هو منكر . وقوله : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ - وقرئ مسجد الله .
فقيل : إن المراد به جميع المساجد على كلا القراءتين ؛ فإن المفرد المضاف يعم ، كقوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ وقيل : المراد بالمسجد المسجد الحرام خاصة ، كما قال : وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وقيل : إنه المراد بالمساجد على القراءة الأخرى ، وأنه جمعه لتعدد بقاع المناسك هناك ، وكل واحد منها في معنى مسجد . روي ذلك عن عكرمة . والله أعلم .
فمن قال : إن المراد به المسجد الحرام خاصة ، قال : لا يمكن الكفار من دخول الحرم كله ، بدليل قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وجمهور أهل العلم على أن الكفار يمنعون من سكنى الحرم ، ودخوله بالكلية ، وعمارته بالطواف وغيره ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي : لا يحج بعد العام مشرك . ورخص أبو حنيفة لهم في دخوله دون الإقامة به . ومن قال : المراد جميع المساجد ، فاختلفوا : فمنهم : من قال : لا يمكن الكفار من قربان مسجد من المساجد ، ودخوله بالكلية .
ومنهم : من رخص لهم في دخول مساجد الحل في الجملة . ومنهم : من فرق بين أهل الكتاب والمشركين ، فرخص فيه لأهل الكتاب دون المشركين . وقد أفرد البخاري بابا لدخول المشرك المسجد ، ويأتي الكلام على هذه المسألة هناك مستوفى - إن شاء الله تعالى .
واتفقوا على منع الكفار من إظهار دينهم في مساجد المسلمين ، لا نعلم في ذلك خلافا . وهذا مما يدل على اتفاق الناس على أن العمارة المعنوية مرادة من الآية . واختلفوا في تمكينهم من عمارة المساجد بالبنيان والترميم ونحوه على قولين : أحدهما : المنع من ذلك ؛ لدخوله في العمارة المذكورة في الآية ، ذكر ذلك كثير من المفسرين كالواحدي وأبي الفرج ابن الجوزي ، وكلام القاضي أبي يعلى في كتاب أحكام القرآن يوافق ذلك وكذلك كيا الهراسي من الشافعية ، وذكره البغوي منهم احتمالا .
والثاني : يجوز ذلك ، ولا يمنعون منه ، وصرح به طائفة من فقهاء أصحابنا والبغوي من الشافعية وغيرهم . وهؤلاء ؛ منهم من حمل العمارة على العمارة المعنوية خاصة ، ومنهم من قال : الآية إنما أريد بها المسجد الحرام ، والكفار ممنوعون من دخول الحرم على كل وجه ، بخلاف بقية المساجد ، وهذا جواب ابن عقيل من أصحابنا . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه استعمل طائفة من النصارى في عمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، لما عمره في خلافة الوليد بن عبد الملك .
ويتوجه قول ثالث ، وهو : أن الكافر إن بنى مسجدا للمسلمين من ماله لم يمكن من ذلك ، ولو لم يباشره بنفسه ، وإن باشر بناءه بنفسه باستئجار المسلمين له جاز ، فإن في قبول المسلمين منة الكفار ذلا للمسلمين ، بخلاف استئجار الكفار للعمل للمسلمين ؛ فإن فيه ذلا للكفار . وقد اختلف الناس في هذا - أيضا - على قولين : أحدهما : أنه لو وصى الكافر بمال للمسجد أو بمال يعمر به مسجد أو يوقد به ، فإنه تقبل وصيته ، وصرح به القاضي أبو يعلى في تعليقه في مسألة الوقيد ، وكلامه يدل على أنه محل وفاق ، وليس كذلك . والثاني : المنع من ذلك ، وأنه لا تقبل الوصية بذلك ، وصرح به الواحدي في تفسيره وذكره ابن مزين في كتاب سير الفقهاء ، عن يحيى بن يحيى ، قال : سمعت مالكا ، وسئل عَن نصراني أوصى بمال تكسى به الكعبة ؟ فأنكر ذلك ، وقال : الكعبة منزهة عن ذلك .
وكذلك المساجد لا تجري عليها وصايا أهل الكفر . وكذلك قال محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة : لا يصح وقف النصراني على المسلمين عموما ، بخلاف المسلم المعين ، والمساجد من الوقف على عموم المسلمين - : ذكره حرب ، عنه بإسناده . وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عن المرأة الفقيرة تجيء إلى اليهودي أو النصراني فتصدق منه ؟ قَالَ : أخشى أن ذَلِكَ ذلة .
وَقَالَ مهنا : قُلتُ لأحمد : يأخذ الْمُسْلِم من النصراني من صدقته شيئا ؟ قال : نعم ، إذا كان محتاجا . فقد يكون عن أحمد روايتان في كراهة أخذ المسلم المعين من صدقة الذمي ، وقد يكون كره السؤال ، ورخص في الأخذ منه بغير سؤال . والله أعلم .
وأما وقفهم على عموم المسلمين كالمساجد ، فيتوجه كراهته بكل حال ، كما قاله الأنصاري . وقد ذكر أهل السير كالواقدي ومحمد بن سعد أن رجلا من أحبار اليهود ، يقال له : مخيريق ، خرج يوم أحد يقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : إن أصبت في وجهي هذا فمالي لمحمد يضعه حيث شاء ، فقتل يومئذ ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله ، فقيل : إنه فرقها وتصدق بها ، وقيل : إنه حبسها ووقفها . وروى ابن سعد ذلك بأسانيد متعددة ، وفيها ضعف .
والله أعلم . قال البخاري - رحمه الله - : 447 – حدثنا مسدد : ثنا عبد العزيز بن مختار : ثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة : قال لي ابن عباس ولابنه علي : انطلقا إلى أبي سعيد ، فاسمعا من حديثه ، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه ، فأخذ رداءه فاحتبى ، ثم أنشأ يحدثنا ، حتى أتى على ذكر بناء المسجد . قال : كنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل ينفض التراب عنه ، ويقول : ويح عمار ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار .
قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن في هذا الحديث : حرص العالم المتسع علمه على أولاده ومواليه في تعليمهم العلم ، حتى يرسلهم إلى غيره من العلماء ، وإن كان هو أعلم وأفقه ، لما يرجى من تعليمهم من غيره ما ليس عنده . وفيه : أن الصحابة كانوا يعملون في حوائطهم وهي بساتينهم وحدائقهم بأيديهم ، وأن أحدهم كان إذا عمل في عمل دنياه ألقى رداءه واكتفى بإزاره ، فإذا جاءه من يطلب العلم أخذ رداءه ، وجلس معهم في ثوبين : إزار ورداء . وقول أبي سعيد : كنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين ، يدل على أن أبا سعيد شهد بناء المسجد وعمل فيه ، وهذا يدل على أن المراد بناء المسجد ثاني مرة لا أول مرة ، فإن جماعة من أهل السير ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فتح الله عليه خيبر بنى مسجده مرة ثانية ، وزاد فيه مثله .
وإنما استشهدنا لذلك بمشاركة أبي سعيد في بناء المسجد ، ونقل اللبن ؛ لأن أبا سعيد كان له عند بناء المسجد في المرة الأولى نحو عشر سنين أو دونها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رده يوم أحد ولم يجزه ، وله نحو ثلاث عشرة سنة ، وكانت غزوة أحد في أواخر السنة الثالثة من الهجرة ، ومن له عشر سنين أو دونها فبعيد أن يعمل مع الرجال في البنيان . ويدل على تجديد النبي صلى الله عليه وسلم لعمارة مسجده أدلة أخر : منها : أن عثمان وسع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في حياته بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ، فاشترى له مكانا من ماله ، وزاده في المسجد . روى ثمامة بن حزن ، قال : شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان ، فقال : أنشدكم بالله والإسلام : هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة ، فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين ؟ قالوا : اللهم نعم - وذكر الحديث .
خرجه النسائي والترمذي ، وقال : حديث حسن . وروى عمرو بن جاوان ، عن الأحنف بن قيس ، قال : انطلقنا حجاجا ، فمررنا بالمدينة ، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد ، فإذا علي والزبير وطلحة وسعد ، فلم يكن بأسرع من أن جاء عثمان ، فقال لهم : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له ، فابتعته ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إني قد ابتعته ، فقال : اجعله في مسجدنا ، وأجره لك ؟ قالوا : نعم - وذكر الحديث . خرجه الإمام أحمد والنسائي .
وفي بعض الروايات : أحسبه قال : ابتعته بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفا . وروى ابن لهيعة : حدثني يزيد بن عمرو المعافري ، قال : سمعت أبا ثور الفهمي ، قال : دخلت على عثمان ، فقال : قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتري هذه الربعة ويزيدها في المسجد ، وله بيت في الجنة ؟ فاشتريتها وزدتها في المسجد . خرجه البزار في مسنده .
وخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية أبي إسحاق السبيعي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : أشرف عثمان - فذكر الحديث ، وفيه : أنه قال : أنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد ببيت له في الجنة ؟ فابتعته من مالي ، فوسعت به المسجد ، فانتشد له رجال - وذكر بقية الحديث . وفي سماع أبي سلمة من عثمان نظر . وقد اختلف في إسناده على أبي إسحاق : فرواه عنه : ابنه يونس وحفيده إسرائيل بن يونس ، كلاهما عن أبي إسحاق ، عن أبي سلمة .
ورواه زيد بن أبي أنيسة وشعبة وغيرهما ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان . وقد خرج البخاري في صحيحه قطعة من هذا الحديث من رواية شعبة ، ولم يذكر فيه المسجد ، إنما ذكر خصالا أخر . وكذلك خرجه النسائي والترمذي من حديث زيد بن أبي أنيسة ، وعند الترمذي : وأشياء عدها .
وقال : صحيح غريب . وقال الدارقطني : قول شعبة ومن تابعه أشبه بالصواب . ومن الأدلة على أن النبي صلى الله عليه وسلم جدد عمارة مسجده مرة ثانية : أن وفد بني حنيفة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني مسجده ، ومعلوم أن وفود العرب لم يفد منهم أحد على النبي صلى الله عليه وسلم مسلما في السنة الأولى من الهجرة ، هذا أمر معلوم بالضرورة لكل من عرف السير وخبرها ، إنما قدمت الوفود مسلمين بعد انتشار الإسلام وظهوره وقوته ، وخصوصا وفد بني حنيفة ؛ فإنه قد ورد في ذمهم أحاديث متعددة في مسند الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من الكتب ، فكيف يظن بهم أنهم سبقوا الناس إلى الإسلام في أول سنة من سني الهجرة ؟ ويدل على قدوم وفد بني حنيفة والنبي صلى الله عليه وسلم يبني مسجده : ما رواه ملازم بن عمرو : حدثني جدي عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، قال : بنيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة ، فكان يقول : قدموا اليمامي من الطين ؛ فإنه من أحسنكم لَهُ مسا .
خرجه [...] ابن حبان في صحيحه . وخرجه الإمام أحمد ، وزاد في آخره : وأشدكم منكبا . وعنده عن ملازم ، عن سراج بن عقبة وعبد الله بن بدر ، عن قيس .
وخرج النسائي بهذا الإسناد ، عن طلق ، قال : خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه - وذكر حديثا . فتبين بهذا : أنه إنما قدم في وفد بني حنيفة . وخرجه الدارقطني من رواية محمد بن جابر - وفيه ضعف - عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يؤسسون مسجد المدينة .
قال : وهم ينقلون الحجارة . قال : فقلت : يا رسول الله ، ألا ننقل كما ينقلون ؟ قال : لا ، ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة ، فأنت أعلم به . قال : فجعلت أخلطه ، وهم ينقلونه .
وخرجه الإمام أحمد من رواية أيوب ، عن قيس ، عن أبيه ، قال : جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد . قال : فكأنه لم يعجبه عملهم . قال : فأخذت المسحاة ، فخلطت بها الطين .
قال : فكأنه أعجبه أخذي للمسحاة وعملي ، فقال : دعوا الحنفي والطين ؛ فإنه أضبطكم للطين . وأيوب ، هو : ابن عتبة ، فيه لين . وأما نفض النبي صلى الله عليه وسلم عن عمار التراب الذي أصابه من نقل اللبن ، فقد بوب عليه البخاري في السير : مسح الغبار عن الناس في السبيل ، وخرج فيه هذا الحديث مختصرا ، وفيه : فمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، فمسح عن رأسه الغبار ، وقال : ويح عمار ، يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النار .
وقوله : ويح عمار ، ويح : كلمة رحمة - : قاله الحسن وغيره . وروي مرفوعا من حديث عائشة بإسناد فيه ضعف . وقيل : ويح : رحمة لنازل به بلية .
وانتصابه بفعل مضمر ، كأنه يقول : أترحم عمارا ترحما . وقوله : يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار فيه : إخبار بأن ذلك سيقع له ، ولهذا تعوذ عمار عند ذلك من الفتن . وفيه إشارة إلى أن عمارا على الحق دون من خالفه .
وقد وقع في بعض نسخ صحيح البخاري زيادة في هذا الحديث ، وهي : تقتله الفئة الباغية . وقد خرجه بهذه الزيادة الإمام أحمد عن محبوب بن الحسن ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، سمع أبا سعيد يحدث عن بناء المسجد - فذكره ، وقال فيه : ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار . وخرجه النسائي .
وقد رواه يزيد بن زريع وغيره ، عن خالد الحذاء . ولكن لفظة : تقتله الفئة الباغية لم يسمعها أبو سعيد من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إنما سمعها من بعض أصحابه عنه . وقد خرج الإمام أحمد من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نظرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - فذكر قصة بناء المسجد ، وقال : حدثني أصحابي - ولم أسمعه - أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ينفض التراب عن عمار ، ويقول : ويح ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية .
وخرج مسلم في صحيحه من حديث شعبة ، عن أبي مسلمة : سمعت أبا نضرة يحدث ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أخبرني من هو خير منى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق ، جعل يمسح رأسه ويقول : بؤس ابن سمية ، تقتلك فئة باغية . وفي رواية له بهذا الإسناد تسمية الذي حدث أبا سعيد ، وهو أبو قتادة . وفي رواية له - أيضا - قال : أراه - يعني : أبا قتادة .
كذا قال أبو نضرة في روايته عن أبي سعيد ، أن ذلك كان في حفر الخندق ، والصحيح : أن ذلك كان في بناء المسجد . وقد روى الدراوردي ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كنا نحمل اللبن لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فكنا نحمل لبنة لبنة ، وكان عمار يحمل لبنتين لبنتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبشر عمار ، تقتلك الفئة الباغية . خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده ، عن أبي مصعب ، عن الدراوردي .
وخرجه الترمذي عن أبي مصعب ، لكنه اختصره ، ولم يذكر فيه قصة بناء المسجد ، وقال : حسن صحيح غريب من حديث العلاء . وإسناده في الظاهر على شرط مسلم ، ولكن قد أعله يحيى بن معين ، بأنه لم يكن في كتاب الدراوردي ، قال : وأخبرني من سمع كتاب العلاء - يعني : من الدراوردي - ليس فيه هذا الحديث . قال يحيى : والدراوردي حفظه ليس بشيء ، كتابه أصح .
وهذا الحديث - أيضا - مما يدل على أن بناء المسجد الذي قيل لعمار فيه ذلك كان بعد فتح خيبر ، لأن أبا هريرة أخبر أنه شهده . وروي شهود أبي هريرة لبناء المسجد من وجه آخر ليس فيه ذكر عمار . خرجه الإمام أحمد من رواية عمرو بن أبي عمرو ، عن ابن عبد الله بن حنطب ، عن أبي هريرة ، أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم .
قال : فاستقبلت رسول صلى الله عليه وسلم وهو عارض لبنة على بطنه ، فظننت أنها شقت عليه ، فقلت ناولنيها يا رسول الله ، قال : خذ غيرها يا أبا هريرة ؛ فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة . ولكن ابن حنطب ، هو : المطلب ، ولا يصح سماعه من أبي هريرة . وروى الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه يوم صفين : يا أبه ، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وهم يبنون المسجد ، والناس ينقلون لبنة لبنة ، وعمار ينقل لبنتين لبنتين ، وهو يوعك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لحريص على الأجر ، وإنك لمن أهل الجنة ، وإنك لتقتلك الفئة الباغية .
خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده بتمامه . وخرجه الإمام أحمد والنسائي في الخصائص - مختصرا . والحاكم .
وفي إسناده اختلاف على الأعمش . وهو - أيضا - مما يدل على تأخر بناء المسجد حتى شهده عمرو بن العاص وابنه عبد الله . وروى ابن عون ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة ، قالت : لما كان يوم الخندق ، وجعل الناس يحملون لبنة لبنة ، وجعل عمار يحمل لبنتين لبنتين ، حتى اغبر شعر صدره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ويحك يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية .
خرجه [...] . وخرجه مسلم مختصرا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار : تقتله الفئة الباغية . وذكر حفر الخندق في هذا الحديث فيه نظر ، والصواب : بناء المسجد ، يدل على ذلك وجهان : أحدهما : أن حفر الخندق لم يكن فيه نقل لبن ، إنما كان ينقل التراب ، وإنما ينقل اللبن لبناء المسجد .
والثاني : أن حديث أم سلمة قد روي بلفظ آخر ، أنها قالت : ما نسيت الغبار على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول : اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة إذ جاء عمار فقال : ويحك - أو ويلك - يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية . وأم سلمة أين كانت من حفر الخندق ؟ إنما كانت تشاهد بناء المسجد في المرة الثانية ، لأن حجرتها كانت عند المسجد . وقد اختلف في حديث : تقتل عمارا الفئة الباغية .
فذكر الخلال في كتاب العلل : ثنا إسماعيل الصفار : سمعت أبا أمية الطرسوسي يقول : سمعت في حلقة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبي خيثمة والمعيطي ذكروا : تقتل عمارا الفئة الباغية ، فقالوا : ما فيه حديث صحيح . قال الخلال : وسمعت عبد الله بن إبراهيم يقول : سمعت أبي يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول : روي في عمار : تقتله الفئة الباغية ثمانية وعشرون حديثا ، ليس فيها حديث صحيح . وهذا الإسناد غير معروف ، وقد روي عن أحمد خلاف هذا : قال يعقوب بن شيبة السدوسي في مسند عمار من مسنده : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في عمار : تقتلك الفئة الباغية فقال أحمد : كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قتلته الفئة الباغية .
وقال : في هذا غير حديث صحيح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا . وقال الحاكم في تاريخ نيسابور : سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى العارض - وأثنى عليه - يقول : سمعت صالح بن محمد الحافظ - يعني : جزرة - يقول : سمعت يحيى بن معين وعلي ابن المديني يصححان حديث الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة : تقتل عمارا الفئة الباغية . وقد فسر الحسن البصري الفئة الباغية بأهل الشام : معاوية وأصحابه .
وقال أحمد : لا أتكلم في هذا ، السكوت عنه أسلم . وقول النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المسجد : ويح عمار ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار هو من جنس الارتجاز كما كان يقول في بناء المسجد في أول أمره : اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة ومثل ارتجازه عند حفر الخندق بقول ابن رواحة : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا وروى محمد بن سعد : أبنا عبد الله بن نمير ، عن الأجلح ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، قال : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده ، جعل القوم يحملون ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحمل هو وعمار ، فجعل عمر يرتجز ، ويقول : نحن المسلمون نبني المساجدا وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المساجدا . وقد كان عمار اشتكى قبل ذلك ، فقال بعض القوم : ليموتن عمار اليوم ، فسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم فنفض لبنته ، وقال : ويحك - ولم يقل : ويلك - يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية .
وهذا مرسل . وخرجه البزار من رواية شريك ، عن الأجلح ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن عمار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال له : تقتلك الفئة الباغية . ثم قال : رواه أبو التياح ، عن عبد الله بن أبي الهذيل - مرسلا ، لم يقل : عن عمار .
قلت : وقد خرجه الطبراني بإسناد فيه نظر ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي التياح ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبني المسجد ، وكان عمار يحمل صخرتين ، فقال : ويح ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية . والمرسل أشبه . والله أعلم .
وروى حماد بن سلمة في جامعه ، عن أبي جعفر الخطمي ، أن عبد الله بن رواحة كان يقول وهم يبنون مسجد قباء : أفلح من يعالج المساجدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : المساجدا . يقرأ القرآن قائما وقاعدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قاعدا . ولا يبيت الليل عنه راقدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : راقدا .
وفي هذا الارتجاز عند بناء المسجد فائدتان : إحداهما : ما في هذا الكلام من الموعظة الحسنة ، والحث على العمل ، فيوجب ذلك للسامعين النشاط في العمل ، وزوال ما يعرض للنفس من الفتور والكسل عند سماع ثواب العمل وفضله ، أو الدعاء لعامله بالمغفرة . والثانية : أن المتعاونين على معالجة الأعمال الشاقة كالحمل والبناء ونحوها قد جرت عادتهم بالاسترواح إلى استماع بعضهم إلى ما ينشده بعضهم ، ويجيبه الآخر عنه ، فإن كل واحد منهم يتعلق فكره بما يقول صاحبه ، ويطرب بذلك ، ويجيل فكره في الجواب عنه بمثله ، فيخف بذلك على النفوس معالجة تلك الأثقال ، وربما نسي ثقل المحمول بالاشتغال بسماع الارتجاز ، والمجاوبة عنه . ويؤخذ من هذا أنواع من الاعتبار : منها : حاجة النفس إلى التلطف بها في حمل أثقال التكليف ، حتى تنشط للقيام بها ، ويهون بذلك عليها الأعمال الشاقة على النفس ، من الطاعات .
ومنها : احتياج الإنسان في حمل ثقل التكليف إلى من يعاونه على طاعة الله ، وينشط لها بالمواعظ وغيرها كما قال تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وقال : وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ سئلت أم الدرداء : ما كان أفضل عمل أبي الدرداء ؟ قالت : التفكر . قالت : ونظر إلى ثورين يخدان في الأرض ، ثم استقلا بعملهما ، فتعب أحدهما ، فقام الآخر . فقال أبو الدرداء : في هذا تفكر استقلا بعملهما ما اجتمعا ، وكذلك المتعاونون على ذكر الله عز وجل .
خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر .