449 - حَدَّثَنَا خَلَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا ، قَالَ : إِنْ شِئْتِ ، فَعَمِلَتْ الْمِنْبَرَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا خَلَّادٌ ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى ، وَأَيْمَنُ بِوَزْنِ أَفْعَلَ ، وَهُوَ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ امْرَأَةً ) هِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ جَابِرٍ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلٍ ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا أَنَّهَا ابْتَدَأَتْ بِالْعَرْضِ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَطْلُبُ ذَلِكَ ، أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ابْتَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ مُتَبَرِّعَةً بِذَلِكَ ، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا الْقَبُولُ أَمْكَنَ أَنْ يُبْطِئَ الْغُلَامُ بِعَمَلِهِ ، فَأَرْسَلَ يَسْتَنْجِزُهَا إِتْمَامَهُ لِعِلْمِهِ بِطِيبِ نَفْسِهَا بِمَا بَذَلَتْهُ . قَالَ : وَيُمْكِنُ إِرْسَالُهُ إِلَيْهَا لِيُعَرِّفَهَا بِصِفَةِ مَا يَصْنَعُهُ الْغُلَامُ مِنَ الْأَعْوَادِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْبَرًا . قُلْتُ : قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : أَلَا أَجْعَلُ لَكَ منبرًا ، فَلَعَلَّ التَّعْرِيفَ وَقَعَ بِصِفَةٍ لِلْمِنْبَرِ مَخْصُوصَةٍ . أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ إِلَيْهَا الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ لَهَا : إِنْ شِئْتِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبُطْءِ ، لَا أَنَّ الْغُلَامَ كَانَ شَرَعَ وَأَبْطَأَ ، وَلَا أَنَّهُ جَهِلَ الصِّفَةَ ، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَوْجُهِ فِي نَظَرِي . قَوْلُهُ : ( أَلَا أَجْعَلُ لَكَ ) أَضَافَتِ الْجَعْلَ إِلَى نَفْسِهَا مَجَازًا . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَإِنِّي لِي غُلَامٌ نَجَّارٌ وَقَدِ اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْمَتْنَ أَيْضًا ، وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . وَفِي الْحَدِيثِ قَبُولُ الْبَذْلِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ ، وَاسْتِنْجَازُ الْوَعْدِ مِمَّنْ يُعْلَمُ مِنْهُ الْإِجَابَةُ ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ بِعَمَلِ الْخَيْرِ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِاسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ · ص 647 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد · ص 498 64 - باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد 448 - حدثنا قتيبة : ثنا عبد العزيز : حدثني أبو حازم ، عن سهل ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة : مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أجلس عليهن . 449 - حدثنا خلاد : ثنا عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر ، أن امرأة قالت : يا رسول الله ، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه ، فإن لي غلاما نجارا ؟ قال : إن شئت ، فعملت المنبر في هذين الحديثين كليهما : أن النجار الذي صنع المنبر كان غلاما لامرأة . وحديث سهل مختصر ، قد أتمه البخاري في مواضع ، وقد سبق بتمامه في باب : الصلاة في المنبر والسطوح ، وفيه : أن سهلا سئل : من أي شيء المنبر ؟ فقال : ما بقي في الناس أعلم به مني ، هو من أثل الغابة ، عمله فلان مولى فلانة - وذكر الحديث . وخرج ابن سعد وغيره من حديث عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه ، أنه ذكر المنبر ، فقال : لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فذهبت أنا وذلك النجار إلى الخانقين ، فقطعت هذا المنبر من أثلة . وخرج الطبراني بإسناد ضعيف ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع ، فمر رومي فقال : لو دعاني محمد لجعلت له ما هو أرفق من هذا ، فدعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل له المنبر أربع مراق - وذكر الحديث . وخرج ابن سعد عن الواقدي ، بإسناد له ، عن أبي هريرة - وبعض الحديث بإسناد آخر - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع في المسجد قائما ، فقال : إن القيام قد شق علي ، فقال له تميم الداري : ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام ؟ فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في ذلك ، فرأوا أن يتخذه ، فقال العباس بن عبد المطلب : يا رسول الله ، إن لي غلاما - يقال له : كلاب - أعمل الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مره أن يعمله ، فأرسله إلى أثلة بالغابة ، فقطعها ، ثم عمل منها درجتين ، ومقعدا ، ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم - وذكر حديثا طويلا . وإسناده لا يعتمد عليه . وخرج أبو داود من طريق عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بدن قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك يا رسول الله منبرا يجمع - أو يحمل - عظامك ؟ قال : بلى ، فاتخذ له منبرا مرقاتين . وخرج الطبراني من رواية شيبة أبي قلابة عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع ، فقيل له : إن الإسلام قد انتهى ، وكثر الناس ، فلو أمرت بصنعة شيء تشخص عليه ، فقال لرجل : أتصنع المنبر ؟ قال : نعم . قال : ما اسمك ؟ قال : فلان . قال : لست صاحبه ، فدعا آخر ، فقال : أتصنع المنبر ؟ فقال مثل مقالته ، ثم دعا آخر ، فقال : نعم - إن شاء الله - قال : ما اسمك ؟ قال : إبراهيم . قال : خذ في صنعته . وخرجه عبد بن حميد في مسنده عن علي بن عاصم ، عن الجريري عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد . وروى عبد الرزاق ، عن رجل من أسلم - وهو إبراهيم بن أبي يحيى - عن صالح مولى التوأمة ، أن باقوم مولى العاص بن أمية صنع للنبي صلى الله عليه وسلم منبره من طرفاء ، ثلاث درجات . ورواه محمد بن سليمان بن مسمول ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن صالح مولى التوأمة : حدثني باقوم مولى سعيد بن العاص ، قال : صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم منبرا من طرفاء الغابة ، ثلاث درجات : القعدة ، ودرجتيه . وكلا الإسنادين واه جدا . وقد روي عن ابن سيرين ، أن باقوم الرومي أسلم ، فلم يدر به سهيل بن عمرو ، ومات ولم يدع وارثا ، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم ميراثه إلى سهيل . ذكر ذلك ابن منده في كتاب معرفة الصحابة . وقال الحافظ أبو بكر الخطيب : الغلام اسمه : مينا . ومولاته : لا نعلم أحدا سماها . ثم رواه بإسناده ، عن هارون بن موسى ، ثنا محمد بن يحيى ، قال : قال إسماعيل بن عبد الله : الذي عمل المنبر : غلام الأنصارية ، واسمه : مينا . ومما يدخل في هذا الباب : حديث قيس بن طلق ، عن أبيه ، في استعانة النبي صلى الله عليه وسلم به في بناء المسجد في عمل الطين ، وقد سبق في الباب الماضي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد · ص 210 109 - ( حدثنا خلاد قال : حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر أن امرأة قالت : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه ، فإن لي غلاما نجارا قال : إن شئت فعملت المنبر ) . قال الكرماني : الحديث لا يدل على الشق الآخر من الترجمة، وهو ذكر الصناع، والمسجد ثم قال . قلت : إما أنه اكتفى بالنجار والمنبر لأن الباقي يعلم منه، وإما أنه أراد أن يلحق إليه ما يتعلق بذلك، ولم يتفق له، ولم يثبت عنده بشرطه ما يدل عليه ، قلت : الجواب الأول أوجه من الثاني . ( ذكر رجاله ) ، وهم أربعة : الأول : خلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، وهو ابن يحيى ، سبق في باب الصلاة إذا قدم من سفره . الثاني : عبد الواحد بن أيمن بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الميم وفي آخره نون ، الحبشي المكي القرشي المخزومي، وعبد الواحد هذا يروي عن أبيه أيمن هذا، وأبوه هو الثالث، وهو يروي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، وهو الرابع . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه أن رواته ما بين كوفي، ومكي . ( ذكر تعدد موضعه ) أخرجه البخاري في البيوع أيضا عن خلاد بن يحيى أيضا، وأخرجه في علامة النبوة عن أبي نعيم . ( ذكر معناه ) : قوله ( أن امرأة ) هي التي ذكرت في حديث سهل بن سعد المذكور آنفا ؛ قوله ( ألا ) هي مخففة مركبة من همزة الاستفهام، ولا النافية، وليست حرف التنبيه، ولا حرف التحضيض ؛ قوله ( فإن لي غلاما نجارا ) ، وفي رواية الكشميهني : فإن لي غلام نجار ؛ قوله ( إن شئت ) جزاؤه محذوف تقديره : إن شئت عملت، ويروى إن شئت فعلت بلا حذف ؛ قوله ( فعملت ) أي المرأة عملت المنبر، وهذا إسناد مجازي لأن العامل هو الغلام، وهي الآمرة، وهو من قبيل قولهم كسا الخليفة الكعبة ، قيل : هذا الحديث لا يدل على الاستعانة لأن هذه المرأة قالت ذلك من تلقاء نفسها أجيب بأنها استعانة بالغلام في نجارة المنبر . ومن فوائد هذا الحديث قبول البذل إذا كان بغير سؤال، واستنجاز الوعد ممن تعلم منه الإجابة، والتقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير، وقال ابن بطال : فإن قلت : الحديثان متخالفان ، ففي حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل المرأة أن تأمر عبدها بعمل المنبر، وفي حديث جابر أن المرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، قلت : يحتمل أن تكون المرأة بدأت بالمسألة ، فلما أبطأ الغلام بعمله استنجزها إتمامه إذ علم طيب نفس المرأة بما بذلته من صنعة غلامها، ويمكن أن يكون إرساله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة ليعرفها صنعة ما يصنع الغلام من الأعواد .