31 - بَاب حُسْنُ إِسْلَامِ الْمَرْءِ 41 - قَالَ مَالِكٌ : أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا ، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ : الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ مَالِكٌ ) هَكَذَا ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا ، وَلَمْ يُوصِلْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لِلصَّحِيحِ ، فَقَالَ عَقِبَهُ : أَخْبَرَنَاهُ النَّضْرَوِيُّ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِدْرِيسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَكَذَا وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، فَذَكَرَهُ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا كَمَا سَيَأْتِي ، وَكَذَا وَصَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيِّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مَالِكٍ ، وَذَكَرَ أَنَّ مَعْنَ بْنَ عِيسَى رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَدَلَ أَبِي سَعِيدٍ ، وَرِوَايَتُهُ شَاذَّةٌ ، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا . وَرُوِّينَاهُ فِي الْخُلَعِيَّاتِ وَقَدْ حَفِظَ مَالِكٌ الْوَصْلَ فِيهِ وَهُوَ أَتْقَنُ لِحَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : هُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ . وَذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ ) هَذَا الْحُكْمُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُذَكَّرِ تَغْلِيبًا . قَوْلُهُ : ( فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ) أَيْ : صَارَ إِسْلَامُهُ حَسَنًا بِاعْتِقَادِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَدُخُولِهِ فِيهِ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَأَنْ يَسْتَحْضِرَ عِنْدَ عَمَلِهِ قُرْبَ رَبِّهِ مِنْهُ وَاطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الْإِحْسَانِ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( يُكَفِّرُ اللَّهُ ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ لِأَنَّ إِذَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ لَكِنَّهَا لَا تَجْزِمُ ، وَاسْتَعْمَلَ الْجَوَابَ مُضَارِعًا وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الْمَاضِي لَكِنَّهُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ كَفَّرَ اللَّهُ فَوَاخَى بَيْنَهُمَا . قَوْلُهُ : ( كَانَ أَزْلَفَهَا ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ زَلَفَهَا ، وَهِيَ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ كَمَا ضَبَطَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ بِالتَّشْدِيدِ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : مَا مِنْ عَبْدٍ يُسْلِمُ فَيَحْسُنُ إِسْلَامُهُ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ زَلَفَهَا ، وَمَحَا عَنْهُ كُلَّ خَطِيئَةٍ زَلَفَهَا بِالتَّخْفِيفِ فِيهِمَا . وَلِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ أَزْلَفَهَا . وَزَلَّفَ بِالتَّشْدِيدِ وَأَزْلَفَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَيْ : أَسْلَفَ وَقَدَّمَ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ : أَزْلَفَ الشَّيْءَ قَرَّبَهُ وَزَلَفَهُ مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا قَدَّمَهُ . وَفِي الْجَامِعِ : الزُّلْفَةُ تَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ . وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ : زَلَفَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ : جَمَعَ وَكَسَبَ ، وَهَذَا يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ ، وَأَمَّا الْقُرْبَةُ فَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْخَيْرِ ، فَعَلَى هَذَا تَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، لَكِنْ مَنْقُولُ الْخَطَّابِيِّ يُسَاعِدُهَا . وَقَدْ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ مَا سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ كِتَابَةُ الْحَسَنَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، وَقَوْلُهُ كَتَبَ اللَّهُ أَيْ : أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ اكْتُبُوا فَقِيلَ : إِنَّ الْمُصَنِّفَ أَسْقَطَ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ عَمْدًا لِأَنَّهُ مُشْكِلٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الْكَافِرُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّقَرُّبُ ، فَلَا يُثَابُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الصَّادِرِ مِنْهُ فِي شِرْكِهِ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُتَقَرِّبِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا لِمَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ كَذَلِكَ . وَتَابَعَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْإِشْكَالِ ، وَاسْتَضْعَفَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ - بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ - أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا فَعَلَ أَفْعَالًا جَمِيلَةً كَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَنَّ ثَوَابَ ذَلِكَ يُكْتَبُ لَهُ ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْتَدُّ بِبَعْضِ أَفْعَالِ الْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِعَادَتُهَا إِذَا أَسْلَمَ وَتُجْزِئُهُ ، انْتَهَى . وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كِتَابَةِ الثَّوَابِ لِلْمُسْلِمِ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ وَإِحْسَانًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِ عَمَلِهِ الصَّادِرِ مِنْهُ فِي الْكُفْرِ مَقْبُولًا ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا تَضَمَّنَ كِتَابَةَ الثَّوَابِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقَبُولِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ يَصِيرُ مُعَلَّقًا عَلَى إِسْلَامِهِ فَيُقْبَلُ وَيُثَابُ إِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا فَلَا ، وَهَذَا قَوِيٌّ ، وَقَدْ جَزَمَ بِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ ، إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَالْقُرْطُبِيُّ ، وَابْنُ الْمُنِيرِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : الْمُخَالِفُ لِلْقَوَاعِدِ دَعْوَى أَنْ يُكْتَبَ لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، وَأَمَّا أَنَّ اللَّهَ يُضِيفُ إِلَى حَسَنَاتِهِ فِي الْإِسْلَامِ ثَوَابَ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ مِمَّا كَانَ يَظُنُّهُ خَيْرًا فَلَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ ، وَكَمَا يَتَفَضَّلُ عَلَى الْعَاجِزِ بِثَوَابِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ قَادِرٌ ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ ثَوَابَ مَا لَمْ يَعْمَلِ الْبَتَّةَ جَازَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ ثَوَابَ مَا عَمِلَهُ غَيْرَ مُوَفَّى الشُّرُوطِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ . وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ لَوْ مَاتَ عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ ، بَلْ يَكُونُ هَبَاءً مَنْثُورًا . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِهِ الْأَوَّلِ يُكْتَبُ لَهُ مُضَافًا إِلَى عَمَلِهِ الثَّانِي ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ : وَمَا كَانَ يَصْنَعُهُ مِنَ الْخَيْرِ هَلْ يَنْفَعُهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ نَفَعَهُ مَا عَمِلَهُ فِي الْكُفْرِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ ) أَيْ : كِتَابَةُ الْمُجَازَاةِ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِأَنَّهُ اسْمُ كَانَ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَانَ تَامَّةً ، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ الْوُقُوعَ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَقَوْلُهُ : الْحَسَنَةُ مُبْتَدَأٌ ، وَ بِعَشْرِ الْخَبَرُ ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ ، وَقَوْلُهُ : إِلَى سبعمائة مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ ، أَيْ مُنْتَهِيَةٍ ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْغَايَةِ فَزَعَمَ أَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَتَجَاوَزُ سَبْعَمِائَةٍ ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُضَاعِفُ تِلْكَ الْمُضَاعَفَةِ بِأَنْ يَجْعَلَهَا سَبْعَمِائَةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُضَاعِفُ السَّبْعَمِائَةِ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا ، وَالْمُصَرِّحُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُخَرَّجُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ وَلَفْظُهُ : كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا ) زَادَ سَمَّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ : إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ وَهُوَ الْغَفُورُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ وَالْمُوجِبِينَ لِخُلُودِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي الْإِيمَانِ ، لِأَنَّ الْحُسْنَ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُ ، وَآخِرُهُ يَرُدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حُسْنُ إِسْلَامِ الْمَرْءِ · ص 122 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حُسْنُ إِسْلَامِ الْمَرْءِ · ص 124 42 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ هَمَّامٍ ) هُوَ ابْنُ مُنَبِّهٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ نُسْخَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمَرْوِيَّةِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِفْرَادِ حَدِيثٍ مِنْ نُسْخَةٍ هَلْ يُسَاقُ بِإِسْنَادِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدَأً بِهِ ، أَوْ لَا ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ وَمِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ ، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ ، وَقِيلَ يَبْدَأُ أَبَدًا بِأَوَّلِ حَدِيثٍ وَيَذْكُرُ بَعْدَهُ مَا أَرَادَ . وَتَوَسَّطَ مُسْلِمٌ فَأَتَى بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ مِنْ جُمْلَةِ النُّسْخَةِ فَيَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا إِذَا انْتَهَى الْإِسْنَادُ : فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا كَذَا ، ثُمَّ يَذْكُرُ أَيَّ حَدِيثٍ أَرَادَ مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ ) كَذَا لَهُ وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَلِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ إِذَا حَسُنَ إِسْلَامُ أَحَدِكُمْ وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ مِنْ لَازِمِهِ . وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ كَالْأَوَّلِ ، وَالْخِطَابُ بِأَحَدِكُمْ بِحَسَبِ اللَّفْظِ لِلْحَاضِرِينَ ، لَكِنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِاتِّفَاقٍ ، وَإِنْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّنَاوُلِ أَهِيَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَوِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ بِالْمَجَازِ . قَوْلُهُ : ( فَكُلُّ حَسَنَةٍ ) يُنْبِئُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ : الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ . قَوْلُهُ : ( بِمِثْلِهَا ) زَادَ مُسْلِمٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمْ : حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب حسن إسلام المرء · ص 140 فصل خرج البخاري : 41 - من حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا أسلم العبد ، فحسن إسلامه - يكفر الله عنه كل سيئة كان أزلفها ، وكان بعد ذلك القصاص ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها وخرج البخاري أيضا : 42 - من حديث همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها . إحسان الإسلام يفسر بمعنيين : أحدهما : بإكمال واجباته ، واجتناب محرماته . ومنه الحديث المشهور المروي في السنن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . فكمال حسن إسلامه حينئذ بترك ما لا يعنيه ، وفعل ما يعنيه . ومنه حديث ابن مسعود الذي خرجاه في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أنؤاخذ بأعمالنا في الجاهلية ؟ فقال : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر . فإن المراد بإحسانه في الإسلام فعل واجباته والانتهاء عن محرماته ، وبالإساءة في الإسلام ارتكاب بعض محظوراته التي كانت ترتكب في الجاهلية . وفي حديث ابن مسعود هذا ، مع حديث أبي سعيد الذي علقه البخاري هنا في أول الباب - دليل على أن الإسلام إنما يكفر ما كان قبله من الكفر ولواحقه التي اجتنبها المسلم بإسلامه ، فأما الذنوب التي فعلها في الجاهلية إذا أصر عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها ؛ فإنه إذا أصر عليها في الإسلام لم يكن تائبا منها ، فلا تكفر عنه بدون التوبة منها . وقد ذكر ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره ، وهو قول طوائف من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم ، وهو اختيار الحليمي . ثم وجدته منصوصا عن الإمام أحمد ، فنقل الميموني في مسائله عن أحمد قال : بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول : لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في غير حديث : إنه يؤاخذ يعني حديث شقيق عن ابن مسعود ، أراد إذا أحسنت في الإسلام . انتهى . وكذلك حكى الجوزجاني عن أهل الرأي أنهم قالوا : إن من أسلم وهو مصر على الكبائر كفَّر الإسلام كبائره كلها ، ثم أنكر ذلك عليهم وجعله من جملة أقوال المرجئة . وخالف في ذلك آخرون ، وقالوا : بل يغفر له في الإسلام كل ما سبق منه في الجاهلية من كفر وذنوب وإن أصر عليها في الإسلام ، وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء من أصحابنا وغيرهم كابن حامد والقاضي وغيرهما . واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : الإسلام يهدم ما كان قبله . خرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص . وأجاب الأولون عنه بأن المراد أنه يهدم ما كان قبله مما ينافيه الإسلام من كفر وشرك ولواحق ذلك مما يكون الإسلام توبة منه وإقلاعا عنه ؛ جمعا بينه وبين الحديثين المتقدمين . واستدلوا بقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وأجاب الأولون بأن المراد : يغفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه . وتأول بعض أهل القول الثاني حديث ابن مسعود على أن إساءته في الإسلام ارتداده عنه إلى الكفر ، فيؤاخذ بكفره الأول والثاني . ومنهم من حمله على إسلام المنافق ، وهذا بعيد جدا . ومتى ارتد عن الإسلام ، أو كان منافقا - فلم يبق معه إسلام حتى يسيء فيه . والاختلاف في هذه المسألة مبني على أصول : أحدها : أن التوبة من ذنب تصح مع الإصرار على غيره ، وهذا قول جمهور أهل السنة والجماعة . والخلاف فيه عن الإمام أحمد لا يثبت ، وقد تأول ما روي عنه في ذلك المحققون من أصحابه كابن شاقلا والقاضي في كتاب المعتمد وابن عقيل في فصوله . وأما المعتزلة فخالفوا في ذلك ، وقال من قال منهم كالجبائي بناء على هذا : إن الكافر لا يصح إسلامه مع إصراره على كبيرة كان عليها في حال كفره . وهذا قول باطل لم يوافقهم عليه أحد من العلماء . الأصل الثاني : أن التوبة هل من شرط صحتها إصلاح العمل بعدها ؟ أم لا ؟ وفي ذلك اختلاف بين العلماء ، وقد ذكره ابن حامد من أصحابنا ، وأشار إلى بناء الخلاف في هذه المسألة على ذلك ، والصحيح عنده وعند كثير من العلماء أن ذلك ليس بشرط . والأصل الثالث : أن بعض الذنوب قد يعفى عنها بشرط اجتناب غيرها ، فإن لم يحصل الشرط لم يحصل ما علق به . وهذا مأخذ أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا ، وجعل من هذا الباب أن الصغائر إنما تكفر باجتناب الكبائر ، فإن لم يجتنب الكبائر وقعت المؤاخذة بالصغائر والكبائر . وهذا فيه خلاف يذكر في موضع آخر إن شاء الله . وجعل منه أن النظرة الأولى يعفى عنها بشرط عدم المعاودة ، فإن أعاد النظرة أخذ بالأولى والثانية . والأصل الرابع : أن التوبة من الذنب هي الندم عليه بشرط الإقلاع عنه ، والعزم على عدم العود إليه ، فالكافر إذا أسلم وهو مصر على ذنب آخر صحت توبته مما تاب منه وهو الكفر ، دون الذنب الذي لم يتب منه ، بل هو مصر عليه . وخرج النسائي حديث مالك الذي علقه البخاري هنا ، وزاد في أوله كتب الله كل حسنة كان أزلفها . وهذا يشبه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام لما قال له : أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية ، هل لي منها من شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلمت على ما سلف من خير . خرجه مسلم . وكلاهما يدل على أن الكافر إذا عمل حسنة في حال كفره ، ثم أسلم - فإنه يثاب عليها ، ويكون إسلامه المتأخر كافيا له في حصول الثواب على حسناته السابقة منه قبل إسلامه . ورجح هذا القول ابن بطال والقرطبي وغيرهما ، وهو مقتضى قول من قال : إنه يعاقب بما أصر عليه من سيئاته إذا أسلم كما سبق ، وحكي مثله عن إبراهيم الحربي . ويدل عليه أيضا أن عائشة لما سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ابن جدعان ، وما كان يصنعه من المعروف ، هل ينفعه ذلك ؟ فقال : إنه لم يقل يوما قط : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين . وهذا يدل على أنه لو قال ذلك يوما من الدهر ، ولو قبل موته بلحظة - لنفعه ذلك . ومما يستدل به أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مؤمن أهل الكتاب إذا أسلم : إنه يؤتى أجره مرتين مع أنه لو وافى على عمله بكتابه الأول لكان حابطا ، وهذا هو اللائق بكرم الله وجوده وفضله . وخالف في ذلك طوائف من المتكلمين وغيرهم ، وقالوا : الأعمال في حال الكفر حابطة لا ثواب لها بكل حال ، وتأولوا هذه النصوص الصحيحة بتأويلات مستكرهة مستبعدة . وكذلك من كان له عمل صالح ، فعمل سيئة أحبطته ثم تاب - فإنه يعود إليه ثواب ما حبط من عمله بالسيئات . وقد ورد في هذا آثار عن السلف : قال ابن مسعود : عَبَدَ اللهَ رجلٌ سبعين سنة ، ثم أصاب فاحشة - فأحبط الله عمله . ثم أصابته زمانة وأقعد ، فرأى رجلا يتصدق على مساكين ، فجاء إليه ، فأخذ منه رغيفا ، فتصدق به على مسكين - فغفر الله له ، ورد عليه عمل سبعين سنة . خرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة . بل عود العمل هاهنا بالتوبة أولى ؛ لأن العمل الأول كان مقبولا ، وإنما طرأ عليه ما يحبطه ، بخلاف عمل الكافر قبل إسلامه . ومن كان مسلما وعمل عملا صالحا في إسلامه ، ثم ارتد ، ثم عاد إلى الإسلام - ففي حبوط عمله الأول بالردة خلاف مشهور ، ولا يبعد أن يقال : إنه يعود إليه بإسلامه الثاني على تقدير حبوطه ، والله أعلم . وقد وردت نصوص أخر تدل على أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه فإنه تبدل سيئاته في حال كفره حسنات ، وهذا أبلغ مما قبله ، وهو يدل على أن التائب من ذنب تبدل سيئاته قبل التوبة بالتوبة حسنات كما دلت عليه الآية في سورة الفرقان ، وفي ذلك كلام يطول ذكره هاهنا . ولا يستبعد إثابة المسلم في الآخرة بما عمل قبل إسلامه من الحسنات ؛ فإنه لا بد أن يثاب عليها في الدنيا ، وفي إثابته عليها في الآخرة بتحقيق العذاب نزاع مشهور . فإذا لم يكن بد من إثابته عليها فلا يستنكر أن يثاب عليها بعد إسلامه في الآخرة ؛ لأن المانع من إثابته عليها في الآخرة هو الكفر ، وقد زال . وقد يستدل لهذا أيضا بقول الله عز وجل في قصة أسارى بدر : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وقد كان العباس بن عبد المطلب - وهو من جملة هؤلاء الأسارى - يقول : أما أنا فقد آتاني الله خيرا مما أخذ مني ، ووعدني المغفرة . فهذه الآية تدل على أن الكافر إذا أصيب بمصيبة في حال كفره ، ثم أسلم - فإنه يثاب على مصيبته ، فلأن يثاب على ما سلف منه من أعماله الصالحة أولى ؛ فإن المصائب يثاب على الصبر عليها والرضا بها . وأما نفس المصيبة فقد قيل : إنه يثاب عليها ، وقيل : إنه لا يثاب عليها ، وإنما يكفر عنه ذنوبه ، وهذا هو المنقول عن كثير من الصحابة . والمعنى الثاني مما يفسر به إحسان الإسلام أن تقع طاعات المسلم على أكمل وجوهها وأتمها بحيث يستحضر العامل في حال عمله قرب الله منه ، واطلاعه عليه ، فيعمل له على المراقبة والمشاهدة لربه بقلبه . وهذا هو الذي فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - به الإحسان في حديث سؤال جبريل عليه السلام . وقد دل حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة المذكوران على أن مضاعفة الحسنات للمسلم بحسب حسن إسلامه . وخرج ابن أبي حاتم من رواية عطية العوفي ، عن ابن عمر قال : نزلت : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا في الأعراب ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن ، فما للمهاجرين ؟ قال : ما هو أكثر . ثم تلا قوله : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ويشهد لهذا المعنى ما ذكره الله عز وجل في حق أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ إلى قوله : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فدل على أن من عظمت منزلته ودرجته عند الله فإن عمله يضاعف له أجره . وقد تأول بعض السلف من بني هاشم دخول آل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى لدخول أزواجه ، فكذلك من حسن إسلامه بتحقيق إيمانه وعمله الصالح ، فإنه يضاعف له أجر عمله بحسب حسن إسلامه وتحقيق إيمانه وتقواه ، والله أعلم . ويشهد لذلك أن الله ضاعف لهذه الأمة ؛ لكونها خير أمة أخرجت للناس أجرها مرتين ، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وفي الحديث الصحيح إن أهل التوراة عملوا إلى نصف النهار على قيراط قيراط ، وعمل أهل الإنجيل إلى العصر على قيراط قيراط ، وعملتم أنتم من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين . فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا : ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا ؟ فقال الله : هل ظلمتكم من أجوركم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء . وأما من أحسن عمله ، وأتقنه ، وعمله على الحضور والمراقبة - فلا ريب أنه يتضاعف بذلك أجره وثوابه في هذا العمل بخصوصه على من عمل ذلك العمل بعينه على وجه السهو والغفلة . ولهذا روي في حديث عمار المرفوع إن الرجل ينصرف من صلاته وما كتب له إلا نصفها ، إلا ثلثها ، إلا ربعها ، حتى بلغ العشر . فليس ثواب من كتب له عشر عمله كثواب من كتب له نصفه ، ولا ثواب من كتب له نصف عمله كثواب من كتب له عمله كله ، والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حسن إسلام المرء · ص 249 ( باب حسن إسلام المرء ) أي هذا باب في بيان حسن إسلام المرء ، والباب هنا مضاف قطعا وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أن الصلاة من الإيمان ، وهذا الباب فيه حسن إسلام المرء ، ولا يحسن إسلام المرء إلا بإقامة الصلاة ، وقال بعضهم في فوائد حديث الباب السابق : وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم ، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر كما صح من حديث البراء أيضا ، فنزلت : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إلى قوله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وقوله تعالى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا ولملاحظة هذا المعنى عقب المصنف هذا الباب بقوله " باب حسن إسلام المرء " فانظر إلى هذا هل ترى له تناسبا لوجه المناسبة بين البابين ؟ وقال بعض الشارحين : ومناسبة التبويب زيادة الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال ، قلت : هذا أيضا قريب من الأول . 1( قال مالك : أخبرني زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها ، وكان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى . ( بيان رجاله ) وهم أربعة : الأول : مالك بن أنس رحمه الله . الثاني : زيد بن أسلم أبو أسامة القرشي المكي مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه . الثالث : عطاء بن يسار بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة أبو محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين . الرابع : أبو سعيد سعد بن مالك الخدري ، وقد مر ذكرهم . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن رواته أئمة أجلاء مشهورون . ومنها أنه مسلسل بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد وهو القراءة على الشيخ إذا كان القارئ وحده ، وهذا عند من فرق بين الإخبار والتحديث وبين أن يكون معه غيره أو لا يكون ، ومنها أن فيه التصريح بسماع الصحابي من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يدفع احتمال سماعه من صحابي آخر ، فافهم . ( بيان حكم الحديث ) ذكره البخاري معلقا ولم يوصله في موضع في الكتاب ، والبخاري لم يدرك زمن مالك فيكون تعليقا ، ولكنه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح فيه ، وقال ابن حزم : إنه قادح في الصحة لأنه منقطع ، وليس كما قال لأنه موصول من جهات أخر صحيحة ولم يذكره لشهرته ، وكيف وقد عرف من شرطه وعادته أنه لا يجزم إلا بتثبت وثبوت ، وليس كل منقطع يقدح فيه ، فهذا وإن كان يطلق عليه أنه منقطع بحسب الاصطلاح إلا أنه في حكم المتصل في كونه صحيحا ، وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ فقال : أخبرنا النضروي وهو العباس بن الفضل ، ثنا الحسين بن إدريس ، ثنا هشام بن خالد ، ثنا الوليد بن مسلم عن مالك به ، وكذا وصله النسائي عن أحمد بن المعلى بن يزيد عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن مالك بن زيد بن أسلم به ، وقد وصله الإسماعيلي بزيادة فيه فقال : أخبرني الحسن بن سفيان ، ثنا حميد بن قتيبة الأسدي قال : قرأت على عبد الله بن نافع الصانع أن مالكا أخبره قال : وأخبرني عبد الله بن محمد بن مسلم أن أبا يونس بن عبد الأعلى حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير ، ثنا عبد الله بن وهب أبا مالك ابن أنس واللفظ لابن نافع عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها ومحى عنه كل سيئة زلفها ، ثم قيل له : أيتنف العمل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة والسيئة بمثلها إلا أن يغفر الله ) ، وكذا أوصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع ، والبزار من طريق إسحاق الفروي والبيهقي في الشعب من طريق إسماعيل بن أبي أويس ، كلهم عن مالك ، وقال الدارقطني في كتاب ( غرائب مالك ) : اتفق هؤلاء التسعة : ابن وهب والوليد بن مسلم وطلحة بن يحيى وزيد بن شعيب وإسحاق الفروي وسعيد الزبيري وعبد الله بن نافع وإبراهيم بن المختار وعبد العزيز بن يحيى ، فرووه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد ، وخالفهم معن بن عيسى فرواه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي هريرة ، وهي رواية شاذة ، ورواه سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا ، وقد حفظ مالك الوصل فيه وهو أتقن لحديث أهل المدينة من غيره ، وقال الخطيب : هو حديث ثابت ، وذكر البزار أن مالكا تفرد بوصله ، وقال ابن بطال : حديث أبي سعيد أسقط البخاري بعضه وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير الموطأ ونصه : ( إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها ومحى عنه كل سيئة كان زلفها ) ، وذكر باقيه بمعناه . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " فحسن إسلامه " معنى حسن الإسلام الدخول فيه بالظاهر والباطن جميعا ، يقال في عرف الشرع حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة ، وقال ابن بطال : معناه ما جاء في حديث جبريل عليه السلام ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ) ، فأراد مبالغة الإخلاص لله سبحانه وتعالى بالطاعة والمراقبة له ؛ قوله " يكفر الله " من التكفير وهو التغطية في المعاصي كالإحباط في الطاعات ، وقال الزمخشري : التكفير إماطة العقاب من المستحق بثواب أزيد أو بتوبة ؛ قوله " كان زلفها " أي قربها ، وقال ابن سيده : زلف الشيء وزلفه قدمه ، وعن ابن الأعرابي : أزلف الشيء قربه ، وفي ( الجامع ) : الزلفة تكون القربة من الخير والشر ، وفي ( الصحاح ) : الزلف التقديم عن أبي عبيد : وتزلفوا وازدلفوا أي تقدموا ، وقال الكرماني : زلفها بتشديد اللام والفاء أي أسلفها وقدمها ، يقال : زلفته تزليفا وأزلفته إزلافا بمعنى التقديم ، وأصل الزلفة القربة ، وفي بعض نسخ المغاربة زلفها بتخفيف اللام ؛ قلت : أزلفها بزيادة الألف رواية أبي ذر ، ورواية غيره : زلفها ، بدون الألف وبالتخفيف ، وقال النووي : بالتشديد ، ورواه الدارقطني من طريق طلحة بن يحيى عن مالك بلفظ : ( ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلا كتب الله كل حسنة زلفها ومحى عنه كل خطيئة زلفها ) بالتخفيف فيهما ، وللنسائي نحوه لكن قال : أزلفها وزلف بالتشديد وأزلف بمعنى واحد ، قاله الخطابي ، وفي ( المحكم ) أزلف الشيء قربه ، وزلفه مخففا ومثقلا قدمه ، وفي ( المشارق ) : زلف بالتخفيف أي جمع وكسب ، وهذا يشمل الأمرين ، وأما القربة فلا تكون إلا في الخير ، فإن قيل : على هذا رواية غير أبي ذر راجحة . قلت : الذي قاله الخطابي يساعد رواية أبي ذر ، فافهم . قوله " كتب الله " أي أمر أن يكتب ، وروى الدارقطني من طريق زين بن شعيب عن مالك بلفظ : ( يقول الله لملائكته اكتبوا ) ؛ قوله " القصاص " قال الصغاني : هو القود ، قلت : المراد به ههنا مقابلة الشيء بالشيء أي كل شيء يعمله يعطى في مقابله شيئا إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ؛ قوله " ضعف " قال الجوهري : ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه ، وقال الكرماني : فإن قلت : فلم أوجب الفقيه فيما لو أوصى بضعف نصيب ابنه مثلي نصيبه وبضعفي نصيبه ثلاثة أمثاله ؟ قلت : المعتبر في الوصايا والأقارير العرف العام لا الموضوع اللغوي ، أقول الذي قاله الجوهري منقول عن أبي عبيدة ، ولكن قال الأزهري : الضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد ، وليس بمقصور على المثلين ، بل جائز في كلام العرب أن تقول هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله ؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا لم يرد مثلا ولا مثلين ، ولكن أراد بالضعف الأضعاف ، فأقل الضعف محصور وهو المثل ، وأكثره غير محصور فإذا كان كذلك يجوز أن يكون إيجاب الفقيه في المسألة المذكورة غير موضوع على العرف العام ، بل لوحظ فيه اللغة . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " يقول " في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله سمع على قول من يدعي أنه يتعدى إلى مفعولين ، والصحيح أنه لا يتعدى ، فحينئذ يكون نصبا على الحال ، فإن قيل : لم لم يقل قال مناسبا لسمع مع أن القضية ماضية ؟ قلت : أجيب لغرض الاستحضار كأنه يقول الآن وكأنه يريد أن يطلع الحاضرين على ذلك القول مبالغة في تحقق وقوع القول ، وذلك كقوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من حيث لم يقل فكان ؛ قوله " فحسن " عطف على أسلم ؛ قوله " يكفر الله " جزاء الشرط ، أعني قوله " إذا " ، ويجوز فيه الرفع والجزم كما في قول الشاعر : وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم وذلك إذا كان فعل الشرط ماضيا والجواب مضارعا ، وعند الجزم يلتقي الساكنان فتحرك الراء بالكسر لأن الأصل في الساكن إذا حرك حرك بالكسر ، ولكن الرواية ههنا بالرفع ، ووقع في رواية البزار " كفر الله " بصيغة الماضي فوافق فعل الشرط ، وقال بعضهم : " يكفر الله " بضم الراء لأن إذا وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم . قلت : هذا كلام من لم يشم من العربية شيئا ، وقد قال الشاعر : استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل قد جزم " إذا " قوله " تصبك " ، وقد قال الفراء : تستعمل " إذا " للشرط ثم أنشد الشعر المذكور ثم قال : ولهذا جزمه ؛ قوله " كل سيئة " كلام إضافي منصوب لأنه مفعول " يكفر الله " ؛ قوله " كان زلفها " جملة فعلية في محل الجر لأنها صفة سيئة ؛ قوله " وكان بعد ذلك " أي بعد حسن الإسلام القصاص وهو مرفوع لأنه اسم كان ، وهو يحتمل أن تكون ناقصة وأن تكون تامة ، وإنما ذكره بلفظ الماضي وإن كان السياق يقتضي لفظ المضارع لتحقق وقوعه كأنه واقع ، وذلك كما في قوله تعالى : وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ قوله " الحسنة " مرفوع بالابتداء و " بعشر أمثالها " في محل الرفع على الخبرية ؛ قوله " إلى سبعمائة " يتعلق بمحذوف ومحلها النصب على الحال ، أي منتهية إلى سبعمائة ؛ قوله " والسيئة " مبتدأ وبمثلها خبره أي لا يزاد عليها ؛ قوله " إلا أن يتجاوز الله عنها " أي عن السيئة يعنى يعفو عنها . ( بيان المعاني ) فيه استعمال المضارع موضع الماضي والماضي موضع المضارع لنكات ذكرناها ، وفيه الجملة الاستئنافية وهي قوله " الحسنة بعشر أمثالها " ، وهي في الحقيقة جواب عن السؤال ولا محل لها من الإعراب ، وقد علم أن الجملة من حيث هي هي غير معربة ولا تستحق الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد ، فحينئذ تكتسي إعرابه محلا ، وقد نظم ابن أم قاسم النحوي الجمل التي لها محل من الإعراب والتي لا محل لها منه بثمانية أبيات وهي قوله : جمل أتت ولها محل معرب سبع لأن حلت محل المفرد خبرية حالية محكية وكذا المضاف لها بغير تردد ومعلق عنها وتابعة لما هو معرب أو ذو محل فاعدد وجواب شرط جازم بالفاء أو بإذا وبعض قال غير مقيد وأتتك سبع ما لها من موضع صلة ومعترض وجملة مبتدي وجواب أقسام وما قد فسرت في أشهر والخلف غير مبعد وبعيد تحضيض وبعد معلق لا جازم وجواب ذلك أورد وكذاك تابعة لشيء ما له من موضع فاحفظه غير مفند وقد نظمها الشيخ أثير الدين أبو حيان بستة أبيات وهي قوله : وخذ جملا ستا وعشرا فنصفها لها موضع الإعراب جاء مبينا فوصفية حالية خبرية مضاف إليها واحك بالقول معلنا كذلك في التعليق والشرط والجزا إذا عامل يأتي بلا عمل هنا وفي غير هذا لا محل لها كما أتت صلة مبدوة فاتك العنا مفسرة أيضا وحشوا كذا أتت كذلك في التحضيض نلت به الغنا وفي الشرط لم يعمل كذاك جوابه جواب يمين مثله سرك المنى قوله " الحسنة بعشر أمثالها " من قوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وقوله إلى سبعمائة ضعف من قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ فإن قيل : بين في الحديث الانتهاء إلى سبعمائة ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ يدل على أنه قد يكون الانتهاء إلى أكثر ، والجواب أن الله يضاعف تلك المضاعفة وهي أن يجعلها سبعمائة وهو ظاهر ، وإن قلنا : إن معناه أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها أيضا فذلك في مشيئته تعالى ، وأما المتحقق فهو إلى السبعمائة فقط ، وفيه نظر لأنه صرح في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه البخاري في الرقاق ولفظه : ( كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ) ، وفي كتاب العلم لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل ثنا شيبان الأيلي ثنا سويد بن حاتم ، ثنا أبو العوام الجزار عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال : ( إن الله تعالى يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة ) ، وأيضا ففي جملة حديث مالك مما أسقطه البخاري : ( إن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ) ، فالله تعالى من فضله إذا كتب الحسنات المتقدمة قبل الإسلام ، فبالأولى أن يتفضل على عبده المسلم بما شاء من غير حساب ونظير هذا الذي أسقطه البخاري ما جاء في حديث حكيم بن حزام : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ، أخرجه البخاري في الزكاة وفي العتق ، ومسلم في الإيمان ، فإن قلت : لم أسقط البخاري هذه الزيادة ؟ قلت : قيل : إنه أسقطه عمدا ، وقيل لأنه مشكل على القواعد ، فقال المازري ثم القاضي وغيرهما : إن الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر التقرب فلا يثاب على طاعته في شركه ؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفا بمن تقرب إليه والكافر ليس كذلك وأولوا حديث حكيم بن حزام من وجوه : الأول : أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) إنك اكتسبت طباعا جميلة تنتفع بتلك الطباع في الإسلام بأن يكون لك معونة على فعل الطاعات . والثاني : اكتسبت ثناء جميلا بقي لك في الإسلام . والثالث : لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الحميدة ، وقد جاء أن الكافر إذا كان يفعل خيرا فإنه يخفف عنه به فلا يبعد أن يزاد في أجوره . والرابع : زاده القاضي وهو أنه ببركة ما سبق لك من الخير هداك الله للإسلام أي سبق لك عند الله من الخير ما حملك على فعله في جاهليتك وعلى خاتمة الإسلام ، وتعقبهم النووي في ( شرحه ) فقال : هذا الذي ذكروه ضعيف ، بل الصواب الذي عليه المحققون ، وقد ادعى فيه الإجماع على أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق ونحوها من الخصال الجميلة ثم أسلم يكتب له كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام ، ودليله حديث أبي سعيد الخدري الذى يأتي الآن وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه ، وهذا أمر لا يحيله العقل ، وقد ورد الشرع به فوجب قبوله ، وأما دعوى كونه مخالفا للأصول فغير مقبولة ، وأما قول الفقهاء : لا تصح عبادة من كافر ولو أسلم ، لم يعتد بها ، فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الآخرة ، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف فيرد قوله بهذه السنة الصحيحة ، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا ، فقال : قال الفقهاء : إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك ، وإذا أسلم لا يلزم إعادتها ، واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل ، والأصح اللزوم ، وبالغ بعض أصحابنا فقال : يصح من كل كافر طهارة غسلا كانت أو وضوء أو تيمما ، وإذا أسلم صلى بها ، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه النووي إبراهيم الحربي وابن بطال والقرطبي وابن منير ، وقال ابن منير : المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب له ذلك في حال كفره ، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل ، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر ، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل ألبتة جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشروط ، وقال ابن بطال : لله تعالى أن يتفضل على عباده بما شاء ولا اعتراض عليه . ( فوائد ) منها أن فيه الحجة على الخوارج وغيرهم من الذين يكفرون بالذنوب ويوجبون خلود المذنبين في النار ، ومنها أن قوله " إلا أن يتجاوز الله عنها " دليل لمذهب أهل السنة أنه تحت المشيئة إن شاء الله تجاوز عنه وإن شاء أخذه ، ومنها أن فيه دليلا لهم في أن أصحاب المعاصي لا يقطع عليهم بالنار خلافا للمعتزلة ، فإنهم قطعوا بعقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة ، ومنها ما قال بعضهم أول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان لأن الحسن تتفاوت درجاته . قلت : هذا كلام ساقط لأن الحسن من أوصاف الإيمان ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الذات إياهما لأن الذات من حيث هو لا يقبل ذلك كما عرف في موضعه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حسن إسلام المرء · ص 253 2 - ( حدثنا إسحاق بن منصور قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أحسن أحدكم إسلامه ، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : إسحاق بن منصور بن بهرام ، وقال النووي : بكسر الباء والمشهور فتحها أبو يعقوب الكوسج من أهل مرو سكن بنيسابور ، ورحل إلى العراق والشام والحجاز ، روى عنه الجماعة إلا أبا داود وهو أحد الأئمة من أصحاب الحديث ، وهو الذي دون عن أحمد المسائل ؛ قال النسائي : ثقة ثبت ، مات بنيسابور سنة إحدى وخمسين ومائتين . الثاني : عبد الرزاق بن همام بن نافع اليماني الصنعاني ، سمع عبد الله المعمري ومعمرا والثوري ومالكا وغيرهم ؛ قال معمر : عبد الرزاق خليق أن يضرب إليه أكباد الإبل ، وقال أحمد بن حنبل : ما رأيت أحسن من عبد الرزاق ، وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي ، قال ابن معين : ليس بالقوي ، ونسبه العباس بن عبد العظيم إلى الكذب ، قال : والواقدي أصدق منه ، وقال أبو أحمد لعبد الرزاق حديث كثير ، وقد رحل إليه الناس وكتبوا عنه ولم يروا بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع ، وقد روى أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب غيرهم مما لم يوافقه عليها أحد من الثقات ، فهذا أعظم ما ذموه به من روايته المناكير ، وقال النسائي في كتاب ( الضعفاء ) : عبد الرزاق بن همام فيه نظر لمن كتب عنه بآخره ، وزاد بعضهم عن النسائي : كتبت عنه أحاديث مناكير ، وقال البخاري في ( التاريخ الكبير ) : ما حدث به عبد الرزاق من كتابه فهو أصح ، مات سنة إحدى عشرة ومائتين ، روى له الجماعة . الثالث : معمر بفتح الميمين ابن راشد أبو عروة البصري ، وقد مر ذكره في أول الكتاب . الرابع : همام بتشديد الميم بن منبه بن كامل بن سيج بفتح السين المهملة ، وقيل بكسرها وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره جيم أبو عقبة اليماني الصنعاني الذماري الأبناوي أخو وهب ، وهو أكبر منه ، تابعي ، سمع أبا هريرة وابن عباس ومعاوية ؛ قال يحيى بن معين : ثقة توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بصنعاء ، روى له الجماعة ، وهو من الأفراد وإن كان يشترك معه في الاسم دون الأب جماعة من الصحابة والتابعين ، ولا يلتفت إلى تضعيف الفلاس له فإنه من فرسان الصحيحين . الخامس : أبو هريرة رضي الله عنه . ( ذكر الأنساب ) الصنعاني نسبة إلى صنعا مدينة باليمن بزيادة النون في آخره ، والقياس أن يقال صنعاوي ، ومن العرب من يقوله ، فأبدلوا من الهمزة النون لأن الألف والنون يشابهان ألفي التأنيث ، وصنعا أيضا قرية بالشام ، وهذه النسبة شاذة . اليماني نسبة إلى اليمن بزيادة الألف ؛ قال الجوهري : اليمن بلاد العرب والنسبة إليها يمني ويمان مخففة ، والألف عوض من ياء النسبة فلا يجتمعان ؛ قال سيبويه : وبعضهم يقول : يماني بالتشديد ، فافهم . الذماري بكسر الذال المعجمة وتخفيف الميم نسبة إلى ذمار على مرحلتين من صنعا ، وفي العباب : ذمار بفتح الذال ، ويقال ذمار مثل قطام قرية باليمن على مرحلة من صنعا ، سميت بقيل من أقيال حمير . الأبناوي بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح النون نسبة إلى الأبناء ، وهم قوم باليمن من ولد الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك الحبشة فغلبوا الحبشة وأقاموا باليمن ، وقال أبو حاتم بن حبان : كل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس من العرب يقال أبناوي وهم الأبناويون . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ؛ قوله حدثنا إسحاق بن منصور ، وفي بعض النسخ : حدثني بالإفراد ، وقوله حدثنا معمر ، وفي بعض النسخ أخبرنا معمر ، ومنها أن هذا الإسناد إسناد حديث من نسخة همام المشهورة المروية بإسناد واحد عن عبد الرزاق عن معمر عنه ، وقد اختلفوا في إفراد حديث من نسخة هل يساق بإسنادها ولو لم يكن مبتدأ به أو لا ، فالجمهور على جوازه ومنهم البخاري ، وقيل بالمنع ، ومسلم أيضا أخرجه بهذا السند غير أنه عن شيخه محمد بن رافع عن عبد الرزاق .. إلخ ، ولكنه أخرجه معلولا وهو أيضا أخرجه في كتاب الإيمان ، وغالب ما يتعلق بالحديث من الكلام في الوجوه المذكورة قد مر في الحديث السابق ؛ قوله أحدكم الخطاب فيه بحسب اللفظ وإن كان للحاضرين من الصحابة ، لكن الحكم عام لما علم أن حكمه عليه الصلاة والسلام على الواحد حكم على الجماعة إلا بدليل منفصل ، وكذا حكمه تناول النساء وكذا فيما إذا قال : إذا أسلم المرء أو العبد ، فإن المراد منه الرجال والنساء جميعا بالاتفاق ، وأما النزاع في كيفية التناول أهي حقيقة عرفية أو شرعية أو مجاز أو غير ذلك ؛ قوله إذا أحسن أحدكم إسلامه كذا في رواية مسلم أيضا ، ووقع في مسند إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق : ( إذا أحسن إسلام أحدكم ) ، ورواه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن عبد الرزاق عن معمر كالأول ، فإن قيل في الحديث السابق الحسنة والسيئة وههنا كل حسنة وكل سيئة ، فما الفرق بينهما ؟ قلت : لا فرق بينهما في المعنى لأن الألف واللام فيهما هناك للاستغراق ، وكل أيضا للاستغراق ، وكذا لا فرق في إطلاق الحسنة ثمة ، والتقييد هنا بقوله يعملها إذ المطلق محمول على المقيد لأن الحسنة المنوية لا تكتب بالعشر إذ لا بد من العمل حتى تكتب بها ، وأما السيئة فلا اعتداد بها دون العمل أصلا ، وكذا في زيادة لفظ تكتب هنا ، إذ ثمة أيضا مقدر به لأن الجار لا بد له من متعلق وهو تكتب أو تثبت أو نحوهما ؛ قوله بمثلها ، وزاد مسلم وإسحاق والإسماعيلي في روايتهم حتى يلقى الله تعالى ، فإن قلت : أين جواب إذا ؟ قلت : الجملة بالفاء ، أعني قوله فكل حسنة يعملها تكتب له ، فقوله كل حسنة كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله تكتب له ، وقوله يعملها جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الجر لأنها صفة لحسنة ؛ قوله إلى سبعمائة في محل النصب على الحال أي منتهية إلى سبعمائة ؛ قوله بمثلها الباء فيه للمقابلة ، والله أعلم .