78 - بَاب إِدْخَالِ الْبَعِيرِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ 464 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي قَالَ : طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بـ ( الطور وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِدْخَالِ الْبَعِيرِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ ) أَيْ : لِلْحَاجَةِ ، وَفَهِمَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلَّةِ الضَّعْفُ ، فَقَالَ : هُوَ ظَاهِرٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ دُونَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَشَارَ بِالتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي ، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الْمُعَلَّقُ فَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَيَأْتِي أَيْضًا قَوْلِ جَابِرٍ : أَنَّهُ إِنَّمَا طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيَسْأَلُوهُ . وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا فِي الْحَجِّ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ مَدَنِيُّونَ ، وَفِيهِ تَابِعِيَّانِ مُحَمَّدٌ ، وَعُرْوَةُ ، وَصَحَابِيَّتَانِ زَيْنَبُ وَأُمُّهَا أُمُّ سَلَمَةَ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ دُخُولِ الدَّوَابِّ الَّتِي يُؤْكَلُ لَحْمُهَا الْمَسْجِدَ إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ بَوْلَهَا لَا يُنَجِّسُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ الدَّوَابِّ . وَتُعَقِّبُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ ، بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ عَلَى التَّلْوِيثِ وَعَدَمِهِ ، فَحَيْثُ يُخْشَى التَّلْوِيثُ يَمْتَنِعُ الدُّخُولُ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ نَاقَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ مُنَوَّقَةً ، أَيْ : مُدَرَّبَةً مُعَلَّمَةً ، فَيُؤْمَنُ مِنْهَا مَا يُحْذَرُ مِنَ التَّلْوِيثِ وَهِيَ سَائِرَةٌ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعِيرُ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ كَذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِدْخَالِ الْبَعِيرِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ · ص 663 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إدخال البعير في المسجد للعلة · ص 541 78 - باب إدخال البعير في المسجد للعلة وقال ابن عباس : طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير . 464 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة ، قالت : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي . قال : طوفي من وراء الناس ، وأنت راكبة ، فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت ، يقرأ بالطور وكتاب مسطور . حديث ابن عباس في طواف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير ، قد خرجه البخاري في كتاب : الحج مع حديث أم سلمة هذا في باب : طواف المريض راكبا . وبوب على الحديثين هاهنا : إدخال البعير في المسجد للعلة - يعني : لحاجة إلى إدخاله ، مثل أن يطوف عليه في مرضه . وقد جاء في رواية أخرى في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة أن تطوف على بعيرها . وإدخال ما يؤكل لحمه من الحيوانات إلى المساجد ينبني على حكم بولها وروثها : فمن قال : إنه طاهر أجازه ، ولم يكرهه للحاجة إليه . وقد استدل أصحابنا وأصحاب مالك بهذه الأحاديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه ، وقالوا : لو كان بول البعير نجسا لم يدخل المسجد . وقد خرج البخاري في كتاب : العلم حديث قدوم ضمام بن ثعلبة ودخوله المسجد وعقله بعيره فيه ، والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ في المسجد . ومن قال : إنه نجس كره دخولها ، وقد صرح به أصحاب الشافعي ، وقالوا : إنما طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره لبيان الجواز . وهذا مردود بأمره أم سلمة بالطواف راكبة ، وبإقراره ضماما على عقل بعيره في المسجد . وأما ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات ، فيكره إدخاله المسجد بغير خلاف ، وقد نص عليه مالك في الكلاب وجوارح الطير ، ورخص أحمد في غلق المساجد ؛ لئلا تدخلها الكلاب . وقد روي عن عمر ، أنه نهى عن الطواف بالبيت راكبا على فرس ونحوها . فروى سفيان : عن عمرو بن دينار ، قال : طاف رجل بالبيت على فرس ، فمنعوه ، فقال : أتمنعوني ؟ فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب ، فكتب عمر : أن امنعوه . وإنما منع عمر من ذلك مبالغة في صيانة المسجد ؛ ولئلا يؤذي الراكب الماشين في الطواف . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إدخال البعير في المسجد للعلة · ص 240 ( باب إدخال البعير في المسجد للعلة ) أي هذا باب في بيان إدخال البعير في المسجد للعلة أي للحاجة، وهي أعم من أن تكون للضعف أو غيره، وقيل : المراد بالعلة الضعف، واعترض عليه بأن هذا ظاهر في حديث أم سلمة دون حديث ابن عباس، وأجيب بأن أبا داود روي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة، وهو يشتكي فطاف على راحلته، ومع هذا كله تقييد العلة بالضعف لا وجه له لأنا قلنا إنها أعم فتتناول الضعف، وإن يكون طوافه على بعيره ليراه الناس كما جاء عن جابر أنه إنما طاف على بعيره ليراه الناس، وليسألوه فإن الناس غشوه . ( وقال ابن عباس : طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير ) مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه إدخال البعير في المسجد للعلة لأنه صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة كان يشتكي على ما رواه أبو داود عنه فذكره البخاري معلقا، وذكره مسندا في باب من أشار إلى الركن في كتاب الحج . 124 - ( حدثني عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة قالت : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي ، قال : طوفي من وراء الناس وأنت راكبة فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور ) . مطابقته للترجمة في قوله ( طوفي من وراء الناس وأنت راكبة )، وفيه جواز إدخال البعير في المسجد لعلة الضعف . ( ذكر رجاله )، وهم ستة : الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي . الثاني : الإمام مالك . الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل بفتح النون والفاء ، يعرف بيتيم عروة بن الزبير تقدم ذكره في باب الجنب يتوضأ ثم ينام . الرابع : عروة بن الزبير . الخامس : زينب بنت أبي سلمة، وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب . السادس : أم سلمة أم المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أمية . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في أربعة مواضع، وفيه القول، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهما محمد، وعروة، ورواية عروة عن صحابية، وهي زينب لأنها سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند البخاري، وفيه رواية صحابية عن صحابية، وهما زينب، وأم سلمة، وفيه أن رواة إسناده مدنيون ما خلا شيخ البخاري . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة، وفي التفسير عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه في الحج عن إسماعيل والقعنبي، وفيه أيضا عن محمد بن حرب، وأخرجه مسلم في الحج عن يحيى بن يحيى عن مالك به، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، وفيه وفي التفسير عن عبيد الله بن سعيد، وأخرجه ابن ماجه في الحج عن إسحاق بن منصور، وأحمد بن سنان، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن معلى بن منصور عن مالك به . ( ذكر معناه ) ؛ قوله ( أني أشتكي ) في محل النصب ، فإنه مفعول شكوت ؛ يقال : اشتكى عضوا من أعضائه إذا توجع منه، وشكوت فلانا إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك ؛ قوله ( فطفت ) أي راكبة على البعير حتى يدل الحديث على الترجمة ؛ قوله ( إلى جنب البيت ) أي الكعبة لأن البيت علم للكعبة شرفها الله وعظمها، وقال الكرماني : ( فإن قلت : ) الصلاة إلى البيت فما فائدة ذكر الجنب ؟ قلت : معناه أنه كان يصلي منها إلى الجنب يعني قريبا من البيت لا بعيدا منه ، انتهى، وقال أبو عمرو : صلاته إلى جنب البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقا بالبيت قبل أن ينقله عمر رضي الله تعالى عنه من ذلك المكان إلى صحن المسجد ، انتهى، والوجه في ذلك أن البيت كله قبلة ؛ فحيث صلى المصلي منه إذا جعله أمامه كان مستحسنا جائزا ؛ قوله ( يقرأ بالطور ) أي بسورة الطور، ولعلها لم تذكر واو القسم لأن لفظ الطور كأنه صار علما للسورة . ( ذكر ما يستفاد منه ) : قال ابن بطال : فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها، ولا ينجس بولها المسجد إذا احتيج إلى ذلك، وأما دخول سائر الدواب فلا يجوز، وهو قول مالك، واعترض عليه بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة بل ذلك دائر مع التلويث، وعدمه فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وفيه نظر لأن قوله صلى الله عليه وسلم ( طوفي وأنت راكبة ) لا يدل على أن الجواز وعدمه دائران مع التلويث بل ظاهره يدل على الجواز مطلقا عند الضرورة، وقيل أن ناقته صلى الله عليه وسلم كانت مدربة معلمة فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهي سائرة . قلت : سلمنا هذا في ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة، وهي طائفة، ولئن قيل : إنها كانت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل له : يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل. ومن فوائده أن النساء ينبغي لهن أن يطفن من وراء الرجال لأن بالطواف شبها بالصلاة، ومن سنة النساء فيها أن يكن خلف الرجال فكذلك في الطواف . ومنها أن راكب الدابة ينبغي له أن يتجنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة، ومنها أن فيه جواز الطواف راكبا للمعذور ولا كراهة فيه ، فإن كان غير معذور يعتبر عندنا، وعند الشافعي لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم : " الطواف بالبيت صلاة "، ولنا إطلاق قوله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُوا وهو مطلق، والحديث للتشبيه فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر وجماعة، وقال القرطبي : الجمهور على كراهة ذلك ، قلنا : نحن أيضا نقول بالكراهة حتى أنه يعيده ما دام بمكة، وسيجيء مزيد الكلام فيه في باب الحج إن شاء الله تعالى .