107 - بَاب الْغَيْرَةِ وَقَالَ وَرَّادٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي . 5220 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ . قَوْلُهُ ( بَابُ الْغَيْرَةِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا رَاءٍ ، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَغَيُّرِ الْقَلْبِ وَهَيَجَانِ الْغَضَبِ بِسَبَبِ الْمُشَارَكَةِ فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاصُ ، وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ . هَذَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ ، وَأَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَحْسَنُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ مَا فُسِّرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، يَعْنِي الْآتِي فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ : وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ عِيَاضٌ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْغَيْرَةُ فِي حَقِّ اللَّهِ الْإِشَارَةَ إِلَى تَغَيُّرِ حَالِ فَاعِلِ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : الْغَيْرَةُ فِي الْأَصْلِ الْحَمِيَّةُ وَالْأَنَفَةُ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِلَازِمِ التَّغَيُّرِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْغَضَبِ ، وَقَدْ نَسَبَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ الْغَضَبَ وَالرِّضَا . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : التَّغَيُّرُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ بِالدَّلَالَةِ الْقَطْعِيَّةِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِلَازِمِهِ كَالْوَعِيدِ أَوْ إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ بِالْفَاعِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْكُسُوفِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا يَنْبَغِي اسْتِحْضَارُهُ هُنَا . ثُمَّ قَالَ : وَمِنْ أَشْرَفِ وُجُوهِ غَيْرَتِهِ تَعَالَى اخْتِصَاصُهُ قَوْمًا بِعِصْمَتِهِ ، يَعْنِي فَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ عَاقَبَهُ ، قَالَ : وَأَشَدُّ الْآدَمِيِّينَ غَيْرَةً رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ يَغَارُ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ ، وَلِهَذَا كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ اهـ . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ تِسْعَةَ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ ( وَقَالَ وَرَّادٌ ) بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَمَوْلَاهُ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا الْمُعَلَّقُ عَنِ الْمُغِيرَةِ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْهُ بِلَفْظِهِ لَكِنْ فِيهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَصَرَهَا هُنَا ، وَيَأْتِي أَيْضًا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَتَمَّ سِيَاقًا ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا التَّعْلِيقِ فِي النِّكَاحِ . قَوْلُهُ ( قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ) هُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَأَحَدُ نُقَبَائِهِمْ . قَوْلُهُ ( لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ ) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ : قَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا أُمْهِلْهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : قَالَ : كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، إِنْ كُنْتُ لِأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَاللَّفْظُ لَهُ وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمِ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْآيَةَ ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : أَهَكَذَا أُنْزِلَتْ ؟ فَلَوْ وَجَدْتُ لَكَاعِ مُتَفَخِّذُهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُحَرِّكَهُ وَلَا أُهَيِّجَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَوَاللَّهِ لَا آتِي بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تَلُمْهُ فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا عَذْرَاءَ ، وَلَا طَلَّقَ امْرَأَةً فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّهَا لَحَقٌّ وَأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَكِنِّي عَجِبْتُ . قَوْلُهُ ( غَيْرَ مُصْفِحٍ ) قَالَ عِيَاضٌ : هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ : وَرَوَيْنَاهُ أَيْضًا بِفَتْحِ الْفَاءِ ، فَمَنْ فَتْحَ جَعَلَهُ وَصْفًا لِلسَّيْفِ وَحَالًا مِنْهُ ، وَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهُ وَصْفًا لِلضَّارِبِ وَحَالًا مِنْهُ اهـ . وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي سَائِرِ الْأُمَّهَاتِ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَهُوَ مَنْ صَفَّحَ السَّيْفَ أَيْ عَرَّضَهُ وَحَدَّهُ ، وَيُقَالُ لَهُ غِرَارٌ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَلِلسَّيْفِ صَفْحَانِ وَحَدَّانِ ، وَأَرَادَ أَنَّهُ يَضْرِبُهُ بِحَدِّهِ لَا بِعَرْضِهِ ، وَالَّذِي يَضْرِبُ بِالْحَدِّ يَقْصِدُ إِلَى الْقَتْلِ بِخِلَافِ الَّذِي يَضْرِبِ بِالصَّفْحِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ التَّأْدِيبَ . وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ غَيْرَ مُصْفِحٍ عَنْهُ ، وَهَذِهِ يَتَرَجَّحُ فِيهَا كَسْرُ الْفَاءِ ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ أَيْضًا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَقَدْ أَنْكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ : ظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ مِنَ الصَّفْحِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعَفْوِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا هُـوَ مِنْ صَفْحِ السَّيْفِ ، قُلْتُ : وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهَا عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَالصَّفْحُ وَالصَّفْحَةُ بِمَعْنًى . وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ لَفْظُهُ عَنْهُ وَكَذَا سَائِرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرُهُ لَمْ يَذْكُرُوهَا . قَوْلُهُ ( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ) تَمَسَّكَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَنْ أَجَازَ فِعْلَ مَا قَالَ سَعْدٌ ، وَقَالَ : إِنْ وَقَعَ ذَلِكَ ذَهَبَ دَمُ الْمَقْتُولِ هَدَرًا ، نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الحديث الثاني . قَوْلُهُ ( شَقِيقٌ ) هُوَ أَبُو وَائِلٍ الْأَسَدِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ ( مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ) مِنْ زَائِدَةٌ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَيَجُوزُ فِي أَغْيَرُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ عَلَى اللُّغَتَيْنِ الْحِجَازِيَّةِ وَالتَّمِيمِيَّةِ فِي مَا ، وَيَجُوزُ فِي النَّصْبِ أَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى النَّعْتِ لِأَحَدٍ ، وَفِي الرَّفْعِ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِأَحَدٍ ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ فِي الْحَالَيْنِ تَقْدِيرُهُ مَوْجُودٌ وَنَحْوُهُ ، وَالْكَلَامُ عَلَى غَيْرَةِ اللَّهِ ذُكِرَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، وَبَقِيَّةُ شَرْحِ الْحَدِيثِ يَأْتِي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . تَنْبِيهٌ : وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَبْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَرْجَمَةُ صُورَتِهَا فِي الْغَيْرَةِ وَالْمَدْحِ وَمَا رَأَيْتُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْغَيْرَةِ · ص 229 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الغيرة · ص 205 باب الغيرة أي : هذا باب في بيان الغيرة - بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء ، قال صاحب المحكم : من غار الرجل على امرأته والمرأة على بعلها يغار غيرة وغيرا وغارا وغيارا ، ورجل غيران ، والجمع غَيَارَى وغُيَارَى ، ورجل غيور والجمع غير بضم الياء ، ومن قرأ رُسُل قال غُيُر ، ويقال امرأة غيرى وغيور والجمع كالجمع ، والمغيار شديد الغيرة ، وفلان لا يتغير على أهله أي لا يغار ، وقال الجوهري نحوه إلا أنه لم يقل في المصادر غيارا ، وزاد بعد قوله ورجل مغيار وقوم مغايير ، وزاد صاحب المشارق في اسم الفاعل منه : رجل غائر ، وقال : معنى الغيرة تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة في الاختصاص من أحد الزوجين بالآخر وتحريمه وذبه عنه . وقال صاحب النهاية : الغيرة هي الحمية والأنفة . وقال عياض : الغيرة مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص . وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين ، هذا محله في حق الآدمي ، وأما في حق الله تعالى فيأتي عن قريب في حديث الباب . وقال وراد عن المغيرة : قال سعد بن عبادة : لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتعجبون من غيرة سعد ! لأنا أغير منه ، والله أغير مني . مطابقته للترجمة ظاهرة . ووراد - بفتح الواو والراء المشددة وبالدال المهملة - اسم لمولى المغيرة بن شعبة وكاتبه ، وسعد بن عبادة - بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة - ابن دليم الخزرجي الساعدي نقيب بني ساعدة ، قيل شهد بدرا ونزل الشام فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة ، وقيل قبره بالمنيحة قرية من قرى غوطة دمشق . ووصل البخاري هذا المعلق الذي ذكره هنا مختصرا في كتاب الحدود عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن وراد ، وأخرجه مسلم من حديث سليمان بن بلال عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة . قوله ( غير مصفح ) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء وكسرها ؛ أي غير ضارب بعرضه ، بل بحده تأكيدا لبيان ضربه به لقتله . قال عياض : فمن فتحه جعله وصفا للسيف وحالا منه ، ومن كسره جعله وصفا للضارب وحالا منه ، يقال أصفحت بالسيف فأنا مصفح والسيف مصفح به إذا ضربت بعرضه . وقال ابن قتيبة : أصفحت بالسيف إذا ضربت بعرضه . وقال ابن التين : مصفح بتشديد الفاء في سائر الأمهات ، وللسيف صفحتان وهما وجهاه العريضان ، وله حدان ؛ فالذي يضرب بالحد يقصد القتل ، والذي يضرب بالصفح يقصد التأديب . ووقع في رواية مسلم غير مصفح عنه ، قال بعضهم : هذه يترجح فيها كسر الفاء ، ويجوز الفتح أيضا على البناء للمجهول . قلت : قوله على البناء للمجهول غلط فاحش ، والصواب أن يقال على البناء للمفعول ، وقد يفرق بينهما من له أدنى مسكة من علم التصريف . قوله ( أتعجبون ) الهمزة فيه للاستفهام ، يجوز أن يكون على سبيل الاستخبار ويجوز أن يكون على سبيل الإنكار ؛ يعني لا تعجبوا من غيرة سعد ، وأنا أغير منه - أي من سعد ، واللام في قوله لأنا للتأكيد ، وأكده باللام وبالجملة الاسمية . قوله ( والله أغير مني ) ، قد ذكرنا الآن معنى غيرة العبد ، وأما معنى غيرة الله تعالى فالزجر عن الفواحش والتحريم لها والمنع منها ؛ لأن الغيور هو الذي يزجر عما يغار عليه ، وقد بين ذلك بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ومن غيرته حرم الفواحش - أي زجر عنها ومنع منها ، وقال صلى الله عليه وسلم : غيرة الله أن لا يأتي المؤمن ما حرم الله عليه . ومعنى حديث سعد : أنا أزجر عن المحارم منه ، والله أزجر مني . واستدل ابن المواز من المالكية بحديث سعد هذا أنه إن وقع ذلك ذهب دم المقتول هدرا ، وسيأتي الكلام فيه في باب الحدود ، وقيل : الغيرة محمودة ومذمومة ، وقد جاءت التفرقة بينهما في حديث جابر بن عتيك وعقبة بن عامر ، فحديث جابر بن عتيك رواه أحمد في مسنده وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه من رواية يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم عن ابن جابر بن عتيك الأنصاري عن جابر بن عتيك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن من الغيرة ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله ، وإن من الخيلاء ما يحبه الله ومنها ما يبغض الله ، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة ، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة . وابن جابر بن عتيك هذا قال المزي في التهذيب : لعله عبد الرحمن . قال شيخنا : ليس هو عبد الرحمن ، وإنما هو أبو سفيان بن جابر بن عتيك لم يسم . وقد بين ذلك ابن حبان في صحيحه وذكره في الثقات ، وحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه رواه أحمد في مسنده قال : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن عبد الله بن زيد الأزرق ، عن عقبة بن عامر الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غيرتان إحداهما يحبها الله عز وجل والأخرى يبغضها الله عز وجل ؛ الغيرة في الريبة يحبها ، والغيرة في غيرها يبغضها الله . . . الحديث ، وقال شيخنا : لكن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، فرب رجل شديد التخيل فيظن ما ليس بريبة ريبة ، ورب رجل متساهل في ذلك فيحمل الريبة على محمل يحسن به ظنه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الغيرة · ص 206 149 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم الفواحش ، وما أحد أحب إليه المدح من الله . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وحفص هو ابن غياث ، والأعمش هو سليمان ، وشقيق هو ابن سلمة ، وعبد الله هو ابن مسعود . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد بهذا السند ، وأخرجه مسلم في التوبة عن عثمان بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه النسائي في التفسير عن أبي كريب وغيره . قوله ( ما من أحد ) ، كلمة من زائدة ، وزيادتها في النفي لا خلاف فيه ، والخلاف في زيادتها في الإثبات . قوله ( أغير ) أفعل التفضيل ، وقد مر معنى الغيرة في حق الله عز وجل ، ويجوز في أغير الرفع والنصب بناء على اللغتين الحجازية والتميمية في كلمة ما . قوله ( من أجل ذلك ) ؛ أي من أجل أن الله أغير من كل أحد حرم الفواحش ، وهو جمع فاحشة وهي كل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال ، وقال ابن الأثير : الفحش والفاحشة والفواحش في الحديث كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي ، وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا . قوله ( ما أحد ) بالرفع ؛ لأنه اسم ما . وقوله ( أحب ) بالنصب خبرها إن جعلتها حجازية ، وترفعه على أنه خبر لأحد إن كانت تميمية . وقوله ( المدح ) مرفوع ؛ لأنه فاعل أحب ، وقال الكرماني : وهو مثل مسألة الكحل ، ويروى بالرفع على إلغاء عمل ما . قيل : ولا يجوز أن يرفع أحب على أنه خبر للمدح أو مبتدأ والمدح خبره ؛ لأنك تكون حينئذ تفرق بين الصلة والموصول بالخبر ، لأن من الله صلة أحب وتمامه ، فلا تفرق بين تمام المبتدأ وصلته بالخبر الذي هو المدح ، وحقيقة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحد أحب إليه المدح من الله أنه مصلحة للعباد ؛ لأنهم يثنون عليه سبحانه وتعالى فيثيبهم فينتفعون ، والله سبحانه غني عن العالمين لا ينفعه مدحهم ولا يضره تركهم ذلك . وفيه تنبيه على فضل الثناء عليه وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الأذكار .