85 - بَاب الِاسْتِلْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَدِّ الرِّجْلِ 475 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى . وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : كَانَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاسْتِلْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ ) زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ : وَمَدِّ الرِّجْلِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمِّهِ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ ، أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ حَيْثُ يُخْشَى أَنْ تَبْدُوَ الْعَوْرَةُ ، وَالْجَوَازُ حَيْثُ يُؤْمَنُ ذَلِكَ . قُلْتُ : الثَّانِي أَوْلَى مِنِ ادِّعَاءِ النَّسْخِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحْدَثِينَ ، وَجَزْمَ ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ . وَقَالَ الْمَازِرِيِّ : إِنَّمَا بَوَّبَ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ ، لَا فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ ، النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ، لَكِنَّهُ عَامٌّ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعُ ، وَاسْتِلْقَاؤُهُ فِي الْمَسْجِدِ فِعْلٌ قَدْ يَدَّعِي قَصْرَهُ عَلَيْهِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَازُ ، لَكِنْ لَمَّا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ هُوَ جَائِزٌ مُطْلَقًا ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا صَارَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَفِي قَوْلِهِ عَنْ حَدِيثِ النَّهْيِ : لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ إِغْفَالٌ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي اللِّبَاسِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَفِي قَوْلِهِ : فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَازُ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الِاسْتِرَاحَةِ لَا عِنْدَ مُجْتَمَعِ النَّاسِ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمْ بِالْوَقَارِ التَّامِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ جَوَازُ الِاتِّكَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَالِاضْطِجَاعِ وَأَنْوَاعِ الِاسْتِرَاحَةِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : فِيهِ أَنَّ الْأَجْرَ الْوَارِدَ لِلَّابِثِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجَالِسِ بَلْ يَحْصُلُ لِلْمُسْتَلْقِي أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِاسْتِلْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَدِّ الرِّجْلِ · ص 670 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الاستلقاء في المسجد · ص 573 85 - باب الاستلقاء في المسجد 475 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى . وعن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب : كان عمر وعثمان يفعلان ذلك 138 هذا الحديث رواه أكابر أصحاب الزهري ، عنه ، عن عباد ، عن عمه . وخالفهم عبد العزيز بن الماجشون ، فرواه عن الزهري : حدثني محمود بن لبيد ، عن عباد . فزاد في إسناده : محمود بن لبيد ، وهو وهم - : قاله مسلم بن الحجاج ، وأبو بكر الخطيب وغيرهما . وعم عباد بن تميم ، هو : عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، صاحب حديث الوضوء . والاستلقاء في المسجد جائز على أي وجه كان ، ما لم يكن منبطحا على وجهه ؛ فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك ، وقال : إنها ضجعة يبغضها الله عز وجل . وقد ذكرنا إسناده في باب : النوم في المسجد . وقد ذكر الزهري ، عن ابن المسيب ، عن عمر وعثمان ، أنهما كانا يفعلان ذلك . وأما الاستلقاء على هذا الوجه ، وهو وضع إحدى الرجلين على الأخرى في المسجد وغيره فقد اختلف فيه : فروي كراهته والتغليظ فيه عن كعب بن عجرة ، وأبي سعيد ، وقتادة بن النعمان ، وسعيد بن جبير . وقد روي النهي عنه مرفوعا . خرجه مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويروى - أيضا - من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأخي أبي سعيد - وهو : قتادة بن النعمان . وأما أكثر العلماء ، فرخصوا فيه . وممن روي أنه كان يفعله : عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، ونص أحمد على جوازه . واختلفوا في أحاديث النهي : فمنهم من قال : هي منسوخة بحديث الرخصة ، ورجحه الطحاوي وغيره . ومنهم من قال : هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته ، أو لم يكن عليه سراويل ، روي ذلك عن الحسن . وروي عنه ، أنه قال فيمن كره ذلك : ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود . خرجه الطحاوي . وروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر ، عن الزهري ، قال : أخبرني ابن المسيب ، قال : كان ذلك من عمر وعثمان ما لا يحصى منهما . قال الزهري : وجاء الناس بأمر عظيم . وقال الحكم : سئل أبو مجلز عن الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى ؟ فقال : لا بأس به ، إنما هذا شيء قاله اليهود : إن الله لما خلق السماوات والأرض استراح ، فجلس هذه الجلسة ، فأنزل الله عز وجل : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ . خرجه أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه . وقد ذكر غير واحد من التابعين : أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود : إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ، منهم : عكرمة وقتادة . فهذا كلام أئمة السلف في إنكار ذلك ونسبته إلى اليهود ، وهذا يدل على أن الحديث المرفوع المروي في ذلك لا أصل لرفعه ، وإنما هو متلقى عن اليهود ، ومن قال : إنه على شرط الشيخين فقد أخطأ . وهو من رواية محمد بن فليح بن سليمان ، عن أبيه ، عن سعيد بن الحارث ، عن عبيد بن حنين : سمع قتادة بن النعمان يحدثه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بمعنى قول أبي مجلز . وفي آخره : وقال عز وجل : إنها لا تصلح لبشر . وعبيد بن حنين ، قيل : إنه لم يسمع من قتادة بن النعمان - قاله البيهقي . وفليح ، وإن خرج له البخاري فقد سبق كلام أئمة الحفاظ في تضعيفه ، وكان يحيى بن سعيد يقشعر من أحاديثه ، وقال أبو زرعة - فيما رواه عنه سعيد البرذعي - : فليح واهي الحديث ، وابنه محمد واهي الحديث . ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه أنه قال : إنها لا تصلح لبشر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان قد انتسخ فعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلم أصحابه به ، وأتبعهم لهديه وسنته . وقد روي عن قتادة بن النعمان من وجه آخر منقطع ، من رواية سالم أبي النضر ، عن قتادة بن النعمان - ولم يدركه - أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن ذلك . خرجه الإمام أحمد . وهذا محتمل ، كما رواه عنه جابر وغيره . فأما هذه الطامة ، فلا تحتمل أصلا . وقد قيل : إن هذه مما اشتبه على بعض الرواة فيه ما قاله بعض اليهود ، فظنه مرفوعًا فرفعه ، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من متقدمي الرواة ، وأنكر ذلك عليهم ، وأنكر الزبير على من سمعه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : إنما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أهل الكتاب . فروى مسلم بن الحجاج في كتاب التفصيل والبيهقي فِي المدخل من رواية ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن عبد الله بن عروة ، عن عروة ، أن الزبير سمع رجلا يحدث حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستمع الزبير له ، حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ . فَقَالَ الزُّبَيْر : هَذَا وأشباهه مِمَّا يمنعنا أن نحدث عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَدْ - لعمري - سَمِعْت هَذَا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حاضر ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ هذا الحديث ، فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه ، فجئت أنت بعد أن تقضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب ، فظننت أنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى مسلم - أيضا - في كتاب التفصيل بإسناد صحيح ، عن بكير بن الأشج ، قال : قال لنا بسر بن سعيد : أيها الناس ، اتقوا الله ، وتحفظوا في الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة ، فيحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحدثنا عن كعب ، ثم يقوم ، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب ، ويجعل حديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أعلت بأنها موقوفة : إما على عبد الله بن سلام ، أو على كعب ، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها ، لطال الأمر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل · ص 254 ( باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل ) أي هذا باب في بيان جواز الاستلقاء في المسجد، والاستلقاء مصدر استلقى، وثلاثيه من لقي يلقى فنقل إلى باب الاستفعال فقيل استلقى على قفاه ، ذكره الجوهري في باب اللقاء، وذكر فيه، واستلقى على قفاه، ومصدره إذن يكون الاستلقاء، وذكره ابن الأثير في باب سلق يسلنق، ومستلق بالنون في الأول والتاء في الثاني، والصحيح ما ذكره الجوهري . 134 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : عبد الله بن مسلمة القعنبي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : عباد بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة تقدم في باب لا يتوضأ من الشك . الخامس : عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، تقدم في هذا الباب أيضا . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في أربعة مواضع، وفيه الرؤية، وفيه رواية الرجل عن عمه، وفيه أن رواته مدنيون . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في اللباس عن أحمد بن يونس عن إبراهيم بن سعد، وفي الاستئذان عن علي بن عبد الله عن سفيان، وأخرجه مسلم في اللباس عن يحيى بن يحيى عن مالك به، وعن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم ، خمستهم عن سفيان به، وعن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة، كلاهما عن ابن وهب عن يونس، وعن إسحاق بن إبراهيم، وعن عبد بن حميد ، كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر ، كلاهما عن الزهري به وأخرجه أبو داود في الأدب عن القعنبي والنفيلي ، كلاهما عن مالك به، وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن سعيد بن عبد الرحمن عن سفيان به، وقال : حسن صحيح، وأخرجه النسائي في الصلاة عن قتيبة عن مالك به . ( ذكر إعرابه وما يستفاد منه ) ؛ قوله ( رأى ) بمعنى أبصر فلذلك اكتفى بمفعول واحد ؛ قوله ( مستلقيا ) حال، وكذلك واضعا ، كلاهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما حالان مترادفتان، ويجوز أن يكون واضعا حالا من الضمير الذي في مستلقيا ، فعلى هذا يكون الحالان متداخلتين . وقال الخطابي : فيه بيان جواز هذا الفعل، والنهي الوارد عن ذلك منسوخ بهذا الحديث . قلت : النهي هو ما روى جابر بن عبد الله " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق "، وأجاب الخطابي عن النهي بجواب آخر، وهو أن علة النهي عنه أن تبدو عورة الفاعل لذلك ، فإن الإزار ربما ضاق ، فإذا شال لابسه إحدى رجليه فوق الأخرى بقيت هناك فرجة تظهر منها عورته، وممن جزم بأنه منسوخ ابن بطال، وقال بعضهم : محمل النهي حيث يخشى أن تبدو عورة الفاعل أولى من ادعاء النسخ لأنه لا يثبت بالاحتمال . قلت : القائل بالنسخ ما ادعى أن النسخ بالاحتمال، وإنما جزم به فكيف يدعي الأولوية بالاحتمال، ويقوي دعوى النسخ ما روي عن عمر وعثمان أنهما كانا يفعلان ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى، ويقال : يحتمل أن يكون الشارع فعل ذلك لضرورة أو كان ذلك بغير محضر جماعة ، فجلوس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجامع كان على خلاف ذلك من التربع والاحتباء وجلسات الوقار، والتواضع . وفيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع، وأنواع الاستراحة غير الانبطاح، وهو الوقوع على الوجه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه وقال : إنها ضجعة يبغضها الله تعالى . ( وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال : كان عمر وعثمان يفعلان ذلك ) قال الكرماني : يحتمل أن يكون هذا تعليقا، وأن يكون داخلا تحت الإسناد السابق أي عن مالك عن ابن شهاب، وقال صاحب التوضيح : وعن ابن شهاب إلى آخره ساقه البخاري بالسند الأول، وقد صرح به أبو داود، وزاد أبو مسعود فيما حكاه الحميدي في جمعه فقال : إن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفعلون ذلك، وقد أخرج البرقاني هذا الفصل من حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري متصلا بالحديث الأول، ولم يذكر سعيد بن المسيب، وسعيد لم يصح سماعه عن عمر رضي الله تعالى عنه، وأدرك عثمان ولم يحفظ له عنه رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم : وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب معطوف على الإسناد الأول، وقد صرح بذلك أبو داود في روايته عن القعنبي، وهو كذلك في الموطأ ، وغفل عن ذلك من زعم أنه معلق . قلت : يريد به الكرماني، والكرماني ما جزم بأنه معلق ، بل قال يحتمل، وهو صحيح بحسب الظاهر، وتصريح أبي داود بذلك في كتابه لا يدل على أن هذا داخل في الإسناد المذكور ههنا قطعا، ورواية أبي داود هكذا حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان كانا يفعلان ذلك أي المذكور من الاستلقاء والوضع . قلت : اختلف جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم في هذا الباب ، فذهب محمد بن سيرين، ومجاهد، وطاوس، وإبراهيم النخعي إلى أنه يكره وضع إحدى الرجلين على الأخرى، وروي ذلك عن ابن عباس، وكعب بن عجرة، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : لا بأس بذلك، وهم الحسن البصري، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وأبو مجلز، ومحمد بن الحنفية، ويروى ذلك عن أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وقال ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا وكيع عن عبد العزيز بن الماجشون عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان كانا يفعلانه ؛ حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عن يحيى بن عبد الله بن مالك عن أبيه قال : " دخل على عمر ورأى مستلقيا واضعا إحدى رجليه على الأخرى " ، حدثنا مروان بن معاوية عن سفيان بن الحسن عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز : " عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث أنه رأى ابن عمر يضطجع فيضع إحدى رجليه على الأخرى " حدثنا وكيع عن أسامة عن نافع قال : " كان ابن عمر يستلقي على قفاه ويضع إحدى رجليه على الأخرى لا يرى بذلك بأسا، ويفعله بذلك وهو جالس لا يرى بذلك بأسا " . حدثنا وكيع عن سفيان عن جابر بن عبد الرحمن بن الأسود عن عمه قال : " رأيت ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مستلقيا واضعا إحدى رجليه فوق الأخرى، وهو يقول : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن عمران يعني ابن مسلم قال : " رأيت أنسا واضعا إحدى رجليه على الأخرى " .