5375 - وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيَّ ، فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقَامَنِي ، وَعَرَفَ الَّذِي بِي ، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْلِهِ ، فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : عُدْ يَا أَبَا هِرٍّ ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ ، ثُمَّ قَالَ : عُدْ فَعُدْتُ ، فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالْقِدْحِ ، قَالَ : فَلَقِيتُ عُمَرَ وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِي ، وَقُلْتُ لَهُ : تَوَلَّى ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ ، وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَقْرَأْتُكَ الْآيَةَ ، وَلَأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ ، قَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ ، لَأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَوْلُهُ : ( وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَذَكَرَ مُحَدِّثُ الدِّيَارِ الْحَلَبِيَّةِ بُرْهَانُ الدِّينِ أَنَّ شَيْخَنَا الشَّيْخَ سِرَاجَ الدِّينِ الْبُلْقِينِيَّ اسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيبَ ، وَقَالَ : قَوْلُهُ : وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ لَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ : عَنْ أَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِسْقَاطُ فُضَيْلٍ ، فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا ؛ إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ ، قَالَ : وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ : وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ فَيَلْزَمُ الِانْقِطَاعُ أَيْضًا . قَالَ : وَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ : وَبِهِ إِلَى أَبِي حَازِمٍ انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ تَلَقَّفَهُ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْلِسٍ بِسَمَاعِهِ لِلْبُخَارِيِّ ، وَإِلَّا فَلَمْ يُسْمَعْ بِأَنَّ الشَّيْخَ شَرَحَ هَذَا الْمَوْضِعَ ، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ ، وَالثَّانِي مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ عَطْفِ الرَّاوِي لِحَدِيثٍ عَلَى الرَّاوِي بِعَيْنِهِ لِحَدِيثٍ آخَرَ ، فَكَأَنَّ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِكَذَا ، وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ بِكَذَا ، وَاللَّائِقُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ ، بَلْ لَوْ قَالَ : وَبِهِ إِلَى أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ لَصَحَّ ، أَوْ حَذَفَ قَوْلَهُ : عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ : وَبِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ لَصَحَّ ، وَحَدَّثَنَا تَكُونُ بِهِ مُقَدَّرَةً وَالْمُقَدَّرَةُ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ . وَأَوْضَحُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ : وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ إِلَخْ فَحَذَفَ مَا بَيْنَهُمَا لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ هَذَا مُعَلَّقٌ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ بِسَنَدٍ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّنَدِ الْمَذْكُورِ كَمَا قُلْتُهُ أَوَّلًا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . قَوْلُهُ : ( أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ ) أَيْ : مِنَ الْجُوعِ ، وَالْجَهْدُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ بِمَعْنًى ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَشَقَّةُ ، وَهُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً ) أَيْ : سَأَلْتُهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيَّ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنَةً عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفَادَةِ ، وَفِي غَالِبِ النُّسَخِ : فَاسْتَقْرَيْتُهُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ ، وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى التَّسْهِيلِ ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْهَمْزَةَ . قَوْلُهُ : ( فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيَّ ) أَيْ : قَرَأَهَا عَلَيَّ وَأَفْهَمَنِي إِيَّاهَا ، وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، وَفِيهِ : فَقُلْتُ لَهُ : أَقْرِئْنِي ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ الْقِرَاءَةَ ، وَإِنَّمَا أُرِيدُ الْإِطْعَامَ وَكَأَنَّهُ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ ، فَلَمْ يَفْطِنْ عُمَرُ لِمُرَادِهِ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الْجَهْدِ ) أَيِ : الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَوَّلًا وَهُوَ شِدَّةُ الْجُوعِ ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْحِلْيَةِ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ هُوَ الْقَدَحُ الْكَبِيرِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي ) أَيِ : اسْتَقَامَ مِنِ امْتِلَائِهِ مِنَ اللَّبَنِ . قَوْلُهُ : ( كَالْقِدْحِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، هُوَ السَّهْمُ الَّذِي لَا رِيشَ لَهُ ، وَسَيَأْتِي لِأَبِي هُرَيْرَةَ قِصَّةٌ فِي شُرْبِ اللَّبَنِ مُطَوَّلَةٌ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَفِيهَا أَنَّهُ قَالَ : اشْرَبْ ، فَقَالَ : لَا أَجِدُ لَهُ مَسَاغًا وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ الشِّبَعِ ، وَلَوْ حُمِلَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْمَسَاغِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى الشِّبَعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . تَنْبِيهٌ : ذَكَرَ لِي مُحَدِّثُ الدِّيَارِ الْحَلَبِيَّةِ بُرْهَانُ الدِّينِ أَنَّ شَيْخَنَا سِرَاجَ الدِّينِ الْبُلْقِينِيَّ قَالَ : لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَطْعِمَةِ الْمُتَرْجَمِ عَلَيْهَا الْمَتْلُوِّ فِيهَا الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ ، قُلْتُ : وَهُوَ ظَاهِرٌ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ ذِكْرِ أَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهَا ذَلِكَ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَحْوَالِهَا وَصِفَاتِهَا ، فَالْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِهَا النَّاشِئَةِ عَنْهَا الشِّبَعَ وَالْجُوعَ ، وَمِنْ جُمْلَةِ صِفَاتِهَا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ ، وَالْمُسْتَلَذُّ وَالْمُسْتَخْبَثُ ، وَمِمَّا يَنْشَأُ عَنْهَا الْإِطْعَامُ وَتَرْكُهُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ . وَأَمَّا الْآيَاتُ ؛ فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتِ الْإِذْنَ فِي تَنَاوُلِ الطَّيِّبَاتِ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْأَحَادِيثِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الْحَلَالِ ، وَلَا الْمُسْتَلَذِّ ، وَلَا بِحَالَةِ الشِّبَعِ وَلَا بِسَدِّ الرَّمَقِ ، بَلْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْوِجْدَانِ وَبِحَسَبِ الْحَاجَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( تَوَلَّى ذَلِكَ ) أَيْ : بَاشَرَهُ مِنْ إِشْبَاعِي وَدَفْعِ الْجُوعِ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي رِوَايَةِ : تَوَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ ، قَالَ وَ مَنْ عَلَى هَذَا مَفْعُولٌ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَاعِلٌ انْتَهَى . وَيَكُونُ تَوَلَّى عَلَى الثَّانِي بِمَعْنَى وَلَّى . قَوْلُهُ : ( وَلَأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَرَأَهَا عَلَيْهِ تَوَقَّفَ فِيهَا أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى سَاغَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَا قَالَ ، وَلِذَلِكَ أَقَرَّهُ عُمَرُ عَلَى قَوْلِهِ . قَوْلُهُ : ( أَدْخَلْتُكَ ) أَيِ : الدَّارَ وَأَطْعَمْتُكَ . قَوْلُهُ : ( حُمْرُ النَّعَمِ ) أَيِ : الْإِبِلِ ، وَلِلْحُمْرِ مِنْهَا فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ الْبَحْثُ فِي تَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ وَالْمُرَادِ بِهِ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : كُنْتُ أَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ ، وَهِيَ مَعِي ، كَيْ يَنْقَلِبَ مَعِي فَيُطْعِمَنِي ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِذَا اسْتَقْرَأَ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ الْقُرْآنَ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَيُطْعِمَهُ مَا تَيَسَّرَ ، وَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ شُغْلٌ عَاقَهُ عَنْ ذَلِكَ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُهُ حِينَئِذٍ ، انْتَهَى . وَيُبْعِدُ الْأَخِيرُ تَأَسُّفَ عُمَرَ عَلَى فَوْتِ ذَلِكَ . وَذَكَرَ لِي مُحَدِّثُ الدِّيَارِ الْحَلَبِيَّةِ أَنَّ شَيْخَنَا سِرَاجَ الدِّينِ الْبُلْقِينِيَّ اسْتَبْعَدَ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لِعُمَرَ : لَأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ يَا عُمَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَهَابَةُ عُمَرَ ، وَالثَّانِي عَدَمُ اطِّلَاعِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَؤُهَا مِثْلَهُ . قُلْتُ : عَجِبْتُ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ ؛ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الطَّعْنَ عَلَى بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِالْغَلَطِ مَعَ وُضُوحِ تَوْجِيهِهِ ، أَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّ أَبَا هُـرَيْرَةَ خَاطَبَ عُمَرَ بِذَلِكَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي حَالَةٍ كَانَ عُمَرُ فِيهَا فِي صُورَةِ الْخَجْلَانِ مِنْهُ فَجَسَرَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الثَّاني فَيَعْكِسُ وَيُقَالُ : وَمَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِيَقُولَ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ اطِّلَاعِهِ ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهَا مِنْ لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ ، وَمَا سَمِعَهَا عُمَرُ - مَثَلًا - إِلَّا بِوَاسِطَةٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَقَوْلِهِ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ · ص 429 عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 27 وعن أبي حازم ، عن أبي هريرة : أصابني جهد شديد فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية من كتاب الله ، فدخل داره وفتحها علي ، فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجهد والجوع ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على رأسي ، فقال يا أبا هريرة ، فقلت : لبيك رسول الله وسعديك ، فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي ، فانطلق بي إلى رحله فأمر لي بعس من لبن فشربت منه ، ثم قال : عد فاشرب يا أبا هر ، فعدت فشربت ، ثم قال : عد ، فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح ، قال : فلقيت عمر وذكرت له الذي كان من أمري ، وقلت له : تولى الله تعالى ذلك من كان أحق به منك يا عمر ، والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك ، قال عمر : والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي مثل حمر النعم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : فأمر لي بعس من لبن فشربت منه ، قوله : وعن أبي حازم موصول بالإسناد المتقدم ، وقد أخرجه أبو يعلى عن عبد الله بن عمر بن أبان ، عن محمد بن فضيل بسند البخاري فيه ، قوله : جهد الجهد بالضم : الطاقة ، وبالفتح : الغاية والمشقة ، والمراد به هنا الجوع الشديد ، قوله : فاستقرأته ، أي : سألته أن يقرأ علي آية من القرآن معينة على طريق الاستفادة ، وفي كثير من النسخ : فاستقريته ، بغير همز ، وهو جائز ؛ لأنه تسهيل . قوله : وفتحها علي ، أي : أقرأنيها ، وفي الحلية لأبي نعيم في ترجمة أبي هريرة من وجه آخر عنه أن الآية المذكورة من آل عمران وفيه : أقرأني وأنا لا أريد القراءة ، إنما أريد الإطعام ، فلم يفطن عمر مراده . قوله : فخررت لوجهي ويروى : على وجهي ، أي : سقطت ، من خر يخر بالضم والكسر إذا سقط من علو ، وفي الحلية : وكان يومئذ صائما . قوله : فإذا كلمة مفاجأة ، قوله : إلى رحله ، أي إلى مسكنه ، قوله : بعس بضم العين وتشديد السين المهملة ، وهو القدح العظيم . قوله : حتى استوى بطني ، أي : حتى استقام لامتلائه من اللبن ، قوله : كالقدح بكسر القاف وسكون الدال المهملة ، وهو السهم الذي لا ريش له ، قوله : تولى الله تعالى من التولية والفاعل هو الله ، ومن مفعول ، ويروى : تولى ذلك ، أي : باشره ، من إشباعي ودفع الجوع عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : ولانا اللام فيه للتأكيد ، وهو مبتدأ ، أو قوله : وأقرأ لها خبره ، أي : للآية التي فتحها عليه عمر وأقرأ أفعل التفضيل ، قال بعضهم : فيه إشعار بأن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما قرأها عليه توقف فيها ، أو في شيء منها حتى ساغ لأبي هريرة ما قال ، ولذلك أقره عمر عليه . قلت : ليس كذلك ، وإنما قال ذلك عتبا على عمر حيث لم يفطن حاله ، ولم يكن قصده الاستقراء ، بل كان قصده أن يطعمه شيئا ، ويوضح هذا ما روي عن أبي هريرة أنه قال : والله ما استقرأته الآية وأنا أقرأ بها منه إلا طمعا في أن يذهب بي ويطعمني . وأما قوله : ولذلك أقره عمر عليه ، فإنما معناه أنه من استحيائه منه حيث لم يطعمه سكت عنه ، ولم ينكر عليه ، وفي الذي قاله هذا القائل نوع نقص في حق عمر على ما لا يخفى ، قوله : لأن أكون اللام فيه مفتوحة للتأكيد ، قوله : أدخلتك أحب إلي من حمر النعم أراد به أن ضيافتك كانت عندي أحب إلي من حمر النعم ، أي : النعم ، أي : الحمر الإبل ، وهو أشرف أموال العرب ، ولفظ أحب أفعل التفضيل بمعنى المفعول ، وهذا حث من عمر وحرص على فعل الخير والمواساة . وفي الحديث التعريض بالمسألة والاستحياء ، وفيه ذكر الرجل ما كان أصابه من الجهد ، وفيه إباحة الشبع عند الجوع ، وفيه ما كان السلف عليه من الصبر على القلة وشظف العيش والرضا باليسير من الدنيا ، وفيه ستر الرجل حيلة أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذلك ، وفيه أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحب القرآن يحمله إلى بيته ويطعمه ما تيسر عنده والله أعلم .