7 - بَاب لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ - إِلَى قَوْلِهِ : - لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَالنِّهْدُ وَالاِجْتِمَاعُ عَلَى الطَّعَامِ 5384 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : سَمِعْتُ بُشَيْرَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ - قَالَ يَحْيَى : وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ ، فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ ، فَلُكْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا ، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَالَ سُفْيَانُ : سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدًا وَبَدْءًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ إِلَى هُنَا لِلْأَكْثَرِ ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الصِّنْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : الْآيَةَ وَأَرَادَ بَقِيَّةَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ ، لَا الَّتِي فِي سُورَةِ الْفَتْحِ ؛ لِأَنَّهَا الْمُنَاسِبَةُ لِأَبْوَابِ الْأَطْعِمَةِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ إِلَى قَوْلِهِ : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَكَذَا لِبَعْضِ رُوَاةِ الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ : ( وَالنِّهْدُ وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى الطَّعَامِ ) ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ ، وَالنِّهْدُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي أَوَّلِ الشَّرِكَةِ حَيْثُ قَالَ : بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنِّهْدِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَانُ حُكْمِهِ ، وَذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ وَفِيهِ : دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِسَوِيقٍ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ هُوَ ظَاهِرًا فِي الْمُرَادِ مِنَ النِّهْدِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا جِيءَ بِالسَّوِيقِ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَكِنَّ مُنَاسَبَتَهُ لِأَصْلِ التَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ فِي اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى لَوْكِ السَّوِيقِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ أَعْمَى وَبَصِيرٍ وَبَيْنَ صَحِيحٍ وَمَرِيضٍ ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ : مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِحَدِيثِ سُوَيْدٍ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا لِلْأَكْلِ عُزِلَ الْأَعْمَى عَلَى حِدَةٍ ، وَالْأَعْرَجُ عَلَى حِدَةٍ ، وَالْمَرِيضُ عَلَى حِدَةٍ ؛ لِتَقْصِيرِهِمْ عَنْ أَكْلِ الْأَصِحَّاءِ ، فَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَتَفَضَّلُوا عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ : كَانَ الْأَعْمَى يَتَحَرَّجُ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامَ غَيْرِهِ لِجَعْلِهِ يَدَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَالْأَعْرَجُ كَذَلِكَ لِاتِّسَاعِهِ فِي مَوْضِعِ الْأَكْلِ ، وَالْمَرِيضُ لِرَائِحَتِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَأَبَاحَ لَهُمُ الْأَكْلَ مَعَ غَيْرِهِمْ . وَفِي حَدِيثِ سُوَيْدٍ مَعْنَى الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِيمَا حَضَرَ مِنَ الزَّادِ سَوَاءً ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُمْ بِالسَّوَاءِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ سَوَّغَ لَهُمُ الشَّارِعُ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، فَكَانَ مُبَاحًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ا هـ كَلَامُهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَثَرٌ آخَرُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : كَانَ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِالْأَعْمَى أَوِ الْأَعْرَجِ أَوِ الْمَرِيضِ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ قَرِيبِهِ ، فَكَانَ الزَّمْنَى يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ : إِنَّمَا يَذْهَبُونَ بِنَا إِلَى بُيُوتِ غَيْرِهِمْ ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ رُخْصَةً لَهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مَوْضِعُ الْمُطَابَقَةِ مِنَ التَّرْجَمَةِ وَسَطُ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا وَهِيَ أَصْلٌ فِي جَوَازِ أَكْلِ الْمُخَارَجَةِ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ النِّهْدَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ · ص 439 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ليس على الأعمى حرج إلى قوله لعلكم تعقلون · ص 33 ( باب ليس على الأعمى حرج إلى قوله : لعلكم تعقلون ) . أي هذا باب في قوله عز وجل : لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ إلى قوله : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ كذا وقع لبعض رواة الصحيح ، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي قوله إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أشار به إلى تمام الآية التي في سورة النور ، وهي آية طويلة لا الآية التي في سورة الفتح ؛ لأن المناسب لأبواب الأطعمة هي الآية التي في سورة النور ، وفي رواية أبي ذر لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ... الآية . ووقع في كتاب صاحب التوضيح : باب ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ... إلى قوله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً الآية . ( والنهد والاجتماع على الطعام ) لم تثبت هذه الترجمة إلا في رواية النسفي وحده ، والنهد بكسر النون وسكون الهاء وبالدال المهملة من المناهدة ، وهي إخراج كل واحد من الرفقة نفقة على قدر نفقة صاحبه ، وتقدم تفسيره أيضا في أول الشركة في باب الشركة والطعام والنهد . قوله : " على الطعام " ، وفي بعض النسخ : في الطعام ، وقد جاء كلمة في بمعنى على ، كما في قوله تعالى : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ، أي : عليها . 11 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان قال يحيى بن سعيد : سمعت بشير بن يسار يقول : حدثنا سويد بن النعمان قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر ، فلما كنا بالصهباء قال يحيى وهي من خيبر على روحة دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعام ، فما أتي إلا بسويق فلكناه فأكلنا منه ، ثم دعا بماء فمضمض ومضمضنا ، فصلى بنا المغرب ولم يتوضأ ، قال سفيان : سمعته منه عودا وبدءا . مطابقته للترجمة تؤخذ من وسط الآية المذكورة ، وهو قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ، وهو أصل في جواز المخارجة ، ولهذا ذكر في الترجمة النهد ، وقال بعضهم في الحديث : لم يؤت إلا بسويق ، وليس هو ظاهر المراد من النهد ؛ لاحتمال أن يكون ما جيء في السويق إلا من جهة واحدة . قلت : هذا الاحتمال بعيد لا يترتب عليه شيء ، بل الظاهر أن من كان عنده شيء من السويق أحضره ؛ لأن قوله : " دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعام " لم يكن من شخص معين ، بل كان عاما ، والحال يدل على أن كل من كان عنده شيء من ذلك أحضره . وقال المهلب : مناسبة الآية لحديث سويد ما ذكره أهل التفسير من أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل عزل الأعمى على حدة ، والأعرج على حدة ، والمريض على حدة ، لتقصيرهم عن أكل الأصحاء ، فكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم ، وهذا قول الكلبي . وقال عطاء بن يزيد : كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعل يده في غير موضعها ، والأعرج كذلك لاتساعه في موضع الأكل ، والمريض لرائحته ، فنزلت هذه الآية فأباح الله لهم الأكل مع غيرهم ، وفي حديث سويد معنى الآية لأنهم جعلوا أيديهم فيما حضر من الزاد سواء ، ألا يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أملقوا في السفر جعل أيديهم جميعا فيما بقي من الأزواد سواء ، ولا يمكن أن يكون أكلهم سواء أصلا لاختلاف أحوالهم في الأكل ، وقد سوغهم ذلك من الزيادة والنقصان ، فصار ذلك سنة في الجماعات التي تدعى إلى طعام في النهد والولائم والإملاق في السفر وما ملكت مفاتيحه بأمانة أو قرابة أو صداقة ، فلك أن تأكل مع الغريب أو الصديق أو وحدك . والحديث المذكور قد ذكره في كتاب الوضوء في باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ ، وأخرجه عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن سويد بن النعمان إلى آخره ، وأخرجه أيضا في أول باب غزوة خيبر ، عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ... إلخ ، وهنا أخرجه عن علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن يسار ضد اليمين ، عن سويد بضم السين المهملة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف ابن النعمان الأنصاري المدني . قوله : " قال يحيى " هو ابن سعيد الأنصاري الراوي ، قوله : " على روحة " هي ضد الغدوة ، قوله : " فلكناه " بضم اللام من اللوك يقال : لكته في فمي إذا علكته ، قوله : " قال سفيان " هو ابن عيينة الراوي ، قوله : " عودا وبدءا " ، أي : عائدا ومبتدئا ، أي أولا وآخرا .