باب ليس على الأعمى حرج إلى قوله لعلكم تعقلون
( باب ليس على الأعمى حرج إلى قوله : لعلكم تعقلون ) . أي هذا باب في قوله عز وجل : لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ إلى قوله : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ كذا وقع لبعض رواة الصحيح ، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي قوله إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أشار به إلى تمام الآية التي في سورة النور ، وهي آية طويلة لا الآية التي في سورة الفتح ؛ لأن المناسب لأبواب الأطعمة هي الآية التي في سورة النور ، وفي رواية أبي ذر لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ .. . الآية .
ووقع في كتاب صاحب التوضيح : باب ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج .. . إلى قوله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً الآية . ( والنهد والاجتماع على الطعام ) لم تثبت هذه الترجمة إلا في رواية النسفي وحده ، والنهد بكسر النون وسكون الهاء وبالدال المهملة من المناهدة ، وهي إخراج ج٢١ / ص٣٤كل واحد من الرفقة نفقة على قدر نفقة صاحبه ، وتقدم تفسيره أيضا في أول الشركة في باب الشركة والطعام والنهد .
قوله : " على الطعام " ، وفي بعض النسخ : في الطعام ، وقد جاء كلمة في بمعنى على ، كما في قوله تعالى : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ، أي : عليها . 11 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان قال يحيى بن سعيد : سمعت بشير بن يسار يقول : حدثنا سويد بن النعمان قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر ، فلما كنا بالصهباء قال يحيى وهي من خيبر على روحة دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعام ، فما أتي إلا بسويق فلكناه فأكلنا منه ، ثم دعا بماء فمضمض ومضمضنا ، فصلى بنا المغرب ولم يتوضأ ، قال سفيان : سمعته منه عودا وبدءا . مطابقته للترجمة تؤخذ من وسط الآية المذكورة ، وهو قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ، وهو أصل في جواز المخارجة ، ولهذا ذكر في الترجمة النهد ، وقال بعضهم في الحديث : لم يؤت إلا بسويق ، وليس هو ظاهر المراد من النهد ؛ لاحتمال أن يكون ما جيء في السويق إلا من جهة واحدة .
قلت : هذا الاحتمال بعيد لا يترتب عليه شيء ، بل الظاهر أن من كان عنده شيء من السويق أحضره ؛ لأن قوله : " دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعام " لم يكن من شخص معين ، بل كان عاما ، والحال يدل على أن كل من كان عنده شيء من ذلك أحضره . وقال المهلب : مناسبة الآية لحديث سويد ما ذكره أهل التفسير من أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل عزل الأعمى على حدة ، والأعرج على حدة ، والمريض على حدة ، لتقصيرهم عن أكل الأصحاء ، فكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم ، وهذا قول الكلبي . وقال عطاء بن يزيد : كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعل يده في غير موضعها ، والأعرج كذلك لاتساعه في موضع الأكل ، والمريض لرائحته ، فنزلت هذه الآية فأباح الله لهم الأكل مع غيرهم ، وفي حديث سويد معنى الآية لأنهم جعلوا أيديهم فيما حضر من الزاد سواء ، ألا يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أملقوا في السفر جعل أيديهم جميعا فيما بقي من الأزواد سواء ، ولا يمكن أن يكون أكلهم سواء أصلا لاختلاف أحوالهم في الأكل ، وقد سوغهم ذلك من الزيادة والنقصان ، فصار ذلك سنة في الجماعات التي تدعى إلى طعام في النهد والولائم والإملاق في السفر وما ملكت مفاتيحه بأمانة أو قرابة أو صداقة ، فلك أن تأكل مع الغريب أو الصديق أو وحدك .
والحديث المذكور قد ذكره في كتاب الوضوء في باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ ، وأخرجه عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن سويد بن النعمان إلى آخره ، وأخرجه أيضا في أول باب غزوة خيبر ، عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار .. . إلخ ، وهنا أخرجه عن علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن يسار ضد اليمين ، عن سويد بضم السين المهملة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف ابن النعمان الأنصاري المدني . قوله : " قال يحيى " هو ابن سعيد الأنصاري الراوي ، قوله : " على روحة " هي ضد الغدوة ، قوله : " فلكناه " بضم اللام من اللوك يقال : لكته في فمي إذا علكته ، قوله : " قال سفيان " هو ابن عيينة الراوي ، قوله : " عودا وبدءا " ، أي : عائدا ومبتدئا ، أي أولا وآخرا .