8 - بَاب الْخُبْزِ الْمُرَقَّقِ ، وَالْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ 5385 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ ، وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ ، فَقَالَ : مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مُرَقَّقًا ، وَلَا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْخُبْزِ الْمُرَقَّقِ وَالْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ ) أَمَّا الْخُبْزُ الْمُرَقَّقُ فَقَالَ عِيَاضٌ : قَوْلُهُ : مُرَقَّقًا أَيْ : مُلَيَّنًا مُحَسَّنًا ، كَخُبْزِ الْحَوَارِيِّ وَشَبَهِهِ ، وَالتَّرْقِيقُ : التَّلْيِينُ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَنَاخِلُ . وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَقَّقُ الرَّقِيقَ الْمُوَسَّعَ ، اهـ . وَهَذَا هُـوَ الْمُتَعَارَفُ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ قَالَ : الرِّقَاقُ : الرَّقِيقُ ، مِثْلُ طِوَالٍ وَطَوِيلٍ ، وَهُوَ الرَّغِيفُ الْوَاسِعُ الرَّقِيقُ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ : هُوَ السَّمِيدُ وَمَا يُصْنَعُ مِنْهُ مِنْ كَعْكٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هُوَ الْخَفِيفُ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّقَاقِ وَهِيَ الْخَشَبَةُ الَّتِي يُرَقَّقُ بِهَا . وَأَمَّا الْخِوَانُ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ كَسْرُ الْمُعْجَمَةِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ : إِخْوَانٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ ، وَسُئِلَ ثَعْلَبٌ : هَلْ يُسَمَّى الْخِوَانُ ؛ لِأَنَّهُ يُتَخَوَّنُ مَا عَلَيْهِ ؟ أَيْ : يُنْتَقَصُ ، فَقَالَ : مَا يَبْعُدُ . قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَخْوِنَةٍ فِي الْقِلَّةِ ، وَخُونٍ مَضْمُومِ الْأَوَّلِ فِي الْكَثْرَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْخِوَانُ : الْمَائِدَةُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا طَعَامٌ ، وَأَمَّا السُّفْرَةُ فَاشْتُهِرَتْ لِمَا يُوضَعُ عَلَيْهَا الطَّعَامُ ، وَأَصْلُهَا الطَّعَامُ نَفْسُهُ . قَوْلُهُ ( : كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ : كُنَّا نَأْتِي أَنَسًا وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ : وَخِوَانُهُ مَوْضُوعٌ ، فَيَقُولُ : كُلُوا ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ : كَانَ لِأَنَسٍ غُلَامٌ يَعْمَلُ لَهُ النَّقَانِقُ ، يَطْبُخُ لَهُ لَوْنَيْنِ طَعَامًا ، وَيَخْبِزُ لَهُ الْحُوَّارَى وَيَعْجِنُهُ بِالسَّمْنِ اهـ . وَالْحُوَّارَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ : الْخَالِصُ الَّذِي يُنْخَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ . قَوْلُهُ : ( مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلَا شَاةً مَسْمُوطَةً ) الْمَسْمُوطُ : الَّذِي أُزِيلَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ وَشُوِيَ بِجِلْدِهِ أَوْ يُطْبَخُ ، وَإِنَّمَا يُصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ السِّنِّ الطَّرِيِّ ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُتْرَفِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْمُبَادَرَةُ إِلَى ذَبْحِ مَا لَوْ بَقِيَ لَازْدَادَ ثَمَنُهُ . وَثَانِيهِمَا : أَنَّ الْمَسْلُوخَ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ فِي اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ وَالسَّمْطُ يُفْسِدُهُ . وَقَدْ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ الْمَسْمُوطَ الْمَشْوِيُّ ، فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ : يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ : أَنَّهَا قَرَّبَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ بِأَنْ يُقَالَ : مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُتَّفَقْ أَنْ تُسُمِّطَ لَهُ شَاةٌ بِكَمَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدِ احْتَزَّ مِنَ الْكَتِفِ مَرَّةً وَمِنَ الْجَنْبِ أُخْرَى ، وَذَلِكَ لَحْمٌ مَسْمُوطٌ . أَوْ يُقَالُ : إِنَّ أَنَسًا قَالَ : لَا أَعْلَمُ وَلَمْ يُقْطَعْ بِهِ ، وَمَنْ عَلِمَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَزِّ الْكَتِفِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ كَانَتْ مَسْمُوطَةً ، بَلْ إِنَّمَا حَزُّهَا لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ عَادَتُهَا غَالِبًا أَنَّهَا لَا تُنْضِجُ اللَّحْمَ فَاحْتِيجَ إِلَى الْحَزِّ ، قَالَ : وَلَعَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ لَمَّا رَأَى الْبُخَارِيَّ تَرْجَمَ بَعْدَ هَذَا بَابُ شَاةٍ مَسْمُوطَةٍ ، وَالْكَتِفِ وَالْجَنْبِ ظَنَّ أَنَّ مَقْصُودَهُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ أَكَلَ السَّمِيطَ . قُلْتُ : وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مِنْ كَوْنِهَا مَشْوِيَّةً وَاحْتَزَّ مِنْ كَتِفِهَا أَوْ جَنْبِهَا أَنْ تَكُونَ مَسْمُوطَةً ؛ فَإِنَّ شَيَّ الْمَسْلُوخِ أَكْثَرُ مِنْ شَيِّ الْمَسْمُوطِ ، لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَكَلَ الْكُرَاعَ وَهُوَ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا مَسْمُوطًا . وَهَذَا لَا يَرُدُّ عَلَى أَنَسٍ فِي نَفْيِ رِوَايَةِ الشَّاةِ الْمَسْمُوطَةِ ، وَقَدْ وَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْيِ أَكْلِ الرُّقَاقِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ : زَارَ قَوْمَهُ فَأَتَوْهُ بِرُقَاقٍ فَبَكَى ، وَقَالَ : مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا بِعَيْنِهِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُ أَنَسٍ : مَا أَعْلَمُ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ نَفَى الْعِلْمَ وَأَرَادَ نَفْيَ الْمَعْلُومِ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ لَازِمِهِ ، وَإِنَّمَا صَحَّ هَذَا مِنْ أَنَسٍ لِطُولِ لُزُومِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمِ مُفَارَقَتِهِ لَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْخُبْزِ الْمُرَقَّقِ وَالْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ · ص 440 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة · ص 34 ( باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة ) أي هذا باب في بيان الخبز المرقق ، وهو على صيغة المجهول من رقق على وزن فعل بالتشديد ، يقال : رقق الصانع الخبز ، أي : لينه وجعله رقيقا ، وهو الرقاق أيضا بالضم ، وقال الجوهري : الرقاق بالضم الخبز الرقيق ، وقال عياض : قوله " مرققا " أي : ملينا محسنا كخبز الحواري وشبهه ، وقال ابن التين : المرقق الخبز السميد وما يصنع منه من كعك وغيره ، وقال ابن الجوزي : المرقق هو الخفيف كأنه مأخوذ من الرقاق وهي الخشبة التي يرقق بها . قوله : " على الخوان " بكسر الخاء المعجمة ، وهو المشهور وجاء ضمها ، وفيه لغة ثالثة : إخوان بكسر الهمزة وسكون الخاء ، وهو معرب ، قال الجواليقي : تكلمت به العرب قديما ، وقال ابن فارس : إنه اسم أعجمي ، وعن ثعلب : سمي بذلك ؛ لأنه يتخون ما عليه ، أي : ينتقص ، وقال عياض : إنه المائدة ما لم يكن عليه طعام ، ويجمع على أخونة في القلة ، وخوون بضم أوله في الكثرة ، والأكل على الخوان من دأب المترفين وصنع الجبابرة . قلت : ليس فيما ذكر كله بيان هيئة الخوان ، وهو طبق كبير من نحاس تحته كرسي من نحاس ملزوق به ، طوله قدر ذراع يرص فيه الزبادي ، ويوضع بين يدي كبير من المترفين ، ولا يحمله إلا اثنان فما فوقهما ، قوله : " والسفرة " وهي الطعام يتخذه المسافر ، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير حوله حلق من حديد يضم به ويعلق ، فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به ، كما سميت المزادة راوية . 12 - حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا همام ، عن قتادة قال : كنا عند أنس وعنده خباز له ، فقال : ما أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - خبزا مرققا ولا شاة مسموطة حتى لقي الله . مطابقته للترجمة ظاهرة . ومحمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى أبي بكر العوفي الباهلي الأعمى ، وهمام بتشديد الميم الأولى هو ابن يحيى بن دينار الشيباني البصري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الرقاق ، وأخرجه ابن ماجه في الأطعمة ، عن إسحاق بن منصور وغيره . قوله : " ولا شاة مسموطة " قال ابن الأثير : الشاة السميط ، أي : المشوية فعيل بمعنى مفعول ، قال ابن الجوزي : وهو أكل المترفين ، وإنما كانوا يأخذون الجلد لينتفعوا به ، ويقال : المسموط الذي أزيل شعره بالماء المسخن ويشوى بجلده ، أو يطبخ ، وإنما يفعل ذلك في الصغير السن الطري ، وذلك من فعل المترفين من وجهين : أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه ، وثانيهما أن المسلوخ ينتفع بجلده في اللبس وغيره ، وعبارة ابن بطال المسموط المشوية بجلدها . وقال صاحب العين : سمطت الجمل أسمطه سمطا ، تنقيه من الصوف بعد إدخاله في الماء الحار ، وقال صاحب الأفعال : سمط الجدي وغيره ، علقه من السموط وهي معاليق من السرج ، وقال الداودي : المسموط التي يغلى لها الماء فتدخل فيه بعد أن تذبح ويزال بطنها فيزول عنها الشعر ، أو الصوف ، ثم تشوى . وقال ابن بطال : أكل المرقق جائز مباح ، ولم يتركه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا زهدا في الدنيا وتركا للتنعم وإيثارا لما عند الله وغير ذلك ، وكذلك الأكل على الخوان ، وليس نفي أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل على خوان ، ولا أنه أكل شاة سميطا يرد قول من روى أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أكل على خوان وأنه أكل شواء ، وإنما أخبر كل بما علم ، ومن علم حجة على من لم يعلم ؛ لأنه زاد عليه فوجب قبولها ، وكذلك قال أنس : ما أعلم أو ما رأيت أنه أكل شاة مسموطة . ولم يقطع على أنه لم يأكل ، وجرى ابن بطال فيما قاله على أن المسموط هو المشوي عنده ، فإن قلت : إذا كان المسموط هو المشوي عنده فيعارضه حديث أم سلمة الذي أخرجه الترمذي أنها قربت للنبي - صلى الله عليه وسلم - جنبا مشويا فأكل منه . قلت : الجواب ما ذكرناه من أن من علم حجة على من لم يعلم إلى آخره .