5569 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا العَامَ الْمَاضِي ؟ قَالَ : كُلُوا ، وَأَطْعِمُوا ، وَادَّخِرُوا . فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا . الثَّالِثُ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَهُوَ مِنْ ثُلَاثِيَّاتِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي ) ؟ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْإِذْنَ كَانَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ قَوْلِهِمْ هَلْ نَفْعَلُ كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ ؟ مَعَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الِاسْتِمْرَارَ ، لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ ، فَلَمَّا احْتَمَلَ عِنْدَهُمْ عُمُومَ النَّهْيِ أَوْ خُصُوصَهُ مِنْ أَجْلِ السَّبَبِ سَأَلُوا ، فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِذَلِكَ الْعَامِّ مِنْ أَجْلِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ ، وَقَوْلُهُ : كُلُوا وَأَطْعِمُوا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأَكْلِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ فَيَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ إِذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ ضَعُفَتْ دَلَالَةُ الْعُمُومِ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى أَصَالَتِهِ ، لَكِنْ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى السَّبَبِ . قَوْلُهُ : ( وَادَّخِرُوا ) بِالْمُهْمَلَةِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ ذَخَرَ بِالْمُعْجَمَةِ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَاءُ الِافْتِعَالِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ وَيُؤْخَذُ مِنَ الْإِذْنِ فِي الِادِّخَارِ الْجَوَازُ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الِادِّخَارِ : كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : كَانَ لَا يَدَّخِرُ لِغَدٍ ، وَالْأَوَّلُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالثَّانِي فِي مُسْلِمٍ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ وَيَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَيَتْرُكُهُ عِنْدَ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَيَفْعَلُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ . قَوْلُهُ ( كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ ) بِالْفَتْحِ أَيْ مَشَقَّةٌ مِنْ جَهْدِ قَحْطِ السَّنَةِ . قَوْلُهُ : ( فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا ) كَذَا هُنَا مِنَ الْإِعَانَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : فَأَرَدْتُ أَنْ تَفْشُوَا فِيهِمْ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ أَبِي يَعْلَى ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ : فَأَرَدْتُ أَنْ تَقْسِمُوا فِيهِمْ ، كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا قَالَ عِيَاضٌ : الضَّمِيرُ فِي تُعِينُوا فِيهَا لِلْمَشَقَّةِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْجَهْدِ أَوْ مِنَ الشِّدَّةِ أَوْ مِنَ السَّنَةِ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْجَهْدِ ، وَفِي تَفْشُوَا فِيهِمْ أَيْ فِي النَّاسِ الْمُحْتَاجِينَ إِلَيْهَا ، قَالَ فِي الْمَشَارِقِ : وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَوْجَهُ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ أَشْبَهُ . قُلْتُ : قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ وَمَدَارُهُ عَلَى أَبِي عَاصِمٍ ، وَأَنَّهُ تَارَةً قَالَ هَذَا وَتَارَةً قَالَ هَذَا ، وَالْمَعْنَى فِي كُلٍّ صَحِيحٌ فَلَا وَجْهَ لِلتَّرْجِيحِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْهَا · ص 28 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها · ص 159 25 - حدثنا أبو عاصم ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء ، فلما كان العام المقبل ، قالوا : يا رسول الله ، نفعل كما فعلنا العام الماضي ، قال : كلوا وأطعموا وادخروا ، فإن ذلك العام كان بالناس جهد ، فأردت أن تعينوا فيها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو عاصم الضحاك الملقب بالنبيل بفتح النون وكسر الباء الموحدة ، ويزيد من الزيادة ابن أبي عبيد . وهذا هو الثامن عشر من ثلاثيات البخاري . قوله ( فلا يصبحن ) من الإصباح . قوله ( بعد ثالثة ) أي : ليلة ثالثة من وقت التضحية . قوله ( وفي بيته ) الواو فيه للحال . قوله ( وادخروا ) بالدال المهملة المشددة ؛ لأن أصله اذتخروا من ذخر بالذال المعجمة ، اجتمع مع تاء الافتعال ، وقلبت التاء دالا فصار اذدخروا ، ثم قلبت الذال دالا ، وأدغمت الدال في الذال ، فصار ادخروا . قوله ( جهد ) أي مشقة ، يقال : جهد عيشهم ، أي : نكد واشتد وبلغ غاية المشقة ، ففي الحديث دلالة على أن تحريم ادخار لحم الأضاحي كان لعلة ، فلما زالت العلة زال التحريم ، قال الكرماني : فإن قلت : فهل يجب الأكل من لحمها لظاهر الأمر ، وهو قوله : كلوا ؟ قلت : ظاهره حقيقة في الوجوب إذا لم تكن قرينة صارفة عنه ، وكان ثمة قرينة على أنه لرفع الحرمة ، أي للإباحة ، ثم إن الأصوليين اختلفوا في الأمر الوارد بعد الحظر أهو للوجوب أم للإباحة ، ولئن سلمنا أنه للوجوب حقيقة ، فالإجماع هنا مانع من الحمل عليها . قوله ( فأردت أن تعينوا فيها ) من الإعانة ، وفي رواية مسلم : فأردت أن تفشوا فيهم ، وفي رواية الإسماعيلي : فأردت أن تقسموا فيهم ، كلوا وأطعموا وادخروا . قال عياض : الضمير في تعينوا فيها للمشقة المفهومة من الجهد أو من الشدة أو من السنة ؛ لأنها سبب الجهد ، وفي تفشوا فيهم ، أي : في الناس المحتاجين إليها ، قال في المشارق : ورواية البخاري أوجه ، وقال في شرح مسلم : رواية مسلم أشبه ، وقال بعضهم : قد عرفت أن مخرج الحديث واحد ، ومداره على أبي عاصم ، وأنه قال تارة هذا ، وتارة قال هذا ، والمعنى في الكل صحيح ، فلا وجه للترجيح . قلت : لا وجه لنفي الترجيح ، فكل من له أدنى ذوق يفهم أن رواية مسلم أرجح ، فمن دقق النظر عرف ذلك .