5570 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ فَنَقْدَمُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : لَا تَأْكُلُوا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ نُطْعِمَ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَوْلُهُ : حَدَّثَنِي أَخِي هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ . فَإِسْمَاعِيلُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْوِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ لَهُ هَذَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ، وَذَلِكَ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يُدَلِّسُ . قَوْلُهُ : ( الضَّحِيَّةُ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( نُمَلِّحُ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْهَا أَيْ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَنَقْدَمُ ) بِسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ مِنَ الْقُدُومِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ نَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ أَوْجُهٌ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : لَا تَأْكُلُوا ) أَيْ مِنْهُ ، هَذَا صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ ؟ فَقَالَتْ : لَا . وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا نَفَتْ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لَا مُطْلَقَ النَّهْيِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ نُطْعِمَ مِنْهُ ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الطَّاءِ أَيْ نُطْعِمَ غَيْرَنَا . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى قَوْلِهِ بِالْمَدِينَةِ : كَأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ بِالْمَدِينَةِ إِلَخْ مِنْ كَلَامِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . قُلْتُ : بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْبُخَارِيِّ بِتَمَامِهِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ أَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ ؟ قَالَتْ : مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ ، وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : أَكَانَ يُحَرِّمُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ ؟ قَالَتْ : لَا ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَفَعَلَ لِيُطْعِمَ مَنْ ضَحَّى مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ ، وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ ، فَقَالَ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الدَّفُّ يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الثَّقِيلَةِ السَّيْرَ السَّرِيعَ ، وَالدَّافَّةُ مَنْ يَطْرَأُ مِنَ الْمُحْتَاجِينَ ، وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْيِيدَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَجْزِي مِنَ الْإِطْعَامِ ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ شَيْئًا وَيُطْعِمُ الْبَاقِيَ صَدَقَةً وَهَدِيَّةً . وَعَنِ الشَّافِعِيِّ : يُسْتَحَبُّ قِسْمَتُهَا ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ : كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَأَطْعِمُوا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ النِّصْفَ وَيُطْعِمَ النِّصْفَ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : مَنْ ضَحَّى فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَتِهِ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : الصَّوَابُ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَكْلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ فِيهِ لِلْإِذْنِ . وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ . وَأَمَّا الصَّدَقَةُ مِنْهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمُعْظَمِهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْهَا · ص 28 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها · ص 160 26 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال : حدثني أخي ، عن سليمان ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : الضحية كنا نملح منها ، فنقدم به إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فقال : لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام ، وليست بعزيمة ، ولكن أراد أن يطعم منه ، والله أعلم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله ( وليست بعزيمة .. إلى آخره ) ، وإسماعيل بن عبد الله هو ابن أبي أويس ، وأبو أويس اسمه عبد الله ، وأخوه أبو بكر عبد الحميد ، وسليمان هو ابن بلال ، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري ، والحديث من أفراده . قوله ( الضحية ) بفتح الضاد المعجمة وكسر الحاء . قوله ( منها ) رواه الكشميهني ، أي : من الضحية ، وفي رواية غيره : منه ، أي من لحم الضحية . قوله ( فنقدم ) بفتح النون وسكون القاف من القدوم ، وفي رواية : فنقدم ، بضم النون وفتح القاف وتشديد الدال ، من التقديم ، أي نضع بين يديه ، قيل : هذا أوجه . قوله ( لا تأكلوا ) أي : منه ، هذا صريح في النهي عنه . فإن قلت : وقع في رواية الترمذي من طريق عابس بن ربيعة ، عن عائشة أنها سئلت : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الأضاحي ؟ فقالت : لا . وبين الروايتين منافاة . قلت : لا منافاة ؛ لأنها نفت نهي التحريم لا مطلق النهي ، ويؤيده قوله في هذه الرواية : وليست بعزيمة ، ولكن أراد أن نطعم منه . بضم النون وسكون الطاء ، أي : نطعم منه غيرنا . ومعنى قوله ( ليست بعزيمة ) أي : ليس النهي للتحريم ، ولا ترك الأكل بعد الثلاثة واجبا ، بل كان غرضه أن يصرف منه إلى الناس . واختلفوا في هذا النهي ، فقال قوم : هو منسوخ من باب نسخ السنة بالسنة ، وقال آخرون : كان النهي للكراهة لا للتحريم ، والكراهة باقية إلى اليوم ، وقال آخرون : كان التحريم لعلة ، فلما زالت تلك العلة زال الحكم ، وجاء في رواية مسلم من حديث عبد الله بن واقد قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث إلى أن قالوا : نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ، فقال : إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ، فكلوا وادخروا وتصدقوا . وقال الخطابي : الدف بالدال المهملة وبالفاء الثقيلة السير السريع ، والدافة من يطرأ من المحتاجين ، وقال ابن الأثير : الدافة قوم من الأعراب يريدون المصر ، يريد أنهم قوم قدموا المدينة عيد الأضحى فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي ليفرقوها ويتصدقوا بها فينتفع هؤلاء القادمون بها . فإن قلت : قوله عليه الصلاة والسلام كلوا يدل على إيجاب الأكل منها . قلت : قال الطبري رحمه الله : هو أمر بمعنى الإطلاق والإذن للآكل لا بمعنى الإيجاب ، ولا خلاف بين سلف الأئمة وخلفها في عدم الحرج على المضحي بترك الأكل من أضحيته ولا إثم ، فدل ذلك على أن الأمر بمعنى الإذن والإطلاق ، وقال ابن التين : لم يختلف المذهب أن الأكل غير واجب خلاف ما ذكره القاضي أبو محمد عن بعض الناس أنه واجب ، وقال ابن حزم : فرض على كل مضح أن يأكل من أضحيته ، ولو لقمة فصاعدا .