101 - باب إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي 510 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ . قَالَ أَبُو النَّضْرِ : لَا أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ - أَيِ : الْجُهَنِيَّ الصَّحَابِيَّ - أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ ، أَيِ : ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ أَنَّ الْمُرْسِلَ هُوَ زَيْدٌ ، وَأَنَّ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِ هُوَ أَبُو جُهَيْمٍ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمَا وَخَالَفَهُمَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، فَقَالَ : عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَرْسَلَنِي أَبُو جُهَيْمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَسْأَلُهُ ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَقْلُوبًا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : سُئِلَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَقَالَ : هُوَ خَطَأٌ ، إِنَّمَا هُوَ : أَرْسَلَنِي زَيْدٌ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ . وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ فَقَالَ : لَيْسَ خَطَأُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ بِمُتَعَيِّنٍ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو جُهَيْمٍ بَعَثَ بُسْرًا إِلَى زَيْدٍ ، وَبَعَثَهُ زَيْدٌ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْتَثْبِتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عِنْدَ الْآخَرِ . قُلْتُ : تَعْلِيلُ الْأَئِمَّةِ لِلْأَحَادِيثِ مَبْنِيٌّ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ ، فَإِذَا قَالُوا أَخْطَأَ فُلَانٌ فِي كَذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ خَطَؤُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، بَلْ هُوَ رَاجِحُ الِاحْتِمَالِ فَيُعْتَمَدُ . وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اشْتَرَطُوا انْتِفَاءَ الشَّاذِّ ، وَهُوَ مَا يُخَالِفُ الثِّقَةَ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ فِي حَدِّ الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي ) أَيْ أَمَامَهُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ ، وَعَبَّرَ بِالْيَدَيْنِ لِكَوْنِ أَكْثَرِ الشُّغْلِ يَقَعُ بِهِمَا ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ فَقِيلَ : إِذَا مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِقْدَارِ سُجُودِهِ ، وَقِيلَ : بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، وَقِيلَ : بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدْرِ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ . قَوْلُهُ : ( مَاذَا عَلَيْهِ ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ : مِنَ الْإِثْمِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ غَيْرِهِ ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ بِدُونِهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ بَاقِي السِّتَّةِ وَأَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ بِدُونِهَا ، وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ مُطْلَقًا . لَكِنْ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : يَعْنِي مِنَ الْإِثْمِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذُكِرَتْ فِي أَصْلِ الْبُخَارِيِّ حَاشِيَةٌ ، فَظَنَّهَا الْكُشْمِيهَنِيُّ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا مِنَ الْحُفَّاظِ بَلْ كَانَ رَاوِيَةً . وَقَدْ عَزَاهَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ لِلْبُخَارِيِّ وَأَطْلَقَ ، فَعَيَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِ الْعُمْدَةِ فِي إِيهَامِهِ أَنَّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكِلِ الْوَسِيطِ عَلَى مَنْ أَثْبَتَهَا فِي الْخَبَرِ ، فَقَالَ : لَفْظُ الْإِثْمِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ صَرِيحًا . وَلَمَّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ دُونَهَا قَالَ : وَفِي رِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا فِي الْأَرْبَعِينَ لِعَبْدِ الْقَادِرِ الْهَرَوِيِّ : مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ . قَوْلُهُ : ( لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ ) يَعْنِي : أَنَّ الْمَارَّ لَوْ عَلِمَ مِقْدَارَ الْإِثْمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لَاخْتَارَ أَنْ يَقِفَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ حَتَّى لَا يَلْحَقَهُ ذَلِكَ الْإِثْمُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : جَوَابُ لَوْ لَيْسَ هُوَ الْمَذْكُورَ ، بَلِ التَّقْدِيرُ : لَوْ يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ وَلَوْ وَقَفَ أَرْبَعِينَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ . وَلَيْسَ مَا قَالَهُ مُتَعَيِّنًا ، قَالَ : وَأُبْهِمُ الْمَعْدُودُ تَفْخِيمًا لِلْأَمْرِ وَتَعْظِيمًا . قُلْتُ : ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ عُيِّنَ الْمَعْدُودُ ، وَلَكِنْ شَكَّ الرَّاوِي فِيهِ ، ثُمَّ أَبْدَى الْكِرْمَانِيُّ لِتَخْصِيصِ الْأَرْبَعِينَ بِالذِّكْرِ حِكْمَتَيْنِ ، إِحْدَاهُمَا : كَوْنُ الْأَرْبَعَةِ أَصْلَ جَمِيعِ الْأَعْدَادِ فَلَمَّا أُرِيدُ التَّكْثِيرُ ضُرِبَتْ فِي عَشَرَةٍ . ثَانِيَتُهُمَا : كَوْنُ كَمَالِ أَطْوَارِ الْإِنْسَانِ بِأَرْبَعِينَ كَالنُّطْفَةِ وَالْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ ، وَكَذَا بُلُوغُ الْأَشُدِّ . وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ ا هـ . وَفِي ابْنِ مَاجَهْ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَكَانَ أَنْ يَقِفَ مِائَةَ عَامٍ خَيْرًا لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا . وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَرْبَعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ لَا لِخُصُوصِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ . وَجَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمِائَةِ وَقَعَ بَعْدَ التَّقْيِيدِ بِالْأَرْبَعِينَ زِيَادَةً فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ عَلَى الْمَارِّ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقَعَا مَعًا إِذِ الْمِائَةُ أَكْثَرُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْمَقَامُ مَقَامُ زَجْرٍ وَتَخْوِيفٍ ، فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمِائَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ ، بَلِ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ . وَمُمَيَّزُ الْأَرْبَعِينَ إِنْ كَانَ هُوَ السَّنَةَ ثَبَتَ الْمُدَّعَى ، وَأَمَّا دُونُهَا فَمِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْقَطَّانِ : لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبَدَةَ الضَّبِّيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ الْقَطَّانِ الْجَزْمَ فِي طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَالشَّكَّ فِي طَرِيقِ غَيْرِهِ دَالًّا عَلَى التَّعَدُّدِ ، لَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا ، وَزَادَ فِيهِ أَوْ سَاعَةً فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْجَزْمُ وَالشَّكُّ وَقَعَا مَعًا مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّهُ تَذَكَّرَ فِي الْحَالِ فَجَزَمَ ، وَفِيهِ مَا فِيهِ . قَوْلُهُ : ( خَيْرًا لَهُ ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ ، وَلِبَعْضِهِمْ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ وَهِيَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ ، وَأَعْرَبَهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ ، وَأَشَارَ إِلَى تَسْوِيغِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ لِكَوْنِهَا مَوْصُوفَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : اسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو النَّضْرِ ) هُوَ كَلَامُ مَالِكٍ وَلَيْسَ مِنْ تَعْلِيقِ الْبُخَارِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ . وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا ذَكَرْنَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُرُورِ ، فَإِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ النَّهْيُ الْأَكِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى ذَلِكَ . انْتَهَى . وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يُعَدَّ فِي الْكَبَائِرِ ، وَفِيهِ أَخْذُ الْقَرِينِ عَنْ قَرِينِهِ مَا فَاتَهُ أَوِ اسْتِثْبَاتُهُ فِيمَا سَمِعَ مَعَهُ . وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ زَيْدًا اقْتَصَرَ عَلَى النُّزُولِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعُلُوِّ اكْتِفَاءً بِرَسُولِهِ الْمَذْكُورِ . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ لَوْ فِي بَابِ الْوَعِيدِ ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ ، لِأَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ أَنْ يُشْعِرَ بِمَا يُعَانِدُ الْمَقْدُورَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَدَرِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( تَنْبِيهَاتٌ ) : أَحَدُهَا : اسْتَنْبَطَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ قَوْلِهِ : لَوْ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِثْمَ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَعْلَمُ بِالنَّهْيِ وَارْتَكَبَهُ . انْتَهَى . وَأَخْذُهُ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ بُعْدٌ ، لَكِنْ هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى . ثَانِيهَا : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ يَخْتَصُّ بِمَنْ مَرَّ لَا بِمَنْ وَقَفَ عَامِدًا مَثَلًا بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي أَوْ قَعَدَ أَوْ رَقَدَ ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ التَّشْوِيشُ عَلَى الْمُصَلِّي فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَارِّ . ثَالِثُهَا : ظَاهَرُهُ عُمُومُ النَّهْيِ فِي كُلِّ مُصَلٍّ ، وَخَصَّهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ إِمَامِهِ سُتْرَةٌ لَهُ أَوْ إِمَامَهُ سُتْرَةٌ لَهُ ا هـ . وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى ؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ تُفِيدُ رَفْعَ الْحَرَجِ عَنِ الْمُصَلِّي لَا عَنِ الْمَارِّ ، فَاسْتَوَى الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ فِي ذَلِكَ . رَابِعُهَا : ذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ - أَيِ : الْمَالِكِيَّةِ - قَسَّمَ أَحْوَالَ الْمَارِّ وَالْمُصَلِّي فِي الْإِثْمِ وَعَدَمِهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : يَأْثَمُ الْمَارُّ دُونَ الْمُصَلِّي ، وَعَكْسُهُ ، يَأْثَمَانِ جَمِيعًا ، وَعَكْسُهُ . فَالصُّورَةُ الْأُولَى : أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ فِي غَيْرِ مَشْرَعٍ وَلِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ فَيَأْثَمُ الْمَارُّ دُونَ الْمُصَلِّي . الثَّانِيَةُ : أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَشْرَعٍ مَسْلُوكٍ بِغَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ مُتَبَاعِدًا عَنِ السُّتْرَةِ وَلَا يَجِدُ الْمَارُّ مَنْدُوحَةً فَيَأْثَمُ الْمُصَلِّي دُونَ الْمَارِّ . الثَّالِثَةُ : مِثْلُ الثَّانِيَةِ لَكِنْ يَجِدُ الْمَارُّ مَنْدُوحَةً فَيَأْثَمَانِ جَمِيعًا . الرَّابِعَةُ : مِثْلُ الْأُولَى لَكِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَارُّ مَنْدُوحَةً فَلَا يَأْثَمَانِ جَمِيعًا . انْتَهَى . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْمُرُورِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَسْلَكًا بَلْ يَقِفُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ . وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقَةِ ، فَإِنَّ فِيهَا : فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ : إِنَّ الدَّفْعَ لَا يُشْرَعُ لِلْمُصَلِّي فِي هَذِهِ الصُّوَرِ ، وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ ، وَنَازَعَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الشَّابَّ إِنَّمَا اسْتَوْجَبَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ الدَّفْعَ لِكَوْنِهِ قَصَّرَ فِي التَّأَخُّرِ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى وَقَعَ الزِّحَامُ . انْتَهَى . وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الِاسْتِدْلَالَ ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمْ يَعْتَذِرْ بِذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمْعَةِ أَوْ فِيهَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقْعَ بَعْدَهَا فَلَا يَتَّجِهُ مَا قَالَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ بِعَدَمِ التَّبْكِيرِ ، بَل كَثْرَةُ الزِّحَامِ حِينَئِذٍ أَوْجَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . خَامِسُهَا : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ : لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَالْمُصَلَّى فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا إِذَا قَصَّرَ الْمُصَلِّي فِي دَفْعِ الْمَارِّ أَوْ بِأَنْ صَلَّى فِي الشَّارِعِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : وَالْمُصَلَّى بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ : بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مِنْ دَاخِلِ سُتْرَتِهِ ، وَهَذَا أَظْهَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي · ص 696 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إثم المار بين يدي المصلي · ص 677 101 - باب إثم المار بين يدي المصلي 510 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن بسر بن سعيد ، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله : ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المار بين يدي المصلي ؟ فقال أبو جهيم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه . قال أبو النضر : لا أدري : قال أربعين يوما ، أو شهرا ، أو سنة ؟ وخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك . وخرجه - أيضا - من طريق وكيع ، عن سفيان - هو : الثوري - عن سالم أبي النضر - بمعنى حديث مالك . ورواه ابن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، قال : أرسلني أبو الجهيم ، أسأل زيد بن خالد الجهني : ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقول - فذكره من رواية زيد بن خالد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . كذا رويناه في مسند الحميدي ، عن سفيان . وكذا خرجه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، عن ابن عيينة ، إلا أنه قال : أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله - ولم يذكر من أرسله . وذكر أن الشك في تمييز الأربعين من ابن عيينة . وهذا كله وهم . وممن نص على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم من ابن عيينة ، وخطأ : ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة ، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل . وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده ، ولم يحفظه جيدا . وقد روي عنه كقول مالك وسفيان على الصواب . خرجه ابن خزيمة ، عن علي بن خشرم ، عنه . ومن تكلف الجمع بين القولين من المتأخرين ، فقوله ليس بشيء ، ولم يأت بأمر يقبل منه . وأبو الجهيم ، هو : ابن الحارث بن الصمة ، وقد سبق له حديث في التيمم . وقد رواه الضحاك بن عثمان ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن خالد ، قال : قَالَ : رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما - وذكر الحديث . خرجه أبو العباس السراج في مسنده . وهذا يوافق رواية ابن عيينة ، وهو - أيضا - وهم . وزيادته : والمصلي غير محفوظة - أيضا . وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاري ، ومسلم - أيضا - بعد : ماذا عليه : من الإثم ، وهي غير محفوظة . وذكر ابن عبد البر : أن هذه اللفظة في رواية الثوري ، عن سالم أبي النضر . وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري ، مدرجة بلفظة : يعني : من الإثم ، فدل على أنها مدرجة من قول بعض الرواة ، وتفسير للمعنى ؛ فإن هَذَا يفهم من قوله : ماذا عَلِيهِ ، فإن ابن آدم لَهُ عمله الصالح وعليه عمله السيئ ، كما قَالَ تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وقال : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ وإذا كان هذا عليه فهو من سيئاته . وفي المعنى أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري : فروى عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، عن عمه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لو يعلم أحدكم ما له أن يمشي بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه ، كان لأن يقف في ذلك المكان مائة عام أحب إليه أن يخطو . خرجه أحمد ، وهذا لفظه . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما بمعناه . وخرجه ابن ماجه ، ولم يذكر : وهو يناجي ربه ، وعنده : معترضا في الصلاة . وعبيد الله بن عبد الله بن موهب ، ضعفه يحيى . وقال النسائي : ليس بذاك القوي . وقال ابن عدي : هو حسن الحديث يكتب حديثه . وخرج الطبراني من رواية ابن أخي ابن وهب ، عن عمه : ثنا عبد الله بن عياش ، عن أبي رزين الغافقي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الذي يمر بين يدي الرجل وهو يصلي عمدا ، يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة . إسناده ليس بقوي . وقد روي موقوفا ، بلفظ آخر ، من وراية أبي عبد الرحمن المقري : ثنا موسى بن أيوب ، قال : سمعت أبا عمران الغافقي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خير له من أن يمر بين يدي رجل متعمدا وهو يصلي . خرجه ابن عبد البر وغيره . وروى ابن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن تنكسر فخذه ولا يمر بين يديه . هذا مرسل . وأبو أسامة ، قد قيل : إنه كان يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي ، ويسميه : ابن جابر ، وابن تميم ضعيف ، وابن جابر ثقة . وذكر مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن كعب الأحبار ، قال : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خير له من أن يمر بين يديه . وروى أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، قال : قَالَ عمر رضي الله عنه : لو يعلم المار بين يدي المصلي ما يصيب من الإثم ما مر أحد بَيْن يدي أحد وهو يصلي . وروى أبو بكر النجاد الفقيه الحنبلي ، بإسناده عن ابن عمر ، قال : لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خير من أن يمر بين يدي رجل وهو يصلي . وبإسناده ، عن قتادة ، أن عمر وأبا الدرداء قالا : لو يعلم المار بين يدي المصلي كان أن يقوم حولا أهون عليه من أن يمر بَيْن يديه . وروى أبو نعيم - أيضا - : ثنا أبو خلدة ، عن أبي العالية ، قالا : إن الإنسان إذا صلى بين يديه ملك يكتب ما يقول ، فما أحب أن يمر بين يدي شيء . وفي هذا إشارة إلى علة كراهة المرور بين يدي المصلي ، وهو قرب الملائكة منه ، فالمار يصير دخيلا بين المصلي وملائكته الموكلين به . وفي حديث أبي هريرة المتقدم : إشارة إلى أن المصلي مشتغل بمناجاة ربه ، والرب تعالى يقرب المصلي له إليه ، قربا لا يشبه قرب المخلوقين ، كما سبق ذكره في أبواب : البصاق في القبلة . فالداخل بين المصلي وبين ربه في حال مناجاته له ، وتقريبه إياه ، وإقباله عليه ، واستماعه منه ما يناجيه ، ورده عليه جواب ما يتلوه من كتابه متعرض لمقت الله ، ومستحق لعقوبته . وهذا كله يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي ، وهو الصحيح عند أصحابنا ، والمحققين من أصحاب الشافعي . وطائفة منهم ومن أصحابنا أطلقوا الكراهة . وكذلك أطلقها غيرهم من أهل العلم ، منهم : ابن عبد البر وغيره . وحكاه الترمذي عن أهل العلم . وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم ؛ فإن متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرا . وقد حكى ابن حزم في كتاب الإجماع الاتفاق على أن المار بين المصلي وسترته آثم . وفي الحديث : دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي ، سواء كان يصلي إلى سترة أو لم يكن ، فإن كان يصلي إلى سترة حرم المرور بينه وبينها ، إذا لم يتباعد عنها تباعدا كثيرا . وإن لم يكن بينه وبين القبلة سترة ، أو كانت سترة وتباعد عنها تباعدا فاحشا ، ففي تحريم المرور وجهان لأصحابنا : أصحهما : التحريم ؛ لعموم حديث أبي جهيم . والثاني : يكره ولا يحرم ، وهو قول أصحاب الشافعي . والذي نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث أنه مباح غير مكروه ، واستدل عليه بحديث ابن عباس والمطلب بن أبي وداعة . وفي قدر القرب الذي يمنع من المرور فيه وجهان لأصحابنا : أحدهما : أنه محدود بثلاثة أذرع ؛ لأنها منتهى المسنون في وضع السترة ، على ما سبق . والثاني : حده بما لو مشى إليه لدفع المار أو غيره ، لم تبطل صلاته . وجاء في حديث مرفوع من حديث ابن عباس : تقديره بقدر قذفة بحجر . خرجه أبو داود وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وحكي عن الحنفية ، أنه لا يمنع من المرور إلا في محل سجود المصلي خاصة . وحكى أبو بكر بن العربي ، عن قوم أنهم قدروه بمثل طول الرمح ، وعن آخرين أنهم قدروه برمية السهم ، وقالوا : هو حريم للمصلي . قال : وأخذوه من لفظ المقاتلة ، ولم يفهموا المراد منها . قال : والمقاتلة هنا : المنازعة بالأيدي خاصة . وقال الشافعي : قوله : فليقاتله - يعني : فليدفعه . فأما من وقف في مجاز الناس الذي ليس لهم طريق غيره وصلى ، فلا إثم في المرور بين يديه ، صرح به أصحابنا وغيرهم ؛ لأنه مفرط بذلك ، فلا حرمة له . وحكى القرطبي ، عن أصحابهم المالكية ، أن المصلي إذا كان في موضع لا يأمن المرور عليه اشترك هو والمار في الإثم . وهذا يدل على أنه يحرم المرور بين يديه - أيضا - ولكنه يأثم المار والمصلي جميعا . وكذلك قال بعض الشافعية : أنه إذا صلى على الطريق ، أو قصر في الدفع شارك المار في الإثم ، وحملوا رواية السراج المتقدمة : لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما على ذلك . وحكي عن بعض الفقهاء ، أنه إن كان للمار مندوحة عن المرور ، وكان المصلي متعرضا لذلك أثما جميعا ، وإن لم يكن للمار مندوحة ، ولا المصلي متعرضا لذلك فلا إثم على واحد منهما ، وإن لم يتعرض المصلي لذلك ، وكان للمار مندوحة أثم المار وحده ، وإن تعرض المصلي لذلك ، ولم يكن للمار مندوحة أثم المصلي وحده . وقال أبو عمر بن عبد البر : الإثم على المار بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه ، وكلاهما عاص إذا كان بالنهي عالما ، والمار أشد إثما إذا تعمد ذلك ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا . كذا قال ؛ مع أنه ذكر في موضع آخر : أن الدفع ليس بلازم ، ولا يأثم من تركه ، وأنه قول الثوري وغيره . وخرج ابن أبي شيبة من رواية الأسود ، قال : قال عبد الله - هو : ابن مسعود - : من استطاع منكم أن لا يمر بين يديه وهو يصلي فليفعل ؛ فإن المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه . ولعله أراد أن المار أنقص علما أو دينا أو خيرا من الممر عليه ، ولم يرد - والله أعلم - أنه أنقص منه إثما ، اللهم إلا أن يحمل على ما إذا كان المصلي مفرطا بصلاته في موضع مرور الناس ، والمار لا يجد بدا من مروره كما سبق . وقد روي عن جماعة من الصحابة ، أن الصلاة تنقص بمرور المار : فروى أبو نعيم : ثنا سليمان بن المغيرة - أظنه : عن حميد بن هلال - قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو يعلم المصلي قدر ما ينقص من صلاته ما صلى أحدكم إلا إلى شيء يستره من الناس . وهذا منقطع . وقد روي عن ابن مسعود ، أنه ينقص نصف صلاته . قال أبو طالب : قلت لأحمد : قول ابن مسعود : إن ممر الرجل يضع نصف صلاته ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يضع من صلاته ، ولكن لا يقطعها ، ينبغي له أن يمنعه . وهذا الذي أشار إليه خرجه أبو بكر النجاد بإسناده ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، قال : كان عبد الله إذا مر بين يديه رجل وهو يصلي التزمه حتى يرده . قال : وقال عبد الله : إن مرور الرجل بين يدي الرجل ليضع نصف صلاته . قال القاضي أبو يعلى : وينبغي أن يكون هذا محمولا على ما إذا أمكنه أن يرده فلم يرده ، فيكون قد أخل بفضيلة الرد . كذا قال ؛ وفيه نظر . ومذهب أحمد وأصحابه : أن مرور الكلب الأسود يبطل الصلاة ويقطعها ، سواء أمكنه الرد وتركه ، أو تركه عجزا ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وعلى هذا ؛ فلا يبعد القول بنقص كمال الصلاة بمرور غير الكلب ، وإن عجز عَن دفع ذَلِكَ . ولهذا المعنى رد طائفة من العلماء حديث قطع الصلاة بمرور الكلب وغيره ، وقالوا : إنه مخالف للقرآن في قوله تعالى : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، كما ذكر ذلك الشافعي . وقد روي : أن مرور الرجل بين يدي الرجل في صلاته يقطع صلاته . وخرجه أبو داود في سننه بإسناد فيه نظر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بتبوك إلى نخلة ، فأقبل غلام يسعى حتى مر بينه وبين قبلته ، فقال : قطع صلاتنا ، قطع الله أثره . قال : فما قمت عليها إلى يومي هذا . وهذا مما يستدل به على أن قطع الصلاة يراد به إذهاب كمال فضلها ، دون إبطالها من أصلها ، وإيجاب إعادتها ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند : ثنا سويد بن سعيد : ثنا إبراهيم بن سعد : حدثني أبي ، عن أبيه ، قال : كنت أصلي ، فمر رجل بين يدي فمنعته ، فسألت عثمان بن عفان ، فقال : لا يضرك يا ابن أخي . وظاهر هذا : أنه لا ينقص الصلاة ، ويحتمل أنه أراد أنه لم تبطل صلاته أو لعله أراد أنه إذا منعه من المرور فلا يضره إذا رجع ولم يمر . وقد روي ، عن عائشة ما يدل على أن المرور بين يدي المصلي إذا لم يقطع صلاته فهو جائز : قال : عبد الله ابن الإمام أحمد في مسائله : ثنا أبي : ثنا حجاج : أبنا شعبة ، قال : سمعت عبد الرحمن بن سعيد بن وهب ، قال : سمعت صفية بنت شيبة ، قالت : كانت امرأة تصلي عند البيت إلى مرفقة ، وكانت عائشة تطوف ، فمرت عَائِشَة بينها وبين المرفقة ، فقالت عائشة : إنما يقطع الصلاة الهر والكلب الأسود . ولعل عائشة - رضي الله عنها - كانت ترى أن المسجد الحرام لا يمنع فيه المرور بين يدي المصلي كما سبق ، وإنما ذكرت أن الصلاة لا تقطع بذلك لئلا ؛ تظن تلك المرأة بطلان صلاتها . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم المار بين يدي المصلي · ص 292 ( باب إثم المار بين يدي المصلي ) أي هذا باب في بيان إثم المار بين يدي المصلي ، وأصل المار مارر ، فأسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية ، والإدغام في مثله واجب. 159 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي النضر ، مولى عمر بن عبيد الله ، عن بسر بن سعيد ، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله : ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المار بين يدي المصلي ؟ فقال أبو جهيم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه ، قال أبو النضر : لا أدري أقال أربعين يوما ، أو شهرا ، أو سنة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة ، قد ذكروا ، وأبو النضر بفتح النون ، وسكون الضاد المعجمة ، اسمه سالم ابن أبي أمية ، وبسر بضم الباء الموحدة ، وسكون السين المهملة ، الحضرمي المدني الزاهد ، مات سنة مائة ، ولم يخلف كفنا ، وزيد بن خالد الجهني الصحابي ، وأبو جهيم بضم الجيم ، وفتح الهاء ، واسمه عبد الله بن جهيم . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والإخبار كذلك ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه تابعي وصحابيان ، وفيه أبو جهيم بالتصغير ، مر في باب التيمم في الحضر ، وقال ابن عبد البر : راوي حديث المرور هو غير راوي حديث التيمم ، وقال الكلاباذي : أبو جهيم ، ويقال : أبو جهم بن الحارث ، روى عنه البخاري في الصلاة ، والتيمم ، وقال النووي : أبو جهيم راوي حديث المرور وحديث التيمم غير أبي الجهم مكبرا المذكور في حديث الخميصة ، والأنبجانية ؛ لأن اسمه عبد الله ، وهو أنصاري ، واسم ذلك عامر ، وهو عدوي ، وقال الذهبي : أبو الجهيم يقال : أبو الجهم بن الحارث بن الصمة كان أبوه من كبار الصحابة ، ثم قال : أبو جهيم عبد الله بن جهيم جعله وابن الصمة واحدا أبو نعيم ، وابن منده ، وكذا قاله مسلم في بعض كتبه ، وجعلهما ابن عبد البر اثنين ، وهو أشبه ، لكن متن الحديث واحد . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه بقية الستة ، قال ابن ماجه : حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا ابن عيينة عن أبي النضر عن بسر ، قال : ( أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي ، فأخبرني عن النبي عليه الصلاة والسلام ، قال : لأن يقوم أربعين خير له من أن يمر بين يديه ، قال سفيان : ولا أدري أربعين سنة ، أو شهرا ، أو صباحا ، أو ساعة ) ، وفي ( مسند البزار ) ، أخبرنا أحمد بن عبدة ، حدثنا سفيان به ، وفيه ( أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد ، فقال : لأن يقوم أربعين خريفا خير له من أن يمر بين يديه ) ، وقال أبو عمر في ( التمهيد ) رواه ابن عيينة مقلوبا ، والقول عندنا قول مالك ، ومن تابعه ، وقال ابن القطان في حديث البزار خطئ فيه ابن عيينة ، وليس خطؤه بمتعين لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرا إلى زيد ، وزيد بعثه إلى أبي جهيم يستثبت كل واحد ما عند الآخر ، فأخبر كل منهما بمحفوظه ، فشك أحدهما وجزم الآخر ، واجتمع ذلك كله عند أبي النضر ، ( قلت ) : قول مالك في ( الموطأ ) لم يختلف عليه فيه أن المرسل هو زيد ، وأن المرسل إليه هو أبو جهيم ، وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر عند مسلم ، وابن ماجه ، وغيرهما ، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر ، فقال : عن بسر بن سعيد ، قال ( أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله ) فذكر هذا الحديث ، ( قلت ) : هذا عكس متن ( الصحيحين ) ؛ لأن المسؤول فيهما هو أبو الجهيم ، وهو الراوي عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وعند البزار : المسؤول زيد بن خالد . ( ذكر معناه ) : قوله : ( ماذا عليه ) ، أي : من الإثم ، والخطيئة ، وفي رواية الكشميهني ( ماذا عليه من الإثم ) ، وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره ، وكذا في ( الموطأ ) ليست هذه الزيادة ، وكذا في سائر المسندات ، وفي المستخرجات ، غير أنه وقع في ( مصنف ابن أبي شيبة ) ماذا عليه ، يعني من الإثم ، وعيب على المحب الطبري حيث عزا هذه الزيادة في الأحكام للبخاري . قوله : ( بين يدي المصلي ) ، أي : أمامه بالقرب منه ، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما . قوله : ( أن يقف أربعين ) ، وقد ذكرنا أن في رواية ابن ماجه ( أربعين سنة ، أو شهرا ، أو صباحا ، أو ساعة ) ، وفي رواية البزار ( أربعين خريفا ) ، وفي ( صحيح ابن حبان ) عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضا في الصلاة كان لأن يقيم مائة عام خيرا له من الخطوة التي خطا ، وفي ( الأوسط ) للطبراني عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ( إن الذي يمر بين يدي المصلي عمدا يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة ) ، وفي المصنف عن عبد الحميد عامل عمر بن عبد العزيز ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه لأحب أن ينكسر فخذه ، ولا يمر بين يديه ) ، وقال ابن مسعود : ( المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه ، وكان إذا مر أحد بين يديه التزمه حتى يرده ) ، وقال ابن بطال : قال عمر رضي الله عنه : لكان يقوم حولا خير له من مروره ، وقال كعب الأحبار : لكان أن يخسف به خيرا له من أن يمر بين يديه . قوله : ( قال أبو النضر ) ، قال الكرماني : إما من كلام مالك ، فهو مسند ، وإما تعليق من البخاري ، ( قلت ) : هو كلام مالك ، وليس هو من تعليق البخاري ؛ لأنه ثابت في ( الموطأ ) من جميع الطرق ، وكذا ثبت في رواية الثوري ، وابن عيينة . قوله : ( أقال ) الهمزة فيه للاستفهام وفاعله بسر ، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كذا قاله الكرماني ، ( قلت ) : الظاهر أنه بسر بن أبي أمية . ( ذكر إعرابه ) : قوله : ( ماذا عليه ) كلمة ما استفهام ، ومحله الرفع على الابتداء ، وكلمة ذا إشارة خبره ، والأولى أن تكون ذا موصولة ، بدليل افتقاره إلى شيء بعده ؛ لأن تقديره : ماذا عليه من الإثم ، ثم إن ماذا عليه في محل النصب على أنه سد مسد المفعولين لقوله : لو يعلم ، وقد علق عمله بالاستفهام . قوله : ( لكان ) جواب لو ، وكلمة أن مصدرية ، والتقدير : لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي لكان وقوفه أربعين خيرا له من أن يمر ، أي : من مروره بين يديه ، وقال الكرماني : جواب لو ليس هو المذكور ، إذ التقدير : لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين ، ولو وقف أربعين لكان خيرا له ، ( قلت ) : لا ضرورة إلى هذا التقدير ، وهو تصرف فيه تعسف ، وحق التركيب ما ذكرناه . قوله : ( خيرا ) فيه روايتان النصب ، والرفع ، أما النصب فظاهر ؛ لأنه خبر لكان ، واسم كان هو قوله : أن يقف ؛ لأنا قلنا إن كلمة أن مصدرية ، وأن التقدير : لكان وقوفه أربعين خيرا له ، وأما وجه الرفع فقد قال ابن العربي هو اسم كان ، ولم يذكر خبره ما هو ، وخبره هو قوله : أن يقف ، والتقدير : لو يعلم المار ماذا عليه لكان خير وقوفه أربعين ، وتعسف بعضهم ، فقال : يحتمل أن يقال : اسمها ضمير الشأن ، والجملة خبرها . قوله : ( أقال أربعين يوما ، أو شهرا ، أو سنة ) ؛ لأنه ذكر العدد ، أعني أربعين ، ولا بد من مميز ؛ لأنه لا يخلو عن هذه الأشياء ، وقد أبهم ذلك هاهنا ، ( فإن قلت ) : ما الحكمة فيه ، ( قلت ) : قال الكرماني : وأبهم الأمر ليدل على الفخامة ، وأنه مما لا يقادر قدره ، ولا يدخل تحت العبارة . انتهى ، ( قلت ) : الإبهام هاهنا من الراوي ، وفي نفس الأمر العدد معين ، ألا ترى كيف تعين فيما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ( لكان أن يقف مائة عام ) الحديث كما ذكرنا ، وكذا عين في مسند البزار من طريق سفيان بن عيينة ( لكان أن يقف أربعين خريفا ) ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة ؟ ( قلت ) : أسرار أمثالها لا يعلمها إلا الشارع ، ويحتمل أن يكون ذلك ؛ لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين ، كأطوار النطفة ، فإن كل طور منها بأربعين ، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة ، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد ؛ لأن أجزاءه هي عشرة ، ومن العشرات المئات ، ومنها الألوف ، فلما أريد التكثير ضوعف كل إلى عشرة أمثاله . انتهى ، ( قلت ) : غفل الكرماني عن رواية المائة حيث قصر في بيان الحكمة على الأربعين ، وقال بعضهم في التنكيت على الكرماني : بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص عدد معين ، ( قلت ) : لا ينافي رواية المائة عن بيان وجه الحكمة في الأربعين ، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كل منهما ؛ لأن لقائل أن يقول : لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر ، ولم لم يذكر الخمسين ، أو ستين ، أو نحو ذلك ، والجواب الواضح الشافي في ذلك أن تعيين الأربعين للوجه الذي ذكره الكرماني ، وأما وجه ذكر المائة فما ذكره الطحاوي أنه قيد بالمائة بعد التقييد بالأربعين للزيادة في تعظيم الأمر على المار ؛ لأن المقام مقام زجر وتخويف وتشديد ، ( فإن قلت ) : من أين علم أن التقييد بالمائة بعد التقييد بالأربعين ، ( قلت ) : وقوعهما معا مستبعد ؛ لأن المائة أكثر من الأربعين ، وكذا وقوع الأربعين بعد المائة لعدم الفائدة ، وكلام الشارع كله حكمة وفائدة ، والمناسبة أيضا تقتضي تأخير المائة عن الأربعين ، ( فإن قلت ) : قد علم فيما مضى وجه الحكمة في الأربعين ، فما وجه الحكمة في تعيين المائة ؟ ( قلت ) : المائة وسط بالنسبة إلى العشرات ، والألوف ، وخير الأمور أوساطها ، وهذا مما تفردت به . ( ذكر ما يستفاد منه من الأحكام ) فيه أن المرور بين يدي المصلي مذموم ، وفاعله مرتكب الإثم ، وقال النووي : فيه دليل على تحريم المرور ، فإن في الحديث النهي الأكيد ، والوعيد الشديد ، فيدل على ذلك ، ( قلت ) : فعلى ما ذكره ينبغي أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر ، ويعد من ذلك ، واختلف في تحديد ذلك ، فقيل : إذا مر بينه وبين مقدار سجوده ، وقيل : بينه وبين الساتر ثلاث أذرع ، وقيل : بينهما قدر رمية بحجر ، وقد مر الكلام فيه مستوفى ، وفيه ، قال ابن بطال : يفهم من قوله : لو يعلم أن الإثم يختص بمن يعلم بالمنهي وارتكبه ، قال بعضهم : فيه بعد ، ( قلت ) : ليس فيه بعد ؛ لأن لو للشرط ، فلا يترتب الحكم المذكور إلا عند وجوده ، وفيه عموم النهي لكل مصل وتخصيص بعضهم بالإمام ، والمنفرد لا دليل عليه ، وفيه طلب العلم ، والإرسال لأجله ، وفيه جواز الاستنابة ، وفيه أخذ العلماء بعضهم من بعض ، وفيه الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو لإرسال زيد بن خالد بسر بن سعيد إلى أبي جهيم ، ولو طلب العلو لسعى هو بنفسه إلى أبي جهيم ، وفيه قبول خبر الواحد .