12 - بَاب شُرْبِ اللَّبَنِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل : مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ 5603 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَقَدَحِ خَمْرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَطَالَ التَّفَنُّنَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِيَرُدَّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّبَنَ يُسْكِرُ كَثِيرُهُ فَرَدَّ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ ، وَهُوَ قَوْلٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يُسْكِرُ بِمُجَرَّدِهِ وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ فِيهِ ذَلِكَ نَادِرًا بِصِفَةٍ تَحْدُثُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمُ أنَّ اللَّبَنَ إِذَا طَالَ الْعَهْدُ بِهِ وَتَغَيَّرَ صَارَ يُسْكِرُ ، وَهَذَا رُبَّمَا يَقَعُ نَادِرًا إِنْ ثَبَتَ وُقُوعُهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَأْثِيمُ شَارِبِهِ إِلَّا إِنْ عَلِمَ أَنَّ عَقْلَهُ يَذْهَبُ بِهِ فَشَرِبَهُ لِذَلِكَ . نَعَمْ قَدْ يَقَعُ السُّكْرُ بِاللَّبَنِ إِذَا جُعِلَ فِيهِ مَا يَصِيرُ بِاخْتِلَاطِهِ مَعَهُ مُسْكِرًا فَيَحْرُمُ . قُلْتُ : أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عُمَرَ يَسْأَلُ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فَقَالَ : إِنَّ أَهْلَ كَذَا يَتَّخِذُونَ مِنْ كَذَا وَكَذَا خَمْرًا حَتَّى عَدَّ خَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ لَمْ أَحْفَظْ مِنْهَا إِلَّا الْعَسَلَ وَالشَّعِيرَ وَاللَّبَنَ ، قَالَ فَكُنْتُ أَهَابُ أَنْ أُحَدِّثَ بِاللَّبَنِ حَتَّى أُنْبِئْتُ أَنَّهُ بِأَرْمِينِيَّةَ يُصْنَعُ شَرَابٌ مِنَ اللَّبَنِ لَا يَلْبَثُ صَاحِبُهُ أَنْ يُصْرَعَ ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلَ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ ثُمَّ طَالَ مُكْثُهُ حَتَّى زَالَ التَّغَيُّرُ بِنَفْسِهِ ، وَرَجَعَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِذَلِكَ ، وَهَذَا فِي الْكَثِيرِ ، وَبِغَيْرِ النَّجَاسَةِ مِنَ الْقَلِيلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْقَلِيلُ الْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجَاسَةِ فَفِيمَا إِذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ خِلَافٌ : هَلْ يَطْهُرُ ؟ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ : يَطْهُرُ ، وَظَاهِرُ الِاسْتِدْلَالِ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِالتَّطْهِيرِ ، لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِذَلِكَ نَظَرٌ ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الْبُعْدِ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَنِيِّ ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّبَنَ خَالَطَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ ، ثُمَّ اسْتَحَالَ فَخَرَجَ خَالِصًا طَاهِرًا ، وَكَذَلِكَ الْمَنِيُّ يَنْقَصِرُ مِنَ الدَّمِ فَيَكُونُ عَلَى غَيْرِ صِفَةِ الدَّمِ فَلَا يَكُونُ نَجِسًا . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ : لَبَنًا خَالِصًا ، وَزَادَ غَيْرُهُ وَغَيْرُ النَّسَفِيِّ بَقِيَّةَ الْآيَةِ ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ يَخْرُجُ فِي أَوَّلِهِ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ ، وَالَّذِي فِي الْقُرْآنِ : نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ وَأَمَّا لَفْظُ : يَخْرُجُ فَهُوَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى مِنَ السُّورَةِ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا بِحَذْفِ يَخْرُجُ مِنْ أَوَّلِهِ وَأَوَّلِ الْبَابِ عِنْدَهُمْ : وَقَوْلُ اللَّهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ فَكَأَنَّ زِيَادَةَ لَفْظِ يَخْرُجُ مِمَّنْ دُونَ الْبُخَارِيِّ وَهَذِهِ الْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي إِحْلَالِ شُرْبِ لَبَنِ الْأَنْعَامِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ ، لِوُقُوعِ الِامْتِنَانِ بِهِ ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَلْبَانِ الْأَنْعَامِ فِي حَالِ حَيَاتِهَا . وَالْفَرْثُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ هُوَ مَا يَجْتَمِعُ فِي الْكَرِشِ ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : هُوَ مَا أُلْقِيَ مِنَ الْكَرِشِ ، تَقُولُ : فَرَثْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَخْرَجْتُهُ مِنْ وِعَائِهِ فَشَرِبْتُهُ ، فَأَمَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ سِرْجِينُ وَزِبْلٌ . وَأَخْرَجَ الْقَزَّازُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الدَّابَّةَ إِذَا أَكَلَتِ الْعَلَفَ وَاسْتَقَرَّ فِي كَرِشِهَا طَبَخَتْهُ فَكَانَ أَسْفَلُهُ فَرْثًا وَأَوْسَطُهُ لَبَنًا وَأَعْلَاهُ دَمًا ، وَالْكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلَيْهِ فَتَقْسِمُ الدَّمَ وَتُجْرِيهِ فِي الْعُرُوقِ وَتُجْرِي اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ وَيَبْقَى الْفَرْثُ فِي الْكَرِشِ وَحْدَهُ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لَبَنًا خَالِصًا أَيْ مِنْ حُمْرَةِ الدَّمِ وَقَذَارَةِ الْفَرْثِ ، وَقَوْلُهُ : سَائِغًا أَيْ لَذِيذًا هَنِيئًا لَا يُغَصُّ بِهِ شَارِبُهُ . وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( بِقَدَحِ لَبَنٍ وَقَدَحِ خَمْرٍ ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَرِيبًا ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْخَمْرِ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا وَاللَّبَنِ مَعَ كَوْنِهِ حَلَالًا ؛ إِمَّا لِأَنَّ الْخَمْرَ حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ حُرِّمَتْ . أَوْ لِأَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ ، وَخَمْرُ الْجَنَّةِ لَيْسَتْ حَرَامًا . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ حُكِيَ فِيهِ تَنْوِينُ لَيْلَةٍ . وَالَّذِي أَعْرِفُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْإِضَافَةُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب شُرْبِ اللَّبَنِ · ص 72 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب شرب اللبن · ص 185 باب شرب اللبن أي هذا باب في بيان شرب اللبن ، وضع هذه الترجمة للرد على قول من قال : إن الكثير من شرب اللبن يسكر ، وهذا ليس بشيء ، قال المهلب : شرب اللبن حلال بكتاب الله تعالى ، وليس قول من قال : إن الكثير منه يسكر - بشيء ، وقال ابن بطال : إنما كان السكر منه لصناعة تدخله . وقول الله تعالى : مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ وقول الله بالجر عطفا على قوله ( شرب اللبن ) ، ووقع في معظم النسخ : يخرج من بين فرث ودم هذا المقدار ، وزاد في رواية أبي ذر : لَبَنًا خَالِصًا وفي رواية غيره وقع تمام الآية ، وقوله يخرج ليس في القرآن ، والذي في القرآن نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ولفظ يخرج في آية أخرى من السورة يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ والظاهر أن زيادة لفظ يخرج هنا ليست من البخاري ، بل هي ممن دونه ، وبدون لفظ يخرج جرى الإسماعيلي ، وابن بطال ، وغيرهما . وهذه الآية صريحة في إحلال شرب ألبان الأنعام بجميع أنواعها لوقوع الامتنان به ، والفرث ما يجتمع في الكرش ، وقال القزاز : هو ما ألقي من الكرش ، يقال : فرثت الشيء إذا أخرجته من وعائه ، وبعد خروجه يقال له السرجين وزبل ، وأخرج عن ابن عباس أن الدابة إذا أكلت العلف واستقل في كرشها ، فكان أسفله فرثا ، وأوسطه لبنا ، وأعلاه دما ، والكبد مسلطة عليه ، فتقسم الدم وتجريه في العروق ، وتجري اللبن في الضرع ، ويبقى الفرث في الكرش وحده . قوله ( خالصا ) أي : من حمرة الدم وقذارة الفرث . قوله ( سائغا ) أي : لذيذا هنيئا لا يغص به شارب . 28 - حدثنا عبدان ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا يونس ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به بقدح لبن وقدح خمر . مطابقته للترجمة من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتي ليلة الإسراء بلبن وخمر اختار اللبن ، وهو من أعظم نعم الله على عبيده . فإن قلت : ما الحكمة في أنه صلى الله عليه وسلم خير ليلتئذ بين اللبن والخمر مع أن اللبن حلال والخمر حرام . قلت : لأن الخمر كانت من الجنة ، وخمر الجنة ليست بحرام ، وقيل : لأن الخمر حينئذ لم تكن حرمت . وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي ، وقد تكرر ذكره ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، والزهري هو محمد بن مسلم . والحديث قد مضى في تفسير سورة سبحان الذي أسرى بعبده . قوله ( ليلة ) قال الكرماني : بالتنوين وعدمه ، وقال بعضهم : حكي فيه تنوين ليلة ، والذي أعرفه في الرواية الإضافة . قلت : إذا جاز الوجهان فإسناد هذا القائل معرفته إلى الإضافة تعمق في المفاخرة الباردة .