53 - بَاب لَا هَامَةَ 5770 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ . ، قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا هَامَةَ ) قَالَ أَبُو زَيْدٍ : هِيَ بِالتَّشْدِيدِ ، وَخَالَفَهُ الْجَمِيعُ فَخَفَّفُوهَا ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ فِي الرِّوَايَةِ ، وَكَأَنَّ مَنْ شَدَّدَهَا ذَهَبَ إِلَى وَاحِدَةِ الْهَوَامِّ وَهِيَ ذَوَاتُ السَّمُومِ ، وَقِيلَ : دَوَابُّ الْأَرْضِ الَّتِي تَهِمُّ بِأَذَى النَّاسِ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ نفيه إِلَّا إِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا لَا تَضُرُّه لِذَوَاتِهَا ، وَإِنَّمَا تَضُرُّ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِيقَاعَ الضَّرَرِ بِمَنْ أَصَابَتْهُ . وَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي الْمُوَفَّقِيَّاتِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَقُولُ : إِذَا قُتِلَ الرَّجُلُ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِثَأْرِهِ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِهِ هَامَةٌ - وَهِيَ دُودَةٌ - فَتَدُورُ حَوْلَ قَبْرِهِ فَتَقُولُ : اسْقُونِي اسْقُونِي ، فَإِنْ أُدْرِكَ بِثَأْرِهِ ذَهَبَتْ وَإِلَّا بَقِيَتْ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ : يَا عَمْرُو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي أَضْرِبْكَ حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ اسْقُونِي وَقَالَ : وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَزْعُمُ أَنَّهَا تَدُورُ حَوْلَ قَبْرِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَذْهَبُ . وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ نَحْوَ الْأَوَّلِ : إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُعَيِّنُوا كَوْنَهَا دُودَةً ، بَلْ قَالَ الْقَزَّازُ : الْهَامَةُ طَائِرٌ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ ، كَأَنَّهُ يَعْنِي الْبُومَةَ . وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا ، إِذَا وَقَعَتْ عَلَى بَيْتِ أَحَدِهِمْ يَقُولُ : نَعَتَ إِلَيَّ نَفْسِي أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دَارِي . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ تَصِيرُ هَامَةً فَتَطِيرُ ، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الطَّائِرَ الصَّدَى . فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ لَا حَيَاةَ لِهَامَةِ الْمَيِّتِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : لَا شُؤْمَ بِالْبُومَةِ وَنَحْوِهَا ، وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ تَرْجَمَ لَا هَامَةَ مَرَّتَيْنِ ، بِالنَّظَرِ لِهَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَهِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( لَا عَدْوَى ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْجُذَامِ وَكَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ : لَا عَدْوَى ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ، وَكَذَا تَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ : وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ ( تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ : أَمْثَالُ الظِّبَاءِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَبِالْمَدِّ جَمْعُ ظَبْيٍ ، شَبَّهَهَا بِهَا فِي النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الدَّاءِ . قَوْلُهُ : ( فَيُجَرِّبُهَا ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَيَدْخُلُ فِيهَا وَيُجَرِّبُهَا ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنَ الْعَدْوَى ، أَيْ يَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوعِ الْحَرْبِ بِهَا ، وَهَذَا مِنْ أَوْهَامِ الْجُهَّالِ ، كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا دَخَلَ فِي الْأَصِحَّاءِ أَمْرَضَهُمْ فَنَفَى الشَّارِعُ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ ، فَلَمَّا أَوْرَدَ الْأَعْرَابِيُّ الشُّبْهَةَ رَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ وَهُوَ جَوَابٌ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ وَالرَّشَاقَةِ . وَحَاصِلُهُ : مِنْ أَيْنَ الْجَرَبُ لِلَّذِي أَعْدَى بِزَعْمِهِمْ ؟ فَإِنْ أُجِيبَ مِنْ بَعِيرٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوْ سَبَبٌ آخَرُ فَلْيُفْصِحْ بِهِ ، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي ثَبَتَ الْمُدَّعَى ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ بِالْجَمِيعِ ذَلِكَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا هَامَةَ · ص 251 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا هَامَةَ · ص 252 5771 - وعن أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ، وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الْأَوَّلِ ، قُلْنَا : أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى ، فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ . قَوْلُهُ : ( وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ) كَذَا فِيهِ بِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ الْإِيرَادِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : لَا يُورِدُ ، بِلَفْظِ النَّفْيِ ، وَكَذَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَابِ . وَالْمُمْرِضُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ الَّذِي لَهُ إِبِلٌ مَرْضَى ، وَالْمُصِحُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مَنْ لَهُ إِبِلٌ صِحَاحٌ ، نَهَى صَاحِبَ الْإِبِلِ الْمَرِيضَةِ أَنْ يُورِدَهَا عَلَى الْإِبِلِ الصَّحِيحَةِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْمُمْرِضُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَمْرَضَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَ مَاشِيَتَهُ مَرَضٌ ، وَالْمُصِحُّ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَصَحَّ إِذَا أَصَابَ مَاشِيَتَهُ عَاهَةٌ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهَا وَصَحَّتْ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ : حَدِيثُ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِدُ الْجَامِعِ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى . قَوْلُهُ : ( وَقُلْنَا : أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ : لَا عَدْوَى ، فَأَبَى أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : فَقَالَ الْحَارِثُ : إِنَّكَ حَدَّثْتَنَا فَذَكَرَهُ قَالَ : فَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَضِبَ وَقَالَ : لَمْ أُحَدِّثْكَ مَا تَقُولُ . قَوْلُهُ : ( فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : فَمَا رَآهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى رَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ لِلْحَارِثِ : أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : إِنِّي قُلْتُ أَبَيْتُ . قَوْلُهُ : ( فَمَا رَأَيْتُهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَمَا رَأَيْنَاهُ ( نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ فَمَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَمْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلْآخَرِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَةَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَمَامَ التَّعَارُضِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْجُذَامِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : لَا عَدْوَى ، نَهْيٌ عَنِ اعْتِقَادِهَا وَقَوْلُهُ : لَا يُورِدُ ، سَبَبُ النَّهْيِ عَنِ الْإِيرَادِ خَشْيَةُ الْوُقُوعِ فِي اعْتِقَادِ الْعَدْوَى ، أَوْ خَشْيَةُ تَأْثِيرِ الْأَوْهَامِ ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي حَدِيثِ : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُذَامَ يُعْدِي يَجِدُ فِي نَفْسِهِ نَفْرَةً ، حَتَّى لَوْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ لَتَأَلَّمَتْ بِذَلِكَ ، فَالْأَوْلَى بِالْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمِثْلِ ذَلِكَ بَلْ يُبَاعِدُ أَسْبَابَ الْآلَامِ وَيُجَانِبُ طُرُقَ الْأَوْهَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَسْمَعُ هَذَا الْحَدِيثَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثَ مَنْ بَسَطَ رِدَاءَهُ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ مَقَالَتِي ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْسَى تِلْكَ الْمَقَالَةَ الَّتِي قَالَهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ لَا أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ النِّسْيَانُ أَصْلًا . وَقِيلَ : كَانَ الْحَدِيثُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ فَسَكَتَ عَنِ الْمَنْسُوخِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا عَدْوَى ، النَّهْيُ عَنِ الِاعْتِدَاءِ ، وَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ أُجْلِبَ عَلَيْهِ إِبِلًا جَرْبَاءَ أَرَادَ تَضْمِينَهُ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ فِي إِسْقَاطِ الضَّمَانِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَصَابَهَا مَا قُدِّرَ عَلَيْهَا وَمَا لَمْ تَكُنْ تَنْجُو مِنْهُ ، لِأَنَّ الْعَجْمَاءَ جُبَارٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ هَذَا عَلَى ظَنِّهِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ انْتَهَى . فَأَمَّا دَعْوَى نِسْيَانِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْحَدِيثِ فَهُوَ بِحَسَبِ مَا ظَنَّ أَبُو سَلَمَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ رِوَايَةُ يُونُسَ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا ، وَأَمَّا دَعْوَى النَّسْخِ فَمَرْدُودَةٌ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ ، وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ فَبَعِيدٌ مِنْ مَسَاقِ الْحَدِيثِ ، وَالَّذِي بَعْدَهُ أَبْعَدُ مِنْهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا خَبَرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ عَنْ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا جَازَ عِنْدَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِأَحَدِهِمَا وَيَسْكُتَ عَنِ الْآخَرِ حَسْبَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَافَ اعْتِقَادَ جَاهِلٍ يَظُنُّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ ، فَسَكَتَ عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَكَانَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَفِي جَوَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ جَوَازُ مُشَافَهَةِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فِي اعْتِقَادِهِ بِذِكْرِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ إِذَا كَانَ السَّائِلُ أَهْلًا لِفَهْمِهِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ قَاصِرًا فَيُخَاطَبُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ عَقْلُهُ مِنَ الْإِقْنَاعِيَّاتِ . قَالَ : وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِلْأَعْرَابِيِّ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ لِلطَّبَائِعِيِّينَ أَوَّلًا وَلِلْمُعْتَزِلَةِ ثَانِيًا ، فَقَالَ الطَّبَائِعِيُّونُ بِتَأْثِيرِ الْأَشْيَاءِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَإِيجَادِهَا إِيَّاهَا ، وَسَمَّوُا الْمُؤَثِّرَ طَبِيعَةً ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ بِنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالْمُتَوَلِّدَاتِ وَأَنَّ قَدَرَهُمْ مُؤَثِّرَةٌ فِيهَا بِالْإِيجَادِ ، وَأَنَّهُمْ خَالِقُونَ لِأَفْعَالِهِمْ مُسْتَقِلُّونَ بِاخْتِرَاعِهَا ، وَاسْتَنَدَ الطَّائِفَتَانِ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ الْحِسِّيَّةِ ، وَنَسَبُوا مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ إِلَى إِنْكَارِ الْبَدِيهَةِ ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ غَلَطًا فَاحِشًا لِالْتِبَاسِ إِدْرَاكِ الْحِسِّ بِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ ، فَإِنَّ الْمُشَاهَدَ إِنَّمَا هُوَ تَأْثِيرُ شَيْءٍ عِنْدَ شَيْءٍ آخَرَ ، وَهَذَا حَظُّ الْحِسِّ ، فَأَمَّا تَأْثِيرُهُ فَهُوَ فِيهِ حَظُّ الْعَقْلِ ، فَالْحِسُّ أَدْرَكَ وُجُودَ شَيْءٍ عِنْدَ وُجُودِ شَيْءٍ وَارْتِفَاعَهُ عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ ، أَمَّا إِيجَادُهُ بِهِ فَلَيْسَ لِلْحِسِّ فِيهِ مَدْخَلٌ ، فَالْعَقْلُ هُوَ الَّذِي يُفَرِّقُ فَيُحْكَمُ بِتَلَازُمِهِمَا عَقْلًا أَوْ عَادَةً مَعَ جَوَازِ التَّبَدُّلِ عَقْلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ وُقُوعُ تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ إِذَا جَمَعَهُمَا وَصْفٌ خَاصٌّ وَلَوْ تَبَايَنَا فِي الصُّورَةِ . وَفِيهِ شِدَّةُ وَرَعِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الْحَارِثِ أَغْضَبَهُ حَتَّى تَكَلَّمَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ خَشِيَ أَنْ يَظُنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَفَسَّرَ لَهُ فِي الْحَالِ مَا قَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا هامة · ص 287 باب لا هامة أي هذا باب يذكر فيه لا هامة ، وقد مر تفسيره في باب الجذام ، وهو بتخفيف الميم في رواية الكافة ، وخالفهم أبو زيد ، فقال : هي بالتشديد ، فكأنه يجعله من باب هم بالأمر إذا عزم عليه ، ومنه الحديث : كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام فيقول : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل سامة وهامة ، والهامة كل ذات سم تقتل ، والجمع الهوام ، فأما ما يسم ولا يقتل فهو السامة كالعقرب والزنبور ، وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات . 84 - حدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا هشام بن يوسف ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا عدوى ولا صفر ولا هامة ، فقال أعرابي : يا رسول الله ، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء ، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فمن أعدى الأول . مطابقته للترجمة في قوله : ولا هامة . وعبد الله بن محمد المسندي ، وبقية الرجال قد تكررت في الكتاب . والحديث مضى في باب : لا صفر ، فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبي صالح ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة وغيره ، وأخرجه أبو داود في الطب ، عن محمد بن المتوكل العسقلاني وغيره ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن محمد بن عبد الأعلى . قوله : لا عدوى ، أي : لا سراية للمرض عن صاحبه إلى غيره ، وقد مر تحقيقه غير مرة ، وكذا مر تفسير قوله : ولا صفر ولا هامة في باب الجذام . قوله : فما بال الإبل ؟ بالباء الموحدة ، أي : فما شأنها . قوله : كأنها الظباء بكسر الظاء المعجمة جمع ظبي ، شبهها بها في صفاء بدنها وسلامتها من الجرب وغيره من الأدواء . قوله : فيخالطها من المخالطة ، يعني يدخل البعير الأجرب بين الإبل الصحاح عن الجرب فيجربها بضم الياء ، يعني يعدي جربه إليها فتجرب . قوله : فمن أعدى الأول ؟ ، أي : من أجرب البعير الأول ، يعني ممن سرى إليه الجرب ، فإن قلت من بعير آخر يلزم التسلسل ، وإن قلت بسبب آخر فعليك بيانه ، وإن قلت إن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ثبت المدعى وهو أن الذي فعل في الجميع ذلك هو الله الخالق القادر على كل شيء ، وهذا جواب من النبي - صلى الله عليه وسلم - في غاية البلاغة والرشاقة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا هامة · ص 288 وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة بعد يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يوردن ممرض على مصح ، وأنكر أبو هريرة حديث الأول ، قلنا : ألم تحدث أنه لا عدوى ، فرطن بالحبشية . قال أبو سلمة : فما رأيته نسي حديثا غيره . قوله : وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة عطف على قوله : عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . قوله : بعد ، أي : بعد أن سمع منه : لا عدوى إلى آخره يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يوردن ممرض إلى آخره . قوله : لا يوردن بنون التأكيد للنهي عن الإيراد ، وفي رواية مسلم : لا يورد بلفظ النفي ، وهو خبر بمعنى النهي ، ومفعول لا يوردن محذوف تقديره : لا يوردن ممرض ماشية على ماشية مصح . قوله : ممرض بضم الميم الأولى وسكون الثانية وكسر الراء وبالضاد المعجمة وهو اسم فاعل من الإمراض ، من أمرض الرجل إذا وقع في ماله آفة ، والمراد بالممرض هنا الذي له إبل مرضى . قوله : على مصح بضم الميم وكسر الصاد المهملة وتشديد الحاء وهو الذي له إبل صحاح ، والتوفيق بين الحديثين بما قاله ابن بطال ، وهو أن لا عدوى إعلام بأنها لا حقيقة لها ، وأما النهي فلئلا يتوهم المصح أن مرضها من أجل ورود المرضى عليها فيكون داخلا بتوهمه ذلك في تصحيح ما أبطله النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من العدوى ، وقال النووي : المراد بقوله : لا عدوى يعني ما كانوا يعتقدونه أن المرض يعدي بطبعه ، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدرة الله تعالى وجعله ، وبقوله : لا يوردن الإرشاد إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله وقدره ، وقيل : النهي ليس للعدوى ، بل للتأذي بالرائحة الكريهة ونحوها . قوله : وأنكر أبو هريرة الحديث الأول وهو قوله : لا عدوى إلى آخره ، ووقع في رواية المستملي والسرخسي حديث الأول بالإضافة ، وهو من قبيل قولهم : مسجد الجامع . قوله : قلنا : ألم تحدث عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال : لا عدوى إلخ ، القائل أبو سلمة ومن معه في ذلك الوقت ، أي : قلنا لأبي هريرة : ألم تحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا عدوى إلى آخره . قوله : فرطن بالحبشية قال الكرماني : أي : تكلم بالعجمية ، أي : تكلم بما لا يفهم ، والحاصل في ذلك أنه غضب فتكلم بما لا يفهم ، ولا رطانة بالحبشية هنا حقيقة . قوله : فما رأيته ، أي : أبا هريرة . قوله : غيره ، أي : غير الحديث الذي هو قوله : لا عدوى إلى آخره . فإن قلت : قد مضى في باب حفظ العلم أن أبا هريرة قال : فما نسيت شيئا بعده ، أي : بعد بسط الرداء بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : هو قال : ما رأيته نسي ، ولا يلزم من عدم رؤيته النسيان نسيانه ، وقال في صحيح مسلم بهذه العبارة : لا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر ، وقال ابن التين : لعل أبا هريرة كان سمع هذا الحديث قبل أن يسمع من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حديث : من بسط رداءه ثم ضمه إليه لم ينس شيئا سمعه من مقالتي ، وقيل : المراد أنه لا ينسى تلك المقالة التي قالها ذلك اليوم لا أنه ينتفي عنه النسيان أصلا ، وقيل : كان الحديث الثاني ناسخا للأول فسكت عن المنسوخ ، وفيه نظر لا يخفى .