9 - بَاب الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ 533 ، 534 - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ : ، حَدَّثَنَا الْأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ . قَوْله ( بَابُ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ) قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ بَابَ الْإِبْرَادِ عَلَى بَابِ وَقْتِ الظُّهْرِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِبْرَادِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا قَبْلَهُ ، إِذْ وَقْتُ الْإِبْرَادِ هُوَ مَا إِذَا انْحَطَّتْ قُوَّةُ الْوَهَجِ مِنْ حَرِّ الظَّهِيرَةِ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ . أَوْ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ أَيْ مَالَتْ . قَوْله ( حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ أَيُّوبَ ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ وَالِدُ أَيُّوبَ ، رَوَى أَيُّوبُ عَنْهُ تَارَةً بِوَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِلَا وَاسِطَةٍ . قَوْله ( حَدَّثَنَا الْأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ ) هُوَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيمَا أَظُنُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ وَغَيْرُهُ . وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ . قَوْله ( وَنَافِعٌ ) هُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْأَعْرَجِ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بَعْضَهُ أَبْرِدُوا بِالظُهْرِ وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بَعْضَهُ شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ . قَوْله ( أَنَّهُمَا ) أَيْ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَابْنَ عُمَرَ ( حَدَّثَاهُ ) أَيْ حَدَّثَا مَنْ حَدَّثَ صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ أَنَّهُمَا يَعُودُ عَلَى الْأَعْرَجِ ، وَنَافِعٍ ، أَيْ أَنَّ الْأَعْرَجَ ، وَنَافِعًا حَدَّثَاهُ أَيْ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ شَيْخَيْهِمَا بِذَلِكَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُمَا حَدَّثَا بِغَيْرِ ضَمِيرٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ . قَوْله ( إِذَا اشْتَدَّ ) أَصْلُهُ اشْتَدَدَ بِوَزْنِ افْتَعَلَ مِنَ الشِّدَّةِ ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ إِحْدَى الدَّالَيْنِ فِي الْأُخْرَى ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْحَرَّ إِذَا لَمْ يَشْتَدَّ لَمْ يُشْرَعُ الْإِبْرَادُ ، وَكَذَا لَا يُشْرَعُ فِي الْبَرْدِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى . قَوْله ( فَأَبْرِدُوا ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، أَيْ أَخِّرُوا إِلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْتُ . يُقَالُ أَبْرَدَ إِذَا دَخَلَ فِي الْبَرْدِ ، كَأَظْهَرَ إِذَا دَخَلَ فِي الظَّهِيرَةِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَكَانِ أَنْجَدَ إِذَا دَخَلَ نَجْدًا ، وَأَتْهَمَ إِذَا دَخَلَ تِهَامَةَ . وَالْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ ، وَقِيلَ أَمْرُ إِرْشَادٍ ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ . حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، نَعَمْ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الظُهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ إِلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْتُ وَيَنْكَسِرَ الْوَهَجُ ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَالتَّعْجِيلُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، لَكِنْ خَصَّهُ بِالْبَلَدِ الْحَارِّ ، وَقَيَّدَ الْجَمَاعَةَ بِمَا إِذَا كَانُوا يَنْتَابُونَ مَسْجِدًا مِنْ بُعْدٍ ، فَلَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ كَانُوا يَمْشُونَ فِي كِنٍّ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِمُ التَّعْجِيلُ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ التَّسْوِيَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا قَيْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْكُوفِيِّينَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ التِّرْمِذِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْآتِي بَعْدَ هَذَا ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي سَفَرٍ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ لِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا سَتَأْتِي قَرِيبًا ، قَالَ : فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَأْمُرْ بِالْإِبْرَادِ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ ، وَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَنْتَابُوا مِنَ الْبُعْدِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلِاتِّبَاعِ . وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْعَسْكَرِ الْكَثِيرِ تَفْرِقَتُهُمْ فِي أَطْرَافِ الْمَنْزِلِ لِلتَّخْفِيفِ وَطَلَبِ الرَّعْيِ فَلَا نُسَلِّمُ اجْتِمَاعَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ . انْتَهَى . وَأَيْضًا فَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِاتِّخَاذِ خِبَاءٍ كَبِيرٍ يَجْمَعُهُمْ ، بَلْ كَانُوا يَتَفَرَّقُونَ فِي ظِلَالِ الشَّجَرِ ، وَلَيْسَ هُنَاكَ كِنٌّ يَمْشُونَ فِيهِ ، فَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ الْعَامِّ - وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ - مَعْنًى يُخَصِّصُهُ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْأُصُولِ ، لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ تَأَذِّيهِمْ بِالْحَرِّ فِي طَرِيقِهِمْ ، وَلِلْمُتَمَسِّكِ بِعُمُومِهِ أَنْ يَقُولَ : الْعِلَّةُ فِيهِ تَأَذِّيهِمْ بِحَرِّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ حَالَةَ السُّجُودِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ نَحْوَهُ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ الْأُولَى أَظْهَرُ ، فَإِنَّ الْإِبْرَادَ لَا يُزِيلُ الْحَرَّ عَنِ الْأَرْضِ ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ تَعْجِيلَ الظُهْرِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا . وَقَالُوا : مَعْنَى أَبْرِدُوا : صَلُّوْا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَخْذًا مِنْ بَرْدِ النَّهَارِ وَهُوَ أَوَّلُهُ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ : فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ إِذِ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّأْخِيرُ ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْآتِي صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : انْتَظِرِ . . انْتَظِرْ وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ خَبَّابٍ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا ؛ أَيْ : فَلَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَبِأَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ مَشَقَّةً فَتَكُونُ أَفْضَلَ ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأْخِيرًا زَائِدًا عَنْ وَقْتِ الْإِبْرَادِ وَهُوَ زَوَالُ حَرِّ الرَّمْضَاءِ ، وَذَلِكَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ الْوَقْتِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُمْ ، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَادِ فَإِنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، ثُمَّ قَالَ لَنَا : أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ الْحَدِيثَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَنَقَلَ الْخَلَّالُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ وَالتَّعْجِيلَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَمْرُ إِرْشَادٍ ، وَعَكَسَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : الْإِبْرَادُ أَفْضَلُ . وَحَدِيثُ خَبَّابٍ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَهُوَ الصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنِ الْوُجُوبِ . كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْمَنْعُ مِنَ التَّأْخِيرِ . وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِ خَبَّابٍ : فَلَمْ يُشْكِنَا أَيْ فَلَمْ يُحْوِجْنَا إِلَى شَكْوَى ، بَلْ أَذِنَ لَنَا فِي الْإِبْرَادِ ، حُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ ، وَيَرُدُّهُ أَنَّ فِي الْخَبَرِ زِيَادَةً رَوَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلَمْ يُشْكِنَا وَقَالَ : إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا وَأَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ كَمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ الْأَوَّلُ ، وَالْجَوَابُ عَنْ أَحَادِيثِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَنَّهَا عَامَّةٌ أَوْ مُطْلَقَةٌ ، وَالْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ خَاصٌّ فَهُوَ مُقَدَّمٌ ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَنْ قَالَ التَّعْجِيلُ أَكْثَرُ مَشَقَّةً فَيَكُونُ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْأَشَقِّ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَخَفُّ أَفْضَلَ كَمَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ . قَوْله ( بِالصَّلَاةِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَقِيلَ زَائِدَةٌ . وَمَعْنَى أَبْرِدُوا : أَخِّرُوا عَلَى سَبِيلِ التَّضْمِينِ أَيْ أَخِّرُوا الصَّلَاةَ . وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فَقِيلَ زَائِدَةٌ أَيْضًا أَوْ عَنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ ، أَوْ هِيَ لِلْمُجَاوَزَةِ أَيْ تَجَاوَزُوا وَقْتَهَا الْمُعْتَادَ إِلَى أَنْ تَنْكَسِرَ شِدَّةُ الْحَرِّ ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الظُهْرُ ؛ لِأَنَّهَا الصَّلَاةُ الَّتِي يَشْتَدُّ الْحَرُّ غَالِبًا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ ، فَلِهَذَا حَمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ عَلَى عُمُومِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ يَعُمُّ ، فَقَالَ بِهِ أَشْهَبُ فِي الْعَصْرِ ، وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي الشِّتَاءِ حَيْثُ قَالَ : تُؤَخَّرُ فِي الصَّيْفِ دُونَ الشِّتَاءِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِهِ فِي الْمَغْرِبِ وَلَا فِي الصُّبْحِ لِضِيقِ وَقْتِهِمَا . قَوْله ( فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ ) تَعْلِيلٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ التَّأْخِيرِ الْمَذْكُورِ ، وَهَلِ الْحِكْمَةُ فِيهِ دَفْعُ الْمَشَقَّةِ لِكَوْنِهَا قَدْ تَسْلُبُ الْخُشُوعَ ؟ وَهَذَا أَظْهَرُ ، أَوْ كَوْنِهَا الْحَالَةَ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا الْعَذَابُ ؟ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ لَهُ : أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ ؛ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُسَجَّرُ فِيهَا جَهَنَّمُ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّ الصَّلَاةَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ فَفِعْلَهَا مَظِنَّةٌ لِطَرْدِ الْعَذَابِ . فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَرْكِهَا ؟ وَأَجَابَ عَنْهُ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمَرِيُّ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ إِذَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَجَبَ قَبُولُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ ، وَاسْتَنْبَطَ لَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَعْنًى يُنَاسِبُهُ فَقَالَ : وَقْتُ ظُهُورِ أَثَرِ الْغَضَبِ لَا يُنْجَعُ فِيهِ الطَّلَبُ إِلَّا مِمَّنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ ، وَالصَّلَاةُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهَا طَلَبًا وَدُعَاءً فَنَاسَبَ الِاقْتِصَارَ عَنْهَا حِينَئِذٍ . وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ اعْتَذَرَ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ لِلْأُمَمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، سِوَى نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَعْتَذِرْ بَلْ طَلَبَ ؛ لِكَوْنِهِ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : سَجْرُ جَهَنَّمَ سَبَبُ فَيْحِهَا ، وَفَيْحُهَا سَبَبُ وُجُودِ شِدَّةِ الْحَرِّ وَهُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ سَلْبِ الْخُشُوعِ ، فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُصَلَّى فِيهَا . لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ سَجْرَهَا مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَالْإِبْرَادُ مُخْتَصٌّ بِشِدَّةِ الْحَرِّ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ ، فَحِكْمَةُ الْإِبْرَادِ دَفْعُ الْمَشَقَّةِ ، وَحِكْمَةُ التَّرْكِ وَقْتَ سَجْرِهَا لِكَوْنِهِ وَقْتَ ظُهُورِ أَثَرِ الْغَضَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْله ( مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ) أَيْ مِنْ سَعَةِ انْتِشَارِهَا وَتَنَفُّسِهَا ، وَمِنْهُ مَكَانٌ أَفْيَحُ أَيْ مُتَّسِعٌ ، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اسْتِعَارِهَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَثَارَ وَهَجِ الْحَرِّ فِي الْأَرْضِ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ حَقِيقَةٌ ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ ، أَيْ كَأَنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ فِي الْحَرِّ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ . وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ · ص 20 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الإبراد بالظهر في شدة الحر · ص 61 9 - باب الإبراد بالظهر في شدة الحر خرج فيه أربعة أحاديث : الحديث الأول : قال : 533 534 - ثنا أيوب بن سليمان بن بلال : ثنا أبو بكر ، عن سليمان ، قال صالح بن كيسان : حدثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره ، عن أبي هريرة - ونافع مولى عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر - ، أنهما حدثاه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . أبو بكر ، هو : ابن أبي أويس . وسليمان ، هو : ابن بلال . وهذا من جملة نسخة يرويها أيوب ، عن أبي بكر ، عن سليمان . والبخاري يخرج منها كثيرا ، وقد توقف فيها أبو حاتم الرازي ؛ لأنها مناولة ، فإنه قال : قال ابن أبي أويس : أخذت أنا وأيوب بن سليمان بن بلال من أخي ألفا ومائتي ورقة مناولة ، فعارضنا بها . قال أبو حاتم : فزهدت فيها من أجل ذلك ، فلم أسمعها من واحد منهما . ولكن الرواية بالمناولة جائزة عند الأكثرين . وقد ذكر الطبراني أن هذا الحديث تفرد به أيوب بهذا الإسناد . ولكن قد روي حديث الأعرج ، عن أبي هريرة من غير هذا الوجه . خرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عنه . وهو في الموطأ كذلك . وكذلك حديث نافع ، خرجه ابن ماجه - أيضا - من طريق الثقفي ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أبردوا بالظهر ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الإبراد بالظهر في شدة الحر · ص 19 ( باب الإبراد بالظهر في شدة الحر ) أي هذا باب في بيان فضل الإبراد بصلاة الظهر عند شدة الحر ، وسنفسر الإبراد في الحديث ، وإنما قدم الإبراد بالظهر على باب وقت الظهر للاهتمام به . 12 - ( حدثنا أيوب بن سليمان قال : حدثنا أبو بكر ، عن سليمان قال صالح بن كيسان : حدثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره ، عن أبي هريرة ونافع مولى عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر أنهما حدثاه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا اشتد الحر ، فأبردوا بالصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . مطابقته للترجمة من حيث إن المراد بقوله : ( فأبردوا بالصلاة ) هي صلاة الظهر ؛ لأن الإبراد ، إنما يكون في وقت يشتد الحر فيه ، وذلك وقت الظهر ، ولهذا صرح بالظهر في حديث أبي سعيد حيث قال : أبردوا بالظهر ، فإن شدة الحر من فيح جهنم ، على ما يأتي في آخر هذا الباب ، فالبخاري حمل المطلق على المقيد في هذه الترجمة . ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية : الأول أيوب بن سليمان بن بلال المدني ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين . الثاني أبو بكر ، واسمه عبد الحميد بن أبي أويس الأصبحي ، توفي سنة ثنتين ومائة . الثالث سليمان بن بلال والد أيوب المذكور . الرابع صالح بن كيسان . الخامس الأعرج ، وهو عبد الرحمن بن هرمز . السادس نافع مولى ابن عمر . السابع أبو هريرة . الثامن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة التثنية من الماضي في موضع واحد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه صحابيان وثلاثة من التابعين ، وهم صالح بن كيسان فإنه رأى عبد الله بن عمر قاله الواقدي والأعرج ونافع ، وفيه أن أبا بكر من أقران أيوب ، قوله : ( وغيره ) ، أي : وغير الأعرج الظاهر أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وروى أبو نعيم هذا الحديث في المستخرج من طريق آخر ، عن أيوب بن سليمان ولم يقل فيه وغيره ، قوله : ( ونافع ) بالرفع عطف على قوله : ( الأعرج ). ( ذكر معناه ) ، قوله : ( أنهما حدثاه ) ، أي : أن أبا هريرة وابن عمر حدثا من حدث صالح بن كيسان ، ويحتمل أن يعود الضمير في أنهما إلى الأعرج ونافع ، أي أن الأعرج ونافعا حدثاه ، أي : صالح بن كيسان ، عن شيخيهما بذلك ، ووقع في رواية الإسماعيلي أنهما حدثا بغير ضمير ، فلا يحتاج إلى التقدير المذكور ، قوله : ( إذا اشتد ) من الاشتداد من باب الافتعال ، وأصله : اشتدد ؛ أدغمت الدال الأولى في الثانية ، قوله : ( فأبردوا ) بفتح الهمزة من الإبراد ، قال الزمخشري في الفائق : حقيقة الإبراد : الدخول في البرد والباء للتعدية ، والمعنى : إدخال الصلاة في البرد ، ويقال : معناه : افعلوها في وقت البرد ، وهو الزمان الذي يتبين فيه شدة انكسار الحر ؛ لأن شدته تذهب الخشوع . وقال السفاقسي : أبردوا ، أي : ادخلوا في وقت الإبراد مثل أظلم دخل في الظلام ، وأمسى دخل في المساء . وقال الخطابي : الإبراد : انكسار شدة حر الظهيرة ، وذلك أن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد ، وليس ذلك بأن يؤخر إلى آخر برد النهار ، وهو برد العشى ، إذ فيه الخروج عن قول الأئمة ، قوله : ( بالصلاة ) ، وفي حديث أبي ذر الذي يأتي بعد هذا الحديث ، ( عن الصلاة ) والفرق بينهما : أن الباء هو الأصل ، وأما عن ففيه تضمين معنى التأخير ، أي : أخروا عنها مبردين ، وقيل : هما بمعنى واحد ؛ لأن عن تأتي بمعنى الباء ، كما يقال : رميت عن القوس ، أي : بالقوس ، وقيل : الباء زائدة ، والمعنى : أبردوا بالصلاة ، وقوله ( بالصلاة ) بالباء هو رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني ( عن الصلاة ) ، كما في حديث أبي ذر . وقال بعضهم في قوله ( بالصلاة ) : الباء للتعدية ، وقيل : زائدة ، ومعنى أبردوا أخروا على سبيل التضمين . ( قلت ) قوله : ( للتعدية ) غير صحيح ؛ لأنه لا يجمع في تعدية اللازم بين الهمزة والباء ، وقوله على سبيل التضمين أيضا غير صحيح ؛ لأن معنى التضمين في رواية عن ، كما ذكرنا ، لا في رواية الباء فافهم ، وقد ذكرنا أن المراد من الصلاة هي صلاة الظهر ، قوله : ( فإن شدة الحر ) الفاء فيه للتعليل ، أراد أن علة الأمر بالإبراد هي شدة الحر ، واختلف في حكمة هذا التأخير ، فقيل : دفع المشقة لكون شدة الحر مما يذهب الخشوع ، وقيل : لأنه وقت تسجر فيه جهنم ، كما روى مسلم من حديث عمرو بن عبسة حيث قال له - صلى الله عليه وسلم - : ( اقصر عن الصلاة عند استواء الشمس ، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم ) انتهى . فهذه الحالة ينتشر فيها العذاب . ( فإن قلت : ) الصلاة سبب الرحمة وإقامتها مظنة دفع العذاب فكيف أمر - صلى الله عليه وسلم - بتركها في هذه الحالة . ( قلت : ) أجيب عنه بجوابين : أحدهما قاله اليعمري : بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله ، وإن لم يفهم معناه . والآخر من جهة أهل الحكمة ، وهو : أن هذا الوقت وقت ظهور الغضب ، فلا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له ، كما في حديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم - عليهم السلام - للأمم بذلك ، سوى النبي - عليه الصلاة والسلام - فإنه أذن له في ذلك ، قوله : ( من فيح جهنم ) بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره حاء مهملة ، وهو سطوع الحر وفورانه ، ويقال : بالواو فوح وفاحت القدرة تفوح : إذا غلت . وقال ابن سيده : فاح الحر يفيح فيحا : سطع وهاج ، ويقال : هذا خارج مخرج التشبيه والتمثيل ، أي : كأنه فار جهنم في حرها ، ويقال : هو حقيقة ، وهو أن نثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة ، ويقوي هذا حديث : ( اشتكت النار إلى ربها ) ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وأما لفظ جهنم ، فقد قال قطرب : زعم يونس أنه اسم أعجمي ، وفي الزاهر لابن الأنباري قال : أكثر النحويين هي أعجمية لا تجري للتعريف والعجمة . وقال : إنه عربي ولم تجر للتعريف والتأنيث ، وفي المغيث : هي نعريب كهنام بالعبرانية ، وذكره في الصحاح في الرباعي ، ثم قال : هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث ، وفي المحكم : سميت جهنم لبعد قعرها ، ولم يقولوا فيها جهنام ، ويقال : بئر جهنام بعيدة القعر ، وبه سميت جهنم . وقال أبو عمرو : جهنام اسم ، وهو الغليظ البعيد القعر . ( ذكر ما يستنبط منه ) وهو على وجوه : الأول : أن فيه الأمر بالإبراد في صلاة الظهر ، واختلفوا في كيفية هذا الأمر ، فحكى القاضي عياض وغيره أن بعضهم ذهب إلى أن الأمر فيه للوجوب . وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ظاهر الأمر للوجوب فلم قلت للاستحباب ؟ ( قلت : ) للإجماع على عدمه . وقال بعضهم : وغفل الكرماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب . ( قلت ) لا يقال : إنه غفل بل الذين نقل عنهم فيه الإجماع كأنهم لم يعتبروا كلام من ادعى الوجوب ، فصار كالعدم ، وأجمعوا على أن الأمر للاستحباب . ( فإن قلت : ) ما القرينة الصارفة عن الوجوب وظاهر الكلام يقتضيه . ( قلت ) لما كانت العلة فيه دفع المشقة عن المصلي لشدة الحر ، وكان ذلك للشفقة عليه ، فصار من باب النفع له ، فلو كان للوجوب يصير عليه ، ويعود الأمر على موضعه بالنقض ، وفي التوضيح اختلف الفقهاء في الإبراد بالصلاة : فمنهم من لم يره ، وتأول الحديث على إيقاعها في برد الوقت ، وهو أوله ، والجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم على القول به ، ثم اختلفوا فقيل : إنه عزيمة ، وقيل : واجب تعويلا على صيغة الأمر ، وقيل : رخصة ونص عليه في البويطي ، وصححه الشيخ أبو علي من الشافعية وأغرب النووي فوصفه في الروضة بالشذوذ ، لكنه لم يحكه قولا وبنوا على ذلك أن من صلى في بيته أو مشى في كن إلى المسجد هل يسن له الإبراد ، إن قلنا رخصة لم يسن له ، إذ لا مشقة عليه في التعجيل ، وإن قلنا سنة أبرد ، وهو الأقرب لورود الأثر به مع ما اقترن به من العلة من أن شدة الحر من فيح جهنم . وقال صاحب الهداية من أصحابنا : يستحب الإبراد بالظهر في أيام الصيف ، ويستحب تقديمه في أيام الشتاء . ( فإن قلت ) يعارض حديث الإبراد حديث إمامة جبريل عليه الصلاة والسلام ؛ لأن إمامته في العصر في اليوم الأول فيما إذا صار ظل كل شيء مثله ، فدل ذلك على خروج وقت الظهر وحديث الإبراد دل على عدم خروج وقت الظهر ؛ لأن امتداد الحر في ديارهم في ذلك الوقت . ( قلت ) الآثار إذا تعارضت لا ينقضي الوقت الثابت بيقين بالشك ، وما لم يكن ثابتا بيقين هو وقت العصر لا يثبت بالشك . ( فإن قلت ) هل في الإبراد تحديد . ( قلت ) روى أبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - كان قدر صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام ، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام ، فهذا يدل على التحديد . اعلم أن هذا الأمر مختلف في الأقاليم والبلدان ولا يستوي في جميع المدن والأمصار ، وذلك لأن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر ، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول ، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الصيف في كل مكان ، وكانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة والمدينة ، وهما من الإقليم الثاني ثلاثة أقدام ، ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر أدار ثلاثة أقدام وشيء ، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله ، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام ، وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام وشيء ، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء ، فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني ، وفي التوضيح اختلف في مقدار وقته فقيل : أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت مقدار ما يظهر للحيطان ظل ، وظاهر النص أن المعتبر أن ينصرف منها قبل آخر الوقت ، ويؤيده حديث أبي ذر ( حتى رأينا فيء التلول ) . وقال مالك : إنه يؤخر الظهر إلى أن يصير الفيء ذراعا ، وسواء في ذلك الصيف والشتاء . وقال أشهب في مدونته : لا يؤخر الظهر إلى آخر وقتها . وقال ابن بزيزة : ذكر أهل النقل عن مالك أنه كره أن يصلى الظهر في أول الوقت ، وكان يقول : هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء ، وأجاز ابن عبد الحكم التأخير إلى آخر الوقت ، وحكى أبو الفرج ، عن مالك : أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر ، وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد وإسحاق يؤخرها حتى يبرد الحر ، الوجه الثاني أن بعض الناس استدلوا بقوله : ( فأبردوا بالصلاة ) على أن الإبراد يشرع في يوم الجمعة أيضا ؛ لأن لفظ الصلاة يطلق على الظهر والجمعة ، والتعليل مستمر فيها ، وفي التوضيح اختلف في الإبراد بالجمعة على وجهين لأصحابنا أصحهما عند جمهورهم لا يشرع ، وهو مشهور مذهب مالك أيضا ، فإن التبكير سنة فيها ، انتهى . ( قلت ) مذهبنا أيضا التبكير يوم الجمعة لما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل يستظلون به من شدة التبكير لها أول الوقت . فدل على عدم الإبراد والمراد بالصلاة في الحديث الظهر ، كما ذكرنا فعلى هذا لا يبرد بالعصر إذا اشتد الحر فيه . وقال ابن بزيزة : إذا اشتد الحر في العصر هل يبرد بها أم لا ؟ المشهور نفي الإبراد بها وتفرد أشهب بإبراده . وقال أيضا : وهل يبرد الفذ أم لا ؟ والظاهر أن الإبراد مخصوص بالجماعة ، وهل يبرد في زمن الشتاء أم لا ؟ فيه قولان ، والظاهر نفيه ، وهل يبرد بالجمعة أم لا ؟ المشهور نفيه . الوجه الثالث : فيه دليل على وجود جهنم الآن .