حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الإبراد بالظهر في شدة الحر

( باب الإبراد بالظهر في شدة الحر )

12 - ( حدثنا أيوب بن سليمان قال : حدثنا أبو بكر ، عن سليمان قال صالح بن كيسان : حدثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره ، عن أبي هريرة ونافع مولى عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر أنهما حدثاه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا اشتد الحر ، فأبردوا بالصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . مطابقته للترجمة من حيث إن المراد بقوله : ( فأبردوا بالصلاة ) هي صلاة الظهر ؛ لأن الإبراد ، إنما يكون في وقت يشتد الحر فيه ، وذلك وقت الظهر ، ولهذا صرح بالظهر في حديث أبي سعيد حيث قال : أبردوا بالظهر ، فإن شدة الحر من فيح جهنم ، على ما يأتي في آخر هذا الباب ، فالبخاري حمل المطلق على المقيد في هذه الترجمة .

( ذكر رجاله ) وهم ثمانية : الأول أيوب بن سليمان بن بلال المدني ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين . الثاني أبو بكر ، واسمه عبد الحميد بن أبي أويس الأصبحي ، توفي سنة ثنتين ومائة . الثالث سليمان بن بلال والد أيوب المذكور .

الرابع صالح بن كيسان . الخامس الأعرج ، وهو عبد الرحمن بن هرمز . السادس نافع مولى ابن عمر .

السابع أبو هريرة . الثامن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة التثنية من الماضي في موضع واحد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه صحابيان وثلاثة من التابعين ، وهم صالح بن كيسان فإنه رأى عبد الله بن عمر قاله الواقدي والأعرج ونافع ، وفيه أن أبا بكر من أقران أيوب ، قوله : ( وغيره ) ، أي : وغير الأعرج الظاهر أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وروى أبو نعيم هذا الحديث في المستخرج من طريق ج٥ / ص٢٠آخر ، عن أيوب بن سليمان ولم يقل فيه وغيره ، قوله : ( ونافع ) بالرفع عطف على قوله : ( الأعرج ) .

( ذكر معناه ) ، قوله : ( أنهما حدثاه ) ، أي : أن أبا هريرة وابن عمر حدثا من حدث صالح بن كيسان ، ويحتمل أن يعود الضمير في أنهما إلى الأعرج ونافع ، أي أن الأعرج ونافعا حدثاه ، أي : صالح بن كيسان ، عن شيخيهما بذلك ، ووقع في رواية الإسماعيلي أنهما حدثا بغير ضمير ، فلا يحتاج إلى التقدير المذكور ، قوله : ( إذا اشتد ) من الاشتداد من باب الافتعال ، وأصله : اشتدد ؛ أدغمت الدال الأولى في الثانية ، قوله : ( فأبردوا ) بفتح الهمزة من الإبراد ، قال الزمخشري في الفائق : حقيقة الإبراد : الدخول في البرد والباء للتعدية ، والمعنى : إدخال الصلاة في البرد ، ويقال : معناه : افعلوها في وقت البرد ، وهو الزمان الذي يتبين فيه شدة انكسار الحر ؛ لأن شدته تذهب الخشوع . وقال السفاقسي : أبردوا ، أي : ادخلوا في وقت الإبراد مثل أظلم دخل في الظلام ، وأمسى دخل في المساء . وقال الخطابي : الإبراد : انكسار شدة حر الظهيرة ، وذلك أن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد ، وليس ذلك بأن يؤخر إلى آخر برد النهار ، وهو برد العشى ، إذ فيه الخروج عن قول الأئمة ، قوله : ( بالصلاة ) ، وفي حديث أبي ذر الذي يأتي بعد هذا الحديث ، ( عن الصلاة ) والفرق بينهما : أن الباء هو الأصل ، وأما عن ففيه تضمين معنى التأخير ، أي : أخروا عنها مبردين ، وقيل : هما بمعنى واحد ؛ لأن عن تأتي بمعنى الباء ، كما يقال : رميت عن القوس ، أي : بالقوس ، وقيل : الباء زائدة ، والمعنى : أبردوا بالصلاة ، وقوله ( بالصلاة ) بالباء هو رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني ( عن الصلاة ) ، كما في حديث أبي ذر .

وقال بعضهم في قوله ( بالصلاة ) : الباء للتعدية ، وقيل : زائدة ، ومعنى أبردوا أخروا على سبيل التضمين . ( قلت ) قوله : ( للتعدية ) غير صحيح ؛ لأنه لا يجمع في تعدية اللازم بين الهمزة والباء ، وقوله على سبيل التضمين أيضا غير صحيح ؛ لأن معنى التضمين في رواية عن ، كما ذكرنا ، لا في رواية الباء فافهم ، وقد ذكرنا أن المراد من الصلاة هي صلاة الظهر ، قوله : ( فإن شدة الحر ) الفاء فيه للتعليل ، أراد أن علة الأمر بالإبراد هي شدة الحر ، واختلف في حكمة هذا التأخير ، فقيل : دفع المشقة لكون شدة الحر مما يذهب الخشوع ، وقيل : لأنه وقت تسجر فيه جهنم ، كما روى مسلم من حديث عمرو بن عبسة حيث قال له - صلى الله عليه وسلم - : ( اقصر عن الصلاة عند استواء الشمس ، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم ) انتهى . فهذه الحالة ينتشر فيها العذاب .

( فإن قلت : ) الصلاة سبب الرحمة وإقامتها مظنة دفع العذاب فكيف أمر - صلى الله عليه وسلم - بتركها في هذه الحالة . ( قلت : ) أجيب عنه بجوابين : أحدهما قاله اليعمري : بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله ، وإن لم يفهم معناه . والآخر من جهة أهل الحكمة ، وهو : أن هذا الوقت وقت ظهور الغضب ، فلا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له ، كما في حديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم - عليهم السلام - للأمم بذلك ، سوى النبي - عليه الصلاة والسلام - فإنه أذن له في ذلك ، قوله : ( من فيح جهنم ) بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره حاء مهملة ، وهو سطوع الحر وفورانه ، ويقال : بالواو فوح وفاحت القدرة تفوح : إذا غلت .

وقال ابن سيده : فاح الحر يفيح فيحا : سطع وهاج ، ويقال : هذا خارج مخرج التشبيه والتمثيل ، أي : كأنه فار جهنم في حرها ، ويقال : هو حقيقة ، وهو أن نثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة ، ويقوي هذا حديث : ( اشتكت النار إلى ربها ) ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وأما لفظ جهنم ، فقد قال قطرب : زعم يونس أنه اسم أعجمي ، وفي الزاهر لابن الأنباري قال : أكثر النحويين هي أعجمية لا تجري للتعريف والعجمة . وقال : إنه عربي ولم تجر للتعريف والتأنيث ، وفي المغيث : هي نعريب كهنام بالعبرانية ، وذكره في الصحاح في الرباعي ، ثم قال : هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث ، وفي المحكم : سميت جهنم لبعد قعرها ، ولم يقولوا فيها جهنام ، ويقال : بئر جهنام بعيدة القعر ، وبه سميت جهنم . وقال أبو عمرو : جهنام اسم ، وهو الغليظ البعيد القعر .

( ذكر ما يستنبط منه ) وهو على وجوه : الأول : أن فيه الأمر بالإبراد في صلاة الظهر ، واختلفوا في كيفية هذا الأمر ، فحكى القاضي عياض وغيره أن بعضهم ذهب إلى أن الأمر فيه للوجوب . وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ظاهر الأمر للوجوب فلم قلت للاستحباب ؟ ( قلت : ) للإجماع على عدمه . وقال بعضهم : وغفل الكرماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب .

( قلت ) لا يقال : إنه غفل بل الذين نقل عنهم فيه الإجماع كأنهم لم يعتبروا كلام من ادعى الوجوب ، فصار كالعدم ، وأجمعوا على أن الأمر للاستحباب . ( فإن قلت : ) ما القرينة الصارفة ج٥ / ص٢١عن الوجوب وظاهر الكلام يقتضيه . ( قلت ) لما كانت العلة فيه دفع المشقة عن المصلي لشدة الحر ، وكان ذلك للشفقة عليه ، فصار من باب النفع له ، فلو كان للوجوب يصير عليه ، ويعود الأمر على موضعه بالنقض ، وفي التوضيح اختلف الفقهاء في الإبراد بالصلاة : فمنهم من لم يره ، وتأول الحديث على إيقاعها في برد الوقت ، وهو أوله ، والجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم على القول به ، ثم اختلفوا فقيل : إنه عزيمة ، وقيل : واجب تعويلا على صيغة الأمر ، وقيل : رخصة ونص عليه في البويطي ، وصححه الشيخ أبو علي من الشافعية وأغرب النووي فوصفه في الروضة بالشذوذ ، لكنه لم يحكه قولا وبنوا على ذلك أن من صلى في بيته أو مشى في كن إلى المسجد هل يسن له الإبراد ، إن قلنا رخصة لم يسن له ، إذ لا مشقة عليه في التعجيل ، وإن قلنا سنة أبرد ، وهو الأقرب لورود الأثر به مع ما اقترن به من العلة من أن شدة الحر من فيح جهنم .

وقال صاحب الهداية من أصحابنا : يستحب الإبراد بالظهر في أيام الصيف ، ويستحب تقديمه في أيام الشتاء . ( فإن قلت ) يعارض حديث الإبراد حديث إمامة جبريل عليه الصلاة والسلام ؛ لأن إمامته في العصر في اليوم الأول فيما إذا صار ظل كل شيء مثله ، فدل ذلك على خروج وقت الظهر وحديث الإبراد دل على عدم خروج وقت الظهر ؛ لأن امتداد الحر في ديارهم في ذلك الوقت . ( قلت ) الآثار إذا تعارضت لا ينقضي الوقت الثابت بيقين بالشك ، وما لم يكن ثابتا بيقين هو وقت العصر لا يثبت بالشك .

( فإن قلت ) هل في الإبراد تحديد . ( قلت ) روى أبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - كان قدر صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام ، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام ، فهذا يدل على التحديد . اعلم أن هذا الأمر مختلف في الأقاليم والبلدان ولا يستوي في جميع المدن والأمصار ، وذلك لأن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر ، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول ، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الصيف في كل مكان ، وكانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة والمدينة ، وهما من الإقليم الثاني ثلاثة أقدام ، ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر أدار ثلاثة أقدام وشيء ، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله ، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام ، وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام وشيء ، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء ، فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني ، وفي التوضيح اختلف في مقدار وقته فقيل : أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت مقدار ما يظهر للحيطان ظل ، وظاهر النص أن المعتبر أن ينصرف منها قبل آخر الوقت ، ويؤيده حديث أبي ذر ( حتى رأينا فيء التلول ) .

وقال مالك : إنه يؤخر الظهر إلى أن يصير الفيء ذراعا ، وسواء في ذلك الصيف والشتاء . وقال أشهب في مدونته : لا يؤخر الظهر إلى آخر وقتها . وقال ابن بزيزة : ذكر أهل النقل عن مالك أنه كره أن يصلى الظهر في أول الوقت ، وكان يقول : هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء ، وأجاز ابن عبد الحكم التأخير إلى آخر الوقت ، وحكى أبو الفرج ، عن مالك : أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر ، وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد وإسحاق يؤخرها حتى يبرد الحر ، الوجه الثاني أن بعض الناس استدلوا بقوله : ( فأبردوا بالصلاة ) على أن الإبراد يشرع في يوم الجمعة أيضا ؛ لأن لفظ الصلاة يطلق على الظهر والجمعة ، والتعليل مستمر فيها ، وفي التوضيح اختلف في الإبراد بالجمعة على وجهين لأصحابنا أصحهما عند جمهورهم لا يشرع ، وهو مشهور مذهب مالك أيضا ، فإن التبكير سنة فيها ، انتهى .

( قلت ) مذهبنا أيضا التبكير يوم الجمعة لما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل يستظلون به من شدة التبكير لها أول الوقت . فدل على عدم الإبراد والمراد بالصلاة في الحديث الظهر ، كما ذكرنا فعلى هذا لا يبرد بالعصر إذا اشتد الحر فيه . وقال ابن بزيزة : إذا اشتد الحر في العصر هل يبرد بها أم لا ؟ المشهور نفي الإبراد بها وتفرد أشهب بإبراده .

وقال أيضا : وهل يبرد الفذ أم لا ؟ والظاهر أن الإبراد مخصوص بالجماعة ، وهل يبرد في زمن الشتاء أم لا ؟ فيه قولان ، والظاهر نفيه ، وهل يبرد بالجمعة أم لا ؟ المشهور نفيه . الوجه الثالث : فيه دليل على وجود جهنم الآن .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث