536 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ . 537 - وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا ، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ . 876 قَوْله ( حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ . قَوْله ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ ، عَنْ أَبِي قُدَامَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ وَحْدَهُ ، وَالطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَانِ ، فَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ السَّرَّاجِ ، سِتَّتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْله ( وَاشْتَكَتِ النَّارُ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ : وَاشْتَكَتِ النَّارُ وَفَاعِلُ قَالَ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَبْلُ ، وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا أَوْ مُعَلَّقًا . وَقَدْ أَفْرَدَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، وَكَذَلِكَ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّكْوَى هَلْ هِيَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ ؟ وَاخْتَارَ كُلًّا طَائِفَةٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ وَنَظَائِرُ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : إِنَّهُ الْأَظْهَرُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا إِحَالَةَ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ . قَالَ : وَإِذَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ بِأَمْرٍ جَائِزٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْوِيلِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ هُوَ الصَّوَابُ . وَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ التُّورِبِشْتِيُّ ، وَرَجَّحَ الْبَيْضَاوِيُّ حَمْلَهُ عَلَى الْمَجَازِ فَقَالَ : شَكَوَاهَا مَجَازٌ عَنْ غَلَيَانِهَا ، وَأَكْلُهَا بَعْضُهَا بَعْضًا مَجَازٌ عَنِ ازْدِحَامِ أَجْزَائِهَا ، وَتَنَفُّسُهَا مَجَازٌ عَنْ خُرُوجِ مَا يَبْرُزُ مِنْهَا . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْمُخْتَارُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِصَلَاحِيَّةِ الْقُدْرَةِ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ اسْتِعَارَةَ الْكَلَامِ لِلْحَالِ وَإِنْ عُهِدَتْ وَسُمِعَتْ ، لَكِنَّ الشَّكْوَى وَتَفْسِيرَهَا وَالتَّعْلِيلَ لَهُ وَالْإِذْنَ وَالْقَبُولَ وَالتَّنَفُّسَ وَقَصْرَهُ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَطْ بَعِيدٌ مِنَ الْمَجَازِ خَارِجٌ عَمَّا أُلِفَ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ . قَوْلُهُ ( بِنَفَسَيْنِ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَالنَّفَسُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْجَوْفِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْهَوَاءِ . قَوْله ( نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا عَلَى الْبَدَلِ أَوِ الْبَيَانِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ . قَوْله ( أَشُدُّ ) يَجُوزُ الْكَسْرُ فِيهِ عَلَى الْبَدَلِ ، لَكِنَّهُ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : فَذَلِكَ أَشَدُّ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : جَعْلَ أَشَدَّ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ أَوْلَى ، وَالتَّقْدِيرُ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ ذَلِكَ النَّفَسِ . قُلْتُ : يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظٍ فَهُوَ أَشَدُّ ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ ، وَفِي سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ ، وَهُوَ مُرَتَّبٌ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ . وَالْمُرَادُ بِالزَّمْهَرِيرِ شِدَّةُ الْبَرْدِ ، وَاسْتُشْكِلَ وُجُودُهُ فِي النَّارِ ، وَلَا إِشْكَالَ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّارِ مَحَلُّهَا ، وَفِيهَا طَبَقَةٌ زَمْهَرِيرِيَّةٌ : وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ النَّارَ لَا تُخْلَقُ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( تَنْبِيهَانِ ) الْأَوَّلُ : قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهَا مَشْرُوعِيَّةُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ شِدَّةِ الْبَرْدِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ غَالِبًا فِي وَقْتِ الصُّبْحِ فَلَا تَزُولُ إِلَّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ، فَلَوْ أُخِّرَتْ لَخَرَجَ الْوَقْتُ . الثَّانِي : النَّفَسُ الْمَذْكُورُ يَنْشَأُ عَنْهُ أَشَدُّ الْحَرِّ فِي الصَّيْفِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرْ فِي الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ عَلَى أَشَدِّهِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ شَدِيدِهِ أَيْضًا ، فَالْأَشَدِّيَّةُ تَحْصُلُ عِنْدَ التَّنَفُّسِ ، وَالشِّدَّةُ مُسْتَمِرَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَسْتَمِرُّ الْإِبْرَادُ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ الشِّدَّةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ · ص 23 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الإبراد بالظهر في شدة الحر · ص 62 الحديث الثالث : قال : 536 - ثنا علي بن عبد الله المديني : ثنا سفيان ، قال : حفظناه من الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . 537 ( واشتكت النار إلى ربها ، فقالت : ربي ، أكل بعضي بعضا . فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ) . قول سفيان بن عيينة : ( حفظناه من الزهري عن سعيد ) يشير إلى أنه إنما حفظه عن الزهري ، عن ابن المسيب ، لم يحفظه عنه عن أبي سلمة . وقد روي عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد أو أبي سلمة - بالشك . ذكره الدارقطني . وروي عن الزهري ، عن أبي سلمة وحده ، عن أبي هريرة - : قاله عنه شعيب بن أبي حمزة . وقد خرج البخاري في بدء الخلق من طريقه بهذا الإسناد حديث : ( اشتكت النار إلى ربها ) . ورواه جماعة ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة - معا - ، عن أبي هريرة . وقد خرج مسلم حديث : الإبراد من رواية الليث ويونس وعمرو بن الحارث ، عن الزهري ، عنهما . وخرج حديث : ( اشتكت النار ) من حديث يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة وحده . وروى حديث [الإبراد] عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة - معا - : يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر وابن جريج وابن أبي ذئب ومعمر وغيرهم . قال الدارقطني : القولان محفوظان عن الزهري . يعني : عن سعيد وأبي سلمة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الإبراد بالظهر في شدة الحر · ص 23 14 - ( حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حفظناه من الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا اشتد الحر ، فأبردوا بالصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم ، واشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا ، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ذكروا غير مرة ، وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري محمد بن مسلم بن شهاب . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه القول والحفظ ، وفي رواية الإسماعيلي حدثنا الزهري ، ورواية البخاري أبلغ ؛ لأن حفظ الحديث عن شيخ فوق مجرد سماعه منه ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه النسائي في الصلاة أيضا ، عن قتيبة ، وعن محمد بن عبد الله كلاهما ، عن علي بن المديني . ( ذكر معناه وإعرابه ) ، قوله : ( اشتكت النار ) قيل : إنه موقوف ، وقيل : إنه معلق ، وهو غير صحيح بل هو داخل في الإسناد المذكور والدليل عليه أن في رواية الإسماعيلي قال : واشتكت النار ، أي : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتكت النار ، وشكوى النار إلى ربها يحتمل وجهين : أحدهما أن يكون بطريق الحقيقة وإليه ذهب عياض . وقال القرطبي : لا إحالة في حمل اللفظ على الحقيقة ؛ لأن المخبر الصادق بأمر جائز لا يحتاج إلى تأويله فحمله على حقيقته أولى . وقال النووي نحو ذلك ، ثم قال : حمله على حقيقته هو الصواب . وقال نحو ذلك الشيخ التوربشتي . ( قلت ) قدرة الله تعالى أعظم من ذلك ؛ لأنه يخلق فيها آلة الكلام ، كما خلق لهدهد سليمان ما خلق من العلم والإدراك ، كما أخبر الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم وحكى عن النار حيث تقول : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وورد أن الجنة إذا سألها عبد أمنت على دعائه ، وكذا النار . وقال ابن المنير : حمله على الحقيقة هو المختار لصلاحية القدرة لذلك ، ولأن استعارة الكلام للحال ، وإن عهدت وسمعت ، لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله . وقال الداودي ، وهو يدل على أن النار تفهم وتعقل ، وقد جاء أنه ليس شيء أسمع من الجنة والنار ، وقد ورد أن النار تخاطب سيدنا محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتخاطب المؤمن بقولها : جز يا مؤمن ، فقد أطفأ نورك لهبي ، والوجه الثاني أن يكون بلسان الحال ، كما قال عنترة : وشكى إلي بعبرة وتحمحم وقال الآخر : يشكو إلي جملي طول السرى مهلا رويدا فكلانا مبتلى ورجع البيضاوي حمله على المجاز ، فقال : شكوها مجاز عن غليانها وأكلها بعضها بعضا مجاز عن ازدحام أجزائها ، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها ، قوله : ( بنفسين ) تثنية نفس بفتح الفاء ، وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء ، قوله : ( نفس ) في الموضعين بالجر على البدل أو البيان ويجوز فيهما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير : أحدهما نفس في الشتاء والآخر نفس في الصيف ، ويجوز فيهما النصب على تقدير : أعني نفسا في الشتاء ونفسا في الصيف ، قوله : ( أشد ما تجدون ) بجر أشد على أنه بدل من نفس أو بيان ، ويروى بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو أشد ما تجدون . وقال البيضاوي : هو خبر مبتدأ محذوف تقديره : فذلك أشد . وقال الطيبي : جعل أشد مبتدأ محذوف الخبر أولى ، والتقدير : أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس ، انتهى . ويؤيد الوجه الأول رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ : فهو أشد ، ويؤيد الوجه الثاني رواية النسائي من وجه آخر بلفظ : فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم ، وفي اللفظ الذي رواه البخاري لف ونشر على غير الترتيب ، ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النار ؛ لأن المراد من النار محلها ، وهو جهنم ، وفيها طبقة زمهريرية ، ويقال : لا منافاة في الجمع بين الحر والبرد في النار ؛ لأن النار عبارة عن جهنم ، وقد ورد أن في بعض زواياها نارا ، وفي الأخرى الزمهرير ، وليس محلا واحدا يستحيل أن يجتمعا فيه . ( قلت ) الذي خلق الملك من ثلج ونار قادر على جمع الضدين في محل واحد ، وأيضا فالنار من أمور الآخرة ، وأمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا ، وفي التوضيح قال ابن عباس : خلق الله النار على أربعة ، فنار تأكل وتشرب ، ونار لا تأكل ولا تشرب ، ونار تشرب ولا تأكل ، وعكسه فالأولى التي خلقت منها الملائكة ، والثانية التي في الحجارة ، وقيل : التي رؤيت لموسى عليه السلام ليلة المناجاة ، والثالثة التي في البحر ، وقيل : التي خلقت منها الشمس ، والرابعة نار الدنيا ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم ، بل يسيل ذلك إلى طين الخبال ، وأخبر الشارع أن عصارة أهل النار شراب من مات مصرا على شرب الخمر ، والذي في الصحيح أن نار الدنيا خلقت من نار جهنم . وقال ابن عباس : ضربت بالماء سبعين مرة ، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق ، وإنما خلقها الله تعالى ؛ لأنها من تمام الأمور الدنيوية ، وفيها تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استحباب الإبراد بالظهر عند اشتداد الحر في الصيف ، وفيه أن جهنم مخلوقة الآن ، خلافا لمن يقول من المعتزلة أنها تخلق يوم القيامة ، وفيه أن الشكوى تتصور من جماد ومن حيوان أيضا ، كما جاء في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - شكوى الجذع وشكوى الجمل على ما عرف في موضعه ، وفيه أن المراد من قوله : ( فأبردوا بالصلاة هو صلاة الظهر ) ، كما ذكرناه .