باب الإبراد بالظهر في شدة الحر
( حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حفظناه من الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا اشتد الحر ، فأبردوا بالصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم ، واشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا ، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ذكروا غير مرة ، وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري محمد بن مسلم بن شهاب .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه القول والحفظ ، وفي رواية الإسماعيلي حدثنا الزهري ، ورواية البخاري أبلغ ؛ لأن حفظ الحديث عن شيخ فوق مجرد سماعه منه ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه النسائي في الصلاة أيضا ، عن قتيبة ، وعن محمد بن عبد الله كلاهما ، عن علي بن المديني . ( ذكر معناه وإعرابه ) ، قوله : ( اشتكت النار ) قيل : إنه موقوف ، وقيل : إنه معلق ، وهو غير صحيح بل هو داخل في الإسناد المذكور والدليل عليه أن في رواية الإسماعيلي قال : واشتكت النار ، أي : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتكت النار ، وشكوى النار إلى ربها يحتمل وجهين : أحدهما أن يكون بطريق الحقيقة وإليه ذهب عياض .
وقال القرطبي : لا إحالة في حمل اللفظ على الحقيقة ؛ لأن المخبر الصادق بأمر جائز لا يحتاج إلى تأويله فحمله على حقيقته أولى . وقال النووي نحو ذلك ، ثم قال : حمله على حقيقته هو الصواب . وقال نحو ذلك الشيخ التوربشتي .
( قلت ) قدرة الله تعالى أعظم من ذلك ؛ لأنه يخلق فيها آلة الكلام ، كما خلق لهدهد سليمان ما خلق من العلم والإدراك ، كما أخبر الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم وحكى عن النار حيث تقول : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وورد أن الجنة إذا سألها عبد أمنت على دعائه ، وكذا النار . وقال ابن المنير : حمله على الحقيقة هو المختار لصلاحية القدرة لذلك ، ولأن استعارة الكلام للحال ، وإن عهدت وسمعت ، لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله . وقال الداودي ، وهو يدل على أن النار تفهم وتعقل ، وقد جاء أنه ليس شيء أسمع من الجنة والنار ، وقد ورد أن النار تخاطب سيدنا محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتخاطب المؤمن بقولها : جز يا مؤمن ، فقد أطفأ نورك لهبي ، والوجه الثاني أن يكون بلسان الحال ، كما قال عنترة : وشكى إلي بعبرة وتحمحم وقال الآخر : يشكو إلي جملي طول السرى مهلا رويدا فكلانا مبتلى ورجع البيضاوي حمله على المجاز ، فقال : شكوها مجاز عن غليانها وأكلها بعضها بعضا مجاز عن ازدحام أجزائها ، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها ، قوله : ( بنفسين ) تثنية نفس بفتح الفاء ، وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء ، قوله : ( نفس ) في الموضعين بالجر على البدل أو البيان ويجوز فيهما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير : أحدهما نفس في الشتاء والآخر نفس في الصيف ، ويجوز فيهما النصب على تقدير : أعني نفسا في الشتاء ونفسا في الصيف ، قوله : ( أشد ما تجدون ) بجر أشد على أنه بدل من نفس أو بيان ، ويروى بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو أشد ما تجدون .
وقال البيضاوي : هو خبر مبتدأ محذوف تقديره : فذلك أشد . وقال الطيبي : جعل أشد مبتدأ محذوف الخبر أولى ، والتقدير : أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس ، انتهى . ويؤيد الوجه الأول رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ : فهو أشد ، ويؤيد الوجه الثاني رواية النسائي من وجه آخر بلفظ : فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم ، وفي اللفظ الذي رواه البخاري لف ونشر على غير الترتيب ، ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النار ؛ لأن المراد من النار محلها ، وهو جهنم ، وفيها طبقة زمهريرية ، ويقال : لا منافاة في الجمع بين الحر والبرد في النار ؛ لأن النار عبارة عن جهنم ، وقد ورد أن في بعض زواياها نارا ، وفي الأخرى الزمهرير ، وليس محلا واحدا يستحيل أن يجتمعا فيه .
( قلت ) الذي خلق الملك من ثلج ونار قادر على جمع الضدين في محل واحد ، وأيضا فالنار من أمور الآخرة ، وأمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا ، وفي التوضيح قال ابن عباس : خلق الله النار على أربعة ، فنار تأكل وتشرب ، ونار لا تأكل ولا تشرب ، ونار تشرب ولا تأكل ، وعكسه فالأولى التي خلقت منها الملائكة ، والثانية التي في الحجارة ، وقيل : التي رؤيت لموسى عليه السلام ليلة المناجاة ، والثالثة التي في البحر ، وقيل : التي خلقت منها الشمس ، والرابعة نار الدنيا ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم ، بل يسيل ذلك إلى طين الخبال ، وأخبر الشارع أن عصارة أهل النار شراب من مات مصرا على شرب الخمر ، والذي في الصحيح أن نار الدنيا خلقت من نار جهنم . وقال ابن عباس : ضربت بالماء سبعين مرة ، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق ، وإنما خلقها الله تعالى ؛ لأنها من تمام الأمور الدنيوية ، وفيها تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استحباب الإبراد بالظهر عند اشتداد الحر في الصيف ، وفيه أن جهنم مخلوقة الآن ، خلافا لمن يقول من المعتزلة أنها تخلق يوم القيامة ، وفيه أن الشكوى تتصور من جماد ومن حيوان أيضا ، كما جاء في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - شكوى الجذع وشكوى الجمل على ما عرف في موضعه ، وفيه أن المراد من قوله : ( فأبردوا بالصلاة هو صلاة الظهر ) ، كما ذكرناه .