89 - باب عَذَابِ الْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ 5950 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قال : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ فَرَأَى فِي صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ فَقَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ عَذَابِ الْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أَيِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ . ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُسْلِمٍ ) هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ أَبُو الضُّحَى وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرُ ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَ بْنَ عِمْرَانَ الْبَطِينَ ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ الظَّاهِرُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى . قَوْلُهُ : ( كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ ) هُوَ ابْنُ الْأَجْدَعِ . قَوْلُهُ : ( فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ ) هُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ، وَأَبُوهُ بِنُونٍ مُصَغَّرٌ ; وَيَسَارٌ مَدَنِيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَكَانَ مَوْلَى عُمَرَ وَخَازِنَهُ ، وَلَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ غَيْرِهِ . وَرَوَى عَنْهُ أَبُو وَائِلٍ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ ، وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، وَهُوَ مُوَثَّقٌ وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ . قَوْلُهُ : ( فَرَأَى فِي صُفَّتِهِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى عِنْدَ مُسْلِمٍ كُنْتُ مَعَ مَسْرُوقٍ فِي بَيْتٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ فَقَالَ لِي مَسْرُوقٌ : هَذِهِ تَمَاثِيلُ كِسْرَى ، فَقُلْتُ : لَا هَذِهِ تَمَاثِيلُ مَرْيَمَ كَأَنَّ مَسْرُوق ظَنَّ أَنَّ التَّصْوِيرَ كَانَ مِنْ مَجُوسِيٍّ ، وَكَانُوا يُصَوِّرُونَ صُورَةَ مُلُوكِهِمْ حَتَّى فِي الْأَوَانِي ، فَظَهَرَ أَنَّ التَّصْوِيرَ كَانَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ لِأَنَّهُمْ يُصَوِّرُونَ صُورَةَ مَرْيَمَ وَالْمَسِيحِ وَغَيْرِهِمَا وَيَعْبُدُونَهَا . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ فَقَالَ : أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ الْمُصَوِّرُونَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ : عِنْدَ اللَّهِ وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ ، فَلَعَلَّ الْحُمَيْدِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِدَلِيلِ مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَةِ ، أَوْ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَ بِهِ بِلَفْظِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَالتَّرْجَمَةُ مُطَابِقَةٌ لِلَّفْظِ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ثَانِي حَدِيث الْبَابِ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : عِنْدَ اللَّهِ حُكْمُ اللَّهِ . وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ وَاخْتَلَفَت نَسْخُه فَفِي بَعْضِهَا الْمُصَوِّرِينَ وَهِيَ لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي بَعْضِهَا الْمُصَوِّرُونَ وَهِيَ لِأَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ أَيْضًا ، وَوُجِّهَتْ بِأَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ وَاسْمُ إِنَّ أَشَدُّ ، وَوَجَّهَهَا ابْنُ مَالِكٍ عَلَى حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ ، وَالتَّقْدِيرُ : أَنَّهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِلَخْ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَوْنُ الْمُصَوِّرِ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا مَعَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُصَوِّرُ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَنْ يُصَوِّرُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُوَ عَارِفٌ بِذَلِكَ قَاصِدًا لَهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُدْخَلَ مُدْخَلَ آلِ فِرْعَوْنَ وَأَمَّا مَنْ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِتَصْوِيرِهِ فَقَطْ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِإِثْبَاتِ مِنْ ثَابِتَةٌ وَبِحَذْفِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا ، وَإِذَا كَانَ مَنْ يَفْعَلُ التَّصْوِيرَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا كَانَ مُشْتَرِكًا مَعَ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ آلِ فِرْعَوْنَ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ بَلْ هُمْ فِي الْعَذَابِ الْأَشَدِّ ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَذَابِ الْأَشَدِّ ، وَقَوَّى الطَّحَاوِيُّ ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ ، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . وَقَدْ وَقَعَ بَعْضُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُصَوِّرِ وَعَلَى مَنْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ ، وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ هَجَا رَجُلًا فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَشْتَرِكُ مَعَ الْآخَرِ فِي شِدَّةِ الْعَذَابِ . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي مُخْتَصَرِ مُشْكِلِ الطَّحَاوِيِّ مَا حَاصِلُهُ : إِنَّ الْوَعِيدَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ إِنْ وَرَدَ فِي حَقِّ كَافِرٍ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرِكًا فِي ذَلِكَ مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ وَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عَظَيمِ كُفْرِ الْمَذْكُورِ ، وَإِنْ وَرَدَ فِي حَقِّ عَاصٍ فَيَكُونُ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْعُصَاةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى عِظَمِ الْمَعْصِيَةِ الْمَذْكُورَةِ . وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِأَنَّ النَّاسَ الَّذِينَ أُضِيفَ إِلَيْهِمْ أَشَدُّ لَا يُرَادُ بِهِمْ كُلُّ النَّاسِ بَلْ بَعْضُهُمْ ، وَهُمْ مَنْ يُشَارِكُ فِي الْمَعْنَى الْمُتَوَعَّدِ عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ ، فَفِرْعَوْنُ أَشَدُّ النَّاسِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الْإِلَهِيَّةَ عَذَابًا ، وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي ضَلَالَةِ كُفْرِهِ أَشَدُّ عَذَابًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي ضَلَالَةِ فِسْقِهِ ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً ذَاتَ رُوحٍ لِلْعِبَادَةِ أَشَدُّ عَذَابًا مِمَّنْ يُصَوِّرُهَا لَا لِلْعِبَادَةِ . وَاسْتَشْكَلَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا بِإِبْلِيسَ وَبِابْنِ آدَمَ الَّذِي سَنَّ الْقَتْلَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي إِبْلِيسَ وَاضِحٌ ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى آدَمَ ، وَأَمَّا فِي ابْنِ آدَمَ فَأُجِيبَ بِأَنَّ الثَّابِتَ فِي حَقِّهِ أَنَّ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ يَقْتُلُ ظُلْمًا ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي مِثْلِ تَعْذِيبِهِ مَنِ ابْتَدَأَ الزِّنَا مَثَلًا فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أَوْزَارِ مَنْ يَزْنِي بَعْدَهُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ ذَلِكَ ، وَلَعَلَّ عَدَدَ الزُّنَاةِ أَكْثَرُ مِنَ الْقَاتِلِينَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ ، وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ لِمَا يُمْتَهَنُ أَمْ لِغَيْرِهِ فَصُنْعُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ أَوْ فَلْسٍ أَوْ إِنَاءٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَأَمَّا تَصْوِيرُ مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ التَّعْمِيمَ فِيمَا لَهُ ظِلٌّ وَفِيمَا لَا ظِلَّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّكُمْ يَنْطَلِقُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَا يَدَعُ بِهَا وَثَنًا إِلَّا كَسَرَهُ ، وَلَا صُورَةً إِلَّا لَطَّخَهَا ، أَيْ طَمَسَهَا الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : مَنْ عَادَ إِلَى صَنْعَةِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا عُظِّمَتْ عُقُوبَةُ الْمُصَوِّرِ لِأَنَّ الصُّوَرَ كَانَتْ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ; وَلِأَنَّ النَّظَرَ إِلَيْهَا يَفْتِنُ ، وَبَعْضُ النُّفُوسِ إِلَيْهَا تَمِيلُ . قَالَ : وَالْمُرَادُ بِالصُّوَرِ هُنَا التَّمَاثِيلُ الَّتِي لَهَا رُوحٌ وَقِيلَ : يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ ، فَالْعَذَابُ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُؤْلِمُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَالْعَتْبِ وَالْإِنْكَارِ ، وَالْعِقَابُ يَخْتَصُّ بِالْفِعْلِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُصَوِّرِ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ النَّاسِ عُقُوبَةً . هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي الْغُرَرِ وَتُعُقِّبَ بِالْآيَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا انْبَنَى الْإِشْكَالُ ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ عَرَّجَ عَلَيْهَا ، فَلِهَذَا ارْتَضَى التَّفْرِقَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ عَلَى تَكْفِيرِ الْمُشَبِّهَةِ فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْمُصَوِّرُونَ ، أَيِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِلَّهِ صُورَةً . وَتُعُقِّبَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّورَةَ يُعَذَّبُونَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ بِلَفْظِ إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَوْ سَلِمَ لَهُ اسْتِدْلَالُهُ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ . وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِمَنْ صَوَّرَ قَاصِدًا أَنْ يُضَاهِيَ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ كَافِرًا ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا وُطِئَ مِنَ التَّصَاوِيرِ بِلَفْظِ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَيَأْثَمُ ، لَكِنْ إِثْمُهُ دُونَ إِثْمِ الْمُضَاهِي . قُلْتُ : وَأَشَدُّ مِنْهُ مَنْ يُصَوِّرُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَعْمَلُونَ الْأَصْنَامَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَق إِنَّ بَعْضَهُمْ عَمِلَ صَنَمَهُ مِنْ عَجْوَةٍ ثُمَّ جَاعَ فَأَكَلَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب عَذَابِ الْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ · ص 396 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب عذاب المصورين يوم القيامة · ص 69 باب عذاب المصورين يوم القيامة أي هذا باب في بيان عذاب المصورين ، أي الذين يصنعون الصور يوم القيامة . 161 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا الأعمش ، عن مسلم قال : كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير ، فرأى في صفته تماثيل ، فقال : سمعت عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحميدي مر عن قريب ، وسفيان هو ابن عيينة ، والأعمش هو سليمان ، ومسلم هو ابن الصبيح أبو الضحى ، وقال بعضهم : وجوز الكرماني أن يكون مسلم بن عمران البطين ثم قال إنه الظاهر ، وهو مردود ، فقد وقع في رواية مسلم في هذا الحديث من طريق وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، قلت : لم يقل الكرماني هذا ؛ بل قال مسلم : يحتمل أن يكون أبا الضحى وأن يكون البطين لأنهما يرويان عن مسروق ، والأعمش يروي عنهما ، والظاهر هو الثاني ، ولا قدح بهذا الاشتباه ؛ لأن كلا منهما بشرط البخاري ، والعجب من هذا القائل أنه ينقل غير صحيح ثم يستدل على صحة قوله بما وقع في رواية مسلم وهو استدلال مردود ؛ لأن رواية مسلم عن أبي الضحى لا تستلزم رواية البخاري عنه لوجود الاحتمال المذكور ، ومسروق هو ابن الأجدع ، ويسار ضد اليمين ابن نمير بالنون ، الذي سكن الكوفة ، وكان مولى عمر وخازنه ، وله رواية عن عمر وغيره ، وروى عنه أبو وائل وهو من أقرانه ، وأبو إسحاق السبيعي وهو ثقة ، ولا يظهر له في البخاري غير هذا الموضع . والحديث أخرجه مسلم في اللباس عن ابن عمر وآخرين ، وأخرجه النسائي في الزينة عن أحمد بن حرب وغيره . قوله : في صفته صفة الدار مشهورة ، قوله : تماثيل جمع تمثال بكسر التاء ، وهو اسم من المثال يقال مثلت بالتخفيف والتثقيل إذا صورت مثالا ، وقيل لا فرق بين الصورة والتمثال ، والصحيح أن بينهما فرقا وهو أن الصورة تكون في الحيوان ، والتمثال يكون فيه وفي غيره ، وقيل التمثال ما له جرم وشخص ، والصورة ما كان رقما أو تزويقا في ثوب أو حائط . قوله : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون هكذا وقع في مسند الحميدي ، عن سفيان يوم القيامة وروي إن أشد الناس عذابا عند الله ويحتمل أن الحميدي حدث به على الوجهين ، والذي حدث به الحميدي في مسنده هو المطابق للترجمة ، ومعنى قوله : عند الله أي في حكم الله تعالى ، ووقع لمسلم في رواية من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابا المصورون كذا وقع عند بعض الرواة ، وعند الأكثرين المصورين ، ووجه بأن من زائدة واسم إن أشد ، ووجهها ابن مالك على حذف ضمير الشأن والتقدير أنه من أشد الناس الخ . فإن قلت : هنا إشكال وهو كون المصور أشد الناس عذابا مع قوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابا من آل فرعون ، قلت : أجاب الطبري بأن المراد هنا من يصور ما يعبد من دون الله تعالى وهو عارف بذلك قاصد له فإنه يكفر بذلك ، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون ، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصيا بتصويره فقط ، وفيه نظر ، وقال القرطبي : إن الناس الذي أضيف إليهم أشد لا يراد بهم كل الناس بل بعضهم ، وهم الذين شاركوا في المعنى المتوعد عليه بالعذاب ، ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الآلهية عذابا ، ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد عذابا ممن يقتدي به في ضلالة فسقه ، ومن صور صورة ذات روح للعبادة أشد عذابا ممن يصورها لا للعبادة ، وقيل : الرواية ثابتة بإثبات من وبحذفها محمولة عليها ، وإذا كان من يفعل التصوير من أشد الناس عذابا كان مشتركا مع غيره ، وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب بل هم في العذاب الأشد ، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد ، وقيل الوعيد بهذه الصيغة إن ورد في حق كافر فلا إشكال فيه لأنه يكون مشتركا في ذلك مع آل فرعون ، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور ، وإن كان ورد في حق عاص فيكون أشد عذابا من غيره من العصاة ، ويكون ذلك دالا على عظم المعصية المذكورة ، وفي التوضيح قال أصحابنا وغيرهم : تصوير صورة الحيوان حرام أشد التحريم وهو من الكبائر ، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فحرام بكل حال ؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله ، وسواء كان في ثوب أو بساط أو دينار أو درهم أو فلس أو إناء أو حائط ، وأما ما ليس فيه صورة حيوان كالشجر ونحوه فليس بحرام ، وسواء كان في هذا كله ما له ظل وما لا ظل له ، وبمعناه قال جماعة العلماء مالك والثوري وأبو حنيفة وغيرهم ، وقال القاضي : إلا ما ورد في لعب البنات ، وكان مالك يكره شراء ذلك .