28 - بَاب الْوَصَاةِ بِالْجَارِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِلَى قَوْلِهِ ، مُخْتَالا فَخُورًا 6014 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يوصيني بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْوَصَاةِ بِالْجَارِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الْمَدِّ لُغَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَكَذَا الْوِصَايَةُ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءٌ وَهُمَا بِمَعْنًى ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ مِنْ أَوْصَيْتُ وَالثَّانِي مِنْ وَصَّيْتُ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ هُنَا بَسْمَلَةٌ وَبَعْدَهَا كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا ، وَيُؤَيِّدُ مَا عِنْدَنَا أَنَّ أَحَادِيثَ صِلَةِ الرَّحِمِ تَقَدَّمَتْ وَأَحَادِيثَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ قَبْلَهَا وَالْوَصِيَّةُ بِالْجَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ذُكِرَتْ هُنَا ، وَتَلَاهَا بَاقِي أَبْوَابِ الْأَدَبِ ، وَقَوْلُهُ هُنَا بَعْدَ الْبَابِ : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَوَّبَ عَلَى تَرْتِيبِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَبَدَأَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَثَنَّى بِذِي الْقُرْبَى وَثَلَّثَ بِالْجَارِ وَرَبَّعَ بِالصَّاحِبِ . وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَلَا أَبِي نُعَيْمٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الْآيَةَ ) ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ : إِحْسَانًا إِلَى قَوْلِهِ : مُخْتَالا فَخُورًا وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الْآيَةَ ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَثَبَتَ لِلنَّسَفِيِّ الْبَسْمَلَةَ قَبْلَ الْبَابِ وَكَأَنَّهُ لِلِانْتِقَالِ إِلَى نَوْعٍ غَيْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَرَأَيْتُ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ كِتَابَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ ، وَالْجَارُ الْقَرِيبُ مَنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةَ وَالْجَارُ الْجُنُبِ بِخِلَافِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقِيلَ الْجَارُ الْقَرِيبُ الْمُسْلِمُ وَالْجَارُ الْجُنُبُ غَيْرُهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ أَحَدُ التَّابِعِينَ ، وَقِيلَ : الْجَارُ الْقَرِيبُ الْمَرْأَةُ وَالْجُنُبُ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ : الْأَوَّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَعَمْرَةُ هِيَ أُمُّهُ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ ، وَقَدْ سَمِعَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ عَمْرَةَ كَثِيرًا وَرُبَّمَا دَخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً مِثْلَ هَذَا ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ مِنَ الْأَقْرَانِ . قَوْلُهُ : ( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) ، أَيْ يَأْمُرُ عَنِ اللَّهِ بِتَوْرِيثِ الْجَارِ مِنْ جَارِهِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا التَّوْرِيثِ فَقِيلَ : يَجْعَلُ لَهُ مُشَارَكَةً فِي الْمَالِ بِفَرْضِ سَهْمٍ يُعْطَاهُ مَعَ الْأَقَارِبِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَرِثُ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ الثَّانِي اسْتَمَرَّ ، وَالْخَبَرُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ التَّوْرِيثَ لَمْ يَقَعْ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَجْعَلُ لَهُ مِيرَاثًا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْمِيرَاثُ عَلَى قِسْمَيْنِ حِسِّيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ ، فَالْحِسِّيُّ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَالْمَعْنَوِيُّ مِيرَاثُ الْعِلْمِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُلْحَظَ هُنَا أَيْضًا فَإِنَّ حَقَّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ ، وَلَهُ مَرَاتِبٌ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ ، فَأَعْلَاهَا مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا ثُمَّ أَكْثَرُهَا وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى الْوَاحِدِ ، وَعَكْسُهُ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى كَذَلِكَ ، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَأَكْثَرُ فَيُرَجِّحُ أَوْ يُسَاوِي ، وَقَدْ حَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ مِنْ رَوَى الْحَدِيثَ عَلَى الْعُمُومِ ، فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ أَنْ يُهْدَى مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيِّ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ : الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ : جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ الْمُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ مُسْلِمٌ لَهُ رَحِمٌ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَالْإِسْلَامِ وَالرَّحِمِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْجَارُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الدَّاخِلُ فِي الْجِوَارِ ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمُجَاوِرُ فِي الدَّارِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ يَرِثُ وَيُورَثُ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ صَدَرَ قَبْلَ نَسْخِ التَّوْرِيثِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَقَدْ كَانَ ثَابِتًا فَكَيْفَ يَتَرَجَّى وُقُوعُهُ ؟ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النَّسْخِ فَكَيْفَ يُظَنُّ رُجُوعُهُ بَعْدَ رَفْعِهِ ؟ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُجَاوِرُ فِي الدَّارِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ : حِفْظُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ ، وَيَحْصُلُ امْتِثَالُ الْوَصِيَّةِ بِهِ بِإِيصَالِ ضُرُوبِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ كَالْهَدِيَّةِ ، وَالسَّلَامِ ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ لِقَائِهِ ، وَتَفَقُّدِ حَالِهِ ، وَمُعَاوَنَتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَكَفِّ أَسْبَابِ الْأَذَى عَنْهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ حِسِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً . وَقَدْ نَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِيمَانَ عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَهِيَ مُبَالَغَةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ حَقِّ الْجَارِ وَأَنَّ إِضْرَارَهُ مِنَ الْكَبَائِرِ . قَالَ : وَيَفْتَرِقُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَارِ الصَّالِحِ وَغَيْرِ الصَّالِحِ . وَالَّذِي يَشْمَلُ الْجَمِيعَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ ، وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ ، وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ لَهُ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ ، وَغَيْرُ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَنِ الَّذِي يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَيُبَيِّنُ مَحَاسِنَهُ وَالتَّرْغِيبَ فِيهِ بِرِفْقٍ ، وَيَعِظُ الْفَاسِقَ بِمَا يُنَاسِبُهُ بِالرِّفْقِ أَيْضًا وَيَسْتُرُ عَلَيْهِ زَلَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَيَنْهَاهُ بِرِفْقٍ ، فَإِنْ أَفَادَ فَيهِ وَإِلَّا فَيَهْجُرُهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ لِيَكُفَّ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حَدِّ الْجَارِ فِي بَابِ حَقِّ الْجِوَارِ قَرِيبًا انْتَهَى مُلَخَّصًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْوَصَاةِ بِالْجَارِ · ص 455 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الوصاءة · ص 107 باب الوصاءة أي هذا باب في بيان الوصاءة بفتح الواو وتخفيف الصاد المهملة وبالمد والهمزة أي الوصية ، ويروى الوصاية بالياء آخر الحروف بعد الألف بدل الهمزة ، يقال : أوصيت له بشيء والاسم الوصاية بالكسر والفتح ، وأوصيته ووصيته بمعنى ، والاسم الوصاءة ، وفي بعض النسخ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب البر والصلة باب الوصاءة بالجار هكذا وقع في نسخة صاحب التوضيح ، ولما فرغ من شرح حديث جرير في آخر الباب السابق قال : هذا آخر كتاب الأدب ، ثم ذكر ما قلنا من البسملة وما بعدها ، ورواية النسفي بسم الله الرحمن الرحيم باب الوصاءة بالجار . وقول الله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إلى قوله : مُخْتَالا فَخُورًا وقول الله بالجر عطفا على قوله : الوصاءة بالجار والمقصود من إيراد هذه الآية وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ والمذكور من الآية المذكورة على هذا الوجه هو رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر من قوله : وَاعْبُدُوا اللَّهَ إلى قوله : إِحْسَانًا الآية ، وفي رواية النسفي ، وقوله تعالى : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الآية ، قوله : وَاعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوه ولا تشركوا به شيئا ، ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين ، ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء ، ثم أوصى بالجار ذي القربى ، قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الجار ذي القربى يعني الذي بينك وبينه قرابة ، والجار ذي الجنب الذي ليس بينك وبينه قرابة ، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومقاتل وابن حبان ، وقال أبو إسحاق ، عن نوف البكالي : والجار ذي القربى يعني المسلم ، والجار الجنب يعني اليهودي والنصراني ، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، وقال جرير الجعفي ، عن الشعبي ، عن علي وابن مسعود : والجار ذي القربى يعني المرأة ، وقال مجاهد : والجار الجنب يعني الرفيق في السفر ، قوله : والصاحب بالجنب قال الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي ، عن علي وابن مسعود قالا : هي المرأة ، روي كذلك ، عن الحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير في رواية ، وفي رواية أخرى هو الرفيق الصالح ، وقال زيد بن أسلم هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر ، قوله : وَابْنِ السَّبِيلِ هو الضيف ، قاله ابن عباس ، وقال مجاهد والحسن والضحاك : هو الذي يمر عليك مجتازا في السفر ، قوله : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ يعني الأرقاء ؛ لأن الرقيق ضعيف الجنبة أسير في أيدي الناس ، قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا أي متكبرا معجبا فخورا على الناس يرى أنه خير منهم ، فهو في نفسه كبير وعند الله حقير وعند الناس بغيض . 44 - حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني مالك ، عن يحيى بن سعيد قال : أخبرني أبو بكر بن محمد ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه . مطابقته للترجمة ظاهرة . و يحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وعمرة بنت عبد الرحمن أم أبي بكر . والسند كله مدنيون والثلاثة من التابعين على نسق واحد ، أولهم يحيى وهو روى عن عمرة كثيرا ، وهاهنا أدخل بينه وبينها واسطة ، وروايته عن أبي بكر المذكور من الأقران . والحديث أخرجه مسلم في الأدب عن قتيبة عن مالك ، وعن غير قتيبة ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، وأخرجه الترمذي في البر ، عن قتيبة عن ليث به ، وأخرجه ابن ماجه في الأدب عن محمد بن رمح به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة به . قوله : سيورثه أي سيجعله قريبا وارثا ، وقيل : معناه أي يأمرني عن الله بتوريث الجار من جاره ، وهذا خرج مخرج المبالغة في شدة حفظ حق الجار ، واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد ، وقال القرطبي : الجار يطلق ويراد به الداخل في الجوار ويطلق ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب وهو المراد . واختلف في حد الجوار فعن علي رضي الله تعالى عنه من سمع النداء فهو جار وقيل : من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار ، وعن عائشة : حق الجوار أربعون دارا من كل جانب ، وعن الأوزاعي مثله ، ثم كيفية حفظ حق الجار هي أن يعاشر مع كل واحد من الذين ذكرناهم بما يليق بحاله من إرادة الخير ودفع المضرة والنصيحة ونحو ذلك .