50 - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّمِيمَةِ وَقَوْلِهِ تعالى : هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ، وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ وَيَعِيبُ وَاحِدٌ 6056 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ ؛ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلِ الْمَنْقُولِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ يَجُوزُ إِذَا كَانَ الْمَقُولُ فِيهِ كَافِرًا مَثَلًا ، كَمَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ وَنَقْلُ مَا يَضُرُّهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ قَالَ الرَّاغِبُ : هَمْزُ الْإِنْسَانِ اغْتِيَابُهُ ، وَالنَّمُّ إِظْهَارُ الْحَدِيثِ بِالْوِشَايَةِ ، وَأَصْلُ النَّمِيمَةِ الْهَمْسُ وَالْحَرَكَةُ . قَوْلُهُ : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ وَيَعِيبُ وَاحِدٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَغْتَابُ بِعيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا ، وَالْهُمَزَةُ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ الْهَمْزُ وَكَذَا اللُّمَزَةُ ، وَاللَّمْزُ تَتَبُّعُ الْمَعَايِبِ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ اللَّمْزَ الْعَيْبُ فِي الْوَجْهِ وَالْهَمْزُ فِي الْقَفَا ، وَقِيلَ : بِالْعَكْسِ ، وَقِيلَ : الْهَمْزُ الْكَسْرِ وَاللَّمْزُ الطَّعْنُ ، فَعَلَى هَذَا هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَسْرِ الْكَسْرُ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَبِالطَّعْنِ الطَّعْنُ فِيهَا ، وَحُكِيَ فِي مِيمِ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ ، وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : الْهَمْزُ بِالْعَيْنِ وَالشَّدْقِ وَالْيَدِ ، وَاللَّمْزُ بِاللِّسَانِ . قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ مُعْتَمِرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ ، وَهَمَّامٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ عَفَّانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ حُذَيْفَةُ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَرَادَهُ أَنْ يَسْمَعَهُ . قَوْلُهُ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ) أَيْ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ . قَوْلُهُ : ( قَتَّاتٌ ) بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَنَّاةٌ أُخْرَى هُوَ النَّمَّامُ ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ نَمَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقِيلَ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَتَّاتِ وَالنَّمَّامِ أَنَّ النَّمَّامَ الَّذِي يَحْضُرُ القصة فَيَنْقُلُهَا ، وَالْقَتَّاتُ الَّذِي يَتَسَمَّعُ مِنْ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ بِهِ ثُمَّ يَنْقُلُ مَا سَمِعَهُ . قَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ : يَنْبَغِي لِمَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَةٌ أَنْ لَا يُصَدِّقَ مَنْ نَمَّ لَهُ ، وَلَا يَظُنُّ بِمَنْ نُمَّ عَنْهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ ، وَلَا يَبْحَثُ عَنْ تَحْقِيقِ مَا ذُكِرَ لَهُ ، وَأَنْ يَنْهَاهُ وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعْلَهُ ، وَأَنْ يَبْغُضَهُ إِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ وَأَنْ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّامُ عَنْهُ فَيَنِمَّ هُوَ عَلَى النَّمَّامِ فَيَصِيرَ نَمَّامًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْلِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ ، كَمَنِ اطَّلَعَ مِنْ شَخْصٍ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِي شَخْصًا ظُلْمًا فَحَذَّرَهُ مِنْهُ ، وَكَذَا مَنْ أَخْبَرَ الْإِمَامَ أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِسِيرَةِ نَائِبِهِ مَثَلًا فَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ : النَّمِيمَةُ فِي الْأَصْلِ نَقْلُ الْقَوْلِ إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ ، وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِذَلِكَ بَلْ ضَابِطُهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُمَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ قَوْلًا أَمْ فِعْلًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبًا أَمْ لَا ، حَتَّى لَوْ رَأَى شَخْصًا يُخْفِي مَا لَهُ فَأَفْشَى كَانَ نَمِيمَةً . وَاخْتُلِفَ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ هَلْ هُمَا مُتَغَايِرَتَانِ أَوْ مُتَّحِدَتَانِ ، وَالرَّاجِحُ التَّغَايُرُ ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّمِيمَةَ نَقْلُ حَالِ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلْمِهِ أَمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ، وَالْغِيبَةُ ذِكْرُهُ فِي غِيبَتِهِ بِمَا لَا يُرْضِيهِ ، فَامْتَازَتِ النَّمِيمَةُ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْغِيبَةِ ، وَامْتَازَتِ الْغِيبَةُ بِكَوْنِهَا فِي غِيبَةِ الْمَقُولِ فِيهِ ، وَاشْتَرَكَتَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ . وَمَنِ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْغِيبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَقُولُ فِيهِ غَائِبًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّمِيمَةِ · ص 487 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يكره من النميمة · ص 129 باب ما يكره من النميمة . أي : هذا باب في بيان ما يكره من النميمة ، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن نقل بعض القول المنقول من شخص على جهة الفساد لا يكره ، كما إذا كان المنقول عنه كافرا ، كما يجوز التجسس في بلاد الكفار . وقوله هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ و وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ يهمز ويلمز يعيب . أي : وقول الله عز وجل : هَمَّازٍ إلى آخره هَمَّازٍ فعال التشديد من الهمز ، وفسره البخاري واللمز بقوله : يهمز ويلمز يعيب ، فجعل معنى الاثنين واحدا ، وقال الليث : الهمز من يغتابك بالغيب ، واللمز من يغتابك في وجهك ، وحكى النحاس عن مجاهد عكسه ، قوله : مشاء مبالغة ماشي ، قوله : بنميم من نم الحديث ينمه ، وينمه بضم النون وكسرها نما ، والرجل النمام والنم ، وفي التفسير : المشاء بالنميم هو الذي ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض ، فيفسد بينهم ، قاله الجمهور ، وقيل : الذي يسعى بالكذب وهو يفسد في يوم ما لا يفسد الساحر في شهر ، قوله : يعيب بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني يغتاب بالغين المعجمة الساكنة ، وبالتاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة . 84 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام قال : كنا مع حذيفة ، فقيل له : إن رجلا يرفع الحديث إلى عثمان فقال له حذيفة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا يدخل الجنة قتات . مطابقته للترجمة في معنى الحديث ، فإن القتات هو النمام على ما نذكره ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وسفيان هو الثوري ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وإبراهيم هو النخعي ، وهمام هو ابن الحارث النخعي الكوفي ، وحذيفة هو ابن اليمان رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن علي بن حجر ، وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد وأبي بكر ، وأخرجه الترمذي في البر عن محمد بن يحيى ، وأخرجه النسائي في التفسير عن إسماعيل بن مسعود . قوله : يرفع الحديث إلى عثمان ، أي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، قوله : فقال له في رواية المستملي ، وفي رواية غيره بغير لفظ له ، والقتات : فعال بالتشديد من قت الحديث يقته بضم القاف قتا ، والرجل قتات ، أي نمام . وقال ابن بطال : وقد فرق أهل اللغة بين النمام والقتات ، فذكر الخطابي أن النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون ، فينم حديثهم ، والقتات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ، ثم ينم حديثهم ، ومعنى لا يدخل الجنة ، يعني إن أنفذ الله عليه الوعيد ؛ لأن أهل السنة مجمعون على أن الله تعالى في وعيده بالخيار إن شاء عذبهم ، وإن شاء عفا عنهم بفضله ، أو يؤول على أنه لا يدخلها دخول الفائزين ، أو يحمل على المستحل بغير تأويل مع العلم بالتحريم .